للكاتب الأميركي سيمون سينك كتاب قيّم بعنوان: «ابدأ بـلـمـاذا: كـيـف يلهم الــقــادة الـعـظـمـاء الــنــاس لـلـتـحـرك؟»، ومـن بـن القصص الــدالــة الـتـي يستحضرها سينك قصة الزعيم الأميركي الشهير الدكتور مارتن لوثر كينغ الابن، بما تحمله من دروس في القيادة والإلهام وصناعة الثقة. ألــف 250 ، احــتــشــد نــحــو 1963 ) أغــســطــس (آب 28 فـــي شخص في واشنطن العاصمة ليستمعوا إلى خطاب مارتن لـوثـر كينغ الـتـاريـخـي: «لـــدي حــلــم». ولــم تـكـن آنــــذاك شبكات اجـتـمـاعـيـة أو إنــتــرنــت أو وســـائـــل رقـمـيـة قـــــادرة عـلـى حشد الـجـمـاهـيـر فــي ســاعــات قـلـيـلـة، كـمـا لــم يـرسـل المـنـظـمـون ربـع مليون بطاقة دعوة... ومع ذلك، جاء الناس من مختلف أنحاء الـولايـات المتحدة، في اليوم نفسه والموعد نفسه، لأن الرجل لـم يكن مجرد خطيب بـــارع، بـل كــان صاحب رسـالـة، يحظى بثقة الناس ومصداقيتهم، ويعرف قبل كل شيء لماذا يناضل، ولماذا يتحدث، ولماذا يدعو الناس إلى التغيير. كانت الـولايـات المتحدة في تلك المرحلة تعيش توترات عـرقـيـة واجـتـمـاعـيـة حـــــادة، وكــــان الـتـمـيـيـز الـعـنـصـري وعـــدم المساواة يمسان قطاعات واسعة من المجتمع. ولم يكن كينغ الـشـخـص الـوحـيـد الـــذي يـؤمـن بــالمــســاواة، ولا الـوحـيـد الــذي يعرف مواطن الخلل في منظومة الحقوق المدنية والسياسية والاجتماعية. كان هناك كثيرون يشاركونه القناعات نفسها، ويدعون إلى مجتمع يجمع ولا يفرق، ويساوي ولا يميز. لكن الفارق الجوهري أن كينغ كان يمتلك وضوح الغاية وشعورا عميقا بــالــرســالــة؛ وكــــان هـــذا الـــوضـــوح يمنحه طــاقــة هائلة وقدرة على الاستمرار رغم الصعوبات والنكسات. وفـي خضم ذلـك الـصـراع، احتدم الجدل حـول الوسائل: كيف يمكن ضمان الحقوق المدنية؟ وماذا ينبغي فعله؟ ظهرت جماعات تتبنى استراتيجيات مختلفة؛ بعضها رأى العنف وسيلة للتغيير، وبعضها الآخــر فضل التسويات والـتـدرج والبحث عن حلول توفيقية. أما مارتن لوثر كينغ فاختار طريقا آخر، أساسه الإيمان بقضية عادلة والقدرة على جعل الآخرين يشعرون بأنهم جزء منها. كان يكرر، بروح المؤمن برسالته: «أنا أومن... أنا أومن... أنا أومـن...»، ولم يكن حديثه مقتصرا على مطالب قانونية أو ترتيبات سياسية ضيقة؛ بل كان يتناول كرامة الإنسان ذاتها. وقـد ميّز بين القوانين العادلة والقوانين غير العادلة، معتبرا أن القانون العادل هو ما ينسجم مع القانون الأخلاقي ويرفع من شـأن الإنـسـان، بينما القانون غير العادل هو ما يحط من كرامته. ومن هذا المنطلق، اعتُبِر الفصل العنصري ظلماً، لأنه يشوه الروح الإنسانية ويمس شخصية الإنسان وكرامته. ولهذا تجاوزت رسالة كينغ حدود حركة الحقوق المدنية. لقد أصبحت حديثا عن الإنسان، وعن الطريقة التي ينبغي أن يعامل بها البشر بعضهم بعضاً. وصلت كلماته إلى أعماق الناس لأنهم لم يسمعوا فيها أفكارا غريبة عنهم، بل وجدوا فيها التعبير الصادق عما يؤمنون به أصلاً. فتناقلوها فيما بينهم، مـن قريب إلـى قـريـب، ومـن صديق إلـى صـديـق، حتى تحولت القضية من مطلب فئة إلى قضية وطن بأكمله. وهـنـا تكمن قــوة عـبـارتـه الـخـالـدة: «لـــدي حـلـم»؛ فهو لم يقل: «لدي خطة». لم يقدم لجمهوره وثيقة تقنية أو برنامجا إداريـــا مفصلاً، بل قـدم لهم غاية ومعنى وصــورة للمستقبل يستطيع الجميع أن يؤمنوا بها. والخطط مهمة، لكن الخطة مـن دون إيـمـان لا تُلهم، والـوسـائـل مـن دون غاية واضـحـة لا تحرك القلوب. ومــــن هــــذه الــقــصــة نـسـتـخـلـص درســــا بــالــغ الأهــمــيــة في الــقــيــادة، ســــواء تـعـلـق الأمــــر بـقـيـادة الــــدول أو المــؤســســات أو الشركات: أعظم ما يمكن أن يقدمه القائد للناس ليس الأوامر وحدها، ولا الأرقام والجداول والخطط فحسب، وإنما وضوح ما يؤمن به، وصدق ما يدعو إليه، وقدرته على جعل الآخرين يشتركون معه في المعنى والغاية. ففي زمن تتسارع فيه التحولات وتتعقد فيه التحديات، تـــزداد حـاجـة المجتمعات إلــى فاعلين يملكون وضـــوح الـرؤيـة وصدق المقصد وشجاعة الالتزام؛ فالقائد الملهم لا يكتفي بإدارة الـحـاضـر، بــل يمنح الــنــاس معنى للمستقبل، ويــحــول القيم المشتركة إلى طاقة للعمل، والثقة إلى قوة جماعية، والحلم إلى مسار قادر على صناعة التغيير الحقيقي والمستدام. فـالـنـاس لا يلتفون طـويـا حــول المـنـاصـب، وإنـمـا حول القيم؛ ولا يصنع الثقة الخطاب المنمق وحـده، وإنما الصدق والمـصـداقـيـة والـثـبـات على المــبــادئ. وفــي ذلــك الـيـوم مـن سنة ، اجتمع أنــاس يختلفون فـي الـلـون والانـتـمـاء والطبقة 1963 والعمر، لكنهم التقوا حول حلم واحد وإيمان مشترك. وكان ذلـــك الإيـــمـــان هــو المــــاء الــــذي سـقـى جــــذور حــركــة أسـهـمـت في تغيير وجه أميركا. وهكذا تبدأ القيادة الحقيقية دائما من السؤال الأبسط والأعمق في الوقت نفسه: لماذا؟ نحن نؤمن... نحن نؤمن... نحن نؤمن. مــــــاذا يــعــنــي أن يـــظـــل الـــحـــلـــم ثـــابـــتـــا رغـــــم تـــغـــيّـــر الـــواقـــع والمؤشرات والمعطيات؟ نطرح هـذا الـسـؤال في محاولة لفهم هـوس الشباب في بلدان عربية عدة بحلم الهجرة، وكأنهم في انفصال تام عمّا يجري اليوم في أوروبا والعالم، وعمق التغيرات التي نظريا تطفئ كل جاذبية حلم الهجرة. المشكلة أن الحلم ظل نفسه، بل إنه تضاعف من حيث عدد الحالمين، والحال أن أوروبــا لم تعد بأوضاعها الراهنة بيئة حاضنة لحلم شبابنا، ولا حتى مستوفية لاستحقاقات الحلم كما كانت في الستينات والسبعينات وحتى الثمانينات. طبعا هـنـاك مـحـركـات تفسر إلـــى حــد مــا ثبوتية الحلم الــدائــم بـالـهـجـرة، ســـواء أكــانــت الـهـجـرة عـبـر الــدراســة أم عبر العمل وحـتـى الـهـجـرة غير النظامية. والــافــت أن مـا يجمع بين مختلف محركات الهجرة في غالبية بلداننا هو المسألة الاقتصادية؛ حيث لا نستطيع أن نُقلل من أثر البطالة عموماً، وبطالة أصحاب الشهادات خصوصاً، وتدني مستوى الأجور والــحــق فــي الـبـحـث عــن تــأمــن المـسـتـقـبـل مـــاديـــا. فـهـي دوافـــع ضاغطة وجـديـة، خصوصا أن تراكم التحديات الاقتصادية والـسـيـاسـيـة مــن تــاريــخ حـــرب الـخـلـيـج الأولــــى إلـــى الــيــوم قد زاد في تــأزم الأوضـــاع الاقتصادية في عـدد كبير من البلدان العربية والإسلامية، الأمر الذي أثّر في قدرة النخب الحاكمة المتتالية على حـل المـعـضـات الاقـتـصـاديـة الـتـي تـضـررت من تداعيات حــروب الخليج والإرهـــاب وفـاتـوراتـه الباهظة على السياحة التي تُمثل في الاقتصاد الرئة الثالثة. من دون أن ننسى إرباكات ما يُسمى الثورات العربية وضربات جائحة الكورونا، وتداعيات الحرب الروسية - الأوكرانية، وصولا إلى الحرب الأميركية والإسرائيلية على إيران. كل هذا أسهم في تضييق الأفق أمام شبابنا، وذلك رغم كــل مـــحـــاولات الــــدول لـتـطـويـق أزمــــة الـتـشـغـيـل وتـوفـيـر الحد الأدنى من الرفاهية. بمعنى آخر، فإن بيئة الحالمين بالهجرة لم تتغير بقدر ما انحسرت الآفاق والفرص الاقتصادية، وهو ما يفسر في جزء ما ظاهرة الهوس بالهجرة نحو أوروبا في بلدان المغرب العربي بشكل خاص لاعتبارات تاريخية. وطـــبـــعـــا فـــــإن الــــهــــوس يــجــعــل صـــاحـــبـــه غـــيـــر قــــــادر عـلـى الانتباه، وعلى عقلنة الحلم وتنزيله على أرض الواقع. فحتى الحلم هو عقلاني بالضرورة، ولـن يتحقق إلا بقبول الواقع الجديد له باعتبار أن ما يُميز الواقع هو التغير والحركة. لا شك في أن الصورة التي رأيناها في سبتة بليغة جداً، وتندرج ضمن سياق فكرتنا، مع تدقيق مفاده أن هذه الصورة مــوجــودة بـأشـكـال مختلفة؛ حيث إن هــوس الـهـجـرة مـا فتئ يتزايد، وعدد الذين تحقق حلمهم في الهجرة لا يساوي شيئا أمام الذين ما زالوا يحاولون من دون يأس. الجدير بـالانـتـبـاه، وهــو مـا يـديـر لـه الـحـالمـون بالهجرة ظهرهم، أن أبواب أوروبا باتت مغلقة، ومجتمعاتها مناهضة لــلــمــهــاجــريــن، والـــيـــمـــن المـــتـــطـــرف يـسـتـغـل مــلــف المــهــاجــريــن لـلـصـعـود والانـــتـــشـــار ولمـــمـــارســـة الــضــغــوط الـسـيـاسـيـة ضد خــصــومــه، وقـــد نـجـحـت الأحـــــزاب اليمينية فــي ذلـــك إلـــى حد بعيد، بعد أن كانت ليست أكثر من ديكور في الديمقراطيات الأوروبــيــة. فاليوم التشريعات فـي أوروبـــا وغيرها صارمة، خصوصا بعد دخـول الميثاق الجديد للهجرة حيّز التنفيذ، وهو ما يفسر اشتعال الخلافات بين إيطاليا وإسبانيا بسبب تدفق آلاف المهاجرين إلى سبتة الإسبانية. ولا يــخــفــى أن صـــعـــود الـــيـــمـــن المـــتـــطـــرف مــــا كـــــان ســـن تشريعات صـارمـة ضـد الـراغـبـن فـي الهجرة والـوافـديـن إلى أوروبا أكانوا من المغرب العربي أو مصر أو سوريا وغير هذه البلدان والجنسيات، لولا الضغوط الاقتصادية والاجتماعية داخـل أوروبــا. وهنا نتساءل لمـاذا شبابنا يسد أذنيه عن كل الأخبار التي تهدم صورة أوروبا الجنة الموعودة في مخياله؟ ألم يسمع البعض منهم على الأقـل عن التقرير الصادم الذي يقول إن الفرنسيين قلصوا عدد وجباتهم الغذائية في اليوم من ثلاث وجبات إلى اثنتين بسبب الإكراهات الاقتصادية؟ لـنـاحـظ جــيــدا أنـــه لـــم يـحـصـل أن كــانــت أبـــــواب أوروبــــا مــــوصــــدة كـــمـــا الــــحــــال مـــنـــذ ســــنــــوات. ولـــيـــس ذلـــــك خـــوفـــا مـن العرب والمسلمين بقدر ما يعود أولا إلـى الوجع الاقتصادي الأوروبــــي، وأزمـــة السكن فـي المــدن الأوروبــيــة، وارتـفـاع الأداء الضريبي والأنظمة الصحية الدوائية والعلاجية. اليوم اختارت أوروبا الهجرة الانتقائية: تمنح التأشيرة والإقـــامـــة المـــحـــدودة فـقـط للمهندسين والأطـــبـــاء والمـمـرضـن وأصحاب المهارات في التكوين المهني. أي تقبل ما تحتاج إليه من الكفاءات من دون زيادة، وتلبي بذلك حاجاتها بشروطها لا وفق انتظارات الأدمغة والكفاءات المهاجرة لها. نحن أمام قانون العرض والطلب في معالجة الهجرة؛ لذلك فإن بلداننا متضررة لا محالة، لأن الهجرة الانتقائية تفرغ بلداننا من الـــكـــفـــاءات، فــي حــن أن أوروبـــــا تــدفــع لـهـم مــعــاشــات زهــيــدة، وتسد بهم الشغورات الحاصلة لديها، وهم أنفسهم خاسرون ويعانون التمييز في عدد ساعات العمل والأجر والامتيازات. الحل صعب، ولكنه واضــح، وربما وضوحه يخفف من تحدياته وصعوباته: كيف نحول بلداننا إلى بيئة حاضنة لأحلام شبابها وراعية لها؟ لا مـفـر مــن إيــجــاد الــحــلــول، والــغــربــة كـمـا تــعــاش الـيـوم تُعزز ضـرورة الرهان على أوطاننا، وألا نمل من هذا الرهان أو نيأس. تـــبـــدي طـــهـــران حــرصــهــا الـــشـــديـــد على جــغــرافــيــا نـــفـــوذهـــا الـــقـــريـــبـــة؛ أي تــلــك الـتـي تــــحــــاذيــــهــــا مـــــع الـــــــعـــــــراق، والــــبــــعــــيــــدة؛ تــلــك الــتــي تــحــاذي دولــــة الـكـيـان الإســرائــيــلــي مع لــبــنــان، أي فـــي جــنــوبــه. فـــي داخــــل الــحــدود الــوطــنــيــة لـلـبـلـديـن؛ الـــعـــراق ولـــبـــنـــان، تضع طــهــران حـــدّهـــا؛ حــــدّا يــتــجــاوز فــكــرة الــجــوار الــقــريــب أو الــبــعــيــد، أو المــصــالــح المـشـتـركـة والمشتركات الاجتماعية والروحية، وحتى المصالح الوطنية الداخلية، في خدمة نظام مصالحها الإقليمي. في بغداد، مجدداً، أعاد رئيس مجلس الــــــشــــــورى الإيــــــرانــــــي وكـــبـــيـــر مـــفـــاوضـــيـــهـــا، الجنرال محمد باقر قاليباف، تذكير النخبة السياسية العراقية الحاكمة بثوابت العلاقة مــا بــن الـــعـــراق وإيــــــران، أو بـثـوابـت طبيعة الـعـاقـة الإيــرانــيــة مــع بـــغـــداد، أو بالمطلوب إيــرانــيــا مــن بـــغـــداد، الــتــي دخـلـهـا مــن بـوابـة الـــســـاح وعـــنـــوانـــه الــفــضــفــاض «المـــقـــاومـــة»، حيث قــال، فـي مستهل زيـــارة هـي الأهــم إلى العراق في توقيتها الداخلي والخارجي، إن «المقاومة في الـعـراق أضحت تشكل عنصرا أساسيا من عناصر القوة العالمية»، عادّا أن التجربة في الـعـراق تخطت حـدود البلدين، وباتت قوة مؤثرة على المستويين الإقليمي والعالمي. مـن بــغــداد، ووفـقـا لمـا بـشّــر بـه الجنرال قاليباف العالم بـولادة نظام إقليمي جديد، ســبــق هــــذا الإعــــــان بـــأيـــام تـــصـــريـــح يــــوازي تصريحاته فـي جولته الـعـراقـيـة حساسية جغرافية واستراتيجيةً، عندما أعـلـن، قبل نحو أسـبـوع، أنــه «على تـواصـل مباشر مع مقاتلي (حزب الله) في الخطوط الأمامية». والـــخـــطـــوط الأمـــامـــيـــة هــــي، عـمـلـيـا، الــحــدود العملياتية ما بين طهران وتـل أبيب، حيث يـــجـــري الاشـــتـــبـــاك المـــبـــاشـــر بــيــنــهــمــا داخــــل الأراضـي اللبنانية، وبعيدا عن إرادة لبنان، 8 دولة وشعباً، خصوصا أهل الجنوب، منذ .2023 ) أكتوبر (تشرين الأول مـــــن بـــــغـــــداد إلـــــــى بــــــيــــــروت؛ مـــــن ســــاح الفصائل العراقية المسلحة التي ترفع شعار «المـــــقـــــاومـــــة»، إلــــــى ســــــاح «حــــــــزب» وشـــعـــار «المـقـاومـة» أيضاً، تواظب طـهـران، من خلال قاليباف أو إسماعيل قـاآنـي، وغيرهما من الـــقـــيـــادات المـطـلـعـة عــلــى جــغــرافــيــا المـصـالـح الإيـــرانـــيـــة، عـلـى «حــصــر قــــرار الــدولــتــن بيد السلاح»، وليس العكس. فما تحاول فرضه عـلـى الـحـكـومـة الـعـراقـيـة تـواجـهـه الحكومة اللبنانية، ومـــا لــم يستطع لـبـنـان تطبيقه؛ فــمــن المـسـتـحـيـل أن يـطـبـقـه الــــعــــراق. فـوفـقـا لمضمون نـظـام قاليباف الإقـلـيـمـي؛ الجديد الـقـديـم، الأولــويــة فـي الــعــراق ولـبـنـان ليست لـلـدولـة، ولا لمـسـاعـدة الـنـظـام السياسي في الـــعـــراق عـلـى تـخـطـي أزمـــاتـــه، ولا لتخفيف الـكـارثـة عـن أهــل الـجـنـوب اللبناني، بـل في اسـتـمـرار المـواجـهـة مــن خـــال الــتــذرع بفكرة «المقاومة» الدائمة. سـبـتـمـبـر 30 يــــدخــــل الـــــعـــــراق تــــحــــدي (أيلول) المقبل؛ موعد الانسحاب التام للقوات الأميركية وتسليم الفصائل سلاحها، وسط انقسام حاد داخل البيت السياسي الشيعي الــــعــــراقــــي الــــحــــاكــــم بــــشــــأن جـــــــدوى الـــســـاح وشـــعـــاراتـــه ودوره بـعـد خــــروج آخـــر جـنـدي أميركي من العراق، حيث يبدأ امتحان فعلي بـــن الـــدولـــة ومـــا دونـــهـــا؛ بـــن ســـاح يحمي الدولة وآخر يحمي طبيعة النظام. هذا المشهد يتكرر في لبنان أيضاً، لكن عنوانه الآن المواجهة المرتقبة في موقع «علي الطاهر» بتلال محافظة النبطية، والتخطيط الإسـرائـيـلـي لاحـتـالـهـا؛ مـمـا يعني احـتـال مـــديـــنـــة الـــنـــبـــطـــيـــة وجــــــوارهــــــا أو تــدمــيــرهــا بـــالـــكـــامـــل، حـــيـــث تـــقـــف الـــــدولـــــة الــلــبــنــانــيــة عاجزة عن تجنيب الجنوب والنبطية هذه الـــكـــارثـــة. فـــالـــعـــدو الإســـرائـــيـــلـــي مـــصـــر على السيطرة عليها، والإيرانيون مصرّون على المواجهة؛ الأمر الذي أدى إلى فشل أو إفشال مــحــاولات تسليمها إلــى الجيش اللبناني. فبالنسبة إلى العدو الإسرائيلي، هذا الطرح فـشـل سـابـقـا فــي إخـــاء مـنـاطـق جـنـوب نهر الـلـيـطـانـي مــن الـــســـاح، وفـــي المــقــابــل، هناك رفض إيراني تام لفكرة الانسحاب من «علي الطاهر»، وشــروط تعجيزية لتسليم سلاح «حـــزب الــلــه». وفــي المـقـابـل، فــإن السلطة في لبنان تحاول فرض سيادتها على أراضيها، لــكــنــهــا أيــــضــــا تــتــجــنــب مـــواجـــهـــة داخـــلـــيـــة، خصوصا أنه لا إسرائيل مستعدة لتطبيق التزاماتها والانسحاب التدريجي، ولا إيران فـي وارد قـبـول تـراجـع «الــحــزب» أو التخلي الـــجـــزئـــي عـــن ســـاحـــه؛ الأمـــــر الـــــذي يحصر قرار أمن واستقرار الجنوب، مجدداً، في يد المفاوض الإيراني. بــــــن قــــالــــيــــبــــاف وحـــــكـــــومـــــتَـــــي بــــغــــداد وبيروت التزامات ومواعيد وحدود محاذية للمواجهة، من «مضيق هرمز» إلى «تلة علي الطاهر»؛ مواجهات يصعب فيها التخلي عن السلاح، على الرغم من كل العواقب المحتملة لهذا التمسك. ففي العراق، حيث انقسامات سلطة الـبـيـت الـــواحـــد والــتــزامــات الحكومة الخارجية، قد تؤدي الأمور إلى أزمات بالغة »، وتؤدي 2003 الخطورة تهدد كيان «نظام إلـــى فـتـنـة وفـــوضـــى، فــي حــن أن لـبـنـان بين مـــخـــاطـــرتـــن: «مـــواجـــهـــة عـــلـــي الـــطـــاهـــر ومـــا بعدها» و«مواجهة داخلية لها ما بعدها». وعـــلـــيـــه؛ فـــــإن الــحــكــومــتــن مـقـتـنـعـتـان بــــضــــرورة تــجــنــب مـــواجـــهـــة قــــد تــــــؤدي إلـــى اقتتال داخلي وفوضى، وبما أن المتمسكين بــالــســاح وداعـــمـــهـــم لــيــســوا فـــي وارد حتى المــــنــــاورة، وأن طـــهـــران تـفـضـل مــواجــهــة في «عـــلـــي الـــطـــاهـــر» عـــلـــى أن تــســلّــمــه لـلـجـيـش اللبناني، في حين تفضل الفصائل العراقية أن تُخفي سلاحها على أن تضمه إلى الدولة، فـإن الـواضـح أن «حصر الـسـاح بيد الدولة صعب»، فيما الحقيقة أن «السلاح يحاصر قرار الدولتين». OPINION الرأي 12 Issue 17433 - العدد Friday - 2026/8/21 الجمعة تخدير الوعي وحلم الهجرة «لدي حلم» قاليباف و«حصر الدولتين بيد السلاح» وكيل التوزيع وكيل الاشتراكات الوكيل الإعلاني المكـــــــاتــب المقر الرئيسي 10th Floor Building7 Chiswick Business Park 566 Chiswick High Road London W4 5YG United Kingdom Tel: +4420 78318181 Fax: +4420 78312310 www.aawsat.com [email protected] المركز الرئيسي: ٢٢٣٠٤ : ص.ب ١١٤٩٥ الرياض +9661121128000 : هاتف +966114429555 : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: www.arabmediaco.com هاتف مجاني: 800-2440076 المركز الرئيسي: ٦٢١١٦ : ص.ب ١١٥٨٥ الرياض +966112128000 : هاتف +9661٢١٢١٧٧٤ : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: saudi-disribution.com وكيل التوزيع فى الإمارات: شركة الامارات للطباعة والنشر الريـــــاض Riyadh +9661 12128000 +9661 14401440 الكويت Kuwait +965 2997799 +965 2997800 الرباط Rabat +212 37262616 +212 37260300 جدة Jeddah +9661 26511333 +9661 26576159 دبي Dubai +9714 3916500 +9714 3918353 واشنطن Washington DC +1 2026628825 +1 2026628823 المدينة المنورة Madina +9664 8340271 +9664 8396618 القاهرة Cairo +202 37492996 +202 37492884 بيروت Beirut +9611 549002 +9611 549001 الدمام Dammam +96613 8353838 +96613 8354918 الخرطوم Khartoum +2491 83778301 +2491 83785987 عمــــان Amman +9626 5539409 +9626 5537103 صحيفة العرب الأولى تشكر أصحاب الدعوات الصحافية الموجهة إليها وتعلمهم بأنها وحدها المسؤولة عن تغطية تكاليف الرحلة كاملة لمحرريها وكتابها ومراسليها ومصوريها، راجية منهم عدم تقديم أي هدايا لهم، فخير هدية هي تزويد فريقها الصحافي بالمعلومات الوافية لتأدية مهمته بأمانة وموضوعية. Advertising: Saudi Research and Media Group KSA +966 11 2940500 UAE +971 4 3916500 Email: [email protected] srmg.com مصطفى فحص آمال موسى عبد الحق عزوزي
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky