أكراد العراق ماضون نحو الاستقلال

الاستفتاء في موعده... والإقليم بدأ استعداداته لمرحلة قيام «الدولة»

أكراد العراق ماضون نحو الاستقلال
TT

أكراد العراق ماضون نحو الاستقلال

أكراد العراق ماضون نحو الاستقلال

منذ اللحظة الأولى التي حددت غالبية الأطراف الكردستانية في اجتماع عُقد بأربيل، في 7 يونيو (حزيران) الماضي، برئاسة رئيس الإقليم مسعود بارزاني، موعداً لإجراء الاستفتاء على الاستقلال في كردستان العراق، بدأ الشاب الكردي أميد نانكلي ومجموعات من الشباب الآخرين بالاستعداد لهذه العملية، والعمل على إنجاحها من خلال توعية المواطنين، عبر وسائل التواصل الاجتماعي ومنصاتها بضرورة التصويت بـ«نعم» في الاستفتاء بهدف إنجاح الاقتراع، وتأسيس «الدولة الكردية».
وينتظر ملايين الأكراد في إقليم كردستان والعراق ودول خارجية يوم 25 سبتمبر (أيلول) الحالي التصويت في الاستفتاء الشعبي العام الذي تنظمه حكومة كردستان العراق على الاستقلال، وإنشاء الدولة الكردية التي لطالما انتظرها الأكراد في العالم، خصوصاً بعد أن قسّمت اتفاقية «سايكس - بيكو» عام 1916 أراضي الأكراد على أربع دول هي العراق وإيران وتركيا وسوريا.

تعرّض الكرد في العراق خلال المائة عام الماضية لكثير من حملات الإبادة الجماعية على أيدي الأنظمة العراقية المتعاقبة، كان أبرزها الحملات التي شنّها نظام البعث بقيادة الرئيس السابق صدام حسين الذي شن منذ تولي حزبه الحكم في العراق عام 1968 كثيراً من حملات تصفية الكرد. ومن هذه الحملات حملة الإبادة الجماعية التي طالت على وجه الخصوص البارزانيين وأسفرت عن إبادة أكثر من 8000 منهم خلال يوم واحد، إضافة إلى حملات «الأنفال» التي أسفرت عن إبادة أكثر من 182 ألف كردي من كل أنحاء كردستان دُفن معظمهم وهم أحياء في صحارى الجنوب العراقي. كما تعرض الكرد للقصف بالغازات السامة المحظورة دولياً، كما حصل في مدينة حلبجة حيث قُتل أكثر من 5000 مدني كردي وأصيب أكثر من 10000 آخرين ما زال بعضهم يعاني حتى اليوم. وشمل القصف بالغازات السامة في ثمانيات القرن الماضي قرى وبلدات كردية أخرى. ودمّرت قوات صدام في حملاتها المتعاقبة ضد الكرد أكثر من 4500 قرية.
ويقول أميد نانكلي، الذي أحضر مجموعة من أعلام كردستان استعداداً ليوم الاستفتاء، وهو منشغل بالاستعداد لذلك اليوم الذي يصفه بـ«التاريخي»: «نحن، كمجموعة من الشباب المتطوعين، ننظم يومياً نشاطات متعددة لتوعية المواطنين وتأييد عملية الاستفتاء». ويتساءل نانكلي قائلاً: «لماذا يجب أن نبقى مع العراق؟». وعما إذا كانت مطالبات بعض الدول قد تؤدي إلى تأجيل هذه العملية، يشير هذا الشاب الكردي إلى أن «الكثير من دول العالم وشعوبها يجري استفتاءات لتقرير المصير، فلماذا يحق لهم جميعاً هذا ولا يحق لنا نحن الكرد، أقدم شعوب العالم، أن نتمتع بهذا الحق المشروع؟ لذا، الاستفتاء حق مشروع من حقوقنا كشعب في هذا العالم ولن يؤجل، وسنجريه في موعده المحدد»، مكرراً بذلك تأكيدات أدلى بها تكراراً في الأيام الماضية قادة إقليم كردستان العراق.
ويضيف نانكلي: «ما الضمانات التي ستقدمها لنا الأطراف العراقية والدولية التي تطالبنا بأن نؤجل الاستفتاء؟ قطعت الحكومة العراقية قوت الشعب الكردي وأرزاقه، وما زالت مستمرة في ذلك حتى الآن. المجتمع الدولي لم يحرّك ساكناً ولم يضغط على بغداد لإطلاق حصة الإقليم من الموازنة، والمواطن الكردي ما زال مواطناً من الدرجة الثانية في العراق. إذن، بأي وجه حق يطالبوننا بالبقاء في إطار العراق الموحد؟ من أجل مستقبلنا ومستقبل أطفالنا سنمضي إلى الاستفتاء على الاستقلال».
ورغم تصويت الكرد على إنجاح الدستور العراقي وإنجاح العملية السياسية في العراق الجديد، بعد عام 2003، فإن العلاقات بين الجانبين طغى عليها التوتر، حتى إنها في بعض الأحيان وصلت إلى حد التصادم العسكري، خصوصا في عهد رئيس الوزراء السابق نوري المالكي الذي حرّك الجيش العراقي لمهاجمة قوات «البيشمركة» في خانقين وكركوك ومناطق كردستانية أخرى تقع خارج إدارة الإقليم (المناطق المتنازع عليها). كما بادر المالكي، مع بداية 2014، إلى قطع حصة الإقليم من الموازنة الاتحادية للعراق، وقطع رواتب موظفي كردستان، فتسبب في أزمة اقتصادية كبيرة في الإقليم الذي لم ينفض بعد غبارها عنه.
ولعبت قوات «البيشمركة» دوراً كبيراً في منع سقوط الأراضي العراقية بأيدي مسلحي تنظيم داعش عقب سقوط الموصل في يونيو 2014، كما نجحت في وقف تمدد التنظيم وخاضت ضده معارك واسعة أسفرت عن تحرير مساحات واسعة من الأراضي وأفقدته قدراته الهجومية بالكامل تقريباً، بإسناد من طيران التحالف الدولي، خلال أعوام 2014 و2015 و2016 و2017. إلا أن الحكومة العراقية، بحسب مصادر وزارة «البيشمركة» وحكومة إقليم كردستان، لم تقدم أي دعم مالي أو عسكري للقوات الكردية، بل وامتنعت عن منحها حصتها من الأسلحة والأعتدة التي زوّد بها التحالف الدولي القوات الأمنية العراقية.
وشدد رئيس إقليم كردستان، مسعود بارزاني، خلال اجتماعاته المستمرة التي عقدها مع شرائح المجتمع الكردستاني خلال الأسابيع الماضية، على أن العراق فشل في تقبُّل شعب كردستان شريكاً حقيقياً على مدى سنوات، مبيناً أن الإقليم سجّل على الحكومة العراقية منذ عام 2003 تجاوزاً لنحو 55 مادة من الدستور العراقي الذي صوتت عليه غالبية الشعب، لافتاً إلى أن السنّة والكرد أصبحوا اليوم من المهمشين. وأوضح قائلاً: «حاول الكرد دائماً أن يكونوا ‏شركاء في بلد فيدرالي، ‏لكن للأسف فشلت كل هذه المحاولات، بدليل أن نسبة الكرد في الجيش العراقي عام 2004 كانت 40 في المائة، لكن هذه النسبة تضاءلت ومن الممكن أن تكون اليوم لا شيء».
وفي 14 أغسطس (آب) الماضي، وصل وفد من المجلس الأعلى للاستفتاء في كردستان إلى بغداد للتفاوض بشأن الاستفتاء على الاستقلال مع الحكومة والأطراف العراقية كافة. وبعد اجتماعات استمرت لنحو أسبوع، عاد الوفد إلى كردستان معلناً أن المباحثات مع الجانب العراقي كانت إيجابية وستستمر بين الجانبين حتى بعد إجراء الاستفتاء.
لكن كثيراً من الأطراف العراقية ودولاً مؤثرة عديدة طالبت الإقليم بتأجيل الاستفتاء إلى وقت آخر. وكان رد رئيس الإقليم على هذه المطالبات في أحد الاجتماعات التي عقدها مع رجال الدين في أربيل: «لم نسد الطريق على أي من المعارضين للاستفتاء، فليقولوا لنا متى سيحين الوقت المناسب للاستفتاء وليطرحوا بدائلهم. لكن من يحاول تأجيل الاستفتاء دون أن يطرح البديل المناسب، أعتقد أنه يريد أن يلعب بالوقت، ولذلك فلا يمكن القبول بمقترحه لأننا لن نؤجل الاستفتاء»، وهو موقف كرره رئيس الإقليم في مقابلة مطولة مع «الشرق الأوسط» قبل أيام.
وشهد إقليم كردستان، الأسبوع الماضي، زيارة وزير الدفاع الأميركي ووزير الخارجية التركي ووزيري الخارجية والدفاع الفرنسيين. وفيما أبدى الوزيران الأميركي والتركي تحفظات عن توقيت إجراء الاستفتاء، أكد الوزيران الفرنسيان أن بلادهما مثلما دعمت الإقليم في وقت الحرب، فإنها ستدعمه في وقت السلم أيضاً.
وأكدت كل الأطراف الدولية على ضرورة استمرار المفاوضات بين بغداد وأربيل، وهذا ما تصر عليه القيادة الكردية أيضاً.
أما النظام الإيراني فقد أعلن أنه لا يؤيد الاستفتاء على الاستقلال كردستان ويطالب ببقاء الإقليم في إطار العراق الموحد. لكن رغم هذه المعارضة من طرف إيران، التي تتشارك فيها تركيا أيضاً، يرى مصدر كردي رفيع المستوى في حديث لـ«الشرق الأوسط» أن طهران وأنقرة لن تغلقا حدودهما مع الإقليم «أبداً»، معللاً ذلك بوجود علاقات تجارية واسعة بين هاتين الدولتين الإقليميتين، والإقليم الكردي، وبالتالي فإن أي إغلاق لحدودهما «سيتسبب بأزمات اقتصادية كبيرة داخل إيران وتركيا». ولفت إلى أن الإقليم «لطالما كان مصدراً للاستقرار في المنطقة، والدولة الكردية القادمة ستكون مصدراً للاستقرار وشريكاً رئيسياً للتحالف الدولي في الحرب ضد الإرهاب».
ورداً على المطالبات الدولية للقيادة الكردية بتأجيل الاستفتاء على الاستقلال، أوضح المستشار الإعلامي في مكتب رئيس إقليم كردستان، كفاح محمود، لـ«الشرق الأوسط»: «الاستفتاء لن يؤجل ولو لدقيقة واحدة إلا ببديل، والبديل هو ضمانات دولية توقعها كل الأطراف، خصوصاً الأطراف الرئيسية المتمثلة ببغداد والولايات المتحدة وحتى تركيا وإيران، وهذه الضمانات تكون مكتوبة وتحدد يوماً آخر أو موعداً آخر للاستفتاء، وتحترم نتائجه. في هذه الحالة فقط بالإمكان تأجيل الاستفتاء، وعدا هذا لا يمكن تأجيله وسيجري في موعده المحدد».
ومع تمسك الإقليم بإجراء الاستفتاء في موعده، يكون العد التنازلي لهذه العملية قد بدأ فعلياً، حيث بدأ المجلس الأعلى للاستفتاء في كردستان الاستعداد للمرحلة المقبلة التي تلي هذه العملية وهي مرحلة التفاوض على الاستقلال وبدء عهد جديد من العلاقات بين العراق وكردستان.
ويؤكد القادة الكرد رغبتهم في أن تكون العلاقات المستقبلية مع العراق «علاقة جيرة حسنة بين دولتين تمثلان عمقاً استراتيجياً لبعضهما بعضاً».
ويؤكد رئيس حزب «التنمية» التركماني وعضو المجلس الأعلى للاستفتاء في كردستان، محمد سعد الدين، لـ«الشرق الأوسط»: «المجلس الأعلى للاستفتاء يواصل تحضيراته لإجراء هذه العملية الديمقراطية. من الناحية السياسية، نحن سنستمر في التفاوض مع بغداد وستستمر هذه المباحثات بين الجانبين مستقبلاً، وننتظر أيضاً زيارة وفد من بغداد إلى كردستان»، مشيراً إلى أن المفوضية العليا المستقلة للانتخابات والاستفتاء في كردستان أنهت استعداداتها، من الناحية الفنية، لتنظيم الاستفتاء.
ويضيف سعد الدين: «صحيح أن الجانبين الأميركي والتركي طلبا تأجيل الاستفتاء إلى وقت آخر، لكن رئيس إقليم كردستان مسعود بارزاني أبلغهما بأن إجراء الاستفتاء هو القرار النهائي للشعب الكردي، ولن ينتظر شعب كردستان أكثر من ذلك. استفتاء كردستان واستقلالها لن يزعزعا الاستقرار في المنطقة، والاستفتاء سيجري في أجواء مستقرة وهادئة».
ويوضح أن قرار تأجيل الاستفتاء أو إجرائه ليس بيد رئيس الإقليم، لأن هناك مجلساً أعلى للاستفتاء في كردستان يشارك في عضويته 80 في المائة من الأحزاب والأطراف السياسية في كردستان، وقد صوتت جميع هذه الأطراف على إجراء الاستفتاء في 25 سبتمبر.
ويكشف هذا العضو في المجلس الأعلى للاستفتاء عن توجّه وفود المجلس قريباً إلى الولايات المتحدة وروسيا وبريطانيا وفرنسا، الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن الدولي، وألمانيا ودول الجوار وعدد من الدول العربية والأوروبية ودول العالم الأخرى. ويضيف: «سنُبلغ هذه الدول أننا سنجري الاستفتاء في موعده المحدد، وأننا نريد من خلال هذه العملية الديمقراطية أن نعرف رأي شعب كردستان، ولكي يعلم في ما بعد الشارع العراقي والدولي أن الضغوط التي تعرضت لها كردستان خلال السنوات الماضية والمشكلات مع الحكومة العراقية كانت نتيجتها أن شعب كردستان يريد أن يعيش مستقلاً ولا يريد البقاء مع العراق».
ورغم أن الأطراف العراقية تجد أن من حق الشعب الكردي إجراء الاستفتاء، إلا أنها تطالب بتأجيله وتدعو إلى حل المشكلات في إطار العراق الموحد. وتقول النائبة عن كتلة الأحرار (التيار الصدري) في مجلس النواب العراقي، ماجدة التميمي لـ«الشرق الأوسط»: «إجراء الاستفتاء حق من حقوق الشعب الكردي، وإن شاء الله سيؤدي هذا الاستفتاء إلى أمور أفضل للإقليم وللعراق ككل. فخير الإقليم هو خير العراق وخير العراق هو خير للإقليم، لكن إذا كان الهدف من الاستفتاء هو الانفصال فهذا يحزننا، لأننا فتحنا عيوننا ورأينا كردستان جزءاً من العراق وأهله، ونتمنى أن تتجه الأمور نحو الأحسن بين أربيل وبغداد، وأن يكون هناك تفاهم بين الجانبين».
وشددت على أنه «ليست هناك مشكلة ليس لها حل. المشكلات العالقة بين أربيل وبغداد ليست مستعصية، بل قابلة للحل ببساطة، لكنها تحتاج إلى رغبة في الحوار لدى الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم».
ويرى إقليم كردستان أن الوقت الحالي هو الأنسب لإعلان «دولة» في خضم التغييرات والتطورات التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط. وأوضح رئيس الإقليم مسعود بارزاني خلال الاجتماع الذي جمعه بمكونات الإقليم القومية والدينية في مدينة أربيل، 23 أغسطس الماضي: «ستكون دولتنا معبّرة عن جميع المكونات، وعلينا أن نعمل وفق مزيد من تعميق التعايش المشترك في هذا البلد»، مؤكداً أن دولة كردستان ستكون دولة ديمقراطية مبنية على أساس المواطنة.
وبحث المجلس الأعلى للاستفتاء في كردستان برئاسة رئيس الإقليم مسعود بارزاني، في جلسته التي عقدها بتاريخ 23 أغسطس الماضي، في نتائج اجتماعات وفد المجلس في بغداد مع الحكومة والأطراف السياسية العراقية. ونص بيان المجلس الذي أصدره عقب الانتهاء من الاجتماع على نقاط عدة من أبرزها «التشديد على ضرورة استمرار المفاوضات مع بغداد حول عملية الاستفتاء وشكل العلاقة بين الإقليم والعراق. و‏الإسراع بتشكيل اللجان ‏الخاصة بعملية الاستفتاء، واتخاذ التدابير العملية لإجراء الاستفتاء في موعده المحدد، وتأييد محاولات حكومة إقليم كردستان للإصلاح، واتخاذ الإجراءات الضرورية لتحسين الحالة المعيشية للمواطنين، والتأكيد على‏ الحقوق العادلة لشعب كردستان وتقرير المصير».
وبيّن أن عملية الاستفتاء لن تكون لها أي تأثيرات سلبية على الحرب ضد «داعش»، و«ستستمر كردستان في مواصلة الحرب ضد الإرهاب في الجبهات الأمامية». كما أكد البيان الإيمان الكامل والراسخ بالشراكة الحقيقية بين المكونات القومية والدينية في كردستان. وقرر الاجتماع إدراج فقرة تشكيل وإرسال وفود للتفاوض مع دول الجوار ودول العالم، ‏في برنامج المجلس الأعلى للاستفتاء، إضافة إلى الاتفاق على عقد مؤتمر للكتاب والأدباء والصحافيين في المنطقة والشرق الأوسط باللغة العربية في إقليم كردستان حول مبادئ الديمقراطية وحق تقرير المصير.
ومع اقتراب موعد إجراء الاستفتاء تندثر المشكلات الداخلية في كردستان بين الأحزاب الكردية. فالأطراف الكردستانية اتفقت على تفعيل برلمان الإقليم لصالح إنجاح عملية الاستفتاء. ويرى نائب عن الاتحاد الوطني الكردستاني (حزب الرئيس العراقي السابق جلال طالباني) أن الاستفتاء جمع كل الأطراف الكردية على طريق واحدة.
وأوضح النائب في برلمان كردستان خلف أحمد لـ«الشرق الأوسط»: «نحن في الاتحاد الوطني الكردستاني نؤيد الاستفتاء على الاستقلال لأنه موضوع وطني وهو أملنا جميعاً ويجب علينا نحن الكرد أن نؤيد هذه العملية، ولا يمكن لأي سبب من الأسباب أن نقف ضدها لأننا ننتظر هذا اليوم منذ زمن طويل والاستفتاء نجح في توحيد البيت الكردي».
في المقابل، يقول عضو المجلس العام لـ«حركة التغيير» صابر إسماعيل حمزة لـ«الشرق الأوسط» إن الحركة تؤيد الاستفتاء من أجل استقلال كردستان، لكنها لا ترى الوقت الحالي مناسباً لإجرائه. ويوضح: «نحبذ تأجيله حالياً».
ومع اقتراب موعد إجراء الاستفتاء على الاستقلال في كردستان العراق، يشهد الشارع الكردي نشاطات وندوات مكثفة استعداداً لهذا الحدث الذي يصفه الأكراد بـ«التاريخي»، بينما تواصل مجالس المدن الكردستانية الواقعة خارج إدارة حكومة الإقليم (المتنازع عليها) الواحدة تلو الأخرى التصويت بالموافقة على مشاركة مدنها في الاستفتاء على استقلال كردستان والانضمام إلى «الدولة» الكردية المنتظرة. كما أعلنت عشائر عربية سنية تقع مناطقها في إقليم كردستان عن تأييدها للاستفتاء والاستقلال، مؤكدة أن حياتها وحقوقها مؤمنة بفضل الحماية التي توفرها قوات «البيشمركة» لها ولمناطقها التي حررتها القوات الكردية من «داعش» في السنوات القليلة الماضية.



الحرب تربك المشهد وتضع الكرملين أمام فرص... وتهديدات

Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)
Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)
TT

الحرب تربك المشهد وتضع الكرملين أمام فرص... وتهديدات

Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)
Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)

آخر ما كانت موسكو ترغب فيه بينما تقترب من فرض صفقة مرضية مع واشنطن حول أوكرانيا والعلاقة الصعبة مع أوروبا، أن ينفجر «برميل بارود» في الشرق الأوسط، فيبدل الأولويات، ويخلط التوازنات والتحالفات. موسكو كانت قد سعت جاهدة إلى تجنّب خيار الحرب على أبرز شركائها الاستراتيجيين، فقدّمت عروضاً كثيرة للوساطة جرى تجاهلها تماماً. ثم عندما انفجر الصراع وجدت نفسها أمام واقع يؤكّد تراجع فرصها للتأثير على مساره وتداعياته المحتملة ليس فقط على إيران، بل وعلى كل الملفات المرتبطة بالعلاقة مع واشنطن، ومع المحيط الإقليمي الذي ازداد مشهده تعقيداً. اليوم يبدو أن خيارات الكرملين الرئيسية تنحصر في تجنّب الانزلاق في المواجهة القائمة، ورصد ارتداداتها في الفضاء القريب. ومن ثم محاولة استجلاء الفرص التي توفّرها المواجهة، بالأخص، على صعيد اتساع الهوة بين واشنطن والعواصم الأوروبية، و«دق الإسفين الأخير» في العلاقات عبر الأطلسي. ومن جهة ثانية، رصد التهديدات الجديدة التي برزت، لا سيما، في منطقتي حوض قزوين وجنوب القوقاز حيث ترسم ملامح توازنات جديدة.

عبارةُ الناطق الرئاسي الروسي، ديميتري بيسكوف «لا يجرؤ عاقلٌ على التنبؤ بكيفية تطور الوضع في الشرق الأوسط، لكن من الواضح أن الأمور تسير نحو الأسوأ» قد تَختصر الموقفَ الحالي، بالنسبة إلى موسكو، التي سعت طويلاً إلى تجنّب هذه الحرب، ووجدت نفسها عاجزة عن كبح جماح تطوراتها.

توسّع الحرب

منذ البداية، راوحت التقديرات الروسية عند عنصرَين أساسيين: أولهما استحالة تقويض النظام الإيراني عبر ضربات جوّية مهما بلغ حجمها وتأثيرها؛ ما يعني أن إنهاء الحرب لن يكون يسيراً من دون تدخل برّي مباشر يبدو مُكلفاً جداً للطرفين المهاجمين.

وثانيهما أن «سيناريو» وقف الأعمال العدائية سيكون مماثلاً لنتيجة «حرب الأيام الـ12» في العام الماضي. بمعنى أن كل طرف سيعلن «إنجاز الأهداف» ولكن من دون تحقيق الغايات النهائية المرجوّة، خصوصاً بالنسبة إلى الجانب الإسرائيلي، الذي لا يُخفي سعيه إلى تفكيك النظام في إيران وإنهاء وجوده.

وهذا «السيناريو» كان يصب في مصلحة الكرملين، حتى لو أسفر عن خروج إيران من الحرب منهكة وضعيفة، ولكن متماسكة وموحّدة تحت سقف قيادتها.

وعلى الرغم من التوقعات المتشائمة حالياً بشأن إمكان توسيع الرقعة الجغرافية للحرب، فإن موسكو ما زالت ترى أن طهران نجحت، حتى الآن، في امتصاص الضربة الأولى القوية للغاية. ومن ثم، حوّلت الحرب إلى مواجهة تستنزف طاقات المهاجمين وقدراتهم، مع التعويل على التطورات الداخلية المحتملة في معسكرَي واشنطن وتل أبيب، بالذات، لجهة تحرّك الأطراف المناهضة للحرب. ويضاف إلى ذلك تفاقم التباين في المواقف مع الأوروبيين وأطراف أخرى متضرِّرة من استمرار الصراع.

الرهان الروسي على قدرة إيران على الصمود برز من خلال تأكيد الكرملين المتكرر أن «العمليات العسكرية ضد إيران أدت إلى مزيد من التلاحم بين الشعب الإيراني حول قيادة البلاد». وأيضاً من خلال التأكيد على أن استمرار استهداف القيادات السياسية الإيرانية «لا يمكن أن يمر من دون عواقب وخيمة».

وفي هذا الإطار، ورغم التزامها موقفاً منتقداً لاستهداف الإيرانيين بلدان الخليج العربي، فإن موسكو كرّرت التشديد على دعم لجوء طهران إلى «الدفاع بنشاط عن نفسها ضد الهجمات على أراضيها».

وتظهر هذه العبارة التي ردّدها الكرملين، أن الرهان الروسي الأول بعد فشل جهود الوساطة يتركز الآن على صمود الموقف الداخلي الإيراني، في مقابل تفكك جبهة المهاجمين أو اصطدامها بمعارضة داخلية متصاعدة.

بوتين وخط الوساطة

كان الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، سعى في البداية إلى استغلال الوضع القائم في تعزيز أوراقه التفاوضية عبر طرح وساطة روسية سريعة لوقف الحرب. وبالفعل، أجرى في الأسبوع الأول سلسلة مكالمات هاتفية مع قادة المنطقة ركّزت على انتقاد الضربات الإيرانية على بلدان الخليج العربي، وقدرة موسكو على «توجيه رسائل مباشرة إلى طهران» في هذا الشأن.

كذلك أعاد الرئيس الروسي طرح الأفكار الروسية التي قُدمت في وقت سابق على طاولات المفاوضات في عُمان عبر المفاوضين الإيرانيين، التي عرضت دوراً روسياً مباشراً في تخفيف التوتر بشأن ملفَي «القدرات النووية الإيرانية» و«البرنامج الصاروخي» لدى طهران.

في الشق الأول، أكد الكرملين مجدداً استعداد موسكو لضبط التعامل مع الوقود المخصّب، ونقله بشكل كامل إلى الأراضي الروسية لإنهاء المخاوف بهذا الشأن. وفي الشق الثاني، عرض الكرملين ضمانة مباشرة بألا تُستخدم القدرات الصاروخية الإيرانية ضد إسرائيل وضد أراضي بلدان الجوار.

كان هذا العرض حاضراً أيضاً خلال المكالمة الهاتفية الوحيدة التي أجراها بوتين مع نظيره الأميركي، دونالد ترمب، في الأسبوع الثاني من الحرب.

لكن كما اتضح لاحقاً، فإن العرض الروسي لم يجد حماسة لدى تل أبيب، التي تصرّ على الخيار العسكري لتقويض القدرات الإيرانية في المجالين بشكل نهائي، ولا لدى واشنطن، التي عبّر ترمب عن موقفها بوضوح، عندما قال إن «على بوتين تسوية الصراع في أوكرانيا قبل البحث عن دور لتسوية صراعات أخرى».

مساعدة إيران

في هذا السياق، بدا أن خياراتِ الكرملين لتدخلٍ يُسهم في وقف الحرب محدودة للغاية. لكن الأسوأ من ذلك الاتهامات التي وُجهت إلى موسكو بأنها تقدّم مساعدات استخباراتية قيّمة إلى الإيرانيين.

ولم تقتصر الاتهامات الأميركية على «مبالغات إعلامية» أو تسريبات بعض الأجهزة؛ بل شكّل التدخل المباشر للمبعوث الرئاسي الأميركي ستيف ويتكوف - الذي وجّه تحذيراً قوياً إلى موسكو - إشارةً جدية إلى دور لعبته موسكو على هذا الصعيد. فضلاً عن أن هذا الموضوع طُرح بشكل مباشر وواضح خلال مكالمة ترمب مع بوتين.

مع هذا، فإن أوساطاً روسية ترى أن موسكو لا بديل لديها عن مواصلة تقديم عون «غير مباشر» لإيران، بالتوازي مع محاولة تجنّب إغضاب واشنطن. وترى مصادر إعلامية روسية أن هذا العون، الموجّه فقط إلى «تعزيز صمود الإيرانيين»، يصبّ في اتجاهين رئيسين:

الأول: مواصلة تقديم بعض المعلومات الاستخباراتية بشأن التحرّكات الإسرائيلية، وتجنّب الانخراط في تقديم عون قد يضرّ مباشرة بالأميركيين، وذلك حرصاً على استمرار العلاقة مع ترمب، ودوره في أي تسوية مقبلة بأوكرانيا.

والثاني: يتعلّق بدعم غير مباشر يُقدَّم عبر شركات خاصة تنشط في مجالات التقنيات السيبرانية التي حقق فيها الروس، إلى جانب الصين، تفوّقاً مهماً خلال السنوات الماضية. وهذا دعم تكلفته السياسية محدودة؛ لأنه يُقدَّم عبر مؤسسات تجارية، ولا يمكن تحميل الكرملين مباشرةً وزره.

تسوية أوكرانيا مؤجلة

الأمر الأكيد أن المواجهة الأميركية الإسرائيلية مع إيران بدأت تُلقي بظلالها على توقّعات إطالة أمد الحرب الأوكرانية، في ظل الكلام عن انشغال واشنطن بـ«أولويات أخرى».

وبعدما كان الرهان الروسي يركّز على ضغط واشنطن القوي لإحراز تقدم ملموس في العملية السياسية، ويفرض تسوية مقبولة بالنسبة إلى موسكو، بدا أن القناعة تزداد في كييف - وأيضاً في موسكو - بأن تداعيات المواجهة القائمة في الشرق الأوسط سوف تكون طويلة الأمد. وكشفت تقارير أوكرانية عن توجّه الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي لترتيب الوضع الداخلي في بلاده، لاحتمال مواجهة استمرار الحرب مع روسيا لفترةٍ قد تطول إلى ثلاث سنوات إضافية.

ويُذكر أن الناطق الرئاسي الروسي ديميتري بيسكوف كان قد أشار، في وقت سابق، إلى توقف أعمال الفريق الثلاثي المعنيّ بالقضايا الأمنية التي تشمل روسيا والولايات المتحدة وأوكرانيا. وأعرب لاحقاً عن أمله في استئناف المفاوضات عندما تتمكّن الولايات المتحدة من إيلاء مزيد من الاهتمام لهذه القضية والاتفاق على جداول زمنية جديدة. وأردف الناطق أن «لدى واشنطن أولويات أخرى حالياً، وهذا أمر مفهوم».

انعكاسات على أوروبا

الجانب الآخر المهم في الخيارات الروسية للتعامل مع الحرب الإيرانية، اتضح من خلال عمليات الرصد الروسي الدقيق لانعكاسات الحرب على الملف الأوكراني وعلى مواقف البلدان الأوروبية، التي ما زالت تشكل بالنسبة إلى الكرملين العقبة الرئيسية أمام إنهاء الصراع في أوكرانيا بالشروط الروسية.

هنا، لا يَخفىَ الارتياح الروسي حيال وضع أوروبا الصعب إبّان هذه الحرب، وبالتحديد، على خلفية تفاقم المخاوف تجاه ارتفاع أسعار الغاز والنفط، واضطرار «بروكسل» وواشنطن إلى اتخاذ خطوات جدية لتخفيف العقوبات على موسكو لمواجهة النقص المحتمل في الأسواق.

وحقاً، أظهرت تعليقات الكرملين ارتياحاً لحدوث تبدّل في أولويات أوروبا، خصوصاً أن «سداد فواتير الغاز والبنزين والكهرباء حلّ محل أوكرانيا، بوصفه أولوية قصوى على أجندة الحكومات الأوروبية»، وفقاً لتعليقات الرئاسة الروسية.

وفي السياق ذاته، كتب الدبلوماسي المخضرم ألكسندر ياكوفينكو أن «الأزمة الأخيرة في الشرق الأوسط شكّلت، مع التداعيات السابقة للأزمة الأوكرانية، عاملاً إضافياً محفزاً للتوتّر في العلاقات عبر الأطلسي».

ويرى ياكوفينكو، الذي كان مكلّفاً بملف العلاقات مع المنظمات الدولية والإقليمية، أن «العلاقات عبر الأطلسي تواجه راهناً أزمة حادة. والخلافات بشأن أوكرانيا تدفع النُّخَب الأوروبية إلى الرغبة في تعرض ترمب للهزيمة، ما قد يكون عاملاً حاسماً في فوز الديمقراطيين بانتخابات التجديد النصفي خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. حينئذٍ، سيمكن تجاوز موقف ترمب الخاص، وتعود العلاقات عبر الأطلسي إلى مسارها السابق من الوحدة الغربية القائمة على أساس متين مناهض لروسيا». بعبارة أخرى، يرى محلّلون وسياسيون روس أن حرب إيران دقت «الإسفين الأخير» في العلاقات عبر الأطلسي، مع كل ما يمكن أن يترتب على ذلك من تداعيات.

حرب إيران تهدد النفوذ الروسي في جنوب القوقاز

على صعيد مختلف، مع الفرص التي يوفّرها اتساع الشرخ بين واشنطن وأوروبا، حملت الحرب على إيران تهديداً مباشراً لموسكو في منطقة جنوب القوقاز التي عُدَّت دائماً «الخاصرة الرخوة» لروسيا.

وحقاً، ازدادت المخاوف من اتساع رقعة العمليات العسكرية في حرب إيران إلى منطقة حوض قزوين. وبينما أكد الكرملين «الرفض القاطع» لامتداد الحرب إلى هذه المنطقة، تحدثت تقارير عن مخاطر قَطع سلاسل الإمداد وتهديد مصالح حيوية لروسيا في بحر قزوين.

للعلم، كانت موسكو قد تجنبت التعليق، بشكل رسمي، على توجيه ضربة إسرائيلية إلى ميناء بندر أنزلي الإيراني على بحر قزوين. إلا أن الكرملين عاد بعد أيام للتحذير من مخاطر امتداد الصراع الدائر إلى بحر قزوين.

فلقد كان الجيش الإسرائيلي قد أعلن، يوم 19 مارس (آذار) الحالي، أنه هاجم سفناً وبنية تحتية إيرانية في بحر قزوين. وأفادت تقارير بأن العملية استندت إلى معلومات استخباراتية حول شحنة عسكرية سرّية في طريقها من روسيا الاتحادية إلى إيران.

ووفقاً للمعطيات، فكانت إحدى السفن المستهدَفة تحمل شحنة كبيرة من الطائرات المُسيّرة ومعدّات إلكترونية متطوّرة. ووفقاً للتقديرات الأولية، جرى تعطيل ما يصل إلى خمس سفن حربية كبيرة في الغارة، وإلحاق أضرار جسيمة بسفينة أخرى. وأفاد مصدر عسكري إسرائيلي رفيع المستوى بأن هذه العملية «تُعدّ أول استخدام قتالي موثَّق» لسلاح الجو الإسرائيلي في هذه المنطقة الجغرافية. والجدير بالذكر، أن الغارة نُفّذت على مقربة من ميناء أنزلي ذي الأهمية الاستراتيجية، الذي تقع بالقرب منه مراكز رئيسية للبنية التحتية للطاقة في إيران.

ورأت تقارير أن اعتراض شحنات الأسلحة أثناء تسليمها ليس مجرّد رد فعل، بل محاولة استباقية لتعطيل سلاسل الإمداد. وعلاوة على ذلك، فإن مثل هذه الضربة تبعث رسالة سياسية لا تتعلق بإيران فحسب، بل بروسيا أيضاً بوصفها مصدراً محتملاً لهذه الإمدادات.

تعليقات في موسكو

اللافت أن القلق الروسي بسبب هذه الضربة انعكس في تعليقات خبراء وتغطيات وسائل الإعلام الحكومية، إذ كتب معلِّق سياسي أن الضربة الإسرائيلية «تحمل رسالة متعددة الأوجه. فهي من ناحية ضربة مباشرة لإيران باستهداف قاعدة بحرية وسفن وبنى لوجيستية بهدف تقليص قدرة إيران العسكرية لتخفيف الضغط على الخليج. إلا أن النطاق الجغرافي للضربة في بحر قزوين، المنطقة القريبة للغاية من روسيا، منطقة النفوذ والمصالح الروسية قطعاً، والمرتبطة بخط إمداد روسيا لإيران، يتضمن رسالة إلى روسيا أيضاً واختباراً لـ«الرد الروسي المحتمل»، ولا سيما أن ذلك يطول المصالح الاستراتيجية الروسية بشكل مباشر، المتمثلة في الممر الدولي (شمال - جنوب) الذي يربط بين الهند وإيران وروسيا وأوروبا، وتحديداً المسار الأوسط للممر الذي يعتمد على بحر قزوين بصفته نقطة تحميل وشحن أساسية. وهذا الأمر يزيد الضغط على المسار الغربي للممرّ الذي يمرّ عبر روسيا - أذربيجان - إيران، والمسار الغربي الذي يمر عبر تركمانستان وكازاخستان».

ورأت تعليقات أخرى أن «ما يحدث الآن هو لعب بالنار يجري بالقرب من الحدود الروسية، وتحدٍّ فظ ومباشر للأمن القومي الروسي»

ويعكس هذا الكلام مستوى القلق الزائد لدى موسكو بسبب الحرب، واحتمالات تأثيرها على موازين القوى في منطقة جنوب القوقاز، لا سيما وأن أذربيجان تُعدّ حليفاً وشريكاً أساسياً لإسرائيل في المنطقة، وشكّلت أراضيها منطلقاً لبعض الهجمات في حرب الـ12 يوماً العام الماضي. ثم إن موسكو كانت غير راضية أصلاً عن الترتيبات التي تقودها واشنطن في هذه المنطقة، بما في ذلك عبر إضعاف النفوذ الإيراني، وتحييد روسيا في ملف الصراع الأذري الأرميني. ويبدو أن الحرب الأخيرة تهدّد موسكو برسم ملامح جديدة للتوازنات في المنطقة. الحرب على إيران تشكّل تهديداً مباشراً لموسكو في منطقة جنوب القوقاز التي عُدَّت دائماً «الخاصرة الرخوة» لروسيا


إيال زامير... جنرال «الحروب المتعددة الرؤوس»

بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً
بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً
TT

إيال زامير... جنرال «الحروب المتعددة الرؤوس»

بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً
بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً

تولَّى الجنرال إيال زامير منصب رئيس الأركان الـ24 للجيش الإسرائيلي، يوم 5 مارس (آذار) 2025، خلفاً لسَلَفه هيرتسي هاليفي، على خلفية الهجوم الذي شنَّته حركة «حماس» وفصائل فلسطينية أخرى على مواقع إسرائيلية في غلاف غزة يوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) عام 2023. وعندما قرَّر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو تعيينه لهذا المنصب، فإنَّه فعل ذلك في اللحظة الأخيرة قبل مغادرة إسرائيل للقاء الرئيس الأميركي دونالد ترمب، في فبراير (شباط). وحصل ذلك، ليس فقط كي لا يعيش الجيش في فراغ بعد استقالة رئيس الأركان هاليفي، بل أيضاً للظهور أمام ترمب قائداً قوياً يستطيع أيضاً أن يحارب الجنرالات الأقوياء تحت قيادته. اختيار زامير تحديداً لهذا المنصب، مع أنَّه كان قد أصبح خارج الجيش لـ3 سنوات، هو جزء من الرسالة. والسبب أنَّ زامير يمثل بالنسبة لنتنياهو نهاية عهد وبداية عهد جديد في العلاقات بين القيادتين السياسية والعسكرية. وهذه العلاقات المتوترة، التي تعكَّرت بمبادرة من نتنياهو منذ عام 2011، باتت تلحق أضراراً بالجهتين.

كان يُؤمل من إيال زامير تولِّي «مهمة تنظيفية»، إذ يروّج في الأوساط العسكرية أن قادة الجيش الإسرائيلي فقدوا احترامهم للقيادة السياسية بتاتاً، وأن زامير هو الجنرال الوحيد في المؤسّسة الذي يكنّ قدراً من الاحترام لنتنياهو. فهو يعرفه عن قرب منذ عُيّن سكرتيراً عسكرياً لرئيس الوزراء (2012 - 2015)، ثم مديراً عاماً لوزارة الدفاع. وتولّى إبّان الحرب مهمّة شراء كميات هائلة من الذخائر والأسلحة، وعمل بتنسيق يومي مع نتنياهو. وأخيراً، وقف إلى جانب نتنياهو في أثناء خلافاته الأخيرة مع وزير الدفاع السابق يوآف غالانت.

غير أن ترميم العلاقات بين الحكومة والجيش سيكون مهمةً ثانويةً لرئيس الأركان الجديد إذا ما قورنت بالمهام والتحديات الأخرى، وأبرزها إعداد الجيش للحروب المقبلة. فقد تم بناء الجيش خلال السنوات الـ10 الأخيرة بطريقة يكون فيها «صغيراً (من حيث العديد) وحكيماً»، يستند إلى التكنولوجيا العالية. ولكن ثمّة قناعة تامة اليوم بأنه يجب أن يعود كبيراً وكلاسيكياً، ويعتمد في الاجتياحات البرّية على الدبابات والمدرّعات. وزامير هو رئيس الأركان الوحيد الآتي من سلاح المدرعات منذ أكثر من 50 سنة (آخر رئيس أركان جاء من سلاح المدرّعات كان دافيد إليعازر الذي قاد الجيش في حرب أكتوبر 1973).

دروس «حرب غزة»

ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية»، التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير الحكيم» خطأ مميتاً لا يلائم مهماته في المنطقة. وترى أن الحرب الأخيرة على غزة، وكذلك على لبنان، أظهرتا نقاط ضعف شديدة في الحرب الميدانية. وبالتالي، تؤكد أن الحرب في أوكرانيا أضحت درساً لجيوش الغرب تتعلم منها أن لا غنى عن الحرب الميدانية. ويتكلّم البعض في هذه «المدرسة» في إسرائيل اليوم عن خطر فتح «جبهة سابعة» ضد تركيا؛ بسبب التطوّرات في سوريا. ذلك أن الوجود العسكري التركي هناك يمكن أن يتحوَّل إلى صدام مع إسرائيل، والمعروف أن الجيش التركي بُني - وما زال حتى اليوم - بوصفه جيش قتال برّي. ومع أن هذه الفرضية تبدو ذات احتمالات ضعيفة، حتى الآن، فإن العسكريين والمحللين الإسرائيليين يأخذونها في الاعتبار ويثيرونها علناً.

ولقد أعجبت هذه «الرؤية» قوى اليمين المتطرّف الحاكمة فعلياً في إسرائيل، ويمثلها وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، الذي كان قد طلب - وحظي بما طلبه - المساهمة في اختيار زامير. وقال سموتريتش بعد اختيار زامير: «كلّي أمل بأن يثبت جدارته في تغيير عقيدة الجيش إلى عقيدة قتالية صارمة، تتّسم بالإقدام والالتحام وتقتلع الإرهاب الفلسطيني من جذوره». وردَّد نتنياهو الكلام نفسه لدى اتخاذ الحكومة قرارها رسمياً بالمصادقة على تعيين زامير خلال جلستها يوم الأحد 16 مارس 2025؛ إذ قال: «زامير رجل صدامي، وهو ما يحتاج إليه الجيش اليوم».

«أبو المعارك»

لقد أمضى زامير 42 سنة من عمره في الجيش باستثناء سنوات قيادته لوزارة الدفاع، التي تعدُّ خليطاً من الخدمة العسكرية والأمنية الإدارية. وخلال هذه الفترة، شارك في كل الحروب والمعارك التي خاضها الجيش، وتدرَّج في سلم القيادة، وتعرَّف على كل الجبهات. وكان نموذجه الأعلى والده، اليمني الأصل، الذي وصل إلى رتبة مقدّم في الجيش الإسرائيلي.

فقد استهل خدمته بقيادة دبابة في لبنان عام 1985. وأمضى 5 سنوات محارباً، حتى حصل على رتبة رائد. وخلالها قاتل في «الانتفاضة الفلسطينية الأولى»، ثم أُعيد إلى لبنان، وبقي هناك حتى الانسحاب عام 2000.

وتولى قيادة الجيش في منطقة جنين، في السنتين حتى 2002، حين وقعت «مجزرة جنين». وبعدها أمضى 3 سنوات يحارب في خان يونس، حتى تقرَّر الانسحاب من القطاع، وأشرف بنفسه على هذا الانسحاب. وعام 2011 تولى قيادة «قوات اليابسة» وهي قيد التأسيس. واختاره نتنياهو بعد سنة سكرتيراً عسكرياً، فأشرف معه على جولتَي الحرب على غزة في عامَي 2012 و2014.

في عام 2015 ترك زامير مكتب رئيس الحكومة ليُعيَّن قائداً للواء الجنوب، المسؤول عن قطاع غزة. وبعد شهر واحد من توليه المسؤولية بدأت حرب استنزاف مع القطاع استمرَّت 3 سنوات. وعندها تولى منصب نائب رئيس الأركان، لمدة 3 سنوات. ومن هنا أصبحت الحرب على إيران همّه الأول.

وحقاً، زامير هو واضع أسس العقيدة القائلة إنه يجب قطع أذرع إيران في المنطقة (حماس، والجهاد الإسلامي في فلسطين، وحزب الله في لبنان)، وعدم إغماض العينين عن الحوثيين في اليمن، و«حزب الله» في العراق، وردع نظام بشار الأسد في سوريا، جنباً إلى جنب مع التحضير للحرب على إيران.

وهكذا طرح عقيدته حول «الجيش الكلاسيكي» الكبير والحديث، لأنَّه يحتاج إلى قوات كبيرة تحارب على الأرض في لبنان والضفة الغربية وقطاع غزة. وكان لهذه الرؤية تأثير كبير على اختياره رئيساً للأركان.

«البطش بلا رحمة»

مع أن زامير يستخدم في خطاباته عبارة «الأخلاق العالية» للجيش، فإنَّه وضع قواعد حربية لا تلائم هذه القيم. إذ اعتمد القصف الجوي أساساً للعمليات الحربية، بوصفه «مقدمة لا بد» منها لعمليات الاجتياح البرّي، حتى في منطقة مثل قطاع غزة التي تُعدُّ من أكثر المناطق ازدحاماً في العالم. وكان بديهياً أن هذا يعني الإيقاع بأعداد ضخمة من القتلى والمصابين من المدنيين الأبرياء، بشكل واعٍ وبلا رحمة. وإذا أراد اغتيال شخصية قيادية من «حماس» ما كان يتردَّد ولو عرف أن مع هذه الشخصية سيٌقتل عددٌ من أفراد عائلته، زوجته وأطفاله وأطفال جيرانه.

هذا الأسلوب نقله حتى إلى الضفة الغربية، حيث أكثر من عمليات القصف الجوي لمخيمات اللاجئين الفلسطينيين في جنين وطولكرم، فدمَّرها وتسبَّب في تهجير 44 ألفاً من سكانها.

واتبع زامير عقيدةً قتاليةً جديدةً هي «الضربات الاستباقية»، وثمة مَن يسمِّيها «الحرب الاستباقية»، على كل الجبهات. ومفادها أنه لا ينتظر أن يهدِّد العدو بالحرب، بل بمجرد تحرُّكه في مهام قتالية ضد إسرائيل، على الجيش أن يسبقه بضربة حربية أقسى. وهذا ينطبق على الحرب ضد إيران أيضاً، وكذلك ضد «حزب الله » في لبنان.

زامير جلب أيضاً إلى الجيش الإسرائيلي «عقيدة» أخرى هي رفض الخوف من الحروب الطويلة، وحروب الاستنزاف، والتأهب لتبعات حروب مثل هذه.

«تضافر» القيادتين

لكن أكبر حدث يمكن لزامير أن يعدّه «هديةً» هو الفرصة التي سنحت له لأن يدير حرباً بالشراكة التامة مع الجيش الأميركي. فمنذ نهاية فبراير الماضي، يدير زامير مع الجنرال تشارلز كوبر، قائد القوات المشتركة في الجيش الأميركي، وقائد قوات المنطقة الوسطى بالشرق الأوسط (سنتكوم)، حرباً مشتركة تُستخدم فيها أحدث وأخطر الأسلحة ضد إيران.

فاليوم، الطيارون الأميركيون والإسرائيليون يطيرون كتفاً بكتف فوق سماء طهران، بإشراف فريق عمل واحد يعمل من تل أبيب ومن البنتاغون. ويتبادلون الخبرات ويسوِّقون للأسلحة الأميركية والإسرائيلية، التي ستباع بأسعار عالية لأنها أسلحة مجرَّبة، وبذا ترتفع مكانة إسرائيل وجيشها أمام جيوش العالم، بعدما كان الجيش قد تعرَّض لضربة كبيرة من تنظيم صغير مثل «حماس».

وزامير يقود «حملة توعية» الآن مفادها أن «إيران أرسلت ذراعاً من أذرعها لمحاربة إسرائيل، وإسرائيل حوَّلتها إلى حرب شاملة على جبهات عدة، تدفع ثمنها ليس هي وحدها بل إيران وأذرعها أيضاً وبشكل مضاعف مرات عدة».

وهو يستخدم هذه الحرب كي يعزِّز قوة الجيش أكثر فأكثر، بعدد الجنود ونوعية الأسلحة وضخامة الميزانية. والحكومة تسير معه صاغرة. وهكذا يعزِّز مكانته الشخصية أيضا بوصفه صاحب أكبر تراث حربي بين جنرالات إسرائيل.

سيرته الذاتية

وُلد إيال زامير عام 1966 وترعرع في إيلات، لعائلة ذات تربية عربية. أصوله لجهة والدته - المولودة في القدس - تعود لعائلة عبادي المعروفة بأنها عائلة يهودية من حلب السورية، وجدّه لوالده مهاجر من اليمن وصل إلى فلسطين عام 1920، وحارب في صفوف تنظيم «الإرغون» اليميني.

ودرس زامير في المدرسة الداخلية العسكرية بتل أبيب. وإبان خدمته العسكرية تخرّج في كلية القيادة والأركان المشتركة وكلية الأمن القومي. ثم حصل على درجة البكالوريوس في العلوم السياسية من جامعة تل أبيب، ودرجة الماجستير في الأمن القومي من جامعة حيفا، وهو خريج برنامج الإدارة العامة للمديرين التنفيذيين الكبار في كلية وارتون لإدارة الأعمال بجامعة بنسلفانيا في الولايات المتحدة، واجتاز دورتَي تعليم عسكري كليتَي الأمن القومي في الولايات المتحدة وفرنسا.

بدأ الخدمة العسكرية في سلاح المدرعات عام 1984، ثم أكمل دورة تدريب على قيادة الدبابات. وظلَّ يتنقل من منصب قيادي حربي إلى آخر حتى صار سكرتيراً عسكرياً لرئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، عام 2012.

وبعد 3 سنوات، عاد زامير إلى الجيش، وأصبح قائداً للواء الجنوبي، ليسجِّل باسمه الجدار القوي المحكم حول قطاع غزة، الذي اخترقته «حماس» بسهولة بالغة يوم 7 أكتوبر 2023. وعام 2018 عُيِّن نائباً لرئيس الأركان، وكان منافساً على رئاسة الأركان، لكن رئيس الوزراء - يومذاك - يائير لبيد، فضَّل اختيار هيرتسي هاليفي، فترك زامير الجيش، ولكن بعد عودة نتنياهو إلى الحكم، عُيِّن مديراً عاماً لوزارة الدفاع.

الحياة المهنية

تمَّ تجنيد زامير في الجيش الإسرائيلي وانضم إلى سلاح المدرعات عام 1984. في سلاح المدرعات خضع للتدريب بصفته جندياً قتالياً، وحضر لاحقاً دورة قائد الدبابات. وأكمل دورة ضباط المدرعات، وكان قائد فصيلة وقائد سرية في اللواء 500 واللواء 460.

وفي الفترة 1992 - 1994، عمل ضابط عمليات في اللواء المدرع السابع (برتبة رائد). ومن عام 1994 إلى عام 1996، عمل قائداً للكتيبة 75 في اللواء السابع (برتبة مقدم). وعام 1996، كان قائداً لدورة قادة الدبابات في المدرسة المدرعة. وظلَّ في هذا المنصب حتى عام 1997، عندما ذهب للدراسة لمدة عام في مدرسة الحرب في فرنسا.

بعدها، بين 1998 و2000، شغل منصب ضابط عمليات في الفرقة 162. وبين 2000 و2002، كان رئيساً لقسم نظرية سلاح المدرعات في مقر رئيس ضباط المدرعات، وفي الوقت نفسه شغل منصب قائد اللواء 656، وهي فرقة احتياطية في القيادة المركزية (برتبة عقيد). وبين 2002 و2003، كان قائداً لمركز التدريب التكتيكي في المركز الوطني للتدريب على الأرض،


رضا اليمين... وراء صعود «جنرال الحروب»

دمار غزة (آ ب)
دمار غزة (آ ب)
TT

رضا اليمين... وراء صعود «جنرال الحروب»

دمار غزة (آ ب)
دمار غزة (آ ب)

كانت تلك صدفة... لكنها أصبحت بمفهومه «أهم هدية» لعيد ميلاده الستين. فيوم 26 يناير (كانون الثاني) الماضي لم يستيقظ الجنرال إيال زامير، رئيس أركان الجيش الإسرائيلي؛ لأنه لم ينم تلك الليلة. فقد أرسل قواته إلى مقبرة فلسطينية شمال قطاع غزة، للتنقيب عن رفات الجندي ران غويلي، آخر رهينة لدى «حماس»، الذي تبين أنه دُفن بالخطأ في مقبرة جماعية ضمن رفات العشرات من الفلسطينيين الذين قتلتهم إسرائيل خلال الحرب، ولم يُتح دفنهم بشكل طبيعي. وعندما تكللت بالنجاح، بث الناطق بلسان الجيش شريط فيديو يظهر زامير وهو بسيارته يتكلم مع والدَي الجندي ويبشّرهما بالعثور على رفات ابنهما.

أما «الهدية» الثانية فكانت عندما استدعاه رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، وأبلغه بأن «الأمر حُسم عندي وعند الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، أننا سنحارب معاً، كتفاً إلى كتف، ضد إيران، في القريب. فاستعد كما يجب. أنا أعتمد عليك».

زامير، الذي يسجل في تاريخه أنه أكثر جنرال خاض وقاد حروباً في تاريخ إسرائيل، تلقف الهدية الثانية بحماسة بالغة؛ إذ كان قد خدم في عدة مواقع عسكرية وأمنية تعمل كلها على الإعداد للحرب مع إيران. فعندما عُين نائباً لرئيس الأركان في عام 2018، بلوَر عقيدة القتال مع إيران، طيلة ثلاث سنوات من البحوث والتدريبات في سلاح الجو. وعندما ترك الجيش ليصبح مديراً عاماً لوزارة الأمن، تولى مسألة إعداد الأسلحة اللازمة للحرب على بعد 1600 كيلومتر من حدود إسرائيل، والذخيرة التي تحتاجها هذه الحرب. ودخل في نقاشات حادة مع الأميركيين في عهد إدارة الرئيس جو بايدن، للحصول عليها.

من وراء الكواليس، عمل قادة اليمين الإسرائيلي المتطرف على اختيار زامير، ولكن ليس لأنه يلائم اليمين فكرياً أو سياسياً؛ بل لأنه لم يُجرّب في الضفة الغربية. ففي العادة، يتولّى قائد المنطقة الوسطى في الجيش مهمة قيادة الجيش في الضفة، ومن هنا يحدث احتكاك مع المستوطنين.

زامير لم يتولَّ هذه المهمة. ويوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، كان خارج هيئة رئاسة أركان الجيش؛ ولذا رأى فيه اليمين خروجاً عن سرب القيادات العسكرية التي ينبذها. ومع هذا، ففي الأيام الأخيرة قبل تعيين زامير لوحظ حراك يميني للانقلاب على هذا التوجه. ولكن صحيفة «معاريف» كتبت عنه: «مَن يعرف زامير عن كثب عبر خدمته العسكرية يروي أنه ضابط نظيف من الخلطات، وبريء من السياسة. ضابط ينظر إلى الجيش لا كوحدة خاصة أو منظومة خاصة، بل كجهاز عظيم يحتاج أكثر من أي شيء آخر إلى يد حديدية دقيقة على الدفة. ينبغي له أن يعيد الجيش إلى المهنة العسكرية من البداية، ويجعله قريباً من الناس». وأردفت: «عليه أن يعيد إلى المهنة العسكرية شرفها والحرص على الثقافة العسكرية، وألا تنزلق إلى ثقافة معسكرات، خلطات أو تلاعبات. عليه أن يعيد إلى الجيش شرفه، وأن يعيد ثقة الجمهور به. عليه أن يحاول بناء سور يشبه سور الصين بين الجيش والسياسيين. إيال زامير سيكون رئيس الأركان الـ24 للجيش الإسرائيلي، ودوره لن يكون أقل من تاريخي».