issue17431

يعيش المواطن اللبناني في أكثريته ضائقة معيشية. النازحون من الجنوب هم الأكثر تضرراً، وحالتهم تبعث على الأســى. في هـذه الأثناء وحيث الأحــوال التي أشرنا إلـيـهـا إلـــى تــفــاقُــم، يــقــرر الــبــرلمــان الـلـبـنـانـي رفْــــع الــراتــب الـشـهـري لـكـل عـضـو فـيـه إلـــى خـمـسـة آلاف دولار بعدما كانت ثلاثة آلاف. بعض الـذيـن مِــن المكتنزين ماليا سـجَّــلـوا مـا يشبه الاعـتـراض، حتى إن البعض مِن هـؤلاء قال إنهم ينفقون مِن مالهم على احتياجات المناطق التي يمثِّلونها. الــــافــــت فــــي الأمـــــــر، أن مــعــظــم الــــنــــواب فــــي الـــبـــرلمـــان اللبناني حققوا مبتغاهم وصـــولا إلـى عضوية البرلمان بإنفاقهم أمــــوالا يملكونها، وبعضهم يرثها مِــن الآبــاء والأجــداد مِن أجْل أن ينالوا رضا الناخب. كما أن هنالك مَــــن أوصـــلـــهـــم إلــــى المــقــعــد الــنــيــابــي بــــأي وســيــلــة كــانــت، أخـارجـيـة أم داخـلـيـة. وعـلـى هـــذا الأســــاس، فـــإن «الــراتــب الشهري البرلماني» لا يعنيه كثيرا سواء بات خمسة آلاف دولار بعدما كـان ثلاثة آلاف، وكأنما يـنـدرج ذلـك ضِمْن الأحوال المعيشية، أي أن عضو البرلمان يكابد كما ناخبوه وسائر أفراد الشعب المعوزين كيف أن الحرب تسببت في خلل نوعي، شمَل أسعار السلع بما في ذلك النفط الذي يشكِّل ارتـفـاع سعره عبئا ثقيلا على الأكثرية اللبنانية التي باتت تستعمل الدراجات النارية، وتلك ظاهرة غير مسبوقة لا في لبنان ولا في الدول العربية، حيث وبسبب سوء الحال يستعمل المواطن الدراجة النارية وعياله كبارا أو أطفالا معه. قـــد نــجــد فـــي أوســــــاط الـــبـــرلمـــان الــلــبــنــانــي ربـــمـــا مَــن يستغرب أن بـرلمـانـه الـــذي يــشــرِّع الـقـوانـن يُــقــر بعضها أحـيـانـا مِـــن دون مناقشة رحـبـة لـهـا. وذريــعــة هـــؤلاء في الاستغراب أن عضو البرلمان، هو - مِــن حيث المبدأ - في خدمة الشعب أو للخدمات الموجَب إنجازها تكاليف سواء لجهة الـسـعـي، أو لأن بـعـض الــحـــالات تـسـتـوجـب حـراكـا يتطلب الإنفاق مِن غير ما في الجيب الخاص. وعلى هذا الأساس، فإن الراتب البرلماني ينتهي في النهاية لمصلحة الناخبين. إنها وجهة نظر تفسيرية ربما تلقى الاقتناع. إلـى ذلــك، فـإن الـراتـب الشهري لعضو البرلمان حالة مـأخـوذ بها فـي برلمانات كثيرة. لكن هناك فـي كثير من البلدان لا تشكل هذه الرواتب عبئا على الميزانية العامة لــلــدولــة. كـمـا هـــو الـــحـــال بـــالـــولايـــات المــتــحــدة الــتــي فيها ألف دولار، 175 الراتب السنوي لعضو الكونغرس نحو ألف جنيه، 86 وبريطانيا الراتب السنوي البرلماني فيها إضافة إلى بدلات تنقٌّل ومهمات يتم تكليف العضو بها. مـا يــراد مِــن هـذه المقارنة الـقـول بالنسبة إلـى لبنان بالذات هو أن زيادة الراتب لعضو البرلمان والتي هي مِن تقاليد سائر برلمانات العالم، تأتي في حين لا تستطيع نقاشات البرلمان تأمين نسبة بسيطة من الكهرباء، وفي وقـــت مـلـفـات الـفـسـاد وعـــدم تحصين الـسُــلـطـة القضائية تكشف المستور مِن الارتباكات المالية والسياسية لا يلقى الاهتمام الحاسم. كما فيما الجنوب اللبناني الذي يعيش حـالـة قريبة الشبه مِــن حيث الـتـمـدد الإسـرائـيـلـي بالذي جـرى في غـزة، ويتواصل حدوثا في بعض مـدن وبلدات الــضــفــة الــغــربــيــة مِــــن جــانــب المـسـتـوطـنـن الإسـرائـيـلـيـن الذين يلْقون التشجيع ضمنا مِن حكومتهم التي تعتمد التمويه ولا انشغال لرئيس وزرائـهـا سـوى الخشية مِن عـدم فــوزه في الانتخابات؛ لأن مـآل ذلـك سيكون السجن والـــبـــدء بــمــســـاءلات عـــن الــــذي جــــرى ومــــا زال مِــــن عــــدوان الغرض منه إبدال خريطة الدولتي المأمولتين. فــــــي تـــشـــهـــيـــرهـــم بــــمــــعــــارضــــي «حــــــزب الـــلـــه» يـــــرد المــمــانــعــون الــلــبــنــانــيّــون مــواقــف المعارضين إلى أصول مزعومة. فـ«الخيانة» و«الانـــعـــزالـــيّـــة»، بــالــتــالــي، لـيـسـتـا مـــن بـنـات الـيـوم، بـل تـرتـكـزان إلــى قــوى لـم تتوقّف عن ممارسة «الخيانة» و«الانعزاليّة». وكـــــان الأشــــــد تـنـغـيـصـا فـــي مــعــارضــي الممانعة، بحسب أجداد الممانعة وأحفادها، أنّــهــم لا يـلـتـزمـون روايــتــهــا عــن الـعـالـم وعـن النفس. فهم لا يخوضون مـعـارك الممانعين وحـروبـهـم جـيـا عــن جـيـل، والــتــي تُتوّجها الـكـوارث، ولا يتبنّون عقائدهم وشعاراتهم التي اتّضح مبكرا أن الصدأ يتهدّدها. وليس في التاريخ الحديث، أقلّه منذ مطالع القرن العشرين، ما وجدوه مشجّعا على الاندماج في مشاريعهم البائسة، لا سيّما أن التشهير وإنـــكـــار الــخــصــوصــيّــات كـــانـــا ذبـــحـــا رمـــزيّـــا يعدهم بذبح فعلي قادم. وأجـــــــــــداد المــــمــــانــــعــــن، كــــمــــا أحــــفــــادهــــم الحاليّون، تجاهلوا حقيقة أن الإلحاح على الـــخـــروج عــن «الإجـــمـــاعـــات الـــثـــوريّـــة» يرتكز إلى عقلانيّة خاصّة به تبرّر له استثنائيّته. ذاك أن الأمــــر لا يــعــدو كــونــه جـــوهـــرا رديـئـا مستحيل العلاج. والاسـتـثـنـاء ليس اخـتـراعـا حـديـثـا، بل هـــو حــاضــر فـــي إدراك صـانـعـي الـسـيـاسـات منذ متصرفيّة جبل لبنان في ستينات القرن التاسع عشر. فالمتصرّفيّة تلك كانت إقليما عثمانيّا يتمتّع بحكم ذاتيّ، مع إدارة محلّيّة وقيود على تدخّل السلطة المركزيّة. صحيح أن جـبـل لـبـنـان لــم يـتـفـرّد، في العهد العثمانيّ، بهذه المعاملة، إذ أحـرزت جـزيـرة كريت وشــرق الـرومـلّــي مثلا معاملة مشابهة. إلا أن مكوّنات النظام الذي قام في عاماً، كانت الأشد نضجا 57 ّ الجبل، واستمر واكتمالاً. فالحاكم مسيحي عثمانيّ، توافق الــقــوى الأوروبــــيّــــة عـلـى تـعـيـيـنـه، ويـسـاعـده مجلس محلّي يمثّل الطوائف الدينيّة، ومعه إدارة داخــلــيّــة واســعــة الــصــاحــيّــات، ولـديـه خــصــوصــيّــة مــالــيّــة وإداريّـــــــــة، فـيـمـا يـتـمـتّــع الحكم بسلطة تلجم تدخّل الوالي العثمانيّ. وبصيغة أخرى تكرّر الأمر مع ضمانات فيصل بـن الحسين لجبل لبنان. فـهـو، وإن رفـض فكرة «لبنان الكبير» واستقلاله أقـرّ، عبر «المؤتمر السوريّ»، بأن استقلال سوريّة يحترم التطلّعات الوطنيّة اللبنانيّة، وأبدى اســتــعــداده لــاعــتــراف بـخـصـوصـيّــة واسـعـة داخل سوريّة العربيّة. ففي وسع جبل لبنان الحصول على حكم ذاتــي بـحـدوده السابقة لــلــحــرب الـــعـــالمـــيّـــة، شــــرط ألا يـخـضـع لحكم أجنبيّ. وذهــب فيصل أبعد فـي مفاوضاته السرّيّة مع الفرنسيّين، فقبِل بانتداب فرنسي على الجبل مقابل حصوله على ضمان كامل لاستقلال سوريّة. وكان هذا جزءا من اتّفاقه، ، مع جــورج كليمنصو، رئيس 1920 مطالع حكومة فرنسا. ، وبات 1943 وعندما استقل لبنان في المـــوضـــوع يــتــعــدّى المــتــصــرّفــيّــة إلــــى «لـبـنـان الكبير»، كان «الميثاق الوطنيّ» الذي صاغه خــــطــــاب شـــهـــيـــر لـــبـــشـــارة الـــــخـــــوري، رئــيــس الجمهوريّة، وبـيـان وزاري أشـهـر صــدر عن حكومة ريـاض الصلح. والصيغة الجديدة، كما بـات معروفاً، قوامها التخلّي عن طلب الـــحـــمـــايـــة الـــفـــرنـــســـيّـــة، مـــقـــابـــل الـــتـــخـــلّـــي عـن الـسـعـي إلـــى إلـــحـــاق لـبـنـان بـــســـوريّـــة. وهـــذه الـتـسـويـة هـــي مـعـنـى الـبـلـد الــنــاشــئ كـدولـة مستقلّة ونهائية بحدوده القائمة. وجـــاء الامـتـحـان الأوّل، وربّــمــا الأكـبـر، مـع مــــداولات إنـشـاء جامعة الـــدول العربيّة. فــــفــــي المـــــفـــــاوضـــــات الـــــتـــــي مـــــهّـــــدت لــــصــــدور ، تمسّك 1944 «بروتوكول الإسكندريّة»، عام لـبـنـان بـمـوقـف يجمع بــن تـأيـيـد التضامن والـتـقـارب الـعـربـيّــن والإصــــرار على جامعة تـــكـــون جــامــعــة دول مـسـتـقـلّــة ذات ســـيـــادة. وفــــي مــواجــهــة مــشــاريــع «ســــوريّــــة الــكــبــرى» لعبد الله بن الحسين، و«الـهـال الخصيب» لــــــنــــــوري الــــســــعــــيــــد، كــــــــان ريــــــــــاض الـــصـــلـــح رأس الـــحـــربـــة، فـــهـــدّد مـــــرّة بــالانــســحــاب من مفاوضات تناقض «جوهر الاستقلال الذي قامت عليه الصيغة اللبنانيّة». وفعلا لحظ بـــروتـــوكـــول الإســـكـــنـــدريّـــة هــــذه الـحـسـاسـيّــة فسجّل في بنده الرابع: «تؤيّد الدول العربيّة المـمـثّــلـة فـــي الـلـجـنـة الـتـحـضـيـريّــة مجتمعة احترامها لاستقلال لبنان وسيادته بحدوده الحاضرة». واحـتُــرم التوكيد نفسه فـي مفاوضات الــــقــــاهــــرة المـــفـــضـــيـــة إلــــــى مـــيـــثـــاق الـــجـــامـــعـــة الــعــربــيّــة، فــجــاء المــيــثــاق فــي مـــادّتـــه الثامنة يُلزم كل دولة عضو باحترام نظام الحكم في الدول الأخرى بوصفه شأنا داخليّاً. وهـــــــــذا مـــــا كـــــــان مــــتــــاحــــا قــــبــــل صـــعـــود جــــمــــاعــــات «الـــــتـــــحـــــرّر الــــــوطــــــنــــــيّ»: ضــــبّــــاط الانـقـابـات العسكريّة أوّلاً، ثــم الميليشيات المــســلّــحــة، مـصـحـوبـا بـــالـــرهـــان الـــدائـــم على تحوّلات التوازن السكّاني والتهديد بالقوّة التي يوفّر الجوار المأزوم أدواتها الناريّة. فــالــنــزاعــات الــتــي عـرفـهـا تــاريــخ الـبـلـد، ، لم تكن إلا نتاج الإخــالات بتلك 1958 منذ التفاهمات، والإخـال لم يكن إلا نتاج الأخذ بـنـظـريّــات صـراعـيّــة ونـضـالـيّــة وعنيفة وُلـد لبنان أصلا بالانفصال عنها. وهكذا كان الاستثناء، قياسا بسرديّات «التحرّر الوطنيّ» في سائر أنواعه، وسائر حروبه، أساسا للوطنيّة اللبنانيّة، لا خيانة لها. والحال أنّه منذ نشأة «حزب الله» صار العنوان المهيمن على الخلاف طلب العيش في ظل دولة، لا في ظل ميليشيا، وفي وطن، لا في قضيّة، كائنة ما كانت القضيّة. ذاك أن العيش فـي قضيّة هـو العيش فـي اللامكان والــامــعــيــار، حـيـث الــنــاهــب يـنـهـب والـقـاتـل يقتل والمتدخّل الخارجي يتدخّل، فيما ترقى المساءلة إلى ضرب من الاستحالة. أمّــا آخر الأمــثــلــة فــأتــانــا مـــن رئــيــس الـــبـــرلمـــان وكـبـيـر المفاوضين الإيرانيّين محمد باقر قاليباف، مـعـلـنـا أنّـــــه عــلــى تـــواصـــل بــمــقــاتــلــي «حـــزب الــلــه» عـلـى الـخـطـوط الأمــامــيّــة فــي الـجـنـوب اللبنانيّ، وهـــذا بعدما نـوّرنـا بإيضاح أنّــه .»1985 «منخرط في شؤون لبنان منذ OPINION الرأي 12 Issue 17431 - العدد Wednesday - 2026/8/19 الأربعاء لبنان... المعاناة مستمرة الاستثناء والاختلاف عن الممانعة هما الوطنيّة اللبنانيّة وكيل التوزيع وكيل الاشتراكات الوكيل الإعلاني المكـــــــاتــب المقر الرئيسي 10th Floor Building7 Chiswick Business Park 566 Chiswick High Road London W4 5YG United Kingdom Tel: +4420 78318181 Fax: +4420 78312310 www.aawsat.com [email protected] المركز الرئيسي: ٢٢٣٠٤ : ص.ب ١١٤٩٥ الرياض +9661121128000 : هاتف +966114429555 : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: www.arabmediaco.com هاتف مجاني: 800-2440076 المركز الرئيسي: ٦٢١١٦ : ص.ب ١١٥٨٥ الرياض +966112128000 : هاتف +9661٢١٢١٧٧٤ : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: saudi-disribution.com وكيل التوزيع فى الإمارات: شركة الامارات للطباعة والنشر الريـــــاض Riyadh +9661 12128000 +9661 14401440 الكويت Kuwait +965 2997799 +965 2997800 الرباط Rabat +212 37262616 +212 37260300 جدة Jeddah +9661 26511333 +9661 26576159 دبي Dubai +9714 3916500 +9714 3918353 واشنطن Washington DC +1 2026628825 +1 2026628823 المدينة المنورة Madina +9664 8340271 +9664 8396618 القاهرة Cairo +202 37492996 +202 37492884 بيروت Beirut +9611 549002 +9611 549001 الدمام Dammam +96613 8353838 +96613 8354918 الخرطوم Khartoum +2491 83778301 +2491 83785987 عمــــان Amman +9626 5539409 +9626 5537103 صحيفة العرب الأولى تشكر أصحاب الدعوات الصحافية الموجهة إليها وتعلمهم بأنها وحدها المسؤولة عن تغطية تكاليف الرحلة كاملة لمحرريها وكتابها ومراسليها ومصوريها، راجية منهم عدم تقديم أي هدايا لهم، فخير هدية هي تزويد فريقها الصحافي بالمعلومات الوافية لتأدية مهمته بأمانة وموضوعية. Advertising: Saudi Research and Media Group KSA +966 11 2940500 UAE +971 4 3916500 Email: [email protected] srmg.com حازم صاغيّة أذرع إيران لم تحارب من أجل قضية وطنية إنما لصالح تحالف عقائدي عمرو الشوبكي النازحون من الجنوب هم الأكثر تضررا وحالتهم تبعث على الأسى فؤاد مطر إيران... حماية الداخل وزعزعة الخارج مشاهد الحرب والهدنة بين إيـران وأميركا تقول إن إيــران تـحـاول التأكيد أنها ثبتت فـي هـذه المـواجـهـة. فقد وظَّــفــت أوراقـــهـــا لـلـدفـاع عــن وجــودهــا ومـصـالـح نظامها حـتـى لـــو كـــان ذلـــك عـلـى حــســاب دول المـنـطـقـة. وفـــي ظل الهجوم الخارجي عليها، نجحت إيران، حتى الآن، في طي صفحة مظاهرات الاحتجاج ضد النظام. حدث عكس ذلك في البلدان التي اخترقتها طهران بـالأذرع والميليشيات، ســـواء فـي لبنان أو الــعــراق أو الـيـمـن، وشـهـدنـا انقساما مجتمعيا وسياسيا غير مسبوق بين «حـزب الله» الذي دخل حرب «إسناد إيران» لحساب دولة أخرى، وبين باقي المكونات اللبنانية، كما أن الانقسام في العراق وصل إلى حد قيام الميليشيات الموالية لإيران باستهداف السعودية بالطريقة «الميليشياوية» نفسها التي لا تحترم دولتها ولا تـــراعـــي جــيــرانــهــا. وهـــــذا مـشـهـد انــقــســامــي بـامـتـيـاز بـن حكومة تـحـاول أن تبسط سيادتها على كـل البلاد، وتـنـظـيـمـات مـسـلـحـة تــكــرس الانـــقـــســـام وتـــرفـــض تسليم سلاحها للدولة. مفارقة أن إيران وحَّدت جبهتها الداخلية في مواجهة الهجمات الـخـارجـيـة، فـي حـن أن أذرعـهـا فعلت العكس وعمقت الشروخ الداخلية والانقسامات المجتمعية في كل بلد وُجدت فيه، هي ملاحظة جديرة بالتأمل، وربما تمثل درسا لإيران لإحداث مراجعة جراحية لسياسات نظامها تجاه دول المنطقة. والـــــســـــؤال المـــــطـــــروح: لمــــــاذا إذن تــمــاســكــت الـجـبـهـة الداخلية الإيرانية نوعا ما والتي لم تتوقف الاحتجاجات الرافضة للنظام إلا قبل الحرب بأسابيع قليلة، ورفض الـنـاس الهجمات الأميركية - الإسرائيلية على بلادهم؟ ولمــــاذا سـعـى قـــادة خليجيون إلـــى وقـــف الــحــرب ودعـمـوا جـهـود الـوسـاطـة وتـعـامـلـوا بحكمة وصـبـر شـديـديـن مع الاعـتـداءات الإيرانية على دول الخليج، في حين أن الرد كان فوريا على عدوان الميليشيات؟ الحقيقة أن الفارق واضح سواء فيما يخص تماسك الجبهة الداخلية الإيرانية أو فيما يتعلق بتعامل الدول الأخرى مع دولة باقية رغم ما أثارته من مشكلات وأزمات، وبين تعاملها مع ميليشيات زائلة أو يجب أن تزول. والحقيقة أن أي نظام، مهما كانت طبيعته ومهما كــانــت درجــــة الاتـــفـــاق والاخـــتـــاف مــعــه، سـقـوطـه بـالـغـزو الخارجي المسلح نتيجته كارثية، وإن ما ساعد إيران على التماسك الداخلي هو توظيفها ورقة «العدوان الخارجي» على الـوطـن ولـيـس الـنـظـام. فهي دولـــة لديها مؤسسات تحتكر القوة، وحتى ثنائية الجيش و«الحرس الثوري» فكل منهما تقوده مرجعية واحدة هي مرشد الجمهورية، ولا يوجد ميليشيا داخل إيران يمكن أن تتخذ خطوة في السلم أو الـحـرب بعيدا عـن توجهات المـرشـد والمنظومة الحاكمة. والــافــت أن الـنـظـام الإيــرانــي لـم يكن دعـمـه للقضية الفلسطينية نتيجة فقط لقناعات عقائدية، إنما أيضا ورقــــة دفــــاع عـــن طــمــوحــات تـتـمـثـل فـــي المـــشـــروع الــنــووي والـحـضــور الإقـلـيـمـي ومـــحـــاولات الهيمنة والـتـدخــل في شــــؤون الـــــدول الأخـــــرى. كـمـا أن الــخــطــاب الآيــديــولــوجــي الإيـرانــي لـم ينفصل أيضا عـن مصالح إيـــران العليا ولم يكن فقط لوجه الله والقضية الفلسطينية. بالإضافة إلى ذلـــك، ظـل المجتمع الإيــرانــي لعقود مجتمعا حيا يرفض قــطــاع واســــع مــنــه خـــيـــارات نــظــامــه ويــطــالــبــه بــــأن يـكـون مدافعا عن مصالح بــاده الوطنية فقط، ولا يتدخل في شـؤون الـدول الأخــرى، ويرفض سياسة الأذرع وتصدير نموذجه بالقوة. وقد تراجع هذا التيار موقتا مع الحرب الحالية. أمــا أذرع إيـــران فلم تـحـارب مـن أجــل قضية وطنية، وإنـمـا لصالح تحالف عقائدي وتبعية سياسية لدولة أخــــرى، ولـــم تـكـن أرضــهــا مـحـتـلـة، ولـيـس لـديـهـا مـشـروع وطني، إنما كرَّست للانقسام المجتمعي والسياسي في كل بلد وُجدت فيه. وهذا على خلاف إيران التي احتكرت الـدولـة والـقـوة والـسـاح وتبنَّت سردية سياسية وطنية في مواجهة الهجوم الخارجي، بهدف ضمان تماسكها المجتمعي. الفارق بين إيـران وأذرعها لا يعود إلى عبقرية إيران ونـقـاء نموذجها ومـسـاوئ الأذرع وخطاياها، وإنـمـا لأن النظام في طهران انطلق في حربه من الدفاع عن بديهيات وطــنــيــة لمـــواجـــهـــة هــجــمــات خـــارجـــيـــة عـــــززت مـــن تـمـاسـكـه الــوطــنــي، بــصــرف الـنـظـر عـــن صـحـة ســرديــتــه مـــن عدمها وبصرف النظر عن حجم أخطائه. في المقابل، خاض «حزب الله» حربا لحساب إيران كرَّست الانقسام بين اللبنانيين. أما اليمن المنقسم فزاد الحوثيون من انقسامه ومعاناته. إن التناقض الموجود في الخطاب الإيـرانـي هو بين دولـة ترفع شعار الدفاع عن التراب الوطني في مواجهة هجمات الخارج، وبين رفض أي تدخل خارجي في شؤون المـنـطـقـة، وفـــي الــوقــت نفسه تـتـحـول إيــــران إلـــى «خـــارج» آخر يمارس الهيمنة والانقسام داخل البلاد الأخرى، في مفارقة صادمة.

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky