يوم السبت قبل الماضي، وبينما حرائق الصيف والحروب تلتهب في بقاع كثيرة من العالم، أخمد رئيس الحكومة الهندية ناريندرا مودي حريقا طلابيا بإجباره وزير التعليم في حكومته، دارمندرا برادان، على الاستقالة. تلك الاستقالة كانت الأولى في . الخطوة 2014 تاريخه السلطوي منذ أن جاء إلى الحكم في عام التنازلية فاجأت وأربكت الكثيرين. أغلب المعلقين والمراقبين، في الهند وخارجها، عدّوا تنازل مودي للطلاب المحتجين علامة على ضعف قبضته على السلطة، وبعضهم عـــدّه هـزيـمـة. الــــرأي لا يخلو مــن صـحـة، وفـــي الـوقـت ذاتـه قد يبدو للبعض، وأنـا منهم، أنـه متسرّع قليلا ويتجاهل عمدا حقائق السياسة في بلد مثل الهند. الإحصاءات الرسمية 60 المنشورة في وسائل الإعلام الهندية والدولية تؤكد أن نسبة في المائة من إجمالي العاطلين عن العمل في الهند هم من الطلاب الخريجين من الجامعات! احتجاجات الطلاب في الهند استمرت نحو سبعة أسابيع، يوليو 25 منذ مطلع يونيو (حزيران) وحتى استقالة الوزير في (تـــمـــوز). وســائــل الإعــــام الـبـريـطـانـيـة فــي تـقـاريـرهـا تـؤكـد أنها يوما فقط. خلالها امتدت نيرانها إلـى العديد من 36 استمرت المدن الكبرى، واستقطبت إليها الأحزاب المعارضة والعاطلين عن العمل. ووقعت مواجهات عنيفة بين قوات الشرطة والمتظاهرين، واعــتُــقــلــت أعـــــداد مـنـهـم. الـــشـــرارة الــتــي سـبّــبـت حــريــق الغضب الطلابي تمثّلت في إلغاء المسؤولين في وزارة التعليم الهندية ) بـعـد تـسـرّب NEET-UG( امـتـحـانـات الـقـبـول للكليات الـطـبـيـة أسئلتها. أكثر من مليوني طالب وطالبة تقدموا إلى تلك الامتحانات ألــف مقعد، وأُجــبــروا على إعادتها. 130 يتنافسون على نحو التقارير الإعلامية ذكــرت أن أكثر مـن عشرة طـاب أقـدمـوا على الانتحار نتيجة لذلك، وهو ما هيّأ ظروفا مواتية أمـام الطلاب للخروج إلى الـشـوارع، تحت رايـة حركة شبابية ساخرة تحمل )، أسسها شاب Cockroach Janta Party( » اسم «حزب الصراصير هندي يــدرس فـي أميركا اسمه أبهيجيت ديبكي، تـرك دراسته في بوسطن وعـاد ليقود عملية الاحتجاج والمطالبة باستقالة وزيــر التعليم، وإصـــاح النظام التعليمي، وتوفير فـرص عمل للخريجين العاطلين. مساء السبت قبل الماضي، تناقلت وسائل الإعـام الدولية خبر استقالة وزيـر التعليم. وعُـــدّت الاستقالة من قِبل المعلقين والمحللين فـي الهند وخـارجـهـا تـنـازلا سياسيا مـن قِبل رئيس حكومة لم يسبق له الخضوع لأي ابتزاز سياسي. رئيس الحكومة مودي لم يكتف بإجبار وزير التعليم على الاستقالة، بل تعهّد باعتقال ومحاكمة المسؤولين عن تسريب الأسئلة وإنزال أشد العقاب بهم، كما قبل بتنفيذ شروط الطلاب المـحـتـجـن الأخــــــرى. أغــلــب المـعـلـقـن عـــــدّوا ذلـــك الــتــنــازل هزيمة سياسية لرئيس الحكومة الهندية ولحزبه. الأمـر الـذي يدعو، في رأيي، إلى إعادة النظر في تعريف معنى الهزيمة السياسية. تـــنـــازل رئــيــس الـحـكـومـة الـهـنـديـة مــــودي لـلـطـاب لـيـس هزيمة سـيـاسـيـة بـالمـعـنـى المــتــعــارف عـلـيـه لـحـسـابـات عــــدة، أبـــرزهـــا أن الطلاب في الهند يشكلون قاعدة انتخابية مهمة لحزب رئيس الحكومة «بهاراتيا جاناتا» الحاكم. وبالتالي، تتطلّب الحكمة وضـبـط الـدفـاتـر عـــدم الـتـفـريـط فــي رأســمــال انـتـخـابـي كـبـيـر، بل تبني المراضاة واحتواء الغضب بتقديم تنازل. في هذا السياق من المهم التذكير بما حـدث في بنغلاديش، البلد الجار للهند، مـنـذ عــامــن، حــن قـــاد الــطــاب مـظـاهـرات احـتـجـاج ضــد النظام وتمكنوا من إسقاطه. رئيسة الحكومة البنغلاديشية السابقة الشيخة حسينة هربت على وجه السرعة طيرانا إلى الهند، حيث وفّر لها رئيس الحكومة مودي الملجأ الآمـن. فهل كان ممكنا أن يتجاهل مودي تلك الثورة الطلابية وما أفضت إليه من نتائج فـي بنغلاديش، ولا يقبل بإقالة وزيــر فـي حكومته وتعويضه بآخر؟ قـد يـقـول قـائـل إن الـثـورة الطلابية فـي بنغلاديش لـم تكن ســـوى قــشّــة أخـــيـــرة قـصـمـت ظـهـر الــنــظــام، وإن الــفــســاد والـقـمـع والـسـنـوات الطويلة فـي الحكم كـانـت المـحـرك الأســاســي للثورة ضــده وإسـقـاطـه. وهــو رأي لا أخـالـفـه، لكن الطلقة القاتلة على النظام فـي بنغلاديش جــاءت مـن المـظـاهـرات الطلابية. ثـم لمـاذا نـتـنـاسـى الانـتـفـاضـات الـطـابـيـة فــي الآونــــة الأخـــيـــرة فــي نيبال وإندونيسيا وكينيا وصربيا؟ الانحناء المؤقت أمام عاصفة سياسية لم ولن يكون دليلا عـلـى ضـعـف، بــل هــو فـــارق جــوهــري بــن سـيـاسـي تــأخــذه الـعـزة بالإثم فتطير به العاصفة، وسياسي حصيف يملك من المرونة ما يجعله يخسر مضطرا معركة جانبية لقاء كسب حرب. المأخذ الوحيد على تنازل ناريندرا مودي ربما في تسجيله سابقة من المحتمل جدا أن تُفضي إلى تشجيع حركات احتجاجية أخـرى بمطالب مختلفة، وقـد تقود في حـال رفضها إلـى انـدلاع أعمال عنف، مما يضطر رئيس الحكومة إلى مواجهتها بعنف مماثل. اللجوء إلـى استخدام العنف ليس أمــرا استثنائياً، بل تلجأ إليه حكومات كثيرة. المشكلة أن العنف، كما تؤكد تجارب الـعـديـد مــن الــحــكــومــات، لــم ولـــن يــكــون حـــا لمـشـكـات سياسية واقتصادية صعبة، والأقرب إلى الواقع أنه يزيدها تفاقماً. لا يُعرف على وجــه الـدّقـة، أيـن وصلت حكاية نـزع سلاح «حماس» في غـزة بصورة نهائية، هل سيجري تسليمه على الـــصـــورة الـتـي تحتاجها إســرائــيــل حـيـث رغـبـة نتنياهو بـأن يظهر الأمر على صورة نصر كبير؟ أم ستتم معالجته بصورة تُنهي فعله تحت ساتر من حفظ ماء الوجه؟ وســــواء تـــم الأمـــر عـلـى أي صــــورة وبـــأي طـريـقـة، فالمغزى الحقيقي للحدث هو انتهاء دور السلاح في الحالة الفلسطينية بشقّيها المحارب والمفاوض. ولنعد بالذاكرة لسنوات ليست بالكثيرة، وتحديدا إلى ذلك اليوم الـذي صافح فيه رجل البندقية الأول ياسر عرفات، إسحق رابين رجل المجازفة الإسرائيلية الأولى، في إنجاز اتفاق أوسلو. كـانـت مصافحة فُهمت على أنَّــهـا بمثابة وداع للسلاح، وفهمها الإسرائيليون على أنَّها بداية عهد جديد مع خصمهم الأساسي يوفّر لهم أمنا افتقدوه طيلة حروبهم الممتدة معه. تخلّى ياسر عرفات عن السلاح لقاء اتفاق سياسي أوّلي، مـع محتلّي بـلـده وشـعـبـه، وعـــاد بمقتضى الاتــفــاق إلــى أرض الـــوطـــن، وقـبـلـه ومــعــه وبــعــده عـــاد مــئــات ألــــوف الفلسطينيين الذين ما كان لواحد منهم أن يعود لولا مجازفة أوسلو وتلك المصافحة التاريخية الـتـي وعـــدت بـدولـة فلسطينية بدايتها حكم ذاتي مؤقت ومحدود. أســقــط الـثـنـائـي الـــشـــرس شـــــارون ونـتـنـيـاهـو مـــا أنـجـزتـه أوســلــو، ولــم يكتفيا بـذلـك بـل حـــوّلا مـقـدّمـات الـسـام المنشود إلى حرب تصفية جذرية، وصلت بعد سنوات قليلة إلى إعادة احتلال الضفة، وتدمير غـزة، وتحويل السلطة التي أنتجتها أوسلو كمقدمة لدولة، إلى رهينة تجاهد بصعوبة للبقاء على قيد الحياة. فـي سـيـاق التجربة الـتـي سُــمـيّــت التاريخية، وبفعل نكوص شارون ونتنياهو عن الوعد والالتزام الذي قطعه أســافــهــمــا رابــــــن وبـــيـــريـــس، اضــــطــــر عــــرفــــات لاســتــخــدام البندقية، وفق اجتهاد راوده بأن يتم استرضاؤه بالعودة إلـــى مــســار أوســـلـــو، ومــواصــلــة الــتــقــدّم نـحـو هـــدف إقـامـة الـدولـة، غير أن المجازفة أخفقت، وهـا نحن نـرى نتائجها عـلـى الأرض، بــــدءا بتصفية عــرفــات ذاتــــه، ولــيــس انـتـهـاء بتدمير غزة، وإعادة احتلال الضفة، والتهديد بضمّها. لـــم يــتــخــل الـفـلـسـطـيـنـيـون تــمــامــا عـــن الـــســـاح، وأنـتـجـت الحالة الجديدة بعد تآكل أوسلو، تشكيلات مسلّحة في الضفة الغربية، بما في ذلك القدس، وولـدت من خلال «حماس» ومن معها، جبهة قـتـال فـي غــزة، تمكّنت مـن تأسيس بنية تحتية لمقاومة مسلّحة، وجـدت من يموّلها ويمدّها بوسائل الحياة والاسـتـمـرار والتأثير على إسـرائـيـل، مـا حــوّل غـزة إلـى ساحة مــعــارك متسلسلة، مــع حــصــار خــانــق مـارسـتـه إســرائــيــل منذ انطلاق أول قذيفة حمساوية عليها. لم تنجح الجهود التي قادتها دول عديدة، لإرخاء قبضة إسرائيل عن غزة، والحيلولة دون قيامها باجتياحات عسكرية مـدمّــرة، إلـى أن وقعت العملية الكبرى فـي السابع مـن أكتوبر ، ورد إسرائيل الانتقامي الشامل عليها. 2023 ) (تشرين الأول استخدمت «حماس» في مقاومتها للاجتياح الإسرائيلي البري للقطاع، كل ما لديها من وسائل قتالية، ورغم طول أمد الحرب، والخسائر التي مُني بها الطرفان، فـإن النتيجة وفق ميزان القوى بين «حماس» وإسرائيل، كانت محسومة لصالح الأكثر تفوّقا في الـقـدرات العسكرية بـرا وبحرا وجــواً، ما أدّى أخيرا إلى ما وصلنا إليه الآن. احـــتـــلّـــت إســـرائـــيـــل ثـــاثـــة أربـــــــاع أرض غــــــزة، وســيــطــرت بالحصار والنار على الربع الذي تبقَّى تحت سيطرة منقوصة لــ«حـمـاس»، ليُطرح موضوع السلاح وحتمية التخلّص منه، كـشـرط إسـرائـيـلـي وأمـيـركـي وربـمـا دولـــي حـاسـم، إذا مـا أُريــد استكمال تنفيذ مراحل المـبـادرة الأميركية؛ إذ لا بداية لإعـادة الإعـــمـــار والانـــســـحـــابـــات الإســرائــيــلــيــة الــجــزئــيــة دون أن تـقـرر إسرائيل أن حكاية السلاح قد انتهت، وأن طلقة واحدة من غزة لن تُطلق عليها لسنوات طويلة قادمة. منذ طُرحت المـبـادرة الأميركية وجـرت مباركتها إقليميا ودوليا في شرم الشيخ وواشنطن، حيث تدشين مجلس السلام برئاسة ترمب، لم تتوقف إسرائيل عن استخدام كل ما لديها مـن ســـاح، دون أن تتلقَّى أي رد عـسـكـري مـن قِــبـل «حـمـاس»، لـم تجد مقاومة تـذكـر، وهـي تتقدم فـي أرض غــزة، بـل فرضت نفسها كصاحبة حق فيتو على كل حركة تُؤدّى بشأنها من قِبل مجلس السلام، بما في ذلك إلى أي دول تنتمي قوّات الاستقرار المسموح لها بدخول غزة، وأين تتموضع، وكذلك إلى أي مدى تستطيع لجنة غزة المدنية القيام بعملها الخدماتي، والتدقيق في هويات من يعملون معها، ومن يتنقلون من مكان إلى آخر من أهل غزة وبين مناطقها. حـن كــان باستطاعة «حــمــاس» اسـتـخـدام سـاحـهـا، كان مفهوما حرصها على الاحتفاظ به، وكانت تجد من يرى منطقا معقولا في موقفها، أمّا حين لم يعد ممكنا استخدامه فقد آلت الأمور أخيرا إلى موافقة «حماس» على إنهاء دوره، وما يتبقّى من خلافات حول هذا الأمـر فهو في إخـراج الخلاصات وليس تغييرها. حــن تــقــر «حـــمـــاس» بــإنــهــاء دور الـــســـاح، لا بــد أن يُــثـار ســؤال: هل بندقية غـزة هي الأخيرة في هـذه المرحلة من كفاح الفلسطينيين؟ وهل سيكون التخلّص منها بداية لتسوية وفق المــبــادرة الأميركية المـوافـق عليها مـن قبل مجلس الأمـــن الـذي أشار لأول مرة منذ تأسيسه إلى دولة فلسطينية؟ المنطق يقول إن اختفاء البندقية الأخيرة لا يعني اختفاء قضية كبيرة وعميقة، اعترف تسعة أعشار دول العالم بحق شعبها في تقرير مصيره وإقامة دولته. للبندقية وقت وللكفاح الشعبي والسياسي بكل أشكاله كــل الـــوقـــت، ومـــا بـعـد إغــــاق مـلـف الــســاح فــي غــــزة، ستتضح مقدرة مجلس السلام على تنفيذ خطّته بجميع مراحلها، وهذا ما يريده الفلسطينيون والعرب والمسلمون والعالم. كانت الـولادة عسيرة وما يبدو عسيرا كذلك ما سيليها، فالحكاية ليست ما تبقى من سـاح متواضع لـدى «حماس»، بـل هـي حكاية قضية كـبـرى لـم تقتنع إسـرائـيـل بعد بأنَّها أم القضايا في هذا العصر. يميل لبنانيّون إلى رفض كل سلام مع إسرائيل، الآن وغدا وبعد غد، وكائنا مَـــــن كـــــان حـــاكـــمـــهـــا. ويـــمـــيـــل لــبــنــانــيّــون آخــرون إلـى سـام وتطبيع كاملين معها «الآن الآن ولـيـس غــــداً»، وكـائـنـا مَـــن كـان حـــاكـــمـــهـــا. وأغــــلــــب الــــظــــن أن هـــــذا المــيــل بوجهيه، وجه تحويل البشر آلات تقاتل إســرائــيــل ووجــــه تحويلهم آلات مُتيّمة روبوتيّا بها، إنّما تحرّكه، قبل أي مُحرّك، كراهية الجماعة الأهليّة للجماعة الأخرى والرغبة في إخضاعها. لـكـن إذا كــان أصـحـاب الـــرأي الأوّل يـــرون الـعـالـم مساحة لـلـعـداوة، والــحــرب أداة حصريّة للتبادل بين البشر، فأصحاب الرأي الثاني ينسبون لأنفسهم قدرة على القول: كن فيكون، ظانّين أن التاريخ لم يكن قبلاً، وأنّه يتأسّس الآن على أيديهم. وهكذا فمقابل أسـوأ النزعات المحافظة، وهـي التي تريد الحفاظ على «ثوابت» الحرب والعداء بوصفه «طبيعة إنسانيّة»، تنتصب أسوأ النزعات الثوريّة، وهي التي تريد أن تتغلّب على المشاعر، وعلى المألوف وتعقيد الواقع دفعة واحـدة، وذلك بفعل حدث إرادي غالبا ما يُناط بفرد أو ببضعة أفراد. والحال أن جذور هذا التفكير، الذي يتوهّم أصحابه قلب الأمور رأسا على عقب، قديمة وراسخة. فالعهد القديم مثلا غالبا ما حدّثنا عن شخص واحد استطاع بقوّة صلاحه أن ينقذ شعبا ويؤثّر على مصير جماعة. فبعد قصّة العجل الذهبي مثلاً، كان لتدخّل موسى أن حال دون فناء قوم بأكمله. وبحسب المسيحيّة، غيّرت قيامة المسيح العلاقة بين الله والبشريّة انتصارا على المــوت وتكفيرا عن الخطيئة. وبـدورهـا رأت الميثولوجيا الإغريقيّة أن البشريّة حظيت بالتقنيّة والمعرفة بعد إقـدام بروميثيوس على سرقة النار من الآلهة... والـحـال أن كـل انتقال كبير مـن حـال إلـى حــال، بما فيه الانتقال مـن عــداء جـذري ) إن نجحت تطوّرت مع الزمن إلى مراتب process( ومزمن إلى سلام شامل، هو عمليّة أعلى فأعلى. لكنّه حكما ليس حدثا أسطوريّا يُنجز بـ«ضربة لازب». فنحن هنا لسنا أمام لحظة كالسقوط من الجنّة أو كخروج بني إسرائيل من مصر. وتالياً، ليس بـن عشيّة وضحاها تتحوّل الــعــداوات المتأصّلة سلاما وتطبيعا تــامّــن، إذ المـسـار الأكـثـر شيوعا فـي الـتـجـارب المـعـروفـة يحكمه الــتــدرّج والـبـنـاء على التراكم. 1951 لهذا لم تغادر فرنسا وألمانيا عداءهما إلى السلام إل عبر محطّات بدأت في مع قيام «المجموعة الأوروبيّة للفحم والصلب»، ثم معاهدة الإليزيه للصداقة والتعاون بـهـدف «جـعـل الــحــرب غـيـر واردة سـيـاسـيّــا ونـفـسـيّــا». ولـئـن انـتـهـت الـحـرب 1963 فــي ،1995 ، لم تقم بين البلدين علاقات دبلوماسيّة إل في 1975 الأميركيّة – الفيتناميّة في ثم بدأ يتوسّع التبادل التجاري ويتدفّق الاستثمار. وبين إنهاء نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا والمصالحة العامّة أجريت مفاوضات دستوريّة وانتخابات وأنشئت «لجنة الحقيقة والمصالحة» كما بُذلت جهود لتبديد المخاوف المتبادلة. وحتّى اليوم .1979 لا يزال «السلام البارد» يلازم كامب ديفيد المصريّة – الإسرائيليّة الموقّعة في ولا يقال هذا بِنيّة اقتراح «موديل» مُلزم على المستقبل اللبناني – الإسرائيليّ، لكن للمساهمة في وقف الزجل الاحتفالي المعوّل على سحر الساحر أو على كبسة الزر بوصفها مفتاحا للتاريخ. بطبيعة الحال هناك، في عمليّات كهذه، دور تلعبه مبادرات الأفـراد والجماعات إبطاء أو تسريعاً، كما يتدخّل التقدّم وتلاحُق الإنجازات اللذان يشدّان العمليّة إلى أمام، أو التعثّر وتبديد الإنجازات اللذان يشدّانها إلى وراء. وهناك شجاعة القادة أو تردّدهم، والاستعدادات والخلفيّات الثقافيّة لدى جماعة ما، وما إذا كانت مشجّعة أو مثبّطة... وفي الحالات التي نحن في صددها، سيكون من غير المنطقيّ، بل من غير الإنسانيّ، مطالبة لبنانيّين قُتل أهلهم وأحـرقـت بيوتهم وقـراهـم بالوقوع في غــرام إسرائيليّين يـقـودهـم نتنياهو وبـــن غـفـيـر. وبـالمـعـنـى ذاتـــه سـيـصـد إسـرائـيـلـيّــون مــن أهـــل ضحايا «طوفان الأقصى» طلبا مشابها في تسرّعه وخفّته. فكيف وأن مسألة الانسحاب، في حالة لبنان، لم تُحسم بعد على نحو واضـح، فيما المحيط العربي الذي قد يقبل مبدأ السلام متحفّظ على مبدأ الهيام. فـ«أحبّوا بعضكم بعضاً» لن تكون فعّالة ولا ممكنة في أوضاع كهذه، ولبنانيّاً، لن يُترجم العداء المستحق لـ«حزب الله» صك براءة يُعطى للإسرائيليّين. وهنا أيضا يزوّدنا التاريخ بعِبَر مفيدة. فثمّة تعبير وصفي شهير هو «الوقوع بين نارين» يصح فـي وضــع بولندا بـن روسـيـا وألمـانـيـا، وفــي حالة كـوريـا بـن أميركا وكــل مـن روسيا والصين، وفي نموذج أفغانستان إبّــان «اللعبة الكبرى» بين بريطانيا وروسيا، وفي تجارب الكرد الذين عانوا ألم التمزّق بين القوى المجاورة المتصارعة، وطبعا في تجارب الـلـبـنـانـيّــن... وفـــي هـــذه الـنـمـاذج جميعا قــد تـتـاقـى مصلحة الــطــرف الضعيف مع مصلحة إحدى القوّتين الكبريين اللتين تمارسان تعنيفه. بيد أن «التحليل الموضوعيّ» والحساب البارد لا يعادلان بالضرورة الحالة الشعوريّة المنجرّة عن ضرر شخصي مباشر. وأغلب الظن أن ما ينطبق على الآلات الحاسبة لا ينطبق على البشر. فإذا فرض توازن القوى والاضطرار صمتا هنا وتحمّلا هناك، فإنّهما لا يفرضان الوقوع في عشق لا يُستجاب، يثير الشفقة على العاشق. OPINION الرأي 12 Issue 17414 - العدد Sunday - 2026/8/2 الأحد هل غزة بندقية الفلسطينيين الأخيرة؟ الانحناء أمام العاصفة في أن السلام عمليّة وليس حدثا ينجزه سحر ساحر وكيل التوزيع وكيل الاشتراكات الوكيل الإعلاني المكـــــــاتــب المقر الرئيسي 10th Floor Building7 Chiswick Business Park 566 Chiswick High Road London W4 5YG United Kingdom Tel: +4420 78318181 Fax: +4420 78312310 www.aawsat.com [email protected] المركز الرئيسي: ٢٢٣٠٤ : ص.ب ١١٤٩٥ الرياض +9661121128000 : هاتف +966114429555 : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: www.arabmediaco.com هاتف مجاني: 800-2440076 المركز الرئيسي: ٦٢١١٦ : ص.ب ١١٥٨٥ الرياض +966112128000 : هاتف +9661٢١٢١٧٧٤ : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: saudi-disribution.com وكيل التوزيع فى الإمارات: شركة الامارات للطباعة والنشر الريـــــاض Riyadh +9661 12128000 +9661 14401440 الكويت Kuwait +965 2997799 +965 2997800 الرباط Rabat +212 37262616 +212 37260300 جدة Jeddah +9661 26511333 +9661 26576159 دبي Dubai +9714 3916500 +9714 3918353 واشنطن Washington DC +1 2026628825 +1 2026628823 المدينة المنورة Madina +9664 8340271 +9664 8396618 القاهرة Cairo +202 37492996 +202 37492884 بيروت Beirut +9611 549002 +9611 549001 الدمام Dammam +96613 8353838 +96613 8354918 الخرطوم Khartoum +2491 83778301 +2491 83785987 عمــــان Amman +9626 5539409 +9626 5537103 صحيفة العرب الأولى تشكر أصحاب الدعوات الصحافية الموجهة إليها وتعلمهم بأنها وحدها المسؤولة عن تغطية تكاليف الرحلة كاملة لمحرريها وكتابها ومراسليها ومصوريها، راجية منهم عدم تقديم أي هدايا لهم، فخير هدية هي تزويد فريقها الصحافي بالمعلومات الوافية لتأدية مهمته بأمانة وموضوعية. Advertising: Saudi Research and Media Group KSA +966 11 2940500 UAE +971 4 3916500 Email: [email protected] srmg.com حازم صاغيّة نبيل عمرو جمعة بوكليب
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky