issue17507

أكتوبر 1( ً بعد سنتين وواحـــد وعشرين يــوما )، خـرج 2026 أكــتــوبــر 22 - 2024 » «تــشــريــن الأول محافظ مـصـرف ليبيا المــركــزي، نـاجـي عيسى، من الـــبـــوابــة الـخـلـفـيـة لـلـمـصـرف إثــــر عـــودتـــه مـــن مهمة خـــارجـــيـــة؛ حــيــث م ُُـــنِِـــع مـــن دخـــــول مـكـتـبـه ورافــقــتــه مجموعة مسلحة حـتـى بـيـتـه. وقـبـل وصــولــه، كـان المحافظ الجديد المكلف فوزي أبو خزام، قد بلغ مقر المصرف في طرابلس برتل مسلح ومرفوقا بأقاربه، حسبما تــداولــت وسـائـل إعلام، معلنا بـدايـة حلقة أخـــرى مــن مسلسل عـائـلـي جــديــد. الــوصــول شبََّهه بــعــض المــحــلــلين بــالاقــتــحــام الــعــســكــري. ومــــن جهة أخــــرى أثــــار المـــوكـــب الـعـائـلـي مــوجــة سـخـط شعبي في مواقع التواصل الاجتماعي، مما اضطر جهاز الـــرقـــابـــة الإداريـــــــة إلــــى الـــتـــدخـــل، حـسـبـمـا أُُفـــيـــد بــه، باستدعاء أقــارب المحافظ المكلف الذين رافـقـوه في الرتل المسلح، وظهروا معه في صور وسائل الإعلام والتحقيق معهم وسحب جوازات سفرهم. الأمـــر دُُب ِِّــــر بـلـيـل. كـــان المـحـافـظ الـسـابـق ناجي أغـــســـطـــس (آب) الماضــــــي، 9 عــيــســى قــــد تــــقــــدم، فــــي باستقالة مـن نسختين. وُُجـهـت الأولـــى إلــى رئيس مجلس النواب السابق عقيلة صالح، والأخـرى إلى رئيس المجلس الأعلى للدولة محمد تكالة، مطالبا بإعفائه من منصبه لأسباب وصفها بالـ«حساسة» من دون الإفـصـاح عنها. وقوبلت الاستقالة وقتها بـرفـض فـــوري مــن المـجـلـس الأعــلــى وبـعـض اللجان الــبــرلمانــيــة حــــرصا عــلــى الاســـتـــقـــرار المالــــــي، لـيـعـود عيسى إلى ممارسة مهامه مشترطا تنفيذ تفاهمات إصلاحية وتطبيق «الاتفاق التنموي الموحد». ، وبشكل مفاجئ، قررت 2026 أكتوبر 22 وفـي هــيــئــة رئــــاســــة مــجــلــس الــــنــــواب الـــجـــديـــدة بــرئــاســة الـــصـــالـــحين عــبــد الــنــبــي، قــبــول الاســتــقــالــة المــودعــة لــديــهــا مــنــذ أغــســطــس مـــبـــدئـــياً، تــمــهــيــدا لـعـرضـهـا على المجلس. وصـرح ناجي عيسى حينها بأنه لم يقدم استقالة جديدة، بل إن البرلمان فعّّل استقالته الـسـابـقـة نتيجة ضـغـوط وخلافــــات محتدمة حـول اعتراضه على زيــادة الإنـفـاق الحكومي بالمليارات. المحافظ السابق أخفق في الإيفاء بوعوده للشعب باستعادة عافية الدينار الليبي، الأمر الذي أفضى إلى وصول سعر الدولار، حسبما يتداول، إلى نحو دنانير في السوق الموازية. 10 المحافظ المكلف فوزي أبو خزام لم يحصل بعد على موافقة المجلسين (النواب والأعلى) رسمياً، بل نـال تكليفا مـؤقـتا مـن هيئة رئـاسـة مجلس النواب لإدارة المصرف، فيما تضاربت التقارير بشأن موقف المجلس الأعـلـى للدولة الــذي ورد أنـه رفـض الـقـرار. واســتــنــادا إلـــى تـقـاريـر إعلامـــيـــة لــم يـتـسـن التحقق منها، أوقـف مصرف الاحتياط الفيدرالي الأميركي حــســاب مــصــرف لـيـبـيـا المـــركـــزي لــديــه لـــحين تـعـيين محافظ بشكل رسمي. ورغم صدور بيان توضيحي من المركزي يصف الإجراء بالأمر العادي عند تعيين إدارة جـديـدة، رد خبراء ماليون واقتصاديون بأن «الفيدرالي الأميركي» لن يعيد تفعيل الحساب ما لم يتم التوافق القانوني على تسمية المحافظ رسمياً. يمكن تلخيص المشهد في ثلاث نقاط أساسية حددها خبراء القانون والمال والاقتصاد: الأولـــى، أن الأزمـــة شرعية قانونية. فما يهدد الاســتــقــرار المالــــي فــي ليبيا لـيـس شـخـص المحافظ المــكــلــف، بـــل آلــيــة تـكـلـيـفـه. غــيــاب المــوافــقــة الـرسـمـيـة المـــشـــتـــركـــة مـــــن مـــجـــلـــســـي الـــــنـــــواب والأعـــــلـــــى يـــدفـــع المـؤسـسـات الـدولـيـة لتجميد التعامل مـع المصرف، مما يوقف الاعتمادات وحركة الأموال. الـثـانـيـة، أن الــســوق المـــوازيـــة المـتـحـكـمـة بسعر الــــدولار مـقـابـل الـديـنـار تحركها المـــخـــاوف. وصــول دنانير في 10 سعر الــــدولار، حسبما يــتــداول، إلــى الأيــــام القليلة الماضـــيـــة هــو رد فـعـل مـبـاشـر لحالة الـــغـــمـــوض الأمـــنـــي والـــســـيـــاســـي (اقـــتـــحـــام المــصــرف وتجميد الحسابات)، حيث تقود المضاربة والهلع الأسعار أكثر من المؤشرات الاقتصادية الفعلية. الثالثة، أن جــذور الــخلاف تتمثل في (الإنفاق الـــحـــكـــومـــي): يــكــمــن الــــصــــراع الــحــقــيــقــي فــــي رغــبــة الأطــــراف السياسية -فــي شــرق الـــبلاد وغـربـهـا- في الإنـــفـــاق المـــوســـع، مــقــابــل مـــحـــاولات إدارة المــصــرف الـسـابـقـة وضـــع كـــوابـــح لـلـحـفـاظ عـلـى احـتـيـاطـيـات النقد الأجنبي، وغياب هذا التوازن سيُُبقي الضغط مـسـتـمـرا عـلـى الـــديـــنـــار. وتـغـيـيـر مـحـافـظ بــآخــر لن يفضي إلى حل الأزمة. في عالم تمزقه المخاوف من النقص واختناقات الإمــداد، من النفط إلى الرقائق الإلكترونية مرورا بالعمالة الماهـــرة، وفـي ظل قلق متزايد من العجز المالـــــي الــحــكــومــي، يــبــدو الــفــائــض مـشـكـلـة نتمن ََّى جميعا أن تكون لدينا. فأفكار تـومـاس مالتوس، رجل الدين البريطاني الذي رأى أن النمو السكاني سيؤدي حتما إلى الندرة، ما زالت تثير الخوف في نفوسنا، أمــا فـكـرة أن لدينا أكـثـر مما ينبغي فلا تثير أي قلق من هذا النوع. غــيــر أن الـــفـــكـــرة الــقــائــلــة بـــوجـــود فـــائـــض في كــــل شــــــيء، ولا ســيــمــا فــــي رأس المال، لا يـنـبـغـي اســتــبــعــادهــا بــســهــولــة. بـــل يـمـكـن تــصــويــر جميع المشكلات الاقتصادية التي يعيشها العالم حالياً، والـــتـــي تـسـبّّــب هـــذا الـــقـــدر مـــن الــســخــط، عـلـى أنـهـا نتيجة لهذا الفائض. هذه، على الأقـل، هي الحجة التي يسوقها مارك تشاندلر، المحلل المخضرم في أســواق الـعـملات الأجنبية، الــذي يعمل هـذه الأيـام لدى شركة «بانوكبيرن غلوبال فوركس»، في كتابه الجديد «الفائض: تاريخ الإفــراط ونهاية الهيمنة الاقتصادية»، وهو كتاب طموح يستحق أن يحظى بقراءة واسعة. ويــتــمــثّّــل اهــتــمـــام تــشــانــدلــر الأول فـــي إعــــادة إحياء أفكار المفكر والاقتصادي تشارلز كونانت، الذي عاش أواخر القرن التاسع عشر. فلم يكن في وسع أحد أن يكون أكثر تأثيرا منه في حياته؛ إذ التمس الرؤساء ويليام ماكينلي وثيودور روزفلت وويليام هوارد تافت جميعا مشورتََه في السياسة الاقـتـصـاديـة الـدولـيـة والإصلاحـــــات الـنـقـديـة. وفي الفلبين، وهي إحدى دول كثيرة قد ََّم إليها المشورة في إطار حملته للدبلوماسية الاقتصادية، عُُرفت الــعــمــلــة المــعــدنــيــة الـــجـــديـــدة، الـــتـــي ط ُُـــرحـــت بــــديلا عـن الــــدولارات الفضية الإسبانية القديمة، باسم «الكونانتات». وخلال تلك الحقبة الحاسمة عند مطلع الــقــرن الماضــــي، حين أفـسـح الـعـصـر المـذهـب الـــطـــريـــق أمــــــام الـــعـــصـــر الـــتـــقـــدمـــي وحــــلََّــــت أمــيــركــا محل بريطانيا العظمى بصفتها قـوة اقتصادية مــهــيــمــنــة، أدََّى كـــونـــانـــت دورا لا يــقــل أهــمــيــة عن الـدور الذي سيؤديه جون ماينارد كينز وميلتون فريدمان في الأجيال اللاحقة. وعلى خلاف هذََين الـعـملاقََين، فقد طـواه النسيان إلى حد بعيد. ومع أن الـعـالـم يـبـدو وكــأنََّــه يتلمس نــمــوذجا ليس هو الاقـتـصـاد المختلط المرتبط بكينز وحقبة مـا بعد الحرب، ولا نموذج الليبرالية الاقتصادية المطلقة المستلهم مــن فـريـدمـان الـــذي ظـــل فــي صـعـود منذ ثمانينات الــقــرن الماضــــي، فـمـن المنطقي أن نـعـود إلى كونانت الآن. لُُخ ِِّصت أهم نقاط كونانت في أن الرأسمالية قد تسفر عن تراكم مفرط في المدخرات، لا فـي السلع فحسب، وأنََّـــه حين يتزاحم رأس مال أكثر من اللازم على فرص أقل من اللازم، فقد يؤدي ذلك إلى زعزعة استقرار الاقتصاد. وهذه بالضبط النقطة التي أثارها كيفين وارش، الرئيس الجديد لمــجــلــس «الاحـــتـــيـــاطـــي الـــفـــيـــدرالـــي»، أمـــــام مـؤتـمـر لـ«مجموعة الـعـشـريـن» فـي أغسطس (آب). ويـرى تشاندلر نفسه أن ََّه «يواصل حوارا بدأ في منتصف القرن التاسع عشر، لكن ََّه خرج من دائرة الاهتمام». ولـــــهـــــذا الــــســــبــــب، شــــــرع كــــونــــانــــت فـــــي الــعــمــل مـــســـتـــشـــارا لـــحـــكـــومـــات أجـــنـــبـــيـــة، مـــــحـــــاولا دفــعــهــا إلـــــى جـــعـــل بـــلـــدانـــهـــا آمـــنـــة للاســـتـــثـــمـــار الأمـــيـــركـــي. ََّــاه فـقـد أقـلـقـه أن الـــولايـــات المــتــحــدة تـعـانـي مـــا سـم «المنافسة المدمرة»، وهي مشكلة رأى أن الرأسمالية عـاجـزة عـن حلها مـن خلال عملية البقاء للأصلح الداروينية التي استحوذت على اهتمام كثير من المفكرين فـي ذلــك الــوقــت. وكـــان يعتقد أن الأصلح لـــن يـبـقـى بـــالـــضـــرورة، لأن الـــشـــركـــات تــحــتــاج إلــى تـكـالـيـف ثـابـتـة بـاهـظـة لـتـصـنـع مـنـتـجـاتـهـا، وهـي قــــادرة أيـــضا عـلـى اقــتــراض مـبـالـغ كـبـيـرة، وهـــو ما «قلب النموذج الكلاسيكي رأسا على عقب»، على حد تعبير تشاندلر. لم يعد صحيحا أن الشركات التي تصمد أمـام الـركـود الاقتصادي أو فترة فرط العرض ستكون الأكثر كفاءة، أو الأكثر ابتكاراً، أو الأقـــدر على تلبية مطالب المستهلكين. بـل ستكون الــشــركــات الأكــثــر امـــــتلاكا لــلــمــوارد المالـــيـــة الـوفـيـرة والأقـــــدر عـلـى اسـتـيـعـاب الـخـسـائـر هــي الـتـي تملك فرص الاستمرار في المنافسة. وبعد مرور قرن على أفكار كونانت، تبدو «المنافسة المدمرة» التي تحدث عـنـهـا أشــبــه كـثـيـرا بـمـا يـسـمـيـه الـصـيـنـيـون الـيـوم «الانكفاء التنافسي». فمكافحة الإنتاج الضخم غير المربح أولوية لدى بكين، لكن إلى أن تتمكن من كبح الفائض الهائل في السيارات الكهربائية والألـواح الشمسية وغـيـرهـا، فـــإن أفـضـل حلولها هـو إغــراق بقية العالم به، ما ينشر المشكلات على نطاق أوسع. وتــــحــــاول الـــــصين الــتــعــامــل مـــع هــــذه المــســألــة بوصفها مشكلة اقتصادية دوريــة يمكن ضبطها بسياسة اقتصادية صـارمـة بما يكفي. أمــا حجة كونانت، كما يرويها تشاندلر، فهي أنها ظاهرة تــراكــمــيــة ســتــواصــل الــتــصــاعــد تـــدريـــجـــياً. ومــــا لم يـوجـد عـامـل تصحيحي داخـــل نـظـام الــســوق، فلا يمكن كبحها ببساطة. ومــــع أن الــتــشــابــه مـــع اســتــنــتــاجــات كـونـانـت أوضح في حالة الصين، لأنه يتعلق بسلع م ُُصن ّّعة، فـــإن الـفـائـض مشكلة بـالـقـدر نفسه مــن الضخامة فـي الـعـالـم الـغـربـي. وهـــذا أمــر لا يحظى بالتقدير الكافي. ويقول تشاندلر: «أعتقد أن كثيرا من خبراء الاقـــتـــصـــاد يــنـــظــرون إلــــى الـــفــائـــض بــوصــفــه حـالـة خــاصــة، ســــواء فــي الــــصين أو قــطــاع الــســيــارات أو صناعة الصلب. أما أنا فأرى أنه يقدم نظرية عامة أو تفسيرا عاماً». ويــشــيــر تــشــانــدلــر إلــــى أن فـــائـــض رأس المال الـبـاحـث عـن مـجـال للاسـتـثـمـار يمكن عـــدّّه محركا ، بل للأزمة المالية 1929 رئيسيا للانهيار الكبير عام عقود. وقد أسهمت أفكار 8 العالمية التي وقعت بعد كونانت في دفع اتجاهات بالغة الأهمية يبدو الآن أنـهـا تـنـاقـض بعضها بــعــضاً. فـقـد كـانـت سياسة «الصفقة الجديدة» ونماذج «دول الرفاه» الكينزية فـي حقبة مـا بعد الـحـرب وسـائـل لاستيعاب رأس المال الفائض، وهو ما شجع عليه كونانت. وكذلك كــــان تــنــامــي الإمـــبـــريـــالـــيـــة الأمـــيـــركـــيـــة فـــي أمــيــركــا اللاتينية، الذي أيده كونانت بصورة مباشرة في مقال بعنوان «الأســاس الاقتصادي للإمبريالية»، وهــو مـوقـف قـد يُُــفـسـر، ولــو جــزئــياً، سبب سقوط الرجل من دائرة الاهتمام سقوطا تاماً. وربـمـا كـان الأمــر أشـد إثـــارة للقلق أن نموذج فـــائـــض رأس المال -بـــوصـــفـــه الــــقــــوة الاقـــتـــصـــاديـــة المـحـركـة الـحـاسـمـة- ينسجم انــســجــاما بــديــعا مع الـــتـــاريـــخ الـــعـــام لــلــقــرن الــعــشــريــن، إذ أتــــاح الــدمــار الناجم عن الحربََين العالميتََين انطلاق دورات نمو جـــديـــدة، ثـــم أطــلــقــت وفــــرة الأمــــــوال المـــتـــجـــددة بعد العنان للنزعة الاستهلاكية الأميركية، 1945 عـام فـي نـمـوذج يريد كثيرون الـيـوم محاكاته بوصفه وسيلة لتحقيق النمو. * بالاتفاق مع «بلومبرغ» الرئيس التنفيذي جمانا راشد الراشد CEO Jomana Rashid Alrashid نائب رئيس التحرير Managing Editors Editorial Consultant in KSA Aidroos Abdulaziz Camille Tawil Saud Al Rayes Deputy Editor-in-Chief مديرا التحرير مستشار التحرير في السعودية محمد هاني Mohamed Hani الأمير أحمد بن سلمان بن عبد العزيز عيدروس عبد العزيز كميل الطويل سعود الريس 1987 أسسها سنة 1978 أسسها سنة هشام ومحمد علي حافظ رئيس التحرير غسان شربل Editor-in-Chief Ghassan Charbel «المركزي» الليبي والأرتال المسلحة «المنافسة المدمرة» في عالم تمزقه مخاوف كثيرة OPINION الرأي 13 Issue 17507 - العدد Tuesday - 2026/11/3 الثلاثاء جمعة بوكليب *جون أوثرز

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky