issue17449

الرئيس التنفيذي جمانا راشد الراشد CEO Jomana Rashid Alrashid نائب رئيس التحرير Managing Editors Editorial Consultant in KSA Aidroos Abdulaziz Camille Tawil Saud Al Rayes Deputy Editor-in-Chief مديرا التحرير مستشار التحرير في السعودية محمد هاني Mohamed Hani الأمير أحمد بن سلمان بن عبد العزيز عيدروس عبد العزيز كميل الطويل سعود الريس 1987 أسسها سنة 1978 أسسها سنة هشام ومحمد علي حافظ رئيس التحرير غسان شربل Editor-in-Chief Ghassan Charbel انـــتـــهـــت قــضــيــة مـــرتـــفـــعـــات عـــلـــي الــطــاهــر فـي جـنـوب لبنان كــ«مـوضـوع إلــهــاء»، وبــدأت كـمـرحـلـة مختلفة لا تـغـيّــر فــي جــوهــر الأمـــور شيئا ً. الــــدعــــايــــة الإســــرائــــيــــلــــيــــة الــــتــــي تــنــظّــمــهــا وتعمّمها على المتلقّين خبرات في اختصاص «الحرب النفسية»، أعطت كثيرين - بمَن فيهم العديد من اللبنانيين - الانطباع بأننا كنا إزاء حالة شبيهة بـ«إنزال النورماندي» في الحرب العالمية الثانية... أو «سقوط سايغون» بنهاية حرب فيتنام. لـــكـــن تـــلـــك المــــرتــــفــــعــــات، الــــتــــي أحــــســــب أن السواد الأعظم من اللبنانيين غير الجنوبيين مــا كــانــوا عـلـى عـلـم بـهـا، تـضـاريـس مـوجـودة مثيلاتها على امتداد لبنان. وكانت، سواء في حسابات الحروب الحديثة أو غايات إسرائيل الاستراتيجية، ساقطة عسكرياً. ودعـــونـــا لــبــرهــة، نـتـنـاسـى درامـاتـيـكـيـات «الأنــــفــــاق الــعــجــيــبــة» والمــــوقــــع الاســتــراتــيــجــي «الاستثنائي» للمرتفعات، لنقول إن مواجهات الأشـــهـــر الأخـــيـــرة فـــي جــنــوب لـبـنـان مـــا كـانـت «حرب مواجهة» بالمعنى التقليدي للحروب. لقد كانت فعليا محاولات تعطيل وإنهاك ورفــــــع أثــــمــــان وإربــــــــاك مـــخـــطّـــطـــات. وكـــــل هـــذا وسط العد التنازلي للانتخابات الإسرائيلية والـــنـــصـــفـــيـــة الأمـــيـــركـــيـــة مــــن جــــهــــة، والــــحــــرب الإســـرائـــيـــلـــو - أمــيــركــيــة عــلــى إيـــــران مـــن جهة ثانية. «حرب الإسناد» التي شنّها «حزب الله»، طبعاً، كانت أكبر من مبرّر منطقي عند كثيرين لـاحـتـالات وخـطـوات التهجير الإسرائيلية. غــيــر أن مـــراقـــبـــن - أحـــســـب أن بـيـنـهـم قـطـاعـا لبنانيا غـيـر متعاطف مــع الــحــزب أو إيــــران - كان يدرك حقيقة أن قيادة الحزب انزلقت رغما عنها إلى حرب، لعلها كانت تدرك مُسبقا أنها غير متكافئة مع أقوى قوة إقليمية في الشرق الأوسط، وتدعمها أقوى قوة في العالم. لـكـن المشكلة مــع الــحــزب، مــن نـاحـيـة، أنـه لا يــجــيــد «الـــســـيـــاســـة» كــمــا يــجــيــد «المـــقـــاومـــة المسلحة». ومن ناحية ثانية أنه حتى لو أحجم عـــن الانـــــــزلاق كــــان ســـيـــخـــســـر... بــعــدمــا خسر «مــمــرّه» الـسـوري والكثير مـن رصـيـده المـالـي، بل وفقد حيّزا كبيرا من تعاطف الشارع السنّي في لبنان وسوريا ودول عربية عديدة. في المقابل، تحكم إسرائيل اليوم أشرس قيادة عسكريتارية وتلمودية يشكّل بنيامين نتنياهو واجـهـتـهـا الـسـيـاسـيـة. وتـقـف خلف نتنياهو وجنرالاته ومتعصبّي المستوطنين الــداعــمــن لـحـكـمـه، «لــوبــيــات» أمـيـركـيـة وغير أميركية، قطعت خط الرجعة فيما تـراه اليوم «الــــحــــل الـــنـــهـــائـــي» فــــي عــمــلــيــة الــتــخــلــص مـن الـشـعـب الـفـلـسـطـيـنـي هـــويـــة وقــضــيــة وثـقـافـة ووجودا ً. ســـــكـــــوت «حـــــــــزب الــــــلــــــه» عــــــن الـــتـــضـــخـــيـــم الإسـرائـيـلـي المـتـعـمـد لمــا تـحـقّــق فــي مرتفعات عـلـي الــطــاهــر، سببه فــي اعــتــقــادي رغـبـتـه في المــحــافــظــة عــلــى مــعــنــويــات شــــارعــــه، مـــن دون الاضطرار إلى القول إنه «خسر معركة لكنه لم يخسر الحرب». مع هذا، لا شك في أن أمام الحزب أزمة جدّية مع جماعات شيعية معترضة على سلوكياته وشعاراته - ولها كل الحق بالاعتراض - بعد ســـنـــوات مـــن الـتـهـمـيـش والــتــخــويــن. والـــافـــت، راهناً، أن بعض هذه الجماعات فقدت أي تحفظ أو كوابح في انتقامها الإعلامي والسياسي. حـــتـــى نـــفـــر مــــن الـــلـــيـــبـــرالـــيـــن والـــيـــســـاريـــن الشيعة ما عادوا يتحرّجون من إبداء الشماتة، وأحــــيــــانــــا المــــشــــاركــــة فـــــي الــــتــــحــــريــــض، مـــــع أن هــــؤلاء يـفـهـمـون تـعـقـيـدات الــســاحــة الـلـبـنـانـيـة، والــتــداعــيــات المحتملة الــيــوم أكـثـر مــن أي وقـت للهيمنة الإسرائيلية المُطلقة لبنانيا وإقليمياً. لا يــــريــــد هــــــــؤلاء أن يـــســـتـــوعـــبـــوا بــــعــــد أن «المفاضلة» لم تعُد بين تطرّف كهنوتي إيراني يـــتـــغـــذّى بــخــطــابــيــات طـــائـــفـــيـــة... مـــقـــابـــل بــديــل غــربــي ديــمــقــراطــي الـــطـــراز ومــعــتــدل المــقــاربــات، يطرح صيغا معقولة للتعايش. ومن ثم، حتى إذا أســقـطـت الـــحـــرب الـحـالـيـة نــظــام طـــهـــران، لا تـلـوح فــي الأفـــق تـبـاشـر انـحـسـار للعنصريتين الإسرائيلية والغربية (أوروبيا وأميركياً). الآن، إذا كان هذا الحال ينطبق على بعض «الشارع الشيعي» في لبنان، فهل لنا أن نتصوّر كيف يشعر ويشمت ويحرّض الآخرون؟ هـــل بـــمـــقـــدورنـــا الـــتـــفـــاؤل بــتــعــامــل لـبـنـانـي رسـمـي عــاقــل خـــارج نـطـاق الـنـكـايـة والـشـمـاتـة، ومــســتــقــل عـــن الــشــحــن الــلــيــكــودي المــســتــمــر، بل والمـــتـــصـــاعـــد، الـــــذي لا تـــبـــدو واشــنــطــن مـكـتـرثـة تماما لمخاطره مستقبلاً؟ هــل «سـيـهـضـم» الـلـبـنـانـي طـمـأنـة سلطاته «الـرسـمـيـة» بــأن «لا أطـمـاع لإسـرائـيـل فـي أرض الــــجــــنــــوب»... خـــــارج حــرصــهــا عــلــى نــــزع ســاح «حزب الله» لـ«حماية» مستوطناتها؟ وهــــل ســـيـــصـــدِّق أن تــشــريــد مـــئـــات الألــــوف وتدمير عشرات المـدن والقرى في جنوب لبنان وجـــنـــوب شــرقــه مـــجـــرّد إجـــــراء مـــؤقـــت، ستُلغى مفاعيله بـقـدرة قـــادر، عندما يطمئن نتنياهو إلى سلامة مستوطنيه؟ أدرك أنــنــا لا نـعـيـش أيـــامـــا مــريــحــة، لا في منطقتنا الــعــربــي ولا خــارجــهــا. وأفـــهـــم تماما أن «لــعــبــة الأمـــــم» تـــجـــري الـــيـــوم بـــا قـــواعـــد ولا ضـوابـط... بل في غياب «حكم ملعب»! ولكنني أحـــســـب أن عــلــى الـــرؤيـــويـــن مـــن قـــــادة المـجـتـمـع الــدولــي الـتـنّــبـه قـبـل فـــوات الأوان إلـــى أن تكلفة ترميم مـا تحطّم خــال السنتين الماضيتين قد تكون باهظة جداً. وأيــــضــــا، أرجـــــو أن يـــقـــر الــشــجــعــان مـنـهـم، مـمّــن لديهم الــقــدرة على المساهمة فـي تخفيف التأزيم، بأن بنية مؤسّسات السلطة - حتى في الديمقراطيات الغربية العريقة - غــدت مـهـدّدة بـانـهـيـارات قاتلة على أيـــدي الـقـوى العنصرية والشعبوية... المرشحة قريبا لتولّي الحكم في عدة دول محوّرية. قليل من الصراحة مفيد في لبنان هذه الأيام تـــدخـــل المـــواجـــهـــة بـــن واشــنــطــن وطـــهـــران شـهـرهـا السابع مـن دون نصر ولا حسم، وهــي نتيجة لا تعني عـجـز الــطــرفــن بــقــدر مـــا تـعـنـي أن كـــا مـنـهـمـا وجـــد في إدامة الحرب ما هو أقل تكلفة من إنهائها؛ فالحروب لا تُقاس بأهدافها المعلنة بل بحسابات من يمسك بقرارها، وهـنـا تلتقي حـسـابـات مـتـعـارضـة عـنـد نتيجة واحـــدة: الـبـقـاء فـي منطقة رمــاديــة بـن الـحـرب والـسـلـم، فبينما يـرى «الـحـرس الـثـوري» أن تكلفة السلام عليه أعلى من تكلفة الـحـرب، فـالـحـرب، رغــم مـا ألحقته بـه مـن خسائر فادحة في القيادات والمنشآت، تمنحه ما لا يمنحه أي ترتيب سـيـاسـي، أي مـبـرّر الاسـتـثـنـاء؛ فحالة الـطـوارئ الـدائـمـة تُــعـلّــق أسئلة الــداخــل عـن اقـتـصـاد مـنـهـار، وعن قمع الاحتجاجات، وعن الإمبراطورية الاقتصادية التي بناها الـحـرس على هـامـش الــدولــة، أمــا الـسـام فيعني فتح هذه الملفات دفعة واحدة، ومحاسبة وإعادة توزيع للنفوذ، وربما نهاية هيمنته على مقدّرات إيــران، بهذا المعنى ليست إدامــة الحرب خيارا استراتيجيا بقدر ما هي غريزة بقاء. في الطرف الثاني حساب آخر عنوانه سعر برميل النفط، لأن الناخب الأميركي لا يقرأ خرائط العمليات؛ بل لوحة أسعار الـوقـود، وأي ارتـفـاع فـوق التسعين دولارا ينقلب أثرا نفسيا سلبيا في موسم انتخابات التجديد النصفي، ومن هنا جاء الانتقال التدريجي من التصعيد الـعـسـكـري الـــواســـع إلـــى مــا تـسـمّــيـه واشــنــطــن «الـغـضـب الاقــتــصــادي»: حـصـار بـحـري مـعـايَــر، وعـقـوبـات دقيقة، وضـــربـــات مـــحـــدودة تُــبـقـي الـخـصـم مــنــزوف الـــقـــدرة من دون أن تُشعل سوق الطاقة... حرب تُدار بمقياس حرارة الأسواق، لا بمنطق الحسم. وأوضح تجسيد لهذه المعادلة ما يجري في مضيق هرمز: حصار مزدوج تفرض واشنطن شقّه على الموانئ الإيــرانــيــة، وتــفــرض طــهــران شـقّــه الآخـــر عـلـى المـمـر كـلّــه، فـــالإغـــاق الــتــام يـسـتـدعـي ردا يـتـجـاوز سـقـف الـتـحـمّــل، والــفــتــح الــكــامــل يـعـيـد إلـــى طـــهـــران نـصـف مـلـيـار دولار يومياً، لذلك يُــدار المضيق بالتقسيط، كما تُــدار الحرب بالتقسيط، وكما تُبرَم الهدن ثم تُخترق ثم تُجدَّد من دون أن تتحوّل يوما إلى تسوية. غــيــر أن لـلـمـضـيـق وظــيــفــة أخــــرى أشــــد خــطــرا هي التغطية؛ فمنذ افتعلت طهران أزمته، انصرف العالم إلى الـنـاقـات والألــغــام وأسـعـار الـتـأمـن، وغـــاب عـن الـتـداول الملف الذي بدأت الحرب باسمه: مصير اليورانيوم عالي التخصيب، وقــد أبلغت الـوكـالـة الـدولـيـة للطاقة الذرية مؤخراً، في تقرير مقيّد، بأنها لا تزال عاجزة عن التحقق مــن مــوقــع هـــذا المـــخـــزون أو وضــعــه؛ أكــثــر مــن أربـعـمـائـة كيلوغرام مخصّبة إلى ستين في المائة، على بُعد خطوة من العتبة العسكرية، ضجيج في الماء يغطّي صمتا في الأنفاق، ومضيق يُغلق أمام السفن ليُغلق معه ملف. على هذه الخلفية تُفهم الصفقة الصامتة مع بكين: تسامح أميركي مع شراء الصين النفط الإيراني، بل تعهّد علني برفع العقوبات عن الشركات الصينية المشترية، مقابل امتناع بكين عن تزويد طهران بالسلاح النوعي؛ الـرادارات، ومنظومات الدفاع الجوي، والطائرات؛ أي إن واشنطن قبلت أن تتنفّس إيـران ماليا شرط أل تتنفّس عسكرياً؛ وما كشفته تقارير عن صفقة منظومات دفاع جــوي محمولة على الكتف بمئات الـقـاذفـات لا ينقض المعادلة، بل يوضّح حـدودهـا: مسموح بما يرفع تكلفة الطيران المنخفض، وممنوع ما يعيد بناء المظلّة الجوية. أمـــــا طــــهــــران فـــتـــديـــر الــــحــــرب بــمــنــطــق الــــتــــوزيــــع لا التحمّل؛ فحيث تعذّر عليها الرد المباشر بالوتيرة ذاتها، حرّكت أوراقها في العراق ولبنان واليمن لإبعاد الحرب عــن داخــلــهــا وتــحــويــل الـجـغـرافـيـا المـــجـــاورة إلـــى ساحة امتصاص، مـن خـال أذرعـهـا فـي الـعـراق والـتـي نفّذتها الـفـصـائـل المــوالــيــة لـطـهـران ضــد دول المـنـطـقـة. ثــم تأتي الفاتورة الاقتصادية، حيث دول تُقصف لأنها جــوار لا لأنها طرف، وتُحاصَر لأن ثروتها تعبر ممرا تريد إيران أن يكون لها وحدها. والأخطر ما يمكن تسميته «المكاتب الاقتصادية» للفصائل والميليشيات العراقية و«حزب الله» والحوثيين التي لـم تعد أذرعـــا عسكرية فحسب، بـل شبكات مالية تموّل الحرب من مــوارد الــدول التي تعمل داخلها، وقد كشفت العقوبات الأميركية التي طالت وكيل وزارة النفط الـعـراقـيـة وقـــيـــادات فـي «عـصـائـب أهــل الـحـق» و«كتائب سيد الـشـهـداء»، آلـيـة العمل بــوضــوح... وهـكـذا يتحوّل الـــعـــراق مـــن دولـــــة ذات ســـيـــادة عـلـى مـــواردهـــا إلـــى مـمـر تمويلي لـحـرب لا ناقة لـه فيها ولا جمل، ويـدفـع الثمن بسمعة مالية تُنفّر المستثمر والمصرف الدولي. ما يجمع هذه المحاور خيط واحد: كل طرف يجني من إدامـة الحرب أكثر مما يجني من إنهائها؛ «الحرس الثوري» يشتري بقاءه بالوقت، والبيت الأبيض يشتري سعر البرميل بالتدرّج، وبكين تشتري النفط الرخيص بالحياد، والــوكــاء يـشـتـرون نـفـوذهـم بالتهريب. لذلك فإن الرهان على أن ضربة إضافية ستُنهي الحرب رهان خاسر، فالحروب من هذا النوع لا تُنهيها القوة النارية، بل تغيير معادلة التكلفة: أن يصبح السلام أرخص من الحرب لدى من يملك القرار، ويبدأ ذلك من قطع الشرايين المالية التي تجعل الحرب مربحة، ومن دون ذلك ستبقى مفتوحة، لا لأن أحدا عاجز عن إنهائها، بل لأن أحدا من أصحاب القرار لا يريدها أن تنتهي. حرب إيران... بين تكلفتي السلام والحرب OPINION الرأي 13 Issue 17449 - العدد Sunday - 2026/9/6 الأحد إياد أبو شقرا كفاح محمود

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky