issue17496

منذ فبراير (شباط) الماضي، وعقب مقتل المرشد عـلـي خـامـنـئـي، ظــل الــســؤال الــجــوهــري، الـــذي يشغل بال المتابعين للشأن الإيراني: هل قُُتل نجله وخليفته مجتبى إلى جانبه، أم أنه لا يزال على قيد الحياة -أو شبه حي- ليتولى زمام القيادة؟ بـــادئ الأمـــر، اعتقد الجميع تـقـريـبا أنــه قـتـل، إذ كان من الغريب أن يكون الناجي الوحيد -وسليما إلى حد كبير- من هجوم استهدف منزل والده، وأسفر عن مقتل جميع من كانوا فيه. كما أن اختفاءه دونما أثر لأيام عدة جاء ليعزز هذا الاعتقاد. بــعــد ذلـــــك، تــبــدلــت الأمـــــــور؛ إمــــا لأنــــه اتـــضـــح أن الرجل على قيد الحياة بالفعل، وإمــا لأن أحـد كتاب السيناريو الموهوبين في إيران، خط سيناريو عبقريا عن إحالة خامنئي الأب إلـى التقاعد ليحل خامنئي الشاب محله. وعلى أثر ذلك، ظهر الشعار الآتي على آلاف اللوحات الإعلانـيـة والــجــدران فـي أنـحـاء إيــران: «خامنئي عاد شاباً!». وأضــــــاف كـــاتـــب الــســيــنــاريــو تـــحـــولا جـــديـــداً؛ إذ أعلن الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان أنه تواصل مــع «المـــرشـــد» الــجــديــد. وجــديــر بـالـذكـر هـنـا أن كلمة «تــواصــل» يمكن تأويلها بأشكال مـتـعـددة: بـــدءا من اللقاء المـبـاشـر، أو عبر تطبيقات الاتـصـال المـرئـي أو الهاتفي... وصـــولا إلـى الحمام الـزاجـل، أو مـن خلال جلسات تحضير الأرواح! ومـا إن استسلم عـدد كــاف مـن الـنـاس لنصيحة الشاعر كوليريدج بإرجاء الشكوك للاستمتاع برواية مــا، حتى قيل لنا إن المـرشـد الـجـديـد منح بزشكيان استقبالا شخصياً، تلاه استقبال آخـر للعميد علي عبد اللهي، الــذي تـولـى، لفترة طويلة، إدارة المجمع الاقتصادي والتجاري التابع لـ«الحرس الثوري». وفـــــي غـــضـــون ذلــــــك، اســـتـــمـــرت وســــائــــل الإعلام فـي بـث تـصـريـحـات منسوبة لمجتبى، للحفاظ على هذه الرواية حية. ومع ذلـك، ثمة تساؤل يطل برأسه الآن: هـــل نـحـن بــصــدد مــشــاهــدة مـنـعـطـف جــديــد في هـذه الــروايــة؟ فـي الـواقـع، هناك وقـائـع حديثة تشير بالإيجاب. ن َّن فـي الـبـدايـة، قيل لنا إن رئيس الجمهورية عي وزيــــــرا جـــديـــدا لـــلـــدفـــاع -قــــــرار لـــطـــالما ظـــل حـــكـــرا على «المــرشــد الأعــلــى»، على مـــدار ثلاثـــة عـقـود على الأقــل. واللافـــــت أن الـــوزيـــر الــجــديــد مـــهـــرداد أخلاقـــــي، ليس عسكريا مـحـتـرفاً، بـل بيروقراطي كــان يدير الجناح التصنيعي العسكري لـ«الحرس الثوري». تحول غير عادي آخر تمثل في تسمية بزشكيان للعميد مجيد أمين رضا، مستشارا عسكريا للرئاسة -مـنـصـب جـديـد يشير إلـــى تغيير كبير عــن الـــروتين المستقر، الذي كان يتواصل فيه الرئيس مع المؤسسة العسكرية عبر مكتب المرشد الأعلى، والمعروف باسم «بيت المرشد». خطوة أخرى لافتة تمثلت في إعلان القائد العام لـ«الحرس الثوري»، اللواء أحمد وحيدي، أن القوات ّّــق» أنـشـطـتـهـا مـــع الـجـيـش شــبــه الـعـسـكـريـة «ســتــنــس النظامي عبر وزارة الدفاع، في تجاوز آخر لـ«البيت». وفـي الـوقـت ذاتـــه، صـدر إعلان عـن منح الجيش الـنـظـامـي، الـسـيـطـرة عـلـى الـسـاحـل الإيـــرانـــي لمضيق هرمز، بينما يسيطر «الحرس الثوري» على الجانب العماني. كما أُُسندت للجيش مسؤولية إدارة الحدود الإيرانية المضطربة مع باکستان والممتدة على طول كيلومترات، إضـافـة إلــى سيطرته على الحدود 905 الأفغانية. وهذا الترتيب يمنح «الحرس الثوري» إمكانية تـعـزيـز وجــــوده عـلـى الـــحـــدود مــع الـــعـــراق، والــتــي قد تـــهـــددهـــا جـــمـــاعـــات مـسـلـحـة مـــدعـــومـــة مـــن الـــولايـــات المتحدة أو إسرائيل. ولعل الأهـم من ذلـك، ما صرح به رئيس الأركـان الـــلـــواء عـبـد الـلـهـي، مــن أن كـبـار الـــقـــادة فــي «الـحـرس الـــــثـــــوري» والـــجـــيـــش الـــنـــظـــامـــي ســـيـــعـــقـــدون مــــن الآن فــصــاعــدا اجــتــمــاعــات هـيـئـة أركـــــان مـشـتـركـة، مـجـددا خـارج المنظومة، التي يديرها «بيت المـرشـد»، والـذي كان يتطلب حضور «القائد الأعلى للقوات المسلحة» -أي المرشد- في مثل تلك الاجتماعات. أدت هذه التطورات إلى إحياء الحديث عن دمج «الـــحـــرس الـــثـــوري» بـالـجـيـش الــنــظــامــي؛ وهـــي فـكـرة ط ُُر ِِحت خلال فترة رئاسة محمد خاتمي، لكن خامنئي الـراحـل رفضها بـشـدة. وكــان الـلـواء مصطفى إيـزدي ن حديثا نائبا لقائد «الحرس الثوري»- أحد -الذي ع ُُي ّن مهندسي هذا المخطط المثير للجدل. وخــــــارج المـــؤســـســـة الــعــســكــريــة، روجـــــت وســائــل الإعلام الخاضعة لسيطرة الـدولـة مـزاعـم مفادها أن «لجنة تنسيق»، تضم الرئيس وخـمـس شخصيات بـارزة أخـرى -لم يُُحدد هـؤلاء بوضوح طق- ستتولى اتخاذ جميع «الـقـرارات المهمة». وهـذا ما ألغى فعليا أمر الراحل خامنئي، الذي يقضي بأن يتولى رؤساء السلطات الثلاث (التنفيذية والتشريعية والقضائية) تلك المهمة، ويرفعوا قراراتهم المشتركة إليه للحصول على موافقته النهائية. إن تغيير هذه الصيغة دون أدنى إشارة موافقة من مجتبى، قد يكون دليلا آخر على أنه غير موجود حقاً، أو أنه لا يمارس السلطة على النحو الذي مارسه والده. الــيــوم، مــن الـسـابـق لأوانــــه الــجــزم بـمـا إذا كانت إيــران تستعد حـقا لتغيير مسارها، على الأقــل فيما يـخـص آلــيــة صـنـع الـــقـــرار فـيـهـا. إذا نـجـت إيـــــران من الحرب الحالية، فقد تتحول إلى نظام عسكري - أمني، شبيه بما يسود في ما تُُعرف بدول العالم الثالث. صــــــراع الــســلــطــة فــــي طــــهــــران لــــم يــبــلــغ مـرحـلـتـه الـحـاسـمـة بـعـد؛ فـقـد تـحـدى رئـيـس مجلس الـشـورى الإسلامــــــي (الـــــبـــــرلمان) مـحـمـد بـــاقـــر قــالــيــبــاف -عـمـيـد متقاعد كان يتخيل نفسه المحاور المفضل لدى دونالد ترمب في طهران- قرارات بزشكيان، زاعما أن «القرارات النهائية» تخص المجلس الأعلى للأمــن الوطني. إلا أن هـذا المجلس، بعد أن فقد كثيرا من أعضائه جراء «الاغـتـيـالات الموجهة» مـن جانب الإسـرائـيـلـيين، بات كيانا مبتوراً، بينما يظل أمينه العام الجديد، قائد «الــحــرس الــثــوري» المتقاعد محسن رضــائــي، رهينة لأوهامه الطفولية. وســـــواء ظــهــر مـجـتـبـى أو لا، تــظــل الـحـقـيـقـة أن الـنـظـام فـقـد الــنــزر الـيـسـيـر مــن الـشـرعـيـة، الــتــي ربما احتفظ بها فـي نظر بعضهم، وبــات مهيئا للتغيير بأيدي الشعب الإيراني. وتقديري أن مجتبى إما أنه غير موجود أصلاًً، وإما أنه عاجز عن لعب دور حاسم في صراع السلطة الدائر اليوم في طهران. بالطبع، قد يباغتنا بمفاجأة ويعود للظهور ليعلن «الانتصار التام»، الذي وعد به في الحرب ضد «الشيطان الأكبر». إلا أن ذلك، بطبيعة الـــحـــال، يتطلب جــرعــة وافــــرة مــن الالـــتـــزام بنصيحة كوليريدج. الرئيس التنفيذي جمانا راشد الراشد CEO Jomana Rashid Alrashid نائب رئيس التحرير Managing Editors Editorial Consultant in KSA Aidroos Abdulaziz Camille Tawil Saud Al Rayes Deputy Editor-in-Chief مديرا التحرير مستشار التحرير في السعودية محمد هاني Mohamed Hani الأمير أحمد بن سلمان بن عبد العزيز عيدروس عبد العزيز كميل الطويل سعود الريس 1987 أسسها سنة 1978 أسسها سنة هشام ومحمد علي حافظ رئيس التحرير غسان شربل Editor-in-Chief Ghassan Charbel يــعـــيّّـــرنـــا الإيــــرانــــيــــون بـأنـهـم 2008 مــنـــذ عـــــام استولوا على أربع عواصم عربية: بغداد ودمشق وبيروت وصنعاء. وباستثناء سوريا التي نجت من سيطرة ميليشياتهم وما كادت، بقيت العواصم والـــبـــلـــدان الأخــــــرى تــحــت الاســــتــــيلاء أو الـتـهـديـد. وصارت دول الخليج والأردن وفي طليعتها المملكة الــعــربــيــة الــســعــوديــة، ع ُُـــرضـــة لـهـجـمـات صــواريــخ ومـــســـي ََّـــرات مـيـلـيـشـيـات إيــــــران. وتـــهـــدد إيـــــران الآن بأنها إن تعرضت للضربات الأميركية من جديد، فستعود لقصف دول الخليج كما فعلت مـن قبل عندما هاجمتها أميركا وإسرائيل! ما عاد هناك فرق لجهة شن الحرب على الدول العربية بين إسرائيل وإيران. فمنذ أخرجت سوريا الإيـــرانـــيين والـــــروس وميليشياتهما مــن ربوعها ، سـارعـت إسرائيل لفتح جبهة بجنوب 2024 عـام سوريا التي تتعرض لهجمات بشكل شبه يومي. وكما لا تكلّّف إيـران وميليشياتها نفسها بتعليل الـهـجـمـات؛ فـــإن إســرائــيــل تـذكـر مـــرة حـمـايـة دروز السويداء، وتتجاهل مرارا ع ِِلل العدوان! وفي لبنان يجتمع الإيرانيون وإسرائيل معا في التنكر للدولة والأرض وأمـن السكان. فعندما كـان أمين عـام الجامعة العربية نبيل فهمي يـزور بـــيـــروت مــعــلــنا دعـــمـــه لــلــحــكــومــة الــلــبــنــانــيــة، كــان يـحـدث أمـــران آخــــران: الأول أن «حـــزب الــلــه»، حزب إيـــران المسلََّح بــالــبلاد، كــان يـهـدّّد بالويل والثبور لأن الـــســـلـــطـــات الــلــبــنــانــيــة احـــتـــجـــزت بــالمــصــادفــة البحتة شاحنة للحزب تحمل مئات الكيلوات من المــتــفــجــرات آتــيــة مـــن الــبــقــاع إلــــى ضـاحـيــة بــيــروت الجنوبية، فطافت مئات الدراجات النارية شوارع بيروت وهدّّد نواب الحزب المسلََّح بتفجير الوضع بالداخل إن لم يستعيدوا الـسلاح المصادََر. والأمر الآخـر أن الوفد العسكري اللبناني الـذي ذهب إلى أميركا لمقابلة وفــد عسكري إسرائيلي للتفاوض لـــلـــمـــرة الـــتـــاســـعـــة أو الــــعــــاشــــرة، ســبــقــه نـتـنـيـاهـو بالتهديد أن الجيش الإسرائيلي الذي احتل مئات الــكــيــلــومــتـــرات بــالــجـــنـــوب الــلــبــنــانــي ووصــــــل إلـــى مشارف النبطية، لن ينسحب من مواطن احتلاله إلا عندما تنزع حكومة لبنان سلاح الحزب، ولأنه يعلم أن الجيش عاجز عن ذلك فإن الاحتلال باق ٍٍ! والـحـكـومـة الـعـراقـيـة الــتــي أظــهــرت حماسة شـديـدة لـنـزع سلاح الميليشيات المـوالـيـة لإيـــران، سـكـتـت عـــن ذلــــك مـــــرة واحـــــــدةًً، وقـــدمـــت تـــنـــازلات ووزارات لــلــمــيــلــيــشــيــات الـــعـــراقـــيـــة - الإيـــرانـــيـــة الحاكمة بــالــبلاد. وهـــذه المـــرة سكت الأميركيون أيــضا وانسحبوا آخـر الشهر الماضــي مـن العراق من دون أن يعلّّلوا هذا التخلي الذي أرعب الأكراد وسر الإيرانيين! وتــــهــــون هـــــذه المـــصـــائـــب المـــــدم ِِّـــــرة لــــلــــدول، إذا قورنت بتجدد الهجمات الحوثية الهائلة باليمن لاحـــتلال بــاب المـنـدب وتـعـز والمـخـا، وربـمـا مناطق أخــــــرى. عـــــادت إيــــــران لاســـتـــخـــدام الـــحـــوثـــي ولـيـس ضد إسرائيل وأميركا، بل ضد اليمن والسعودية. وهو المنحى الذي عرفناه عن إيـران منذ عقود. لن يتغير الإيرانيون رغم المناشدات والإغـــراءات وهم يحسبون أنهم أذكى من الآخرين! وثـالـثـة الآثــافــي، آلاف الـصـواريــخ والمـسـيّّــرات الحوثية التي لا توفر في عدوانها ناحية بالمملكة الـعـربـيـة الـسـعـوديـة حـتـى الـبـيـت الـــحـــرام والمـديـنـة المنورة، وبخاصة المطارات المدنية التي سقط فيها عشرات المدنيين المعتمرين والعاملين والمسافرين! مــا بـقـي طــــرف إلا اسـتـنـكـر عــــربا وغــيــر عــرب. ويبلغ من نفاق الإيرانيين أنهم عرضوا الوساطة، رغـــــم أن كــــل سلاح الـــحـــوثـــي وقــــــــادة كـــتـــائـــبـــه مـن «حرسهم الثوري»، ومن «حزب الله» اللبناني، ومن متطوعي العراق الميامين! لا نــــــزال نـــذكـــر نـــحـــن كـــبـــار الـــســـن كـــيـــف هــبّّــت 1973 و 1967 المملكة وهـب الجميع في حربي عـام لـنـصـرة مـصـر وســـوريـــا. الـتـحـالـفـات إمـــا أن تكون لــــوحــــدة الـــــرؤيـــــة والمــــصــــالــــح المـــشـــتـــركـــة، وإمـــــــا أن تـكـون عصبية عـلـى شـاكـلـة عصبية ابـــن خـلـدون. والنوعان متوافران للعرب وللخليجيين على وجه الخصوص. ويا ناس هناك عشرة ملايين عربي من بلدانكم يعملون بالخليج، فأين الهمم؟ وتــعــرض المـمـلـكـة المـتـحـدة أن تحمي الأجـــواء السعودية، وفـي السعودية ودول الخليج ملايين العاملين من الغرب والشرق، أفلا ينهض أصدقاء إيران «الخلصاء» لدفعها إلى كف عدوانها وعدوان أذرعها، وبخاصة أنهم يزعمون أن العلاقات بدول الخليج تجاوزت التحالفات إلى الشراكات. مـــا نــشــهــدُُه الآن دروس لا يـنـبـغـي أن تُُنسى سواء لجهة الصداقة أو جهة التحالف والشراكة. هـــي الـــحـــرب الإيـــرانـــيـــة المـسـتـمـرة عـلـى الـعـرب لإسقاط دول الاستقرار والتنمية أو إضعافها. لقد أحسن عرب الجزيرة البناء في العقود الماضية، ولا شـك أنـهـم قـــادرون الـيـوم على حماية البناء وردع عدوان ميليشيات الخراب باسم إيران! الحرب الإيرانية المستمرة على العرب! إيران... مجتبى ونصيحة كوليريدج OPINION الرأي 13 Issue 17496 - العدد Friday - 2026/10/23 الجمعة رضوان السيد أمير طاهري

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky