إدلب على مفترق طرق بين نيات واشنطن وموسكو... وتمدد «النصرة»

الجيش الروسي أوقف الغارات الأميركية على «القاعدة» وخطة دمشق وطهران للسيطرة على المحافظة

وسط مدينة إدلب (أخبار إدلب)
وسط مدينة إدلب (أخبار إدلب)
TT

إدلب على مفترق طرق بين نيات واشنطن وموسكو... وتمدد «النصرة»

وسط مدينة إدلب (أخبار إدلب)
وسط مدينة إدلب (أخبار إدلب)

إدلب ليست «أكبر معقل لتنظيم (القاعدة) في العالم» وحسب، بل إنها «تضم عشرة آلاف قيادي وعنصر في تنظيم (القاعدة)، هم الأخطر عالمياً». هذا ما يعتقده مسؤولون أميركيون ويقولونه في اجتماعات مغلقة مع حلفائهم الدوليين والإقليميين في إشارة إلى «جبهة النصرة» وفصائل مقربة منها موالية لـتنظيم «القاعدة» و«داعش».
بالتوازي مع المعركة التي يخوضها التحالف الدولي بقيادة واشنطن ضد «داعش» لتحرير الرقة شرق سوريا، بدأت واشنطن في التركيز على إدلب في الخطاب السياسي والإعلامي وتمهد الأرضية لـمعركة كبرى قادمة، ما يعني مع أسباب أخرى أن المشهد السوري الراهن ليس نهائياً وأن البلاد مقبلة على حروب أخرى.
اللافت، أن الجيش الروسي أوقف الغارات الأميركية التي بدأت في ريفي إدلب وحلب في بداية العام الحالي وشملت ضربات جوية لمئات من قياديين في «القاعدة» و«جماعة خرسان» التابعة له أو قياديين في «جبهة النصرة» و«جيش الفتح». موسكو أبلغت واشنطن أن إدلب ضمن منطقة النفوذ الجوي لطائراتها باعتبار أنها تقع غرب نهر الفرات ومنطقة النفوذ الجوي الأميركي تقتصر على شرق النهر، ما قد يعطي فكرة عن نيات روسية لتحويل إدلب إلى «مشكلة دولية» تدفع واشنطن إلى التنسيق الإلزامي مع موسكو.

جذور القلق
قلق واشنطن له جذور تعود إلى ربيع 2015 وقتذاك، استطاع «جيش الفتح» الذي يضم فصائل إسلامية بينها «جبهة النصرة» و«أحرار الشام الإسلامية» و«جند الأقصى» بتنسيق مع «الجيش الإسلامي التركستاني» (من أويغور الصين) للسيطرة على كامل محافظة إدلب الواقعة بين حلب واللاذقية. واستفاد من صواريخ «تاو» الأميركية المضادة للدروع التي سلمتها غرفة العمليات العسكرية بقيادة «وكالة الاستخبارات الأميركية» (سي آي إيه) جنوب تركيا إلى فصائل «الجيش الحر» في خوض معارك رئيسية لطرد قوات الحكومة من أرياف إدلب وحماة وحلب.
وكي لا تتكرر تجربة الرقة، شكل «جيش الفتح» مجلساً محلياً لإدلب وأبقى على موظفي المؤسسات الحكومية وعملها بما في ذلك المحامون والمدارس. كما شكل «قوة تنفيذية» تضم ممثلي الفصائل. كما أبقت الدول المانحة على دعمها للمؤسسات غير الحكومية الغربية العاملة في إدلب.
لكن ذلك، لم يلق آذاناً صاغية لدى مسؤولي الاستخبارات والجيش في واشنطن. بل العكس، إذ كان صدى انتصارات المعارضة الاسلامية مفزعاً في واشنطن ومهد الطريق لعدم وجود «فيتو» أميركي على تدخل الجيش الروسي في سوريا سبتمبر (أيلول) 2015 تحت عنوان «إنقاذ دمشق من داعش» ثم القضاء بالحرب و«التسويات» على المعارضة المعتدلة. كانت واشنطن ترى طائرات روسية تدمر حلفاءها في «الجيش الحر». أقصى ما تفعله هو دعوة موسكو إلى «التركيز على ضرب الإرهابيين» مع رفض التدخل العسكري لحماية حلفائها على الأرض... إلى وصول الحال إلى ما هو عليه، وهو تسليم واشنطن بهيمنة روسية - إيرانية على دمشق وتوسيع مناطق سيطرة قوات الحكومة خارج حدود «سوريا المفيدة» وقبول الوصول إلى دير الزور شرقاً لبلوغ منابع الغاز والنفط.
الخوف من بديل النظام أو عدم وجود بديل للرئيس بشار الأسد، تقولهما موسكو في الجلسات الرسمية. لكن «القلق المزدوج» في واشنطن من «داعش» موجود منذ أيام إدارة الرئيس باراك أوباما. وإذ بدأ التعبير عنه بتشكيل التحالف الدولي لهزيمة «داعش» شرق سوريا، فإن أرضية النظر إلى إدلب باعتبارها «إمارة قاعدية» تعود أيضا إلى زمن إدارة أوباما إذ نقل عن وزير خارجيته جون كيري قوله في أكثر من مناسبة قبل أن يترك منصبه بداية العام إن «أياماً سوداء قادمة في إدلب».
لكن الجديد أن إدارة دونالد ترمب، وضعت أولوية محاربة «داعش» وأن الرئيس ترمب أجرى سلسلة من التغييرات التي سهلت العمليات العسكرية بحيث أعطى صلاحيات للقادة المحليين على الأرض للقيام بعمليات عسكرية من دون انتظار قرار سياسي. كما فوض ترمب وزير الدفاع جيم ماتيس بالعمليات واتخاذ القرارات العسكرية لتحقيق الهدف هزيمة «داعش».
في بداية العام، كانت هناك خطتان لهزيمة «داعش» على طاولة ترمب: واحدة، تضمنت إرسال 30 ألف جندي بتعاون تركي وإقليمي للانقضاض على «داعش» في الرقة. الثانية، محددة المهمة والزمن بتصميم المبعوث الأميركي بريت ماغورك وتضمنت تطوير «قوات سوريا الديمقراطية» العربية - الكردية التي تشكل «وحدات حماية الشعب» الكردية العمود الرئيسي للوصول إلى 50 ألف مقاتل عربي وكردي.
خطة ماغورك، لاقت آذاناً صاغية لدى ترمب لاعتقاد الإدارة الأميركية أن «وحدات حماية الشعب» نجحت في تحرير عين العرب (كوباني) بداية 2015 مقابل «فشل» فصائل «درع الفرات» العربية - السنية نهاية 2016 في توسيع نفوذها شمال حلب للوصول إلى خمسة آلاف كيلومتر مربع والاكتفاء فقط بألفي كيلومتر مربع وتكبدها خسائر كبيرة ما أدى إلى ترسيم خطوط النفوذ بين القوات المدعومة من الجيش التركي والأخرى التي يدعمها الجيش الأميركي والقوات الحكومية المدعومة من روسيا بين مدينتي منبج والباب بعد تحريرهما من «داعش» في ريف حلب.
وأمام القلق التركي من السلاح الثقيل والدعم الأميركي لـ«وحدات حماية الشعب» الكردي الذراع العسكرية لـ«الاتحاد الديمقراطي»، وافق وزير الدفاع الأميركي جيم ماتيس على تقديم وثيقة شهرية لنظيره التركي فكري إشيك تتضمن قائمة بالسلاح المسلم مع وعد باستعادته لدى الانتهاء من هزيمة «داعش». كما أن ماغورك، غير المحبوب في أنقرة، زار تركيا أكثر من عشرين مرة خلال سنتين لطمأنة نظرائه الأتراك و«تحذيرهم» من عدم إغلاق الحدود مع سوريا قرب محافظة إدلب التي باتت تتوسع عليها «النصرة»، كما فعل سابقاً لدى ممارسة ضغوط على أنقرة لـ«خنق» تنظيم داعش شرق سوريا.
اللافت، أن إدارة ترمب قررت في خضم الحرب على الإرهاب وقتال «داعش» وتمهيد الأرضية لقتال «النصرة» إلغاء البرنامج السري الذي تديره «وكالة الاستخبارات الأميركية» منذ يونيو (حزيران) 2013 لدعم «الجيش الحر» جنوب تركيا وشمال الأردن وكان أحد أهدافه دعم المعتدلين ضد المتطرفين وقتال قوات الحكومة السورية وإيجاد منصة نفوذ بالملف السوري عبر تدريب وتسليح وتمويل نحو خمسين ألف مقاتل شمال سوريا وجنوبها.
أيضا، تراقب واشنطن نتائج «التسويات» التي تقوم بها دمشق وموسكو لنقل آلاف من عناصر «النصرة» وعائلاتهم من مناطق مختلفة في سوريا وشرق لبنان إلى محافظة إدلب كان آخرهم «أبو مالك التلي» من جرود عرسال، ما أعطى الإشارة للجيش اللبناني لبدء حملة «فجر الجرود» بدعم من الجيش الأميركي لطرد «داعش» من شرق لبنان قرب حدود سوريا.

ضربات استباقية
استطاعت دول داعمة لـ«النصرة» إقناع قيادتها بتغيير اسمها إلى «فتح الشام» العام الماضي ثم التحالف مع فصائل أخرى لتشكيل «هيئة تحرير الشام» بداية العام بمشاركة فصائل أخرى. وفي مارس (آذار) الماضي، قال المبعوث الأميركي مايكل راتني في بيان: «في ضوء هذه التطورات التي حصلت، أن المكون الأساسي لهيئة تحرير الشام هي جبهة النصرة، وهي منظمة مدرجة على لائحة الإرهاب (في قرارات مجلس الأمن الدولي). وهذا التصنيف ساري المفعول بغض النظر عن التسمية التي تعمل تحتها وأي مجموعات أخرى تندمج معها، وأن هيئة تحرير الشام هي كيان اندماجي وكل من يندمج ضمنه يصبح جزءاً من شبكة القاعدة في سوريا». وزاد: «صاحب السلطة الحقيقية في هيئة تحرير الشام هو أبو محمد الجولاني، وهو المتحكم من الناحية العملياتية، وهدفه الذي يسعى إليه دائماً هو خطف الثورة. وإن منهجه ومنهج جماعته هو التغلب، الذي ما هو إلا وجه آخر للاستبداد، أما الآخرون ممن تولوا المناصب التجميلية مثل أبو جابر فهم مجرد كومبارس»، في إشارة إلى المهندس هاشم جابر الذي انشق من «حركة أحرار الشام» وترأس «هيئة تحرير الشام».
لكن الإشارة الأبلغ جاءت من ماغورك الذي قال في خطاب متلفز في «معهد الشرق الأوسط» في واشنطن قبل أسابيع، إن إدلب هي «أكبر معقل لتنظيم (القاعدة) في العالم بعد 11 سبتمبر 2011، حيث ركز تنظيم (القاعدة) على إدلب التي تضم نائب التنظيم أيمن الظواهري»، أي «أبو خيري المصري» الذي قتل بغارة أميركية ضمن سلسلة من الغارات ضربت قياديين في «القاعدة» قبل أن توقفها موسكو.
بحثت «النصرة» مرات عدة بعد سيطرة «جيش الفتح» تشكيل «إمارة» في إدلب على غرار «الخلافة» المزعومة لـ«داعش» في الرقة، لكنها اختارت التلحف بالمجتمع السوري وقتال قوات الحكومة وتأسيس شبكات خدمة وتشريعية ومدنية في مناطق وجودها وتعزيز قدرتها العسكرية بفرض أخذ حصة من الأسلحة التي تقدم للفصائل المعتدلة، إضافة إلى تدريب عناصرها وجيل جديد من المقاتلين.
وبعدما ابتلعت «جبهة ثوار سوريا» بقيادة جمال معروف في إدلب و«حركة حزم» في ريف حلب قبل سنوات، هزمت «النصرة» ضمن تحالف «هيئة تحرير الشام» منافستها «حركة أحرار الشام الإسلامية» وبسطت سيطرتها على معظم محافظة إدلب خصوصاً الشريط الحدودي مع تركيا بما في ذلك معبر باب الهوى وتواصل تخريج جيل جديد من مقاتليها. وجاء هذا بمثابة ضربة استباقية أمام الضغوطات التي تتعرض لها «النصرة» بسبب تنفيذ ثلاث من أربع اتفاقيات لـ«خفض التصعيد» شملت جنوب غربي البلاد وغوطة دمشق وريف حمص، نصت على بدء الفصائل المعارضة قتال أو إبعاد «جبهة النصرة».
من جهته، قال راتني إن الهجوم الذي شنته «هيئة تحرير الشام» ضد «حركة أحرار الشام» في إدلب «يعرض مستقبل شمال سوريا لخطر كبير، وشهد شمال سوريا واحدة من أكبر مآسيه... وفي حالة هيمنة (جبهة النصرة) على إدلب سيكون من الصعب على الولايات المتحدة إقناع الأطراف الدولية باتخاذ الإجراءات العسكرية اللازمة». وأضاف: «يجب أن يعلم الجميع أن الجولاني وعصابته هم المسؤولون عن العواقب الوخيمة التي ستحل بإدلب».
و«أحرار الشام» التي تعتبر أكبر فصيل إسلامي مقاتل اختار عناصره في إدلب عدم قتال الحلفاء في «النصرة» الذي أيضا لعب قادتها بالترهيب والترغيب دوراً في استسلام آلاف المقاتلين من «الأحرار». لكن ذلك، رسم بوادر تحالفات جديدة تضم كتلتين. واحدة بقيادة «النصرة» وتضم في جوانبها فصائل متشددة مثل «جند الأقصى» المبايع لـ«داعش»، إضافة إلى «الجيش التركستاني الإسلامي» الذي يضم نحو 2500 عنصر من الأويغور في الصين.
بعد «الحسم» كثف زعيم «النصرة» أبو محمد الجولاني اتصالاته مع كتل وشخصيات في «المعارضة المعتدلة» لإقناعهم بتشكيل «إدارة مدنية» في إدلب، إضافة إلى عرضه إلى دبلوماسيين غربيين لإرسال عناصر التنظيم لقتال «داعش» شرق البلاد.
لكن الرد الأميركي كان: «خطة (النصرة) الاختباء وراء إدارة مدنية مجرد أساليب مراوغة… وهذه الإدارة مجرد واجهة زائفة»، بعدما حذر راتني: «من الصعب إقناع الأطراف الدولية بعدم اتخاذ الإجراءات العسكرية المطلوبة» ضد إدلب.

حملة مضادة
في المقابل، تواصل فصائل في «الجيش الحر» وشخصيات معارضة حملة لإبعاد «المعتدلين» عن «النصرة» وتجنيب إدلب مصير الرقة أو الموصل، خصوصاً أن محافظة إدلب باتت تضم أكثر من مليون شخص من سكانها الأصليين ونازحين من محافظات أخرى بينها شرق حلب وريف دمشق، وهم في أمس الحاجة إلى المساعدات الإنسانية.
قيادي في «أحرار الشام» كان حذر بعد تذوق الهزيمة من «النصرة» من تحويل إدلب إلى «الرقة الثانية أو الموصل الثانية»، كما أن نشطاء حاولوا التجمع وتشكيل أجسام سياسية معتدلة تحافظ على اللون المدني المعتدل في إدلب بما في ذلك جبل الزاوية حيث تقع مدينة كفرنبل التي سميت ذات يوم بـ«العاصمة الثقافية للثورة السورية»، لكنها تخضع حالياً لحدود «النصرة».
عدد كبير من 1500 منظمة وجمعية مدنية وتنموية تعمل في مناطق المعارضة، قرر تركيز العمل في محافظة إدلب لتلبية الحاجة وصرف الموازنة بعد إغلاق الأبواب أمام مناطق أخرى بسبب سيطرة قوات الحكومة عليها أو رفض دمشق إعطاء موافقات. لكن في الأيام الأخيرة، بدأت الدول المانحة، بينها الدول الأوروبية التي صرفت 12 مليار دولار أميركي قيمة مساعدات إنسانية خلال سبع سنوات، التفكير فيما يمكن فعله بعد بسط «النصرة» سيطرتها على إدلب.
السؤال: كيف يمكن مواصلة تقديم المساعدات في مناطق هيمنة «النصرة» المصنفة بموجب قرارات مجلس الأمن الدولي تنظيما إرهابياً؟ هل وقف الدعم يخدم «النصرة» أم يضرها؟
في خضم المشاورات بين الدول المانحة والجمعيات السورية، قررت وكالة التنمية الألمانية، بوابة تنفيذ المشاريع، تعليق نشاطاتها في إدلب ما عقد العمل على باقي الدول والمؤسسات الدولية. وكان راتني قال إن واشنطن لا تزال ملتزمة توصيل المساعدات عبر قنوات تتفادى سقوطها في أيدي المتشددين، مكررا مخاوف عبرت عنها منظمات غير حكومية وهيئات معنية بتقديم المساعدات بعد مكاسبهم في الآونة الأخيرة.
نشطاء مدنيون معارضون قلقون من أن وقف التمويل للمؤسسات المدنية بمثابة إشارة أو ضوء أخضر لبدء العمل العسكري ضد إدلب.

خيارات المستقبل
تقف إدلب على مفترق طرق. موسكو منعت دمشق وطهران من تنفيذ خطة عسكرية للسيطرة على إدلب، وهي تراقب ما يحصل ووقف مع أنقرة وطهران اتفاقا لـ«خفض التصعيد» في أربع مناطق تشمل إدلب.
وقعت موسكو مع واشنطن وعمان اتفاقاً تنفيذياً يتعلق بجنوب غربي سوريا (درعا والقنيطرة والسويداء) واتفاقين آخرين يتعلقان بغوطة دمشق وريف حمص. لكن المحادثات لا تزال جارية لتوقيع اتفاق تنفيذي في إدلب. وأجرى كبار المسؤولين العسكريين في روسيا وإيران وتركيا محادثات في الأيام الماضية ركزت على إدلب. كما أن الاجتماع المقبل للدول الثلاث في آستانة، الذي تأجل قليلاً، سيتناول إدلب واحتمال رسم خطوط القتال بين «النصرة» وباقي الفصائل واحتمال نشر مراقبين وضمانات تركية لنشر الشرطة العسكرية الروسية، خصوصاً في ضوء التقديم في الاجتماع الفني الأخير لـ«ضامني» مسار آستانة.
موسكو، التي تملك قاعدتين على بعد حجر من إدلب في اللاذقية وطرطوس، تقف بين خيارين: الأولى، الرغبة في إقناع واشنطن لتشكيل جبهة مشتركة بين الجيشين الأميركي والروسي لقتال «النصرة» في إدلب باعتبار أن التحالف الدولي ضد «داعش» لا يضم روسيا والتحالف الروسي - العراقي - الإيراني - السوري لا يضم أميركا. هناك قناة اتصال بين الجيشين الأميركي والروسي في عمان وأخرى رفيعة بين واشنطن وموسكو، لكن الكرملين يريد تحالفاً عسكرياً أوسع.
الثانية، مباركة عرض تركي بقبول إيراني لتشكيل تحالف جديد باسم «سيف إدلب» لدعم فصائل في «الجيش الحر» لقتال «النصرة» في إدلب تحت غطاء مدفعي تركي وجوي روسي.
أنقرة، الغاضبة من واشنطن لميلها لدعم أكراد سوريا، بات موضوع إدلب يحظى بأولوية لتخوفها من ارتداداتها الأمنية والبشرية على جنوب تركيا. والعرض التركي إلى روسيا وإيران في إدلب، الذي يتضمن في أحد أبعاده تعاونا ثلاثياً لضد «وحدت حماية الشعب» الكردية المتحالف مع الجيش الأميركي شرق نهر الفرات وتحظى بحماية قواعده عسكرية، انطلق من تغيير الأولويات التركية التي باتت ثلاثاً: محاربة الإرهاب، الحد من مشكلة اللاجئين، منع قيام «كيان كردي» على اعتبار أن أكراد سوريا امتداد لأكراد تركيا.
طهران، ليست في عجلة من أمرها. كانت رتبت أمر قريتين شيعيتين في ريف إدلب، وهي مستعدة لدعم تنظيمات تابعة لـ«الحرس الثوري» للمشاركة مع «حزب الله» والقوات الحكومية السورية للأطباق من جهات عدة على إدلب عندما يحين الميعاد. لكن دمشق، التي تريد الجائعة إلى إدلب، تبحث عن مقاربة عسكرية تتضمن «قتل القياديين الأجانب والعرب وإيجاد مخرج للسوريين بينهم».
أما واشنطن، ترى إدلب «معقل القاعدة» لكن صلاحيات التحالف الدولي ضد «داعش» لا تشمل العمل في إدلب الخاضعة للروس. خيارات، واشنطن واسعة شرق نهر الفرات حيث تعتبر منطقة نفوذ لها وأقامت قواعد لدعم الأكراد ومقاتلين في «الجيش الحر» لقتال «داعش»، على عكس الخيارات الضيقة في «سوريا المفيدة».
واشنطن، ليست بصدد الدخول في تحالف عسكري مع موسكو، وهي تتابع الاتصالات الثلاثية إزاء إدلب، لكنها تشكك في قدرة تركيا على قتال «النصرة»، وتطلب منها خنق التنظيم ومنع وصول السلاح والمدد إليه في إدلب مع إضافتها عنصرا جديدا إلى القاموس السياسي وهو «البيئة الحاضنة» لتنظيم «القاعدة».
وما على أهل إدلب والنازحين إليها من جنوب البلاد ووسطها وشمالها وغربها وشرقها، سوى انتظار تفاهمات وصراعات دولية وإقليمية ليعرفوا مصيرهم.



ضبط خلية اغتالت أكاديمياً يمنياً وتخطط لاستهداف شخصيات أخرى

رجل أمن يقف بجوار عدد من أفراد الخلية التي تتهمها أجهزة الأمن اليمنية بالتخطيط لاغتيالات (الحكومة اليمنية)
رجل أمن يقف بجوار عدد من أفراد الخلية التي تتهمها أجهزة الأمن اليمنية بالتخطيط لاغتيالات (الحكومة اليمنية)
TT

ضبط خلية اغتالت أكاديمياً يمنياً وتخطط لاستهداف شخصيات أخرى

رجل أمن يقف بجوار عدد من أفراد الخلية التي تتهمها أجهزة الأمن اليمنية بالتخطيط لاغتيالات (الحكومة اليمنية)
رجل أمن يقف بجوار عدد من أفراد الخلية التي تتهمها أجهزة الأمن اليمنية بالتخطيط لاغتيالات (الحكومة اليمنية)

أعلنت السلطات الأمنية في عدن تفكيك خلية وصفتها بـ«الإجرامية»، واعتقال أربعة مشتبه بهم في قضية اغتيال شخصية أكاديمية، في عملية قالت إنها جاءت بعد تنسيق أمني واستخباراتي امتد إلى محافظتي أبين ولحج، بالتوازي مع مقتل وإصابة جنديين بهجوم مسلح يحتمل وقوف «تنظيم القاعدة» خلفه.

وذكر بيان رسمي لإدارة أمن العاصمة اليمنية المؤقتة عدن أن إجراءات أمنية مشددة شملت تحديد المركبة المستخدمة في تنفيذ اغتيال السياسي والأكاديمي ومدير مدارس النورس الأهلية، عبد الرحمن الشاعر والتحفظ عليها، وضبط سلاح يُعتقد أنه استُخدم في العملية، بعد عمليات ميدانية متفرقة، توزعت بين محافظات عدن وأبين ولحج، بالتعاون مع وحدات أمنية وعسكرية مختلفة.

وتفيد النتائج الأولية للتحقيقات، حسب البيان الذي نشر الأربعاء، بأن الجريمة جاءت بعد عمليات رصد ومراقبة مسبقة، وأن الخلية كانت تخطط لاستهداف شخصيات أخرى، وأكدت السلطات أن التحقيقات قادت إلى الكشف عن شبكة إضافية مرتبطة بالقضية، جرى توقيف عدد من عناصرها، مع استمرار ملاحقة الباقين.

ودعت إدارة الأمن وسائل الإعلام إلى توخي الدقة في نشر المعلومات، محذّرة من أن التسريبات غير المؤكدة قد تؤثر على سير التحقيقات أو تساعد مشتبهين فارين.

وكان مسلحون اعترضوا الشاعر، وهو قيادي في حزب «الإصلاح»، الأحد الماضي، في مديرية المنصورة وسط عدن، بالقرب من مقر عمله، وأطلقوا عليه وابلاً من النيران ما أدى إلى وفاته على الفور، ولاذوا بالفرار.

وواجهت العملية استنكاراً وتنديداً محلياً وخارجياً واسعين، ودعوات لضبط منفذيها والكشف عمن يقف وراءها، والتحذير من عودة موجة الاغتيالات وغيرها من الأعمال التي تهدد استقرار عدن ومناطق سيطرة الحكومة الشرعية.

وفي سياق متصل، قُتل جندي وأصيب آخر في هجوم مسلح استهدف طاقماً عسكرياً تابعاً للواء الثالث (دعم وإسناد) في محافظة أبين، شرق عدن، في حادثة لم تعلن أي جهة مسؤوليتها عنها حتى الآن.

ظرف رصاصة فارغ داخل السيارة التي جرى ضبطها بحوزة المضبوطين المتهمين بواقعة اغتيال في عدن (الحكومة اليمنية)

ووقع الهجوم، وفق مصادر أمنية، في وقت متأخر من ليل الثلاثاء، عندما أطلق مسلح النار على الآلية العسكرية في منطقة مفرق أورمة بمديرية مودية، قبل أن يفرّ من المكان.

وتأتي هذه الحوادث في ظل وضع أمني معقّد في جنوب البلاد، حيث تتداخل أنشطة الجماعات المسلحة مع جهود محلية مدعومة إقليمياً لمكافحة الإرهاب.

وتشهد محافظة أبين بشكل خاص أعمال عنف متقطعة مرتبطة بالتوترات الأمنية والتنظيمات الإرهابية.

ويُعتقد أن «تنظيم القاعدة في جزيرة العرب» لا يزال يحتفظ بقدرة على تنفيذ هجمات محدودة في مناطق جنوب ووسط اليمن، مستفيداً من الطبيعة الجغرافية الوعرة لبعض المحافظات مثل أبين وشبوة والبيضاء، إضافة إلى تعقيدات المشهد الأمني هناك.

منذ أعوام طويلة تشهد محافظة أبين مواجهات متقطعة بين الجيش والأمن اليمنيين وعناصر «القاعدة» (أرشيفية - رويترز)

وتُقدّر تقارير أممية أن الجماعات المتطرفة في اليمن، رغم تراجع سيطرتها المكانية خلال السنوات الأخيرة، فإنها لا تزال تمثل تهديداً أمنياً قائماً عبر عمليات متفرقة وهجمات غير تقليدية، فيما يدعو خبراء أمنيون وعسكريون إلى الإسراع بجهود تعزيز بنية الأمن ودمج مختلف التشكيلات العسكرية والأمنية في المناطق المحررة، وإنهاء تداخل الصلاحيات، بوصفها خطوات مهمة لتثبيت الاستقرار.

وفي حين تؤكد السلطات في عدن إحراز تقدم في ملاحقة الشبكات الإجرامية، يرى مراقبون أن فاعلية هذه الجهود ستظل مرتبطة بقدرتها على تفكيك البُنى الأوسع التي تقف خلف مثل هذه العمليات، وليس فقط التعامل مع منفذيها المباشرين.


أمطار تعز الموسمية تحصد الأرواح وسط غضب شعبي

سيول موسمية جارفة تضرب تعز بشكل موسمي وتتسبب بخسائر مادية وبشرية (إعلام محلي)
سيول موسمية جارفة تضرب تعز بشكل موسمي وتتسبب بخسائر مادية وبشرية (إعلام محلي)
TT

أمطار تعز الموسمية تحصد الأرواح وسط غضب شعبي

سيول موسمية جارفة تضرب تعز بشكل موسمي وتتسبب بخسائر مادية وبشرية (إعلام محلي)
سيول موسمية جارفة تضرب تعز بشكل موسمي وتتسبب بخسائر مادية وبشرية (إعلام محلي)

في محافظة تعز (جنوب غربي اليمن)، لا تُقاس قسوة الأمطار الموسمية بكمية ما تهطله من مياه، بقدر ما تُقاس بقدرة السيول المتدفقة على انتزاع الأطفال من أحضان أسرهم. إلى حدّ أن والد أحد الضحايا اختار مواجهة فاجعته بإطلاق مبادرة لإغلاق فتحات مجاري السيول في مركز المحافظة الخاضع للحكومة الشرعية، وسط اتهامات متصاعدة بإهمال طال البنية التحتية وفاقم المخاطر المحدقة بالسكان.

ولن ينسى أهالي تعز الساعات الـ17 التي أمضوها في البحث عن الطفل أيلول السامعي (11 عاماً)، قبل أن يُعثر على جثمانه خارج المدينة. وبينما كانت أسرته تستعد لوداعه الأخير، جرفت السيول طفلاً آخر ووالدته التي اندفعت خلفه محاولة إنقاذه، في واحدة من أكثر الحوادث مأساوية التي شهدتها المحافظة خلال الأسابيع الأخيرة.

وعلى الرغم من أن الطفل الثاني، مجاهد الحولي (12 عاماً)، ووالدته، أُنقذا سريعاً على يد بعض المارة، فإن والدته ستظل أسيرة ذكرى اللحظات الأخيرة التي حاولت فيها افتداء حياته بنفسها ولم تفلح. وفي حادثة أخرى، لم يجد الطفل الثالث، عمر الزبيدي (10 أعوام)، من ينتشله من الحفرة التي قذفته إليها السيول، ليلقى مصيره غرقاً.

وبالتزامن مع تلك الوقائع، تمكن عدد من الأهالي من إنقاذ طفلة في حي الروضة شمالي المدينة، بعد لحظات من جرفها بمياه الأمطار، قبل أن تبلغ مجرى أكثر خطورة. ومع ذلك، لا تزال الأرقام الحقيقية لضحايا السيول من الأطفال مجهولة، في ظل شح كبير في البيانات والمعلومات التي ترصد حجم هذه المآسي المتكررة.

وتتكرر المأساة في كل موسم بتحول الشوارع مجاري سيول مفتوحة مع رداءة التصريف وغياب أو تأخر التحذيرات، في وضع يرفض الأهالي توصيفه بكارثة طبيعية فقط، وسط غضبهم من عدم كفاءة منشآت التصريف، وتساؤلهم عن كيفية إنفاق المخصصات المالية للبنية التحتية، وأسباب تكرار الحوادث التي تبقى حتى الآن من دون إحصائيات توضح حجم الكارثة.

وتتميز مدينة تعز، ثالث أكبر المدن اليمنية، بطبيعة طبوغرافية جبلية معقدة، حيث تقع على السفح الشمالي لجبل صَبِر، ثاني أعلى قمة في اليمن بارتفاع يصل إلى نحو 3000 متر فوق مستوى سطح البحر، وتتسم بتضاريس منحدرة تتدرج عليها المباني وتتخللها الكثير من الأودية.

حماية منقوصة

يتهم السكان السلطة المحلية في تعز بالمسؤولية عن هذه الحوادث، وحسب حديث المحامي والناشط صلاح غالب لـ«الشرق الأوسط»، فإن مكتب الأشغال العامة والمكاتب في مديريات تعز أهملت التعامل مع فتحات تصريف المياه، وتركتها مفتوحة دون حماية للسكان، خصوصاً الأطفال، من الوقوع فيها.

يمنيان من الدفاع المدني داخل قناة تصريف المياه يبحثان عن طفل جرفته السيول في تعز (إعلام محلي)

واستغرب صلاح من عدم محاسبة المسؤولين سابقاً؛ ما أدى إلى تكرار المأساة بحادثتي الطفلين أيلول ومجاهد، مطالباً الجهات المسؤولة بالقيام بدورها وإقالة ومحاسبة المسؤولين المعنيين والفاشلين والمقصرين.

وحسب إحصائيات رسمية، فإن الفيضانات التي شهدتها محافظة تعز منذ أواخر مارس (آذار) الماضي، أودت بحياة 24 شخصاً وتأثرت بها أكثر من 31 ألف عائلة، مع خسائر تجاوزت 15 مليون دولار.

ويكشف بشير العليمي، مدير مكتب الأشغال والطرق في تعز، لـ«الشرق الأوسط» عن عدد من أسباب تكرار الكوارث كل عام، مثل توقف المرحلة الثالثة من مشروع حماية المدينة من كوارث السيول، وتهالك السواتر والعبَّارات وعدم صيانتها منذ إنشائها، مع غياب الإمكانات الكافية من معدات وآليات، لدى المكتب، والتي تمّ الاستيلاء عليها من قبل الجماعة الحوثية بداية الحرب.

ويشير إلى غياب الإمكانات المادية لدى مصلحة الدفاع المدني في المحافظة، وعدم كفاية المعدات لدى صندوق النظافة والتحسين ليتمكن من إزالة كل مخلفات البناء والقمامة التي يؤدي تراكمها إلى إغلاق فتحات وقنوات تصريف السيول.

المناخ المتطرف باليمن يتسبب موسمياً في سيول جارفة وأضرار واسعة (إ.ب.أ)

وأكّد المسؤول المحلي أن فترة الحرب والحصار الذي فرضته الجماعة الحوثية على المدينة شهدت توسعاً كبيراً في البناء العشوائي في الأودية ومجاري السيول ومقابل فتحات وقنوات التصريف؛ ما أدى إلى تغيير مجرى المياه ومفاقمة الكوارث الناجمة عنها.

ويتزامن كل ذلك مع عدم التزام الجهات الرسمية بإجراء الدراسات البيئية عند تنفيذ مشاريع الأحياء السكنية والطرق.

ويعدّ حيّ الكوثر، الذي شهد جرف الطفل أيلول، وحيّ وادي الدحي الذي سقط فيه الطفل مجاهد ووالدته، من أكثر أحياء المدينة عرضة لحوادث الغرق والجرف.

عبث بلا مساءلة

تصنف أحياء البعرارة ووادي القاضي وصينة، وهي ذات كثافة سكانية في تعز، بأنها مناطق خطرة في مواسم الأمطار بسبب مجاري السيول المفتوحة والتي تسببت في المواسم الماضية، بهدم الكثير من المنازل، في حين يعاني سكان حارات في حي صالة من تدفق السيول التي تباغت السكان داخل منازلهم.

أطنان من مخلفات البناء والقمامة تسحبها السيول في قناة تصريف المياه (فيسبوك)

وينبه الناشط السياسي رامز الشارحي إلى مساهمة التوسع العمراني العشوائي وغير المخطط من قِبل النافذين في مفاقمة تأثير السيول التي تتضاعف قوتها نتيجة التغيرات المناخية، خصوصاً في مديرية مشرعة وحدنان التي تقع في جبل صَبِر المطل على المدينة، وما يتبع ذلك من تغيير لمسارات المياه.

ويتفاقم الوضع، وفقاً لما قاله الشارحي لـ«الشرق الأوسط»، بسبب بقاء مخلفات البناء المتراكمة دون إزالة؛ ما يجعل السيل يكتسب طاقة تدميرية مضاعفة وهو يتجه نحو المدينة، إلى جانب أنه يسحب أطناناً من تلك المخلفات تؤدي إلى توسع انتشار المياه داخل المدينة التي تتحول بسببها بركة كبيرة.

وخلال العقود الماضية أُنْفِق ما يقارب 76 مليون دولار، لإنشاء قنوات وشبكات صرف صحي، وأحواض ترسيب، وممرات مشاة على مرحلتين ضمن مشروع حماية المدينة من كوارث السيول، إلا أن المرحلة الثالثة لم تستكمل.

الأمطار الموسمية تتسبب بأضرار كبيرة في غالبية مناطق محافظة تعز (غيتي)

وعقب غرق ابنه بأيام، أطلق الناشط السياسي عيبان محمد، مبادرة حملت اسم الطفل «أيلول»، لإغلاق فتحات السيول وإنقاذ الغرقى في المدينة، داعياً السلطة المحلية، والبيوت التجارية، والمنظمات إلى وضع معالجات جذرية، وحلول جادة لتفادي الأضرار.

وتضمنت «مبادرة أيلول» التي تبنتها إحدى المنظمات المحلية ومؤسسة «برجهوف» الألمانية المستقلة، المطالبة بتشكيل فرق طوارئ وإنقاذ مجهزة بجميع معدات الإنقاذ، ونشرها أثناء هطول الأمطار في مناطق مجاري السيول لتولى مهام الإنقاذ، وإصلاح العبَّارات، والحفاظ على ما تم إنجازه سابقاً من مشروع حماية المدينة.


مناورة عسكرية مصرية تثير «غضباً وقلقاً» في إسرائيل

وزير الدفاع المصري خلال فعاليات التدريب العسكري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)
وزير الدفاع المصري خلال فعاليات التدريب العسكري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)
TT

مناورة عسكرية مصرية تثير «غضباً وقلقاً» في إسرائيل

وزير الدفاع المصري خلال فعاليات التدريب العسكري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)
وزير الدفاع المصري خلال فعاليات التدريب العسكري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)

نفَّذ الجيش الثالث الميداني المصري، الذي يقع نطاق وجوده من السويس حتى سيناء المتاخمة للحدود مع قطاع غزة، مناورة بالذخيرة الحية، استبقها تعبير دوائر رسمية في إسرائيل عن «قلق وغضب» من قربها من الحدود.

وأعلن الجيش المصري، في بيان، الأربعاء، أن وزير الدفاع والإنتاج الحربى الفريق أشرف سالم زاهر شهد المرحلة الرئيسية للمشروع التكتيكي بجنود (بدر 2026) الذي تنفذه إحدى وحدات الجيش الثالث الميداني باستخدام الذخيرة الحية.

وحضر المناورة كل من رئيس أركان حرب القوات المسلحة الفريق أحمد خليفة، وقادة الأفرع الرئيسية، وعدد من المحافظين وأعضاء مجلسي النواب والشيوخ، إلى جانب عدد من قادة القوات المسلحة.

تلك المناورة، التي لم يحدد الجيش المصري موقعها كما هو معتاد في البيانات العسكرية، «ليست قريبة من الحدود»، وفق تصريحات الخبير العسكري المصري اللواء سمير فرج، الذي أشار إلى أن مصر تجري مثل هذه المناورات سنوياً، لكن هناك «مبالغة» و«تضخيماً» من الإعلام في إسرائيل مع اقتراب الانتخابات هناك.

جانب من فعاليات التدريب العسكري المصري بالذخيرة الحية (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)

وخلال المناورة، قال قائد الجيش الثالث الميداني، اللواء أحمد مهدي سرحان، إن رجال الجيش الثالث الميداني «يبذلون أقصى جهد للحفاظ على أعلى معدلات الكفاءة والاستعداد القتالي، بما يمكّنهم من تنفيذ كافة المهام التي توكل إليهم للدفاع عن أمن وسلامة الوطن مهما كلفهم ذلك من تضحيات».

المشروع التكتيكي «بدر 2026»

تضمنت المرحلة الرئيسية للمشروع مهام عدة، منها إدارة أعمال القتال لتطوير الهجوم بمعاونة عناصر من القوات الجوية التي نفذت طلعات للاستطلاع والتأمين والمعاونة لدعم أعمال قتال القوات تحت ستر الوقاية المحققة لوسائل وأسلحة الدفاع الجوي ونيران المدفعية لإسكات وتدمير دفاعات العدو ووسائل نيرانه وعرقلة تقدم الاحتياطات، وفق البيان.

وأشاد وزير الدفاع المصري في كلمته بالجاهزية والاستعداد القتالي العالي للعناصر المشاركة بالمشروع وتنفيذ المهام القتالية والنيرانية بدقة وكفاءة عاليتَين، مؤكداً أن ما تم تنفيذه من أنشطة ومهام تدريبية خلال المشروع «يبعث برسالة طمأنة للشعب المصري» على قواته المسلحة واستعدادها القتالي لحماية الأمن القومي على جميع الاتجاهات الاستراتيجية.

وقال اللواء فرج في تصريحاته لـ«الشرق الأوسط» إن المناورة جرت في غرب القناة بالقرب من مدينة السويس، وتمت بناء على خطة تدريبية سنوية موضوعة منذ بداية العام، «وهي حق لمصر، وفي أرضها، وكل الجيوش في العالم تجري تدريبات متواصلة معتادة».

مزاعم الإعلام الإسرائيلي

استبقت المناورة العسكرية تقارير إعلامية إسرائيلية تحدثت عن غضب وقلق إزاءها، وأنها تقترب من الحدود، كان أبرزها حديث عضو الكنيست عميت هاليفي، من حزب «الليكود» الذي يقوده نتنياهو، الذي قال إن «الجيش المصري يجري تدريبات عسكرية في محافظة سيناء بين 26 و30 أبريل (نيسان) الحالي».

وقال هاليفي، في بيان متلفز، الاثنين: «التدريبات ومناورات الرماية التي أعلن الجيش المصري أنه سيجريها على حدودنا، على بعد 100 متر من البلدات المتاخمة للحدود، ليست إلا عرضاً لصورة أوسع، وأكثر إثارة للقلق»، زاعماً أن مصر تنتهك اتفاقية السلام الموقّعة مع إسرائيل «بشكل ممنهج»، وأنها «تُنشئ بنية تحتية قتالية في سيناء وتشيد جيشاً حديثاً ضخماً».

وأضاف: «الورقة التي وُقّعت عليها الاتفاقية لن تحمي (إسرائيل) من الخطر ولن تحمي السكان».

أعمال قتالية بالذخيرة الحية شهدها التدريب العسكري المصري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)

وبرأي فرج، فإن المزاعم الإسرائيلية «محاولة لتجييش الداخل الإسرائيلي قبل الانتخابات المرتقبة، ودعاية انتخابية، واستخدام فزَّاعة للداخل لتحقيق الحكومة الحالية مكاسب سياسية ومحاولة استمالة الناخبين».

وشدد على أن «مصر تتمسك بالسلام خياراً استراتيجياً، ولم تخترق معاهدة السلام مع إسرائيل على مدار خمسة عقود»، لافتاً إلى أن «إسرائيل تحاول بهذا الجدل إثارة التوترات بهدف تحقيق مكاسب داخلية».

وكان موقع «والا» الإخباري الإسرائيلي قد زعم أن الجيش المصري «سيُجري تدريبات ورماية بالذخيرة الحية من يوم 26 إلى 30 أبريل على مسافة لا تتجاوز 100 متر فقط من خط الحدود»، لافتاً إلى أن لواء «فاران» التابع للجيش الإسرائيلي أبلغ منسقي الأمن في المستوطنات القريبة من الحدود بتلقي تحذير استثنائي بذلك. فيما نقلت القناة السابعة الإسرائيلية بياناً عن منتدى «غلاف إسرائيل»، وهو هيئة غير سياسية، يعرب عن غضبه من إقامة تلك التدريبات بالقرب من الحدود.

«عقيدة الردع»

وقال الخبير العسكري والاستراتيجي المصري اللواء عادل العمدة إن مناورات «بدر 2026» هي بالأساس «تأكيد للجاهزية، وتدريب دوري طبيعي، وجزء من عقيدة الردع الدفاعي، وليست إعلان نوايا هجومية، خصوصاً في ظل وجود اتفاقات سلام مستقرة بين البلدين منذ كامب ديفيد».

وأضاف قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن وسائل الإعلام الإسرائيلية «تميل غالباً إلى تضخيم أي تحرك عسكري في المنطقة، خصوصاً إذا كان متعلقاً بدولة بحجم وثقل مصر. وهذا مرتبط بثقافة (الإنذار المبكر) داخل المجتمع الإسرائيلي، التي تتعامل بحساسية عالية مع أي نشاط عسكري قريب من الحدود».

واستطرد قائلاً إنه في بعض الأحيان «تُستخدم التغطية المبالغ فيها داخلياً في إسرائيل لتبرير موازنات الدفاع، أو لتأكيد سردية التهديدات المحيطة»، مؤكداً أن مصر «تتحرك في إطار بناء قوة ردع جاهزة، وهو سلوك طبيعي لأي دولة في بيئة إقليمية غير مستقرة».

ومنذ حرب غزة في 2023، تتعدد ملفات الخلاف بين مصر وإسرائيل، ومنها ما يتعلق بالأوضاع في قطاع غزة، وتحميل إسرائيل مسؤولية عدم البدء في تنفيذ المرحلة الثانية من «اتفاق وقف إطلاق النار»، وكذلك عدم الفتح الكامل لمعبر رفح من الجانب الفلسطيني مع وجود رغبة إسرائيلية في السيطرة عليه، وملف تهجير الفلسطينيين، والوجود الإسرائيلي في «محور فيلادلفيا»، والتأكيد المصري على ضرورة إيجاد مسار سياسي لدولة فلسطينية.