خريطة الميليشيات الإيرانية في سوريا... مطار دمشق «قلبها النابض»

طهران شكلتها بطريقة تمنع السيطرة عليها

عناصر من ميليشيات «حركة النجباء» في وسط دمشق (حركة النجباء)
عناصر من ميليشيات «حركة النجباء» في وسط دمشق (حركة النجباء)
TT

خريطة الميليشيات الإيرانية في سوريا... مطار دمشق «قلبها النابض»

عناصر من ميليشيات «حركة النجباء» في وسط دمشق (حركة النجباء)
عناصر من ميليشيات «حركة النجباء» في وسط دمشق (حركة النجباء)

تنتشر في سوريا ميليشيات محلية وأجنبية تابعة لإيران يزيد عددها على 50 فصيلاً ويتجاوز عدد مسلحيها 60 ألفاً يعملون تحت قادة خبراء عسكريين إيرانيين على تنفيذ استراتيجية طهران.
كان أول من شارك في الأزمة السورية من تلك الميليشيات: «فيلق القدس» بقيادة قاسم سليماني، التابع لحرس الثورة الإيراني، و«حزب الله» اللبناني، وبعض العراقيين المقيمين في منطقة السيدة زينب بريف دمشق الجنوبي. كان ذلك في مايو (أيار) 2011؛ أي بعد اندلاع الثورة السورية بنحو الشهر والنصف. بعدها، توالت فصول الاستراتيجية الإيرانية في سوريا، بطريقة مشابهة لما جرى في لبنان إبان ثمانينات القرن الماضي، والعراق بعد حرب 2003.
في الدول الثلاث عمل عناصر تابعون لـ«فيلق القدس» بالخفاء، مستغلين تراجع السلطات السياسية في البلاد، وانعدام الأمن والاستقرار لتشكيل تنظيمات تابعة لطهران.

قلب إيران
يعد مطار دمشق الدولي بمثابة «القلب» للوجود الإيراني والميليشيات متعددة الجنسيات التي يقودها «فيلق القدس» في سوريا. ومما يشبه القاعدة المبنية بجوار المطار، يوجه الخبراء الإيرانيون المسلحين الوافدين سواء من إيران أو العراق. ولضمان أمن المطار، تجاهد إيران للسيطرة الكاملة على منطقتي جنوب دمشق والغوطة الشرقية. من هنا يمكن فهم غضبها حيال الإعلان الروسي عن منطقة «خفض التصعيد» في الغوطة الشرقية بوساطة مصرية.
تحتل مدينة السيدة زينب مكانة خاصة في الاستراتيجية الإيرانية المتمركزة حول مطار دمشق؛ إذ ليس فقط أن ذريعة «الدفاع عن مقامها» تشكل أداة تجنيد فعالة للغاية في جذب المسلحين الشيعة من حول العالم، بل تشكل المدينة نقطة ارتكاز للميليشيات متعددة الجنسيات التي تقودها إيران حول دمشق، تمكنها من الوثب على الريف الجنوبي والشرقي للعاصمة السورية.
ولا تخفي إيران نياتها في دمج مناطق يلدا وببيلا وحجيرة والحجر الأسود، مع مدينة السيدة زينب وبلدة سيدي مقداد، وأجزاء الغوطة الشرقية الواقعة حول مطار دمشق (منطقة المرج تحديداً)، ضمن ما يشبه «الضاحية الجنوبية» للعاصمة اللبنانية بيروت، على أن يتوسطها المطار ويكون بمثابة «درتها».
فإذا كانت حميميم هي قلب الوجود العسكري الروسي، فإن المنطقة المحيطة بمطار دمشق هي «القلب النابض» للوجود الإيراني متعدد الجنسيات في سوريا. تؤكد أهمية منطقة المطار لإيران التقارير التي تحدثت عن «مبنى زجاجي» قرب مطار دمشق الدولي يدير منه قادة الحرس الثوري الإيراني أنشطتهم في سوريا.

القصير نقطة ارتكاز «حزب الله»
للقلب الإيراني نظير آخر خاص بـ«حزب الله» هو مدينة القصير بريف حمص الغربي. يحتل «حزب الله» المنطقة المحيطة بالمدينة، حرفياً، ويمنع الأهالي، حتى المسيحيون منهم، من العودة إلى قراهم وزراعة أراضيهم الخصبة. القصير ليست فقط القلب لـ«حزب الله» في سوريا، بل هي بمثابة نقطة ارتكاز وعمود فقري لوجوده العسكري هناك، ومنها تمدد مسلحو الحزب إلى بقية المناطق السورية: حلب، وحماة، وإدلب، دير الزور، وأخيراً، البادية الشامية.
وإذا كان مطار دمشق بمثابة قلب الوجود الإيراني، فإن محافظة حمص هي العمود الفقري لهذا الوجود، هناك تتلاقى الميليشيات المدعومة إيرانياً الوافدة إلى سوريا، سواء من العراق، أو لبنان، أو إيران، أو أفغانستان، أو باكستان. منها تتفرع الأجنحة والميليشيات المدعومة من إيران إلى المحافظات الساحلية: اللاذقية، وطرطوس، والشرقية: دير الزور تحديداً، والشمالية: حلب، وإدلب وحماة.
في معسكرات تابعة للجيش النظامي يتولى خبراء إيرانيون وعراقيون، تدريب جنود احتياط وخدمة إلزامية لمن قادهم حظهم العثر إلى هناك على يد الحواجز الأمنية والعسكرية المنتشرة في البلاد. لهؤلاء المجندين، السنّة في غالبيتهم، يتم إعطاء دروس توجيه «مذهبي» صباحية، ويتم إبلاغهم بأنهم سيكونون بمثابة الجيش السوري الجديد بعد أن ترهل الجيش النظامي الموجود حالياً.

الميليشيات الأجنبية
دخلت إيران بكامل قوتها في الحرب السورية منذ أواسط عام 2011. كان ذلك عبر مستشارين وخبراء، ومع تعاظم خسائر النظام وتراجعها منتصف عام 2012، أطلقت إيران برنامجها الشامل لرفد قوة النظام وإعادة التوازن له.
في البداية؛ اقتصر الدور الإيراني على جهود تشكيل قوات شعبية سورية من المتحمسين من الأقليات وبالأخص المسيحية والعلوية، بالترافق مع تجييش العراقيين والأفغان الموجودين في سوريا وإيران للدفاع عن النظام، والتعاون مع «حزب الله» لمساندة النظام، خصوصاً في الزبداني وحمص. لاحقاً، تضخم البرنامج وتوسع حتى اقترب من بناء «جيش شيعي عابر للجنسيات»، يحتل مناطق واسعة من لبنان، والعراق، وسوريا، عماد قوته الأساسي من الميليشيات العراقية.
على رأس هذه الميليشيات تلك العراقية، وأبرزها «كتائب الإمام علي»، المنضوية تحت راية «الحشد الشعبي» في العراق، وتضم نحو ألف مسلح، يقاتلون في البادية الشامية. ومثلها «كتائب حزب الله النجباء» و«كتائب سيد الشهداء» و«حركة الأبدال»، ويبلغ عدد مسلحي كل منها ما بين ألف و1500 عنصر ينشطون بشكل خاص في البادية. تتركز مقرات الميليشيات العراقية في السيدة زينب، وبلدة العيس جنوب حلب، وكذلك في مقرات الفرقة الثامنة عشرة بريف حمص الشرقي.
ويعد «أبو مهدي المهندس» القوة المحركة وراء ميليشيات «الحشد الشعبي» في العراق وسوريا، رغم أن الرئيس الفعلي لهيئة «الحشد» هو مستشار الأمن الوطني فالح فياض. ساهم «حزب الله العراقي» الذي أسسه «المهندس»، مع «عصائب أهل الحق العراقية»، في تأسيس «لواء أبو الفضل العباس»، الذي يتخذ من السيدة زينب مقراً له. نشأ اللواء من العراقيين الشيعة الموجودين في سوريا، قبل الحرب، خصوصاً أن البلاد ضمت أكثر من مليون لاجئ عراقي تمركزوا في مدن السيدة زينب وجرمانا والتل بريف دمشق. من هؤلاء تكونت النواة الأساسية لـ«لواء أبو الفضل العباس»، الذي لم يكن في البداية سوى مجرد فرع محلي لميليشيات «قوات الدفاع الوطني»، انحصرت مهامه في التعامل مع المتظاهرين، ثم لاحقاً مع الثوار في مناطق حجيرة وعقربا والسيدة زينب. منذ تأسيسه، تضخم اللواء ليغدو شبكة تسيطر على مقرات ومواقع متناثرة في السيدة زينب وقرب مقام السيدة رقية وحي الجورة الشيعي بقلب دمشق القديمة، يقود الشبكة «أبو هاجر العراقي»، ولها أكثر من 7 آلاف مقاتل، وثاني ثقل أساسي للميليشيات هو في نبل والزهراء بريف حلب.
وبات «أبو الفضل العباس» أحد الكيانات الشيعية الرئيسية في الهلال الخصيب بعد أن كان مجرد لواء محلي؛ فبعد ما يقارب العام على تأسيسه نشأ «لواء ذو الفقار»، تحت قيادة حيدر الجبوري الملقب «أبو شهد». ويعد هذا اللواء أكثر ميليشيات شبكة «لواء أبو الفضل العباس» نشاطاً. قاتل هذان التنظيمان في غوطة دمشق الشرقية، ومحيط السيدة زينب، والقلمون، وإدلب، وحلب، وريف حلب الجنوبي، ونبل والزهراء.
كما تعمل «كتيبة قمر بني هاشم» الجوالة، التي لا يزيد عدد مسلحيها على مائتين ذراعا لـ«لواء أبو الفضل العباس»، كما يعمل كل من «لواء اللطف» الذي لا يتجاوز عدد مسلحيه 150 شخصاً، و«لواء المعصوم»، تحت راية «لواء أبو الفضل العباس».
وإلى جانب هذه الألوية، هناك «لواء أسد الله الغالب»، الذي يتزعمه «أبو فاطمة الموسوي»، إضافة إلى «لواء الإمام الحسين»، الذي يتزعمه «أبو كرار أمجد البهادلي»، وكذلك «قوات التدخل السريع» (أو «أفواج كفيل زينب») التي يقودها أحمد الحجي الساعدي. ويقدر عدد مسلحي «لواء الإمام الحسين»، بأكثر من ألف مسلح يتخذون من مدينة حلب مركزاً لهم. يأتي مسلحو «اللواء» من العراق، وإيران، وأفغانستان، وباكستان.
عمل «لواء أبو الفضل العباس»، على تأسيس ظهير له في العراق تحت اسم «قاعدة قوة أبو الفضل العباس» التي يقودها الشيخ أوس الخفاجي والشيخ أبو كميل اللامي (التابع لجماعة «عصائب أهل الحق»). كذلك هي الحال، بالنسبة للوائي «ذو الفقار» و«الإمام الحسين» أو «قوة الرد السريع»، حيث يرتدي زعماؤها زيا موحدا في العراق وسوريا.
ولاحقاً لتأسيس شبكة «أبو الفضل العباس»، دخلت إلى سوريا «كتائب حزب الله النجباء» التي تعرف باسم «حركة النجباء»، منذ مارس (آذار) من عام 2013. وللكتائب ألوية: «الحمد»، و«الحسن المجتبى»، و«عمار بن ياسر»، ويقودهم الشيخ أكرم الكعبي ويقدر عدد مقاتليها بنحو 1500 مقاتل.
كما أسست «عصائب أهل الحق» العراقية «كتائب حيدر الكرار» التي يتزعمها «الحاج مهدي»، ويقدر عدد مسلحيها بنحو 800 شخص. وهناك ميليشيات أخرى مثل «لواء اليوم الموعود» و«فيلق الوعد الصادق» بقيادة العراقي محمد حسن التميمي. ويضم هذا اللواء مسلحين من جنسيات متعددة، إضافة إلى مسلحين سوريين من شيعة إدلب، ومعرة مصرين، والفوعة وكفريا. تنشط الميليشيات في أطراف مدينة حلب، ويقدر عدد مقاتليها بنحو ألف مقاتل. وتختلف المصادر حيال ولاء «قوات الشهيد محمد باقر الصدر». وتنتشر هذه الميليشيات في أحياء مدينة دمشق، وترافق قوات حفظ النظام، وجميع عناصر «اللواء» يرتدون لباس قوى الأمن الداخلي السوري، ويأتمرون بقيادة ضباط وزارة الداخلية، ويقدر عددهم بنحو 800 مقاتل.
وبعد قرار المرشد الإيراني علي خامنئي في عام 2015، الذي أتاح للإيرانيين التطوع للقتال في سوريا، تأسست «سرايا طلائع الخراساني»، المختلطة من مسلحين عراقيين وإيرانيين تنحصر مهامها في تأمين مطار دمشق الدولي.
وهناك ميليشيات «لواء بقية الله» المختلطة أيضاً، من عراقيين وأفغان وتقدر أعدادهم بنحو 400 مسلح، ومهمتهم تدعيم أسوار مطار دمشق بالحماية.
كما قاتلت في سوريا قبل سيطرة «داعش» على الموصل، ميليشيات تتبع الجيش العراقي، مثل «لواء الإمام الحسن المجتبى» الذي ارتكب مجازر في محيط السيدة زينب، ووصل عدد مقاتليه إلى ألف مقاتل، وكذلك «لواء أسد الله»، الذي يرتدي مقاتلوه ملابس تحمل شارات قوات التدخل السريع العراقية (سوات)، ويتزعمه أبو فاطمة الموسوي. يقدر عدد عناصرها بنحو 500 مقاتل.
وينقل مشاركون في التدريبات من جنود الجيش النظامي، أن الميليشيات العراقية لها مشروع خاص في سوريا، منفصل حتى عن المشروع الإيراني، بل هو أخطر منه. ويعد هؤلاء الجنود أن العراقيين أتوا إلى سوريا كي «يستوطنوها».

ميليشيات لبنانية
تقاتل ميليشيات كل من «سرايا التوحيد» و«حزب الله» اللبنانيتان في سوريا، بواقع 500 مسلح للأولى، وأكثر من 8 آلاف للثانية. ويتبع كل من «لواء السيدة رقية»، و«القوة 313»، «حزب الله»، وكلاهما يتركز نشاطه، حالياً، في البادية الشامية، بواقع مائة مسلح للأولى ومائتين للثانية. انضم مسلحون من الحزب القومي السوري الاجتماعي في لبنان، إلى ميليشيات «نسور الزوبعة» المشكّلة من مسلحين سوريين وفلسطينيين ولبنانيين، وتتجاوز أعدادهم 5 آلاف، يقاتلون في القنيطرة والسويداء، وسبق أن خاضت معارك طاحنة في صيدنايا ومعلولا.

...غير عربية
إضافة إلى هؤلاء، يوجد لواءان؛ أحدهما وفد إلى سوريا من أفغانستان هو «الفاطميون» والآخر من باكستان، هو «الزينبيون»؛ الأول منهما أكثر شهرة من الثاني، ويقدر عدد مسلحيه بنحو ألف مقاتل، قاتلوا في درعا، وتدمر، وحلب. يعمل أعضاء «لواء فاطميون» بمثابة رأس حربة في المعارك، وتم الزج بهم لتنفيذ مهام الاقتحام والاشتباك القريب مع مسلحي المعارضة أو تنظيم داعش.
لا شك في أن الأهداف الإيرانية من إرسال هؤلاء المسلحين الأفغان والباكستانيين، لا تقتصر على المسرح السوري فحسب، فعلى الأرجح أن المخططين الاستراتيجيين الإيرانيين يفكرون في إعادتهم إلى بلادهم الأصلية إذا ما طرأ أمر هناك، كي يقاتلوا في سبيل مصالح طهران. فضلاً عن ذلك؛ يشكل هؤلاء وقودا للحرب والمعارك وقربانا من أجل خدمة المصالح الإيرانية في سوريا، من دون أن تدفع إيران ثمنا باهظا في الأرواح.
تتبع القوات الإيرانية الجيش الإيراني والحرس الثوري (الباسدران) وكذلك قوات التعبئة (الباسيج). وأرسلت إيران في شتاء عام 2016 الماضي «لواء 66» المحمول جواً إلى سوريا لإحباط الاتفاق الروسي - الأميركي على الهدنة في فبراير (شباط)، بحسب اعتقاد دبلوماسيين. وأدى «اللواء» دورا كبيرا في إسناد عملية إسقاط حلب، ووفر دعما ناريا قويا لألوية «الحرس الثوري»، والميليشيات العراقية، والسورية، واللبنانية، والروسية المشاركة في العملية.

تنظيمات محلية
هناك عشرات من الميليشيات المحلية التي تقاتل بقيادة إيرانية. وتأسست في الساحل السوري خلال عامي 2015 و2016 ميليشيات شيعية مشابهة لـ«حزب الله»، تحت اسم «الغالبون - سرايا المقاومة الإسلامية في سوريا». يتجاوز عدد هذه الميليشيات الألف مسلح. كما تأسست ميليشيات في كل المناطق الشيعية بسوريا مثل بصرى الشام بدرعا، ونبل والزهراء بريف حلب الشمالي الغربي، والفوعة وكفريا بإدلب، والسيدة زينب والسيدة رقية وحي الجورة بدمشق وريفها، وأخيراً في الشومرية ومناطقها بريف حمص الغربي.
في الزهراء، تشكلت «كتيبة الزهراء» من أبناء القرية، يقدر عدد مسلحيها بنحو 350 مسلحاً، بينما تشكلت «كتيبة شهيد المحراب» من أبناء مدينة نبل، ويقدر عدد مسلحيها بنحو 500 مسلح من أبناء البلدة، أما في الفوعة، فقد تأسست «كتيبة العباس»، ويقدر تعدادها بنحو مائتي مسلح، إضافة إلى ما تسمى «كتائب الفوعة» التي تضم عدة مجموعات قتالية يبلغ مجموع أفرادها 800 مسلح.
قوات «الإمام الرضا»، وهي ميليشيات تتشكل من علويين سوريين ولبنانيين (جبل محسن)، تتبنى الآيديولوجية الخمينية، وتنتشر في ريف حمص الشرقي، ويبلغ تعداد مقاتليها ألفين. وينتشر «فوج الإمام الحجة» الذي يتشكل من 600 مسلح شيعي من سوريا ولبنان في حلب، بينما هناك ألوية «السيدة رقية»، و«سيف المهدي» و«الإمام المهدي» وهي تنتشر في مدينة دمشق، ويتعدى عدد أفرادها ألف مسلح.
كما نجحت إيران في تشييع مسلحي «لواء الباقر» المؤلف مع عشيرة بري الحلبية، ويضم نحو 500 مسلح، وأيضاً في تشييع مسلحين عشائريين من قبيلة «البكارة» يتبعون الشيخ المعارض السابق نواف البشير، وغيره من شيوخ القبائل السورية، ويتجاوز عدد هؤلاء المسلحين 1700. إلى جانبهم، هناك «لواء الإمام زين العابدين» المنتشر في دير الزور والمؤلف من 500 مسلح يشغلون بلدة الجفرة الشيعية. وفي الحسكة شكلت إيران «حشد الجزيرة والفرات» من مسلحين عشائريين. وهناك لواء شيعي آخر هو «لواء المختار الثقفي» ويتشكل من مسلحين شيعة من اللاذقية وحماة.
في السويداء، أسست إيران ميليشيات «لبيك يا سلمان»، و«سريا التوحيد»، «جيش التوحيد»، و«لواء الجبل»، و«قوات الفهد»، و«لبوات الجبل» من أكثر من 2850 مسلحا درزيا يقاتلون في جبهات جنوب سوريا، ويمثل أكبر تشكيل من هؤلاء «كتائب حماة الديار» التي تضم أكثر من ألفي مسلح درزي.
كما شكلت من الأتراك العلويين ميليشيات «المقاومة السورية» وهي تقاتل في ريف إدلب الغربي، ويتجاوز عدد أفرادها الألف مسلح. وفي منطقة مصياف في محافظة حماة، توجد مجموعة «قوات صلاح العاصي» التي تضم 500 علوي من أنباء المنطقة.
كما يتبع إيران 5 آلاف مسلح علوي منظمين ضمن ميليشيا «فهود حمص»، التي تقاتل في ريفي حمص الغربي والشرقي، فضلاً عن «قوات الغضب» المشكلة من سكان بلدتي محردة والسقليبية المسيحيتين بريف حماة، ويبلغ عدد مسلحي هذه الميليشيا 500 شخص، ويضاف إلى هذه «لواء أسود الوادي (النصارى)» (في محافظة حمص) المتشكل من نحو 700 مسلح مسيحي، وتتركز أعمالهم في ريف حمص الشرقي.
وحتى وصول القوات الروسية، كانت إيران من بين أكبر الداعمين للعقيد سهيل حسن، الذي يقود ميليشيات تعرف باسم «قوات النمر» التابعة للمخابرات الجوية في شمال البلاد، وتتشكل من نحو 10 آلاف مقاتل علوي، يضاف إليهم القليل من القبائل العربية في محافظة حماة. يمارس هؤلاء حالياً نشاطهم في ريف الرقة الغربي، وكان لهم باع كبير في معارك حلب، وحماة، وريف اللاذقية الشمالي.
ويعد «صقور الصحراء» التي يدعمها رجلا الأعمال العلويان محمد وأيمن جابر من أكثر التنظيمات قرباً إلى إيران في سوريا، حتى إن متزعميها لا يخفيان مظاهر تشيعهما. يتلقى أفراد هذا التشكيل التدريب على يد مدربين عراقيين، ويقاتلون في أرياف حمص وحلب. وهناك أيضاً «فوج مغاوير البحر» وهو تشكيل علوي ينتشر في اللاذقية وحمص ويبلغ تعداد مقاتليه ألفاً. ويبدو أن النفوذ الإيراني قوي بين «قوات درع القلمون» و«قوات درع الأمن العسكري». ويعمل وكلاء من هاتين المجموعتين «مستقطبين» للجنود الفارين من الجيش النظامي لصالح ميليشيات إيرانية وعراقية.
عملت إيران على دعم النظام في تشكيل ميليشيات فلسطينية من أبناء الفلسطينيين في المخيمات؛ بينها «لواء القدس» الذي تأسس في شهر أكتوبر (تشرين الأول) من عام 2013 من فلسطينيي مخيمي النيرب وحندرات (حلب) بقيادة محمد سعيد. يبلغ عدد مقاتلي اللواء نحو ألفي مقاتل، ويتألف اللواء من 3 كتائب رئيسية هي: «كتيبة أسود القدس»، و«كتيبة أسود الشهباء»، و«كتيبة الردع».
وبالإضافة إلى «لواء القدس»، هناك «قوات الجليل - حركة شباب العودة الفلسطينية» التي يتزعمها فادي الملاح ونائبه أبو علي بدران، وتتبع «حركة شبان العودة الفلسطينية». تلقى مسلحو هذه الميليشيات تدريبات على يد ضباط إيرانيين ومقاتلين من «حزب الله»، وبدأ نشاطها بالظهور في عام 2014 خلال معارك القلمون، ولاحقاً تم نقل قسم من عناصرها إلى دير الزور، كما شارك مسلحوها في معارك تدمر (يقودهم في تدمر العقيد أبو حسن بلول) وريف حماة الشمالي (يقودهم في ريف حماة المقدم دانيال رزوق). ويبلغ عدد مقاتليها نحو 5 آلاف مقاتل.

حل «قوات الدفاع الوطني»
حاول الرئيس بشار الأسد حل ميليشيات «قوات الدفاع الوطني» السورية أواسط عام 2014، خوفاً من لجوء إيران إلى استخدامها لفرض تسوية تهدد نفوذه. وعدّ رئيس مكتب الأمن الوطني اللواء علي مملوك القوة المحركة وراء قرار الأسد، وتولى بنفسه تفكيك ميليشيات «الدفاع» حتى إنه أسس تشكيلات تابعة للجهاز الذي يشرف عليه، تحت اسم «قوات الأمن الوطني». مثل رئيس شعبة الأمن السياسي السابق اللواء رستم غزالي (توفي بطريقة غامضة قبل سنتين) أحد أركان النفوذ الإيراني في سوريا، وتولى بنفسه أو أفراد من عشيرته البالغين 166 نفرا، عملية شراء منازل في دمشق القديمة لصالح الإيرانيين. لكن، مشروع مملوك طوي بعد سقوط إدلب ربيع عام 2015، حيث اضطر النظام وإيران للاستنجاد بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين. وتعويضاً لإيران عن حل «الدفاع الوطني»، أمر الأسد بتأسيس «الفيلق الرابع اقتحام» بوصفه جزءا من الجيش النظامي، لكن الفيلق لاقى نجاحا ضئيلا وظل هزيلاً.
خلال عام 2015، بدأت تظهر من أنقاض «الدفاع الوطني»، تشكيلات بعضها مقرب من الإيرانيين وحلفائهم العراقيين واللبنانيين، وبعضها محسوب على أجهزة الأمن السورية المختلفة والمتنافسة دائماً، وأخيراً بعضها مقرب من الروس. ومع تدفق القوات الروسية إلى سوريا، انتعش مشروع مملوك الرافض للإيرانيين والقريب من الروس. وتمكن اللواء في نهاية عام 2016 من جلب مدير شعبة الأمن الجوي اللواء جميل حسن إلى صفه، بعدما ضمن ولاء مدير إدارة أمن الدولة (المخابرات العامة) اللواء ديب زيتون. ومثلت مقابلة جميل حسن السابقة حول الحياة السياسية والأمنية لسوريا، مع وكالة «سبوتنيك» الروسية للأنباء دليلاً حاسما على تحول الرجل عن ميوله الإيرانية باتجاه السادة الروس، بحسب محللين.
هكذا، انحصر النفوذ الإيراني وسط المقاتلين الشيعة الذين دربتهم وسلحتهم طويلاً. مع ارتفاع حدة المخاوف لدى الأسد والإيرانيين من تقارب روسي - أميركي عقب انتخاب دونالد ترمب رئيساً للولايات المتحدة، اتخذ الأول قراراً بالموافقة على تسوية أوضاع الجنود النظاميين الذين يلجأون إلى «الأصدقاء الإيرانيين»، في قرار عنى في مضمونه الخلط ما بين الميليشيات الإيرانية والعراقية في سوريا مع الجيش النظامي.
واللافت أن الطريقة التي شكلت بها إيران هذه الميليشيات تمثل المفتاح لضبطها، لكن مفتاح السيطرة سيظل بيد طهران وجنرالات الحرس الثوري. هكذا، لا يرتبط مستقبل وجود الميليشيات العراقية بالتسوية فحسب، بل برأي إيران، وأيضاً بالصراع على السلطة في بغداد.



ضبط خلية اغتالت أكاديمياً يمنياً وتخطط لاستهداف شخصيات أخرى

رجل أمن يقف بجوار عدد من أفراد الخلية التي تتهمها أجهزة الأمن اليمنية بالتخطيط لاغتيالات (الحكومة اليمنية)
رجل أمن يقف بجوار عدد من أفراد الخلية التي تتهمها أجهزة الأمن اليمنية بالتخطيط لاغتيالات (الحكومة اليمنية)
TT

ضبط خلية اغتالت أكاديمياً يمنياً وتخطط لاستهداف شخصيات أخرى

رجل أمن يقف بجوار عدد من أفراد الخلية التي تتهمها أجهزة الأمن اليمنية بالتخطيط لاغتيالات (الحكومة اليمنية)
رجل أمن يقف بجوار عدد من أفراد الخلية التي تتهمها أجهزة الأمن اليمنية بالتخطيط لاغتيالات (الحكومة اليمنية)

أعلنت السلطات الأمنية في عدن تفكيك خلية وصفتها بـ«الإجرامية»، واعتقال أربعة مشتبه بهم في قضية اغتيال شخصية أكاديمية، في عملية قالت إنها جاءت بعد تنسيق أمني واستخباراتي امتد إلى محافظتي أبين ولحج، بالتوازي مع مقتل وإصابة جنديين بهجوم مسلح يحتمل وقوف «تنظيم القاعدة» خلفه.

وذكر بيان رسمي لإدارة أمن العاصمة اليمنية المؤقتة عدن أن إجراءات أمنية مشددة شملت تحديد المركبة المستخدمة في تنفيذ اغتيال السياسي والأكاديمي ومدير مدارس النورس الأهلية، عبد الرحمن الشاعر والتحفظ عليها، وضبط سلاح يُعتقد أنه استُخدم في العملية، بعد عمليات ميدانية متفرقة، توزعت بين محافظات عدن وأبين ولحج، بالتعاون مع وحدات أمنية وعسكرية مختلفة.

وتفيد النتائج الأولية للتحقيقات، حسب البيان الذي نشر الأربعاء، بأن الجريمة جاءت بعد عمليات رصد ومراقبة مسبقة، وأن الخلية كانت تخطط لاستهداف شخصيات أخرى، وأكدت السلطات أن التحقيقات قادت إلى الكشف عن شبكة إضافية مرتبطة بالقضية، جرى توقيف عدد من عناصرها، مع استمرار ملاحقة الباقين.

ودعت إدارة الأمن وسائل الإعلام إلى توخي الدقة في نشر المعلومات، محذّرة من أن التسريبات غير المؤكدة قد تؤثر على سير التحقيقات أو تساعد مشتبهين فارين.

وكان مسلحون اعترضوا الشاعر، وهو قيادي في حزب «الإصلاح»، الأحد الماضي، في مديرية المنصورة وسط عدن، بالقرب من مقر عمله، وأطلقوا عليه وابلاً من النيران ما أدى إلى وفاته على الفور، ولاذوا بالفرار.

وواجهت العملية استنكاراً وتنديداً محلياً وخارجياً واسعين، ودعوات لضبط منفذيها والكشف عمن يقف وراءها، والتحذير من عودة موجة الاغتيالات وغيرها من الأعمال التي تهدد استقرار عدن ومناطق سيطرة الحكومة الشرعية.

وفي سياق متصل، قُتل جندي وأصيب آخر في هجوم مسلح استهدف طاقماً عسكرياً تابعاً للواء الثالث (دعم وإسناد) في محافظة أبين، شرق عدن، في حادثة لم تعلن أي جهة مسؤوليتها عنها حتى الآن.

ظرف رصاصة فارغ داخل السيارة التي جرى ضبطها بحوزة المضبوطين المتهمين بواقعة اغتيال في عدن (الحكومة اليمنية)

ووقع الهجوم، وفق مصادر أمنية، في وقت متأخر من ليل الثلاثاء، عندما أطلق مسلح النار على الآلية العسكرية في منطقة مفرق أورمة بمديرية مودية، قبل أن يفرّ من المكان.

وتأتي هذه الحوادث في ظل وضع أمني معقّد في جنوب البلاد، حيث تتداخل أنشطة الجماعات المسلحة مع جهود محلية مدعومة إقليمياً لمكافحة الإرهاب.

وتشهد محافظة أبين بشكل خاص أعمال عنف متقطعة مرتبطة بالتوترات الأمنية والتنظيمات الإرهابية.

ويُعتقد أن «تنظيم القاعدة في جزيرة العرب» لا يزال يحتفظ بقدرة على تنفيذ هجمات محدودة في مناطق جنوب ووسط اليمن، مستفيداً من الطبيعة الجغرافية الوعرة لبعض المحافظات مثل أبين وشبوة والبيضاء، إضافة إلى تعقيدات المشهد الأمني هناك.

منذ أعوام طويلة تشهد محافظة أبين مواجهات متقطعة بين الجيش والأمن اليمنيين وعناصر «القاعدة» (أرشيفية - رويترز)

وتُقدّر تقارير أممية أن الجماعات المتطرفة في اليمن، رغم تراجع سيطرتها المكانية خلال السنوات الأخيرة، فإنها لا تزال تمثل تهديداً أمنياً قائماً عبر عمليات متفرقة وهجمات غير تقليدية، فيما يدعو خبراء أمنيون وعسكريون إلى الإسراع بجهود تعزيز بنية الأمن ودمج مختلف التشكيلات العسكرية والأمنية في المناطق المحررة، وإنهاء تداخل الصلاحيات، بوصفها خطوات مهمة لتثبيت الاستقرار.

وفي حين تؤكد السلطات في عدن إحراز تقدم في ملاحقة الشبكات الإجرامية، يرى مراقبون أن فاعلية هذه الجهود ستظل مرتبطة بقدرتها على تفكيك البُنى الأوسع التي تقف خلف مثل هذه العمليات، وليس فقط التعامل مع منفذيها المباشرين.


أمطار تعز الموسمية تحصد الأرواح وسط غضب شعبي

سيول موسمية جارفة تضرب تعز بشكل موسمي وتتسبب بخسائر مادية وبشرية (إعلام محلي)
سيول موسمية جارفة تضرب تعز بشكل موسمي وتتسبب بخسائر مادية وبشرية (إعلام محلي)
TT

أمطار تعز الموسمية تحصد الأرواح وسط غضب شعبي

سيول موسمية جارفة تضرب تعز بشكل موسمي وتتسبب بخسائر مادية وبشرية (إعلام محلي)
سيول موسمية جارفة تضرب تعز بشكل موسمي وتتسبب بخسائر مادية وبشرية (إعلام محلي)

في محافظة تعز (جنوب غربي اليمن)، لا تُقاس قسوة الأمطار الموسمية بكمية ما تهطله من مياه، بقدر ما تُقاس بقدرة السيول المتدفقة على انتزاع الأطفال من أحضان أسرهم. إلى حدّ أن والد أحد الضحايا اختار مواجهة فاجعته بإطلاق مبادرة لإغلاق فتحات مجاري السيول في مركز المحافظة الخاضع للحكومة الشرعية، وسط اتهامات متصاعدة بإهمال طال البنية التحتية وفاقم المخاطر المحدقة بالسكان.

ولن ينسى أهالي تعز الساعات الـ17 التي أمضوها في البحث عن الطفل أيلول السامعي (11 عاماً)، قبل أن يُعثر على جثمانه خارج المدينة. وبينما كانت أسرته تستعد لوداعه الأخير، جرفت السيول طفلاً آخر ووالدته التي اندفعت خلفه محاولة إنقاذه، في واحدة من أكثر الحوادث مأساوية التي شهدتها المحافظة خلال الأسابيع الأخيرة.

وعلى الرغم من أن الطفل الثاني، مجاهد الحولي (12 عاماً)، ووالدته، أُنقذا سريعاً على يد بعض المارة، فإن والدته ستظل أسيرة ذكرى اللحظات الأخيرة التي حاولت فيها افتداء حياته بنفسها ولم تفلح. وفي حادثة أخرى، لم يجد الطفل الثالث، عمر الزبيدي (10 أعوام)، من ينتشله من الحفرة التي قذفته إليها السيول، ليلقى مصيره غرقاً.

وبالتزامن مع تلك الوقائع، تمكن عدد من الأهالي من إنقاذ طفلة في حي الروضة شمالي المدينة، بعد لحظات من جرفها بمياه الأمطار، قبل أن تبلغ مجرى أكثر خطورة. ومع ذلك، لا تزال الأرقام الحقيقية لضحايا السيول من الأطفال مجهولة، في ظل شح كبير في البيانات والمعلومات التي ترصد حجم هذه المآسي المتكررة.

وتتكرر المأساة في كل موسم بتحول الشوارع مجاري سيول مفتوحة مع رداءة التصريف وغياب أو تأخر التحذيرات، في وضع يرفض الأهالي توصيفه بكارثة طبيعية فقط، وسط غضبهم من عدم كفاءة منشآت التصريف، وتساؤلهم عن كيفية إنفاق المخصصات المالية للبنية التحتية، وأسباب تكرار الحوادث التي تبقى حتى الآن من دون إحصائيات توضح حجم الكارثة.

وتتميز مدينة تعز، ثالث أكبر المدن اليمنية، بطبيعة طبوغرافية جبلية معقدة، حيث تقع على السفح الشمالي لجبل صَبِر، ثاني أعلى قمة في اليمن بارتفاع يصل إلى نحو 3000 متر فوق مستوى سطح البحر، وتتسم بتضاريس منحدرة تتدرج عليها المباني وتتخللها الكثير من الأودية.

حماية منقوصة

يتهم السكان السلطة المحلية في تعز بالمسؤولية عن هذه الحوادث، وحسب حديث المحامي والناشط صلاح غالب لـ«الشرق الأوسط»، فإن مكتب الأشغال العامة والمكاتب في مديريات تعز أهملت التعامل مع فتحات تصريف المياه، وتركتها مفتوحة دون حماية للسكان، خصوصاً الأطفال، من الوقوع فيها.

يمنيان من الدفاع المدني داخل قناة تصريف المياه يبحثان عن طفل جرفته السيول في تعز (إعلام محلي)

واستغرب صلاح من عدم محاسبة المسؤولين سابقاً؛ ما أدى إلى تكرار المأساة بحادثتي الطفلين أيلول ومجاهد، مطالباً الجهات المسؤولة بالقيام بدورها وإقالة ومحاسبة المسؤولين المعنيين والفاشلين والمقصرين.

وحسب إحصائيات رسمية، فإن الفيضانات التي شهدتها محافظة تعز منذ أواخر مارس (آذار) الماضي، أودت بحياة 24 شخصاً وتأثرت بها أكثر من 31 ألف عائلة، مع خسائر تجاوزت 15 مليون دولار.

ويكشف بشير العليمي، مدير مكتب الأشغال والطرق في تعز، لـ«الشرق الأوسط» عن عدد من أسباب تكرار الكوارث كل عام، مثل توقف المرحلة الثالثة من مشروع حماية المدينة من كوارث السيول، وتهالك السواتر والعبَّارات وعدم صيانتها منذ إنشائها، مع غياب الإمكانات الكافية من معدات وآليات، لدى المكتب، والتي تمّ الاستيلاء عليها من قبل الجماعة الحوثية بداية الحرب.

ويشير إلى غياب الإمكانات المادية لدى مصلحة الدفاع المدني في المحافظة، وعدم كفاية المعدات لدى صندوق النظافة والتحسين ليتمكن من إزالة كل مخلفات البناء والقمامة التي يؤدي تراكمها إلى إغلاق فتحات وقنوات تصريف السيول.

المناخ المتطرف باليمن يتسبب موسمياً في سيول جارفة وأضرار واسعة (إ.ب.أ)

وأكّد المسؤول المحلي أن فترة الحرب والحصار الذي فرضته الجماعة الحوثية على المدينة شهدت توسعاً كبيراً في البناء العشوائي في الأودية ومجاري السيول ومقابل فتحات وقنوات التصريف؛ ما أدى إلى تغيير مجرى المياه ومفاقمة الكوارث الناجمة عنها.

ويتزامن كل ذلك مع عدم التزام الجهات الرسمية بإجراء الدراسات البيئية عند تنفيذ مشاريع الأحياء السكنية والطرق.

ويعدّ حيّ الكوثر، الذي شهد جرف الطفل أيلول، وحيّ وادي الدحي الذي سقط فيه الطفل مجاهد ووالدته، من أكثر أحياء المدينة عرضة لحوادث الغرق والجرف.

عبث بلا مساءلة

تصنف أحياء البعرارة ووادي القاضي وصينة، وهي ذات كثافة سكانية في تعز، بأنها مناطق خطرة في مواسم الأمطار بسبب مجاري السيول المفتوحة والتي تسببت في المواسم الماضية، بهدم الكثير من المنازل، في حين يعاني سكان حارات في حي صالة من تدفق السيول التي تباغت السكان داخل منازلهم.

أطنان من مخلفات البناء والقمامة تسحبها السيول في قناة تصريف المياه (فيسبوك)

وينبه الناشط السياسي رامز الشارحي إلى مساهمة التوسع العمراني العشوائي وغير المخطط من قِبل النافذين في مفاقمة تأثير السيول التي تتضاعف قوتها نتيجة التغيرات المناخية، خصوصاً في مديرية مشرعة وحدنان التي تقع في جبل صَبِر المطل على المدينة، وما يتبع ذلك من تغيير لمسارات المياه.

ويتفاقم الوضع، وفقاً لما قاله الشارحي لـ«الشرق الأوسط»، بسبب بقاء مخلفات البناء المتراكمة دون إزالة؛ ما يجعل السيل يكتسب طاقة تدميرية مضاعفة وهو يتجه نحو المدينة، إلى جانب أنه يسحب أطناناً من تلك المخلفات تؤدي إلى توسع انتشار المياه داخل المدينة التي تتحول بسببها بركة كبيرة.

وخلال العقود الماضية أُنْفِق ما يقارب 76 مليون دولار، لإنشاء قنوات وشبكات صرف صحي، وأحواض ترسيب، وممرات مشاة على مرحلتين ضمن مشروع حماية المدينة من كوارث السيول، إلا أن المرحلة الثالثة لم تستكمل.

الأمطار الموسمية تتسبب بأضرار كبيرة في غالبية مناطق محافظة تعز (غيتي)

وعقب غرق ابنه بأيام، أطلق الناشط السياسي عيبان محمد، مبادرة حملت اسم الطفل «أيلول»، لإغلاق فتحات السيول وإنقاذ الغرقى في المدينة، داعياً السلطة المحلية، والبيوت التجارية، والمنظمات إلى وضع معالجات جذرية، وحلول جادة لتفادي الأضرار.

وتضمنت «مبادرة أيلول» التي تبنتها إحدى المنظمات المحلية ومؤسسة «برجهوف» الألمانية المستقلة، المطالبة بتشكيل فرق طوارئ وإنقاذ مجهزة بجميع معدات الإنقاذ، ونشرها أثناء هطول الأمطار في مناطق مجاري السيول لتولى مهام الإنقاذ، وإصلاح العبَّارات، والحفاظ على ما تم إنجازه سابقاً من مشروع حماية المدينة.


مناورة عسكرية مصرية تثير «غضباً وقلقاً» في إسرائيل

وزير الدفاع المصري خلال فعاليات التدريب العسكري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)
وزير الدفاع المصري خلال فعاليات التدريب العسكري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)
TT

مناورة عسكرية مصرية تثير «غضباً وقلقاً» في إسرائيل

وزير الدفاع المصري خلال فعاليات التدريب العسكري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)
وزير الدفاع المصري خلال فعاليات التدريب العسكري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)

نفَّذ الجيش الثالث الميداني المصري، الذي يقع نطاق وجوده من السويس حتى سيناء المتاخمة للحدود مع قطاع غزة، مناورة بالذخيرة الحية، استبقها تعبير دوائر رسمية في إسرائيل عن «قلق وغضب» من قربها من الحدود.

وأعلن الجيش المصري، في بيان، الأربعاء، أن وزير الدفاع والإنتاج الحربى الفريق أشرف سالم زاهر شهد المرحلة الرئيسية للمشروع التكتيكي بجنود (بدر 2026) الذي تنفذه إحدى وحدات الجيش الثالث الميداني باستخدام الذخيرة الحية.

وحضر المناورة كل من رئيس أركان حرب القوات المسلحة الفريق أحمد خليفة، وقادة الأفرع الرئيسية، وعدد من المحافظين وأعضاء مجلسي النواب والشيوخ، إلى جانب عدد من قادة القوات المسلحة.

تلك المناورة، التي لم يحدد الجيش المصري موقعها كما هو معتاد في البيانات العسكرية، «ليست قريبة من الحدود»، وفق تصريحات الخبير العسكري المصري اللواء سمير فرج، الذي أشار إلى أن مصر تجري مثل هذه المناورات سنوياً، لكن هناك «مبالغة» و«تضخيماً» من الإعلام في إسرائيل مع اقتراب الانتخابات هناك.

جانب من فعاليات التدريب العسكري المصري بالذخيرة الحية (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)

وخلال المناورة، قال قائد الجيش الثالث الميداني، اللواء أحمد مهدي سرحان، إن رجال الجيش الثالث الميداني «يبذلون أقصى جهد للحفاظ على أعلى معدلات الكفاءة والاستعداد القتالي، بما يمكّنهم من تنفيذ كافة المهام التي توكل إليهم للدفاع عن أمن وسلامة الوطن مهما كلفهم ذلك من تضحيات».

المشروع التكتيكي «بدر 2026»

تضمنت المرحلة الرئيسية للمشروع مهام عدة، منها إدارة أعمال القتال لتطوير الهجوم بمعاونة عناصر من القوات الجوية التي نفذت طلعات للاستطلاع والتأمين والمعاونة لدعم أعمال قتال القوات تحت ستر الوقاية المحققة لوسائل وأسلحة الدفاع الجوي ونيران المدفعية لإسكات وتدمير دفاعات العدو ووسائل نيرانه وعرقلة تقدم الاحتياطات، وفق البيان.

وأشاد وزير الدفاع المصري في كلمته بالجاهزية والاستعداد القتالي العالي للعناصر المشاركة بالمشروع وتنفيذ المهام القتالية والنيرانية بدقة وكفاءة عاليتَين، مؤكداً أن ما تم تنفيذه من أنشطة ومهام تدريبية خلال المشروع «يبعث برسالة طمأنة للشعب المصري» على قواته المسلحة واستعدادها القتالي لحماية الأمن القومي على جميع الاتجاهات الاستراتيجية.

وقال اللواء فرج في تصريحاته لـ«الشرق الأوسط» إن المناورة جرت في غرب القناة بالقرب من مدينة السويس، وتمت بناء على خطة تدريبية سنوية موضوعة منذ بداية العام، «وهي حق لمصر، وفي أرضها، وكل الجيوش في العالم تجري تدريبات متواصلة معتادة».

مزاعم الإعلام الإسرائيلي

استبقت المناورة العسكرية تقارير إعلامية إسرائيلية تحدثت عن غضب وقلق إزاءها، وأنها تقترب من الحدود، كان أبرزها حديث عضو الكنيست عميت هاليفي، من حزب «الليكود» الذي يقوده نتنياهو، الذي قال إن «الجيش المصري يجري تدريبات عسكرية في محافظة سيناء بين 26 و30 أبريل (نيسان) الحالي».

وقال هاليفي، في بيان متلفز، الاثنين: «التدريبات ومناورات الرماية التي أعلن الجيش المصري أنه سيجريها على حدودنا، على بعد 100 متر من البلدات المتاخمة للحدود، ليست إلا عرضاً لصورة أوسع، وأكثر إثارة للقلق»، زاعماً أن مصر تنتهك اتفاقية السلام الموقّعة مع إسرائيل «بشكل ممنهج»، وأنها «تُنشئ بنية تحتية قتالية في سيناء وتشيد جيشاً حديثاً ضخماً».

وأضاف: «الورقة التي وُقّعت عليها الاتفاقية لن تحمي (إسرائيل) من الخطر ولن تحمي السكان».

أعمال قتالية بالذخيرة الحية شهدها التدريب العسكري المصري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)

وبرأي فرج، فإن المزاعم الإسرائيلية «محاولة لتجييش الداخل الإسرائيلي قبل الانتخابات المرتقبة، ودعاية انتخابية، واستخدام فزَّاعة للداخل لتحقيق الحكومة الحالية مكاسب سياسية ومحاولة استمالة الناخبين».

وشدد على أن «مصر تتمسك بالسلام خياراً استراتيجياً، ولم تخترق معاهدة السلام مع إسرائيل على مدار خمسة عقود»، لافتاً إلى أن «إسرائيل تحاول بهذا الجدل إثارة التوترات بهدف تحقيق مكاسب داخلية».

وكان موقع «والا» الإخباري الإسرائيلي قد زعم أن الجيش المصري «سيُجري تدريبات ورماية بالذخيرة الحية من يوم 26 إلى 30 أبريل على مسافة لا تتجاوز 100 متر فقط من خط الحدود»، لافتاً إلى أن لواء «فاران» التابع للجيش الإسرائيلي أبلغ منسقي الأمن في المستوطنات القريبة من الحدود بتلقي تحذير استثنائي بذلك. فيما نقلت القناة السابعة الإسرائيلية بياناً عن منتدى «غلاف إسرائيل»، وهو هيئة غير سياسية، يعرب عن غضبه من إقامة تلك التدريبات بالقرب من الحدود.

«عقيدة الردع»

وقال الخبير العسكري والاستراتيجي المصري اللواء عادل العمدة إن مناورات «بدر 2026» هي بالأساس «تأكيد للجاهزية، وتدريب دوري طبيعي، وجزء من عقيدة الردع الدفاعي، وليست إعلان نوايا هجومية، خصوصاً في ظل وجود اتفاقات سلام مستقرة بين البلدين منذ كامب ديفيد».

وأضاف قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن وسائل الإعلام الإسرائيلية «تميل غالباً إلى تضخيم أي تحرك عسكري في المنطقة، خصوصاً إذا كان متعلقاً بدولة بحجم وثقل مصر. وهذا مرتبط بثقافة (الإنذار المبكر) داخل المجتمع الإسرائيلي، التي تتعامل بحساسية عالية مع أي نشاط عسكري قريب من الحدود».

واستطرد قائلاً إنه في بعض الأحيان «تُستخدم التغطية المبالغ فيها داخلياً في إسرائيل لتبرير موازنات الدفاع، أو لتأكيد سردية التهديدات المحيطة»، مؤكداً أن مصر «تتحرك في إطار بناء قوة ردع جاهزة، وهو سلوك طبيعي لأي دولة في بيئة إقليمية غير مستقرة».

ومنذ حرب غزة في 2023، تتعدد ملفات الخلاف بين مصر وإسرائيل، ومنها ما يتعلق بالأوضاع في قطاع غزة، وتحميل إسرائيل مسؤولية عدم البدء في تنفيذ المرحلة الثانية من «اتفاق وقف إطلاق النار»، وكذلك عدم الفتح الكامل لمعبر رفح من الجانب الفلسطيني مع وجود رغبة إسرائيلية في السيطرة عليه، وملف تهجير الفلسطينيين، والوجود الإسرائيلي في «محور فيلادلفيا»، والتأكيد المصري على ضرورة إيجاد مسار سياسي لدولة فلسطينية.