issue17507

OPINION الرأي 12 Issue 17507 - العدد Tuesday - 2026/11/3 الثلاثاء وكيل التوزيع وكيل الاشتراكات الوكيل الإعلاني المكـــــــاتــب المقر الرئيسي 10th Floor Building7 Chiswick Business Park 566 Chiswick High Road London W4 5YG United Kingdom Tel: +4420 78318181 Fax: +4420 78312310 www.aawsat.com [email protected] المركز الرئيسي: ٢٢٣٠٤ : ص.ب ١١٤٩٥ الرياض +9661121128000 : هاتف +966114429555 : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: www.arabmediaco.com هاتف مجاني: 800-2440076 المركز الرئيسي: ٦٢١١٦ : ص.ب ١١٥٨٥ الرياض +966112128000 : هاتف +9661٢١٢١٧٧٤ : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: saudi-disribution.com وكيل التوزيع فى الإمارات: شركة الامارات للطباعة والنشر الريـــــاض Riyadh +9661 12128000 +9661 14401440 الكويت Kuwait +965 2997799 +965 2997800 الرباط Rabat +212 37262616 +212 37260300 جدة Jeddah +9661 26511333 +9661 26576159 دبي Dubai +9714 3916500 +9714 3918353 واشنطن Washington DC +1 2026628825 +1 2026628823 المدينة المنورة Madina +9664 8340271 +9664 8396618 القاهرة Cairo +202 37492996 +202 37492884 بيروت Beirut +9611 549002 +9611 549001 الدمام Dammam +96613 8353838 +96613 8354918 الخرطوم Khartoum +2491 83778301 +2491 83785987 عمــــان Amman +9626 5539409 +9626 5537103 صحيفة العرب الأولى تشكر أصحاب الدعوات الصحافية الموجهة إليها وتعلمهم بأنها وحدها المسؤولة عن تغطية تكاليف الرحلة كاملة لمحرريها وكتابها ومراسليها ومصوريها، راجية منهم عدم تقديم أي هدايا لهم، فخير هدية هي تزويد فريقها الصحافي بالمعلومات الوافية لتأدية مهمته بأمانة وموضوعية. Advertising: Saudi Research and Media Group KSA +966 11 2940500 UAE +971 4 3916500 Email: [email protected] srmg.com هــل تــكــون فـرنـسـا هــي مــوقــع الـــصـــدام بين الـتـيـاريـن الغربيين الكبيرين المتصارعين على مدى القارّّة الأوروبية وأمـــيـــركـــا الــشــمــالــيــة؛ الــتــيــار الــقــومــي المــحــافــظ المــتــشــد ّّد، المتمحور حول مسائل الهويّّة والعائلة والأمن والهجرة، والـتـيـار الـيـسـاري الأمــمــي المـلـتـزم بـالمـطـالـب الاجتماعية وقـضـايـا الـعـالـم الـثـالـث، المنفتح على المـهـاجـريـن، وعلى أشـكـال الـحـيـاة الـفـرديـة والعائلية غير التقليدية؟ طـالما كانت فرنسا هي بلد الثورات المجتمعية والفكرية، المنتقلة بـعـد حين إلـــى أوروبـــــا، وأحـــيـــانا الــعــالــم. ويــبــدو الـوضـع الفرنسي قبل ستة أشهر من الانتخابات الرئاسية المقبلة مقبلا على مرحلة من التوت ّّر وإرادة الحسم، يصعب حصر نتائجها، وذلـك للمرّّة الأولــى منذ نهاية الحرب العالمية الثانية قبل ثمانين عاماً. إلى حد الخشية من التوج ّّه إلى ما يشبه «الحرب الأهلية». لماذا؟ من علامـات القلق غير المعهود في الوضع الفرنسي أن ثـمـة احــتــمــالا قــــويا لـــوصـــول الــتــيــار الــقــومــي المـحـافـظ المـتـشـدّّد (مـــا يُُــعــرََف بـالـيـمين المــتــطــرّّف) إلـــى ســـدّّة الحكم فــي الانـتـخـابـات الـرئـاسـيـة المـقـبـلـة. يـشـك ّّــل هـــذا الاحـتـمـال ظــاهــرة جــديــدة لــم تـشـهـدهـا فـرنـسـا عـلـى مـــدى الـثـمـانين عــاما الماضـيـة. فمنذ نهاية الـحـرب الكبرى الثانية حتى اليوم، لم يصل ولا مرة إلى حكم فرنسا لا التيار القومي المتشد ّّد، الممثل منذ زمن طويل بحزب «التجم ّّع الوطني»، ولا الــتــيــار الماركـــســـي الأمـــمـــي، الــــذي طــــالما تـمـحـور حـول «الــحــزب الـشـيـوعـي الـفـرنـسـي» المــوالــي تـاريـخـيا لموسكو الـسـوفـيـاتـيـة. كـــان الـحـكـم الـفـرنـسـي طـــوال هـــذه الـثـمـانين عــاما معقود الـلـواء على الـــدوام إمـا للقوميين المعتدلين، ورمـزهـم الأبـــرز شــارل ديـغـول، أو للاشـتـراكـيين المعتدلين هم أيـضاً، ورمزهم الأبـرز فرنسوا ميتران، ولمن يـدور من شخصيات وأحــزاب حولهم في دائـرة الاعتدال الواسعة. أما اليوم، وبعد الفشل الذي انتهت إليه عشر سنوات من حكم ماكرون، فهذه الدائرة المعتدلة، بيمينها ويسارها، تشهد ما يشبه الانهيار الكبير، الذي يرتفع فوق أنقاضه ن متشد ّّدان: ظل مارين لوبان من جهة، وظل جان لوك ا ظل ّا ميلونشون مــن الـجـهـة الأخــــرى، مــع احـتـمـال كبير بفوز لوبان في المعركة الرئاسية المقبلة. وتـــشـــيـــر اســــتــــقــــصــــاءات الــــــــرأي الــــعــــام إلـــــى حــصــول فــي المائــــة مــن الأصـــــوات في 34 مــاريــن لــوبــان عـلـى نـحـو في 17 الـــدورة الأولـــى، وجــان لــوك ميلونشون على نحو في المائـة، 15 المائــة، والمحافظ المعتدل إدوار فيليب نحو فـي 15 والاشــــتــــراكــــي المـــعـــتـــدل رافــــايــــل غــلــوكــســمــن نـــحـــو المائـة. وفي الـدورة الثانية، إذا كانت المواجهة بين لوبان ومــيــلــونــشــون، فـسـتـفـوز لـــوبـــان بــأكــثــريــة ســاحــقــة، وإذا كانت بينها وبين فيليب أو غلوكسمن، فستفوز بأكثرية محد ّّدة. يقول منطق الأمـــور، إذا كـان أخصام لوبان يأملون بمعركة متكافئة بعض الشيء معها، فلا بد أن يواجهوها بفيليب أو غلوكسمن، ويدفعوا في هذا الاتجاه. لكن ما يـحـدث هـو عكس ذلــك تــمــاماً، إذ يلقي ميلونشون بثقل حـزبـه وثـقـل الـقـوى المـتـشـدّّدة المتحالفة مـعـه، ليكون هو ولـيـس ســـواه فــي مـواجـهـة لـــوبـــان، رغـــم كــل الـــدلائـــل التي تشير إلـى هزيمته المـدويـة فـي هـذه الحالة. فكيف نفس ّّر هذا المسار الغرائبي، وإلى ماذا يشير؟ هناك تفسير واحد: سياسة حافة الهاوية التي قر ّّر أن ينتهجها ميلونشون على رأس اليسار الأممي الفرنسي. وهي سياسة بالغة الخطورة بمعانيها ونتائجها. على الـرغـم مـن أن مجرى التاريخ هـو ظـاهـرة بالغة الـتـعـقـيـد تــدخــل فـيـهـا عـــوامـــل مـوضـوعـيـة لا حـصـر لـهـا، داخلية وخارجية، فثمة مكان مهم فيها لـ«العامل الذاتي» الـذي يمثله الأفـراد القادة. وفي مجرى التاريخ الفرنسي الــــراهــــن، «الـــعـــامـــل الــــذاتــــي» الأكـــثـــر تــأثــيــرا هـــو جــــان لــوك ميلونشون. عاما قرّّر 75 كأن هذا الرجل الثوري البالغ من العمر الرئاسية معركته الأخيرة الكبرى، 2027 أن تكون معركة بصرف النظر عن النتائج والمخاطر الجسام، ليس عليه، بل على فرنسا. والاستراتيجية الموعودة هي التالية: بما أن جميع الدلائل تشير إلى فوز مارين لوبان وما تمثّّله، فلم يعد مــن سبيل فــي الأشــهــر الـسـتـة المقبلة إلا تـأجـيـج الـصـراع الـداخـلـي وإيـصـالـه إلــى حـــدّّه الأقـصـى، والتلويح بخراب الــــبلاد، وإشــاعــة الــخــوف الكبير فــي صـفـوف الفرنسيين من انهيار الهيكل على رؤوسهم إذا تجرأوا على إيصال لـوبـان إلـى قصر الإلـيـزيـه. ويعتقد ميلونشون أنـه يملك أدوات الـتـخـويـف عـبـر المـتـشـدّّديـن فــي صـفـوف تنظيمه، حزب «فرنسا العصية» (وليس «الأبية» كما هو شائع في العربية)، وعبر جماعات الإسلام السياسي المتحالفة معه القادرة على تعبئة مجتمعات المهاجرين، بالإضافة إلى الأحـــزاب اليسارية الصغيرة بالغة التطرف، التي تحلم بـ«المنازلة الكبرى». وثمة تيار قوي داخل هذا التحالف لا يهمه ماذا سيصيب فرنسا من جرّّاء ذلك. ويــبــقــى الـــــســـــؤال: هــــل الــــخــــوف الــــــذي ســيــعــم الـــــبلاد والــعــبــاد سـيـمـنـع وصــــول لـــوبـــان إلـــى قـصـر الـــرئـــاســـة، أم سيدعم وصولها؟ ســـواء كـنـت مـؤمـنا بالسردية الـتـي تعتبر فلسطين ، وطردوا أغلب 1948 أرضا عربية احتلها الصهاينة عام شعبها من أرضهم، أم كنت مؤمنا بالسردية الصهيونية بـأنـهـا أرض المـيـعـاد الـتـي عـــاش فيها الـيـهـود مـنـذ آلاف الـــســـنين وعـــــادوا إلـيـهـا مـــن الــشــتــات، فــإنــه فـــي الـحـالـتين كلتيهما هناك يهود وُُلـــدوا في إسرائيل عقب احتلالها ، وهناك عرب ظلُُّوا موجودين في أرضهم رغم 1948 عام قيام دولـة إسرائيل، بما يعني أن «المستقبل الطبيعي» يجب أن يضمن تـعـايـشا بين الـيـهـود والــعــرب على هذه الأرض، وأن تغيير طبيعة الدولة العبرية لتصبح دولة مـدنـيـة يـعـيـش عليها الـجـمـيـع سـتـظـل مـعـركـة مـشـروعـة مهما شهدت من انتكاسات، حتى أصبحت حاليا أقرب إلى الأحلام. والحقيقة أن ما جرى من تكتل قومي وديني وعلى أساس الهوية من النخب الحزبية والسياسية اليهودية بـمـا يـشـبـه الإجـــمـــاع، كـــان مــن أجـــل عـــدم الـــدخـــول فــي أي تـحـالـف مـــع الأحــــــزاب الــعــربــيــة، ومــنــه حــديــث المـعـارضـة بزعامة غادي آيزنكوت بأن أي تحالف مع أي من القائمتين العربيتين سيعني فقدان ثقة الناخب اليهودي الذي بات ينظر، ليس فقط إلى القوائم العربية وإنما إلى الوجود الــعــربــي فـــي فــلــســطين الــتــاريــخــيــة، عــلــى أنــــه عــــبء يجب إقصاؤه والتخلص منه، لا دمجه في المنظومة السياسية واعتبار العرب مواطنين يكون الاتفاق والاختلاف معهم على التوجه السياسي؛ لا على هويتهم القومية كعرب. وقد اعتبر رئيس الـوزراء الحالي بنيامين نتنياهو مــجــرد التفكير فــي إقــامــة تـحـالـف مــع الأحـــــزاب العربية عـارا وخيانة لدولة إسرائيل، ورك ََّــز طـوال سنوات حكمه على تكريس القطيعة مـع الأحـــزاب العربية، باعتبارها «خـطـراً» على الـدولـة، حتى دفـع معظم أحــزاب المعارضة اليهودية -بما فيها أحزاب الوسط وبعض الأحزاب التي تصف نفسها باليسار- إلى التماهي مع توجهاته، فباتت لا تنظر إلــى الأحـــزاب العربية على أنـهـا يمكن أن تكون شـريـكا مـحـتـملا فـي تشكيل الـحـكـومـة، وإنـمـا اعتبرتها تهديدا لشرعيتها وسط الناخبين الذين باتوا يشاركون بهم ََّة في عملية الإقصاء المنظم للوجود العربي والأحزاب العربية، ليقتصر دورهـم على المشاركة في الانتخابات، ومحاولة تمثيل الهموم المحلية لعرب إسرائيل من دون أي مشاركة في السلطة التنفيذية. وأصبحت الدولة العبرية بهذه الممارسات استثناء كــونــياً. صحيح أن بـلـدا مـثـل أمـيـركـا عـــرف نـظـام تمييز عـــرقـــي، ولــكــنــه عــــاد مــنــذ أكـــثـــر مـــن ســتــة عـــقـــود وأســـس نـــظـــاما ســـيـــاســـيا طــبــيــعــياً، ودمـــــج أقــلــيــتــه الـــســـمـــراء في نــظــامــه الــســيــاســي، وانــتــخــب الــشــعــب الأمـــيـــركـــي رئــيــسا أســبــق مـــن أصــــول أفــريــقــيــة. كـمـا أن الأحــــــزاب الـرئـيـسـيـة تسعى لاستقطاب الناخبين من أصــول لاتينية وعربية وأفريقية لصالح مرشحيها، كما شهدنا في انتخابات التجديد النصفي وغيرها، ولا تستبعدهم وتقول لهم أو لبعضهم: ليس لكم الحق في الحكم لأن أصولكم العرقية ليست مثل الأغلبية البيضاء. أمــا فـي أوروبـــا التي تعرف صـعـودا لأحـــزاب أقصى الــــيــــمين، ويـــــــروج الـــبـــعـــض فــيــهــا لـــخـــطـــاب عـــنـــصـــري فـي مـواجـهـة المـهـاجـريـن والمـــواطـــنين الأوروبــــــيين مــن أصــول مهاجرة، وجدنا في الوقت نفسه أحزابا أوروبية ليبرالية ويسارية تسعى لاستقطاب هــؤلاء بين صفوفها، حتى أصبحوا قوة تصويتية وسياسية حقيقية في مواجهة اليمين المتطرف، وشهدنا انتخاب ع ُُم ََد في مدن كبرى من المسلمين، مثل لندن وغيرها. «فـيـتـو 2026 إن الــــــدول الـطـبـيـعـيـة لـــم تـــفـــرض فـــي عـرقـياً» على أقلية بعينها إلا في إسرائيل، ولـم تمارس دولة مؤسسات وقانون هذا العزل لما يقرب من ربع عدد سكانها إلا الـدولـة العبرية التي بنت نظاما ديمقراطيا فــريــدا يـخـص فـقـط المـــواطـــن الــيــهــودي، عـلـى عـكـس بقية دول الـــعـــالـــم الـــتـــي قـــد يـــحـــدث فـيـهـا تـمـيـيـز ونـــــرى فيها خـطـابا عنصريا لعرقلة نجاح مرشح مـن أصــول عرقية غير بيضاء، كما حدث مع زهـران ممداني، ولكن لا أحد يجرؤ «مـن الرئيس حتى الغفير» على أن يقول لـه: «لن تكون عمدة نيويورك لأنك من أصـول مسلمة»، أو يضع «فيتو» على الفائزة في الانتخابات المحلية لمدينة برلين، والمرشحة الأبرز لرئاسة حكومتها، إليف إرالب؛ لأنها من أصول تركية. صحيح أن الانتخابات الإسرائيلية كشفت عن قدرة النظام السياسي على استيعاب تنافس وصراعات حادة بين الأحـــــزاب الـسـيـاسـيـة الـيـهـوديـة، إلا أنـــه أســـس نظام نقاء عرقي بامتياز قائما على العقيدة الدينية، ويمارس إقــــصــــاء مـــقـــنـــنا عـــلـــى أســــــاس الـــهـــويـــة والأصـــــــل الــعــرقــي والـقـومـي، بـصـورة لا يمكن أن نجدها فـي أي نظام آخر في العالم. سواء أعيدت الانتخابات الإسرائيلية مرة أخرى أم لا، وسواء قََبِِلت المعارضة اليهودية بوجود دور للنواب العرب في إسقاط رئيس الـبـرلمان المؤيد لنتنياهو أم لا، فإن اقتصار دورهم على اختيار رئيس برلمان أو المساهمة الخفية في تشكيل حكومة معارضة ضد نتنياهو، يمثل خللا هيكليا في بنية النظام السياسي الذي قن ََّن الإقصاء الــعــرقــي والــقــومــي والــديــنــي فـــي الــنــصــوص الـدسـتـوريـة (يهودية الدولة) وفي الممارسة العملية. ثــمــة مــقــولــة فـــي الــســيــاســة: ســهــل أن تــبــدأ الـــحـــرب، لـكـن صـعـب إنـــهـــاؤهـــا؛ هـذا بالضبط ما وقعت فيه إسرائيل وأميركا فــــــي حــــربــــهــــمــــا عــــلــــى إيـــــــــــــران. فـــالـــرئـــيـــس الأميركي دونالد ترمب اعتبر أنه انتصر، وقادة إيران (الجدد) قالوا إنهم انتصروا، فـي حين ربــط رئـيـس الــــوزراء الإسرائيلي بـــنـــيـــامين نــتــنــيــاهــو الانــــتــــصــــار بــســقــوط النظام الإيــرانــي. ورغــم هـذه التناقضات، ثمة حقيقة لا ينكرها أحــد أن الـحـرب في طريقها لتغيير خـريـطـة الــشــرق الأوســـط قـــاطـــبـــة. فــــإيــــران بــعــد الـــحـــرب لـيـسـت كما قبلها، وأوراقـــهـــا الميليشياوية أصبحت أقل فاعلية، واضطرت بهذا التغيير إلى أن تنتقل من نظرية الدفاع المتقدم إلى نظرية الهجوم المباشر. ومع تبني نظرية الهجوم أصـــبـــحـــت الــــحــــرب بين إســـرائـــيـــل وإيــــــران حـربا مباشرة، ومعركة وجودية لا يمكن الاســــتــــسلام فـيـهـا أو الـــتـــراجـــع؛ وبــوجــود تــرمــب فـــي الــســلــطــة، وبـــقـــاء نـتـنـيـاهـو في الـحـكـومـة بـعـد الانــتــخــابــات الإسـرائـيـلـيـة أصبح التصعيد أمرا محتما ما دام أطراف الـنـزاع لا تتراجع ولا تتنازل. هـذا العناد يقفل الأبـــواب أمــام الدبلوماسية، ويفتح سـلـم التصعيد إيــمــانا بـــأن الــطــرف الآخــر سيتراجع، وبهذه القناعة تصبح الحرب حتمية، ومعها تنفتح المنطقة كلها على تغيرات كبرى. ثمة مؤشرات على هذه التغيرات على المستويين الإقليمي والدولي: إقليميا ثمة قناعة لدى دول المنطقة التي لا ناقة لها في هـذه المواجهة التي ستكون على أرضها، وتـــــــدرك أنـــهـــا ســتــتــعــرض لأضـــــــرار كــبــرى لـكـونـهـا لـــم تــكــن تـفـكـر أصلا بــالمــواجــهــة، ُُــلّّ ولا تـكـن عــــداءًً، ولا لديها أطــمــاع، بـل ج اهتمامها تطوير مرافقها، وتعزيز علاقات الــــجــــوار مـــع إيـــــــران. وبـــمـــا أنـــهـــا سـتـواجــه ضربات إيرانية لإربـاك الولايات المتحدة، وتـــهـــديـــد اقـــتـــصـــاد المــنــطــقــة، واســتــلــحــاقا الاقتصاد العالمي بدأت دول الإقليم ترسم واقـــعا جـديـدا للمنطقة هـدفـه بـنـاء حائط قوي ضد أي اعتداءات تطولها، وبالوقت ذاتــــه تُُــفــع ّّــل الــدبــلــومــاســيــة، والــوســاطــات لتخفيف وطـــأة الــحــرب المـــدمـــرة. وتجس ّّد هــــذا الــتــوجــه بـتـحـالـفـات بـعـضـهـا تـشـك ََّــل قبل الحرب وبعضه بعدها؛ فالاتفاقيات الإبراهيمية السابقة للحرب تعززت أكثر، وترسخت قناعة أطرافها أن خيارها كان صـائـباً، وفـي المقلب الآخـر ظهرت اتفاقية مـــكـــة وبـــهـــا تــعــهــد المــــوقّّــــعــــون (بــاكــســتــان والسعودية وتركيا) بالدفاع عن أراضي أي دولة تتعرض لاعتداء؛ وثمة ترجيحات أن تنضم مصر للاتفاقية وربما دول إسلامية أخرى. هذه التشكلات والتحالفات هدفها ليس هجوميا بل دفاعي، وتمرير رسالة واضحة للمعتدي أنـه لن يستفرد بدولة، بــل سـيـواجـه تـحـالـفـات مــن دول ذات ثقل عسكري ودبـلـومـاسـي واقــتــصــادي؛ هكذا سيضطر المـعـتـدي إلـــى إعــــادة حـسـابـاتـه، وتوقعاته، حتى ولو كان مؤدلجا للعظم. لا شك أن إيران، رغم تكتمها، ترى في هذه المتغيرات تهديدا حقيقيا بعد خسارة زنــــــار مــيــلــيــشــيــاتــهــا، وأصـــبـــحـــت بـمـسـار الأحـــداث أمـام خيارين: خيار الاسـتـسلام، وهذا ما ترفضه مطلقاً، أو خيار المواجهة الشمشوني: هدم المعبد على الجميع. هذا المنطق الشمشوني جنوني لأنــه سينزل أضـــــــرارا كـــبـــرى بـــــدول المــنــطــقــة وبــالمــقــابــل ســـيـــدمـــر إيــــــــران كـــلـــيـــة، والـــســـبـــب أن دول المنطقة بتحالفاتها الجديدة تنبهت لذلك، وعــــــززت قـــدراتـــهـــا الـــدفـــاعـــيـــة، واســتــعــدت بـــمـــا يـــكـــفـــي لـــلـــمـــواجـــهـــة إذا مـــــا فُُـــرضـــت عليها قسراً. ولعقلنة إيــران تندرج زيـارة وفــــد دول اتــفــاقــيــة مــكــة لـــطـــهـــران لإعــطــاء الدبلوماسية نافذة تُُخرج إيران من موقع الانتحار، وتدمير المنطقة؛ فـدول اتفاقية مـــكـــة تــســعــى بــــدافــــع الـــعـــقلانـــيـــة لمــســاعــدة إيران في مفاوضاتها مع أميركا، وإيجاد مـخـرج، وعرقلة خطط نتنياهو الهادفة، مـثـل إيــــران، للتغول عـلـى المـنـطـقـة، وخلق توازنات عسكرية تضمن للجميع العيش بــــسلام. ويــبــدو مــن الأصــــوات الـقـادمـة من إيـــــران أن الــقــيــادة لــم تـسـتـوعـب بـعـد هـذه الـرغـبـة الدبلوماسية الـصـادقـة، بـل ربما تــراهــن عـلـى الــــصين وروســـيـــا فــي المـعـركـة المصيرية في حين الــصين يُُفرحها تقليل هيمنة أميركا على الطاقة والممرات، لكنها لا ترغب في حرب غير مباشرة مع أميركا تضر بتجارتها، وتـضـرب صدقيتها مع حـلـفـائـهـا الــــعــــرب؛ كـــذلـــك روســـيـــا تـسـاعـد ََّـــارة وبــــهــــدف المــقــايــضــة مـع إيـــــــران بـــالـــقـــط ترمب، ويبدو أنها نجحت بدليل انحيازه لــهــا، ورفــــع الـحـظـر الـنـفـطـي عـنـهـا، وعـقـد صـــفـــقـــات مــعــهــا فــــي ألالـــســـكـــا لاســـتـــخـــراج المعادن الدقيقة. هذا التقارب الروسي مع ترمب، بسبب إيران وغيره، يمنح الرئيس الـروسـي فلاديـمـيـر بــوتين ورقـــة للموازنة بين أميركا والـــصين ويجنّّبه الـوقـوع في أسـرهـمـا بــدافــع الاضـــطـــرار. هـكـذا تتشكل المـــعـــادلـــة الـــدولـــيـــة وفــــق قــنــاعــة أن الـــصين لا تريد أن تكون بـــديلا للولايات المتحدة في المنطقة، بل تريد أن تستفيد من الدور الأمـــيـــركـــي لــتــعــزيــز تـــجـــارتـــهـــا، وبــالــوقــت ذاتـــه توسيع تحالفاتها مـع دول المنطقة تــجـــاريا وربــمــا مـسـتـقـبلا عــســكــرياً. كذلك تدرك روسيا أن عودتها للمنطقة صعبة، ولهذا تركز على أوكرانيا وإنـهـاء الحرب بتسوية تمنحها أكبر قـدر مـن مطالبها، وبــأمــل فــي أن تنفتح عـلـى أمـيـركـا لتعيد تجديد صناعاتها وتـجـارتـهـا، وتشغيل اقتصادها. يـــــــدرك قـــــــادة إيــــــــران هـــــذه المـــتـــغـــيـــرات ويـحـاولـون دونـمـا شـك تجنب مطباتها، لـــكـــنـــهـــم مـــــحـــــشـــــورون بــــالآيــــديــــولــــوجــــيــــا والقناعة بأن التنازل سيجر تنازلات، وأن أمــيــركــا لا يــوثََــق بـضـمـانـاتـهـا، وبـالـتـالـي فــــإن خــيــارهــم الـحـتـمـي يـبـقـى شـمـشـونـيا بـامـتـيـاز. هـــذا الـخـيـار تـــدرك مــضــاره دول اتفاقية مـكـة؛ ولـذلـك كــان اجـتـمـاع طهران فرصة أخيرة لعقلنة إيران. إسرائيل والاستبعاد على أساس الهوية اليسار الأممي الفرنسي وسياسة حاف ّّة الهاوية إيران بين خيار شمشون أو دبلوماسية اتفاقية مكة أحمد محمود عجاج عمرو الشوبكي أنطوان الدويهي

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky