عروض كثيرة منها «لويس فويتون»، و«فالنتينو»، و«سان لوران»، و«ميوميو»، أكدت لنا أن موضة موسمي الربيع وصيف المقبلين تدور حول السفر وثقافات بعيدة تتراقص على حرفية متوارثة وتقنيات متطورة في الوقت ذاته. «فالنتينو» طاف بنا بين روما وأفريقيا، و«سان لوران» غاص في ثقافة الشارع وأخذنا إلى مهرجانات موسيقية.. وهكذا.
ما انتبه له صناع الموضة وراعوه أن زبونتهم الجديدة تسعى للانخراط في نادٍ قوي ومضمون، يمكن التعرف عليه من النظرة الأولى، لكن من دون أي «لوغوهات» واضحة. وهذا ما لبته أسابيع الموضة العالمية عموما، وباريس خصوصا. فالعملية في عاصمة الأناقة والنور تلخصت في إبداع أزياء تتجاوز المواسم والزمن، وتعكس في الوقت ذاته شخصية صاحبتها وميولها ومركزها الاجتماعي وتطلعاتها. دار «فالنتينو» مثلا قامت برحلة مثيرة إلى قلب أفريقيا السوداء، حيث استقت أشكالا بدائية حولتها في ورشاتها بروما إلى تحف فنية تعبق بسحر يشد الأنفاس، إلى حد أنه يتهيأ لك أنك تسمع دقات الطبول تتصاعد مع كل خطوة تقوم بها العارضات، وترى تطريزاتها الغنية بالترتر أو الخرز أو العقيق الناعم ترقص على إيقاعات هذه الطبول.
التوجه إلى أفريقيا ليس جديدا، فالقارة السوداء كانت وستبقى ملهما كبيرا للمصممين. ففي عام 1967، قدم الراحل إيف سان لوران تشكيلة بعنوان «أفريكان» رفعت أسهمه عاليا. حينها استقى الكثير من التفاصيل من قبائل مالي. ورغم أنه ترجم هذه التفاصيل باستعمال مكثف للرافيا والألوان الصارخة وغيرهما، فإنها لمست وترا حساسا لدى المرأة التي كانت تتوق لشيء مختلف وجديد.
في عام 2000، قدم ألكسندر ماكوين بدوره تشكيلة بعنوان «إيشو» ارتدت فيها العارضات أقنعة مخيفة تستحضر رقصات بعض القبائل قبل الحرب أو الغزو، إلى جانب إكسسوارات ضخمة. وفي عام 2005 اكتفى جون بول غوتييه بشعر مستعار بتسريحات أفريقية، كذلك الأمر بالنسبة لمارك جايكوبس عندما كان مع «لويس فويتون». فالإكسسوارات تبقى أضمن لبيع التشكيلة، وفي الوقت ذاته تفيد في زيادة البهارات في أي عرض. الأزياء في المقابل تحتاج إلى مهارة «فكرية» ويدوية في الوقت ذاته عند صياغتها، حتى تتجنب الكليشيهات، لأن الغوص في ثقافة الغير محفوف بالمخاطر، وإمكانية الوقوف في مطب الفلكلور والنمطية واردة بشكل كبير.
الثنائي بيير باولو بيكيولي وماريا غراتزيا كيوري، مصمما «فالنتينو»، أكدا لنا أنهما محصنان، بفضل تمكنهما من أدواتهما الرومانية التي لا يتخليان عنها مهما كانت الوجهة غنية ومترفة. هذه القناعة جعلت توجههما إلى أفريقيا السوداء، بريشها ونقشاتها ونغماتها، رحلة تدغدغ كل الحواس، نتابعها وكأننا نقرأ واحدة من روائع الأدب، أو كأننا نمتع العين بلوحة فنية أبدعتها ريشة رسام مبدع. بيير باولو بيكيولي فسر هذه النقطة قائلا: «نحن لا نريد رسم بطاقة سفر بريدية، فالتشكيلة غنية بثقافتنا الإيطالية، وكل ما أردناه هو خلق توازن جديد بين ثقافة قبائلية وبين إرثنا الخاص». ترجمة هذا القول جاءت على شكل حوار فكري وفني مبني على احترام ثقافة الغير من جهة، وإرث روماني قديم ومترسخ من جهة ثانية، لهذا كانت النتيجة أكثر من متعة للحواس. فقد غطيت فساتين سهرة شفافة بتطريزات غنية منحتها بعدا ثلاثيا، لتلقي بتحية إجلال للأنامل الناعمة في روما، التي لا تقل خبرة أو مهارة عن مثيلاتها في باريس، بدليل أن العديد من الفساتين تحاكي بجمالها الـ«هوت كوتير»، خصوصا أن المصممين حقناها بجرعات محسوبة بعيدة عن المبالغة، سواء تعلق الأمر بتطريزات استعملت فيها آلاف الأحجار الدقيقة أو الريش والأهداب ونقشات «باتيك» وغيرها. حتى أقنعة الزولو وإكسسوارات الماساي طبعتها نكهة أوروبية خفيفة، لأن أفريقيا كانت الملهم، بينما كل شيء آخر، بما في ذلك التنفيذ، ظل إيطاليا محضا. وهذا تحديدا ما منح التشكيلة نكهتها الدافئة.
ما يُحسب للمصممين، ويؤكد عبقريتهما أيضا، أنهما لم يتعمدا أي إثارة حسية، ومع ذلك جاءت كل قطعة بحشمتها وغموضها مفعمة بأنوثة طاغية تضمن للمرأة التألق فيها أيا كان المكان أو الزمان، والأهم من هذا التعرف على لمساتها الـ«فالنتينية» من النظرة الأولى، ومن دون أي لوغو يُرخصها. العديد من القطع، وعددها 89، تميزت بياقات عالية وأكمام طويلة، وهذا ما يجعلها تستحق وقفة تصفيق طويلة ويخول لها دخول خزانة أي واحدة تستطيع لها سبيلا.
في المقابل، كان عرض «سان لوران»، بكل ديناميكيته، يلعب على المكشوف من خلال فساتين قصيرة بياقات مفتوحة غلبت عليها بصمة أسلوب الـ«غرانج»، الذي تم إجهاضه في التسعينات، إلا أن هادي سليمان مصر على إعادته إلينا بأسلوب أكثر إغراء. وهو إصرار لا يضاهيه سوى إصراره على ثقافة الشارع التي يركز عليها منذ أن تسلم زمام الدار رغم تعرضه للكثير من الانتقادات بسبب ذلك، على أساس أنه أسلوب لا يبرر الأسعار النارية التي ترتبط به. يمكن أن يكون عنادا أو إيمانا برؤيته، إلا أن هادي سليمان ظل يعيده لنا في كل موسم بشكل أو بآخر، إلى أن نجح أخيرا في إقناعنا به من الناحية الفنية. أما من الناحية التجارية فقد نجح منذ البداية، حتى وإن كان هذا النجاح يعتمد على الإكسسوارات. فهذا لا يُقلل من شأنه، بالنظر إلى أن العديد من بيوت الأزياء تعتمد في استمراريتها على حقائب اليد والأحذية، وإن كان هادي سليمان يحاول جاهدا أن يغير هذه الحقيقة بالتركيز على أزياء لكل المناسبات، وبيعها لنا هي الأخرى من خلال تنسيق حيوي يجمع الشبابية بالأناقة.
الصورة التي رسمها سليمان لموسمي الربيع والصيف المقبلين هي لشابة تعشق الموسيقى ولا تفوت حضور مهرجانات مثل «غلاستنبوري» رغم الأمطار والوحل والطقس المتقلب الذي يرتبط به وأصبح جزءا من ثقافته، بأن منحها فساتين أنيقة وخفيفة تناسب أجواء الصيف، يمكن أن تضيف إليها جاكيتات من الجلد أو كنزات صوفية مفتوحة في حال تغير الطقس، لكن في أغلب الأحيان مع أحذية عالية الساق من المطاط وتيجان تزين الرأس. مظهر يبدو غريبا بتناقضاته، لكن ما إن يتبخر تأثير الصدمة الأولية حتى تبدأ في تقديره وتتوق للحصول عليه. وليس هناك أدنى شك في أن العديد من الفتيات تنفسن الصعداء، لأنه مظهر لن يمنحهن الراحة والإحساس بالانطلاق فحسب، بل أيضا الحق في مزج هذه المتناقضات من دون أن يتنازلن عن الأناقة الراقية التي تقترن باسم «سان لوران». وحتى إذا لم ينجح هادي سليمان في بيع هذه الأزياء لكل الشرائح نظرا لأسعارها النارية، فإنه حتما سينجح في بيع أسلوب سينتشر انتشار النار في الهشيم في الموسمين المقبلين.
من ناحية أخرى، أرسل سليمان، إلى جانب أزياء النهار، مجموعة فساتين طويلة للمساء والسهرة، وكأنه يريد أن يذكرنا بأن «سان لوران» ستطرح قريبا تشكيلة «هوت كوتير» لزبونات الدار المهمات، بعد أن توقفت لسنوات طويلة. فقد تقاعد الراحل إيف سان لوران وأغلق هذا الجانب، لأسباب صحية وأسباب أخرى، على رأسها حزنه على مصير الـ«هوت كوتير» وكيف أصبحت كينونتها تعتمد على بيع منتجات التجميل والإكسسوارات. لكن إيف سان لوران رجل، ومن الخطأ أن يُترك إرث غني مثل ذلك الذي خلفه من دون أن يستغله هادي سليمان. فأحوال السوق حاليا تتطلب تنازلات ومداراة في الوقت ذاته.
نقطة يُدرك نيكولا غيسكيير، مصمم دار «لويس فويتون» الحالي، أهميتها جيدا، لكنه ترجمها بطريقة وتناقضات رقمية مستمدة من أبطال كارتونية، مزج فيها الجلد بالموسلين أو الحرير مثلا، ونقشات تجريدية بأخرى كارتونية لكن دائما بإيقاعات عصرية. الملاحظ أن نيكولا غيسكيير، ومنذ أن التحق بـ«لويس فويتون» في عام 2014، ظل يتلمس طريقه فيها، ويجس نبضها ببعض الوجل، أو ربما كانت نظرتنا هاته نابعة من توقعاتنا الكبيرة منه. فبعد 15 عاما قضاها في دار «بالنسياجا» قلب فيها الموازين، محققا لها الكثير من النجاح الفني والتجاري، كنا نتوقع أن يقوم بثورة مماثلة في «لويس فويتون» من أول عرض، الأمر الذي لم يحدث، لكنه حدث هذا الموسم. فقد اكتسبت تصاميمه قوة وشخصية جديدة، وكأنه محا ماضيه في «بالنسياجا» من الذاكرة ليركز على إرث «لويس فويتون» ومستقبلها، وهو ما تستشعره بمجرد دخول القاعة بديكورها المستقبلي وشاشاتها الضخمة، ومع بدء العرض يزيد هذا الشعور لأن الصنعة والحرفية تمازجتا مع الـ«بوهيميا الرقميّة» والتقنيات المتطورة بشكل عجيب، لا سيما إذا تعلق الأمر بالقطع المنفصلة التي تخاطب شابة عاملة عموما. الجميل فيها أنها مناسبة للنهار والمساء على حد سواء، من التنورات المطرزة بالقطع المعدنية والجاكيتات المستوحاة من تلك التي يستعملها راكبو الدراجات النارية، أو التي رسمت عليها نقشات كارتونية مبتكرة أو بنطلونات بقصات متنوعة، إلى جانب كم من القطع المصنوعة من الجلد الناعم الذي خضع بعضه لتقنيات القص بالليزر ليبدو وكأنه دانتيل.
مثل هادي سليمان، فاجأنا نيكولا غيسكيير بمجموعة كاملة من فساتين السهرة، بعضها مصنوع من التول المطرز بالخرز والترتر وأخرى بالحرير والموسلين، في إشارة إلى توسع الدار إلى مجالات جديدة واجتهاد المصمم في وضع بصمته الخاصة لا سيما أن تاريخ الدار في مجال الأزياء جديد، بدأ مع مارك جايكوبس، مقارنة بتاريخها في مجال الجلديات الذي يتعدى القرن، وهو ما يمنحه فرصة للانطلاق والإبداع بحرية.
الجلود مهمة بالنسبة لميوتشا برادا، أيضا، وهو ما أكده عرضها الأخير من خط «ميوميو». فقد استعملته بسخاء إلى جانب الفرو والحرير وخامات أخرى كثيرة كان المراد منها تقديم تشكيلة متنوعة لفتاة شابة تريد أن يأخذها العالم بجدية، سواء كانت سكرتيرة أو فنانة أو سيدة أعمال. وإذا كان الأمر كذلك بالنسبة للأزياء، فهو مختلف تماما بالنسبة للإكسسوارات خصوصا الأحذية التي ذكرتنا بحقب الديسكو بجرأة أشكال كعوبها العريضة والعالية التي زينتها نقشات بألوان مختلفة ومتضاربة أحيانا. لكن دائما بفنية تتقنها السيدة برادا وتعرف مسبقا أنها ستبيع لشريحة معينة من الفتيات رغم اختلافها الصادم. الدليل على هذه الثقة أن خط «ميوميو» ينمو في كل موسم ليسجل أرباحا لا يستهان بها في ظل الأزمة التي تعاني منها العديد من بيوت الأزياء الكبيرة بسبب تباطؤ الاقتصاد الصيني وتراجع قدراته الشرائية للمنتجات المترفة. فقد سجلت في شهر مارس (آذار) الماضي ارتفاعا بنسبة 4 في المائة، والفضل يعود إلى إكسسواراتها تحديدا، كونها لافتة ومبتكرة في الوقت ذاته، مما يجذب زبوناتها إليها. بيد أن هذا لا يعني أن الأزياء لا ترقى إلى مستواها، بل العكس، فالمعاطف مثلا تعتبر من الكلاسيكيات التي لا تخيب الظن فيها، لأنها تبقى معها لمواسم طويلة بتصاميمها المبتكرة، وهو ما تعرفه ميوتشا برادا وتركز عليه حتى في موسمي الربيع والصيف حين لا تكون الحاجة إلى هذه القطعة ماسة. لكن، بحسها الأنثوي، تعرف أنها عندما تأتي بتصميم قوي مع لمسة «ريترو»، فإن الفصول تتوارى إلى الخلف وتلح على بنات جنسها رغبة واحدة وهي الحصول عليها بأي ثمن.
أما اللافت في عرض «ميوميو» فهو وقوع المصممة تحت سحر الملابس الداخلية التي ظهرت في الكثير من العروض كأزياء للنهار والمساء، من عرض «ديور» و«بالنسياجا» إلى «ميوميو». الفرق هنا أن السيدة برادا استعملت الكثير منه فوق قطع أخرى حتى تخلق لعبة السميك والشفاف من جهة، وتمنح المرأة الفرصة لاستعمالها حسب ظروفها وبيئتها وذوقها، من جهة ثانية.
«فالنتينو».. «سان لوران».. «لويس فويتون» و«ميوميو».. رحلات مثيرة تتأرجح بين الحلم والواقع
صناع الموضة يحاولون افتتاح نوادٍ جديدة تنخرط فيها امرأة شابة وعالمية
من عرض «فالنتينو»
«فالنتينو».. «سان لوران».. «لويس فويتون» و«ميوميو».. رحلات مثيرة تتأرجح بين الحلم والواقع
من عرض «فالنتينو»
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة













