issue17388

الثقافة CULTURE 18 Issue 17388 - العدد Tuesday - 2026/7/7 الثلاثاء بينهم كورتاسار وأوستورياس ويوسا وماركيز وسوبولفيدا وباث أدباء اكتشفوا في باريس جوهر هويتهم اللاتينية لم تكن باريس في ستينات وسبعينات الـــقـــرن الــعــشــريــن مـــجـــرد مــديــنــة أوروبـــــيـــــةٍ، بل كانت «المِــرجــلَ» الــذي انصهرت فيه طموحات أدباء أميركا اللاتينية، لتولد من رحم غربتها «طفرة» أدبية أعادت صياغة الخريطة الروائية العالمية. لقد شكّل عمالقة من أمثال غابرييل غـــارســـيـــا مـــاركـــيـــز، ومــــاريــــو فــــارغــــاس يــوســا، وخـــولـــيـــو كــــورتــــاثــــار، وكـــــارلـــــوس فــويــنــتــس، مجتمعا أدبـيـا مـتـوقـداً، حـــوّل شـــوارع «مدينة الأضــــــــواء» إلــــى ســــاحــــات لــلــتــجــريــب والــتــمــرد الـــفـــكـــري، فــتــحــولــت بــــاريــــس إلـــــى المَــــهــــد الــــذي احتضن «طفرة» الأدب اللاتيني. ومن القامات التي سكنت ضفاف «السين» وتميز كل واحد منهم عن الآخر: ماريو فارغاس يوسا (البيرو)، ففي كنف باريس، وبين جدران وكــالــة الـصـحـافـة الـفـرنـسـيـة، تفتحت موهبته لـتـثـمـر «مــديــنــة الــــكــــاب»؛ الــــروايــــة الـــتـــي دوّت فــي الآفــــاق وأعـلـنـت مـيـاد كـاتــب سيغير وجـه الــروايــة الـحـديـثـة. وغـابـريـيـل غـارسـيـا ماركيز (كـولـومـبـيـا)، الــــذي قــاســى فــي بــاريــس شظف الــعــيــش وفـــقـــر الــــبــــدايــــات، لــكــنــه فـــي رحــــم هــذا الفقر، استلهم خيوط ملحمته الخالدة «مائة عـام من العزلة»، محولا عزلته الباريسية إلى كون سحري لا ينسى. وهناك خوليو كورتاثار (الأرجــنــتــن)، الـــذي اتـخـذ مـن بـاريـس مستقرا أبديّا منذ الخمسينات، وفي أزقتها ودروبها ،)Rayuela( » المتاهية، نسج تحفته «الحجلة التي جعلت من المدينة بطلة حقيقية في سياق مـــن الـغـرائـبـيـة والــعــبــث. وكـــارلـــوس فوينتس (المكسيك)، الذي كان الجسر الحي الذي يربط أدباء القارة ببعضهم البعض، وحلقة الوصل الـــتـــي عــــــززت حـــضـــورهـــم فــــي المـــشـــهـــد الأدبـــــي العالمي. أيقونات ثقافية لـم تكن إقـامـة هــؤلاء العمالقة عشوائية، بـل تمحورت حـول مساحات صــارت أيقونات ثقافية: الـحـي اللاتيني؛ القلب النابض الـذي ضــخ الحياة فـي عــروق إبـداعـهـم، حيث تلاقت الأفـكـار فــوق مـوائـد المقاهي العتيقة. ومكتبة «شكسبير وشركاه»: الملاذ الذي احتضن أرواح المغتربين، وظـل حتى يومنا هذا منارة تجمع المبدعين من كل فج عميق. وفندق «لويزيانا»: الـشـاهـد الـصـامـت عـلـى بـدايـاتـهـم المـتـواضـعـة، حــيــث كــــان الـــفـــنـــدق «مــحــطــة انـــتـــظـــار» قــبــل أن يحلقوا في سماء العالمية ويذيع صيتهم في الآفاق. كانت بـاريـس «المـسـافـة» الـضـروريـة التي منحتهم مـوضـوعـيـة قـاسـيـة لــرؤيــة أوطـانـهـم بـــــوضـــــوح؛ فـــمـــن بُــــعــــد كـــيـــلـــومـــتـــرات طـــويـــلـــة، اكـــتـــشـــفـــوا جــــوهــــر هـــويـــتـــهـــم الـــاتـــيـــنـــيـــة. ولـــم يـكـن هـــذا الــتــمــاس الأدبـــــي مـحـض صـــدفـــة، بل دعـمـتـه مــؤســســات نــشــرت إبــداعــهــم (مــثــل دار «غـالـيـمـار»)، مما فتح أمامهم أبـــواب العالمية. وفي خضم هذا العطاء، لم تخل مسيرتهم من درامــــا إنـسـانـيـة؛ حـيـث تـحـولـت عـاقـاتـهـم من صـداقـات أخـويـة وطيدة إلـى خـافـات أيقونية ،1976 كالعراك الشهير بين يوسا وماركيز عام لتصبح هذه المواقف جزءا من الأسطورة التي أحاطت بـ«طفرة» الأدب اللاتيني. فـــي كــتــابــه المــثــيــر لـلـدهـشـة تــحــت عــنــوان «أنــوار الوطن: قـرن من أدبـاء أميركا اللاتينية فـي بــاريــس»، يجسّد مؤلفه جـايـسـون فايس، بأسلوب يجمع بين الرصانة الفكرية والعمق البلاغي، مفارقة فلسفية عميقة؛ وهي معادلة الإبداع في المنفى والغربة، فالوطن الذي غادره هؤلاء الكُتّاب قسرا أو طوعاً، لم يغب عنهم، بل استحال «نـــوراً» داخليا يُــضـيء عتمة المنفى، ومــنــح نـصـوصـهـم بـريـقـا لا يـضـاهـى. يمكننا تأمل هذه العلاقة من عدة زوايا أدبية وروحية: المــنــفــى كـــمـــرآة لـــلـــذات: حـــن يـبـتـعـد المـــبـــدع عن جغرافيا وطنه، يكتشف أن الوطن ليس مجرد تضاريس، بل هو لغة وذكريات وإيقاع نفسي. بـــاريـــس هـنـا لـــم تـكـن مــجــرد مـديـنـة أوروبـــيـــة، بـــل كــانــت «المــــــرآة» الــتــي انـعـكـس فـيـهـا الـوطـن بـــوضـــوح أكـــبـــر. فــفــي الـــغـــربـــة، يــــــزداد الـحـنـن حدةً، وتتحول الصور الباهتة للأرض الأم إلى مشاهد نابضة بالحياة في أعمالهم الروائية. يــــأتــــي بـــعـــد ذلــــــــك، تــــاقــــح الــــحــــضــــارات (الـــتـــثـــاقـــف)، بــكــون بـــاريـــس «مـخـتـبـرا عـالمـيـا» لـــــأفـــــكـــــار، مـــنـــحـــت هـــــــــؤلاء الـــــكـــــتّـــــاب أدوات حــداثــيــة، وتـقـنـيـات ســـرديـــة مــتــطــورة، لكنهم لـم يـذوبـوا فيها. لقد كــان نجاحهم يكمن في «الـــتـــهـــجـــن الأدبــــــــــي»؛ حـــيـــث صــــهــــروا عـبـثـيـة باريس، وفلسفتها، وتاريخها، مع «الواقعية الــــســــحــــريــــة» وأســــاطــــيــــر أمــــيــــركــــا الـــاتـــيـــنـــيـــة، فـــخـــرج إلـــيـــنـــا أدب عــــالمــــي بـــامـــتـــيـــاز، مُـــحـــمّـــل بــروح محلية غائرة في الـقـدم. لذلك أصبحت بــاريــس بـوصـلـة الـنـجـاح الـتـي تـوثـق «محطة الوعي»؛ فبمجرد أن يُقرأ الكاتب اللاتيني في بـاريـس، أو يُترجم عبر دور نشرها العريقة، فـإنـه يحصل عـلـى اعـــتـــراف دولــــي يُــعـيـده إلـى وطــنــه بــطــا أدبـــيـــا، ويـمـنـحـه شـرعـيـة الـعـبـور إلـــــى الـــعـــالمـــيـــة. وهــــكــــذا تـــحـــولـــت بــــاريــــس إلـــى «جـسـرٍ» يـربـط بـن هـوامـش أميركا اللاتينية ومركزية الثقافة العالمية. وفي هذا المجال، لو غصنا فـي تجربة كـتّــاب وأدبـــاء أمـثـال ماريو فارغاس يوسا، أو غابرييل غارسيا ماركيز، أو خـــولـــيـــو كـــــورتـــــاثـــــار، نـــكـــتـــشـــف أن هـــــؤلاء حملوا «أنــوار أوطانهم» ليضيئوا بها سماء بـاريـس، وتمسكوا بلغتهم الأم، وكذلك كتّاب آخـــرون «يتنفسون» المـديـنـة (مـثـل كـورتـاسـار وفارغاس يوسا). هؤلاء الأخيرون بقوا أوفياء للغتهم الأم (الإسـبـانـيـة)، لكن بـاريـس عملت فــي نـصـوصـهـم كـــ«مُــحــفّــز ســريــالــي». وصــول فارغاس يوسا إلى الأكاديمية الفرنسية - وهو الـذي يكتب بالإسبانية - هو اعـتـراف فرنسي بأن «الأدب اللاتيني» قد أصبح جزءا لا يتجزأ مـــن صـــيـــرورة الــثــقــافــة الــعــالمــيــة. ولـــكـــن هـنـاك مَــن تحول إلـى الكتابة بلغة الآخـــر؛ أي هـؤلاء الذين اتخذوا من «لغة موليير» جسرا ليعبروا فيه عن ذواتـهـم المهاجرة، إذ قامت النقاشات حول «المثقف المهاجر» و«اللغة كوطن بديل». إن هـــؤلاء الـكـتـاب، الــذيــن اخـــتـــاروا الفرنسية، لـم يكتفوا بكونهم «مـتـرجـمـن» لـذواتـهـم، بل تــحــولــوا إلـــى «مــبــدعــن» اسـتـلـهـمـوا مـــن روح اللغة الفرنسية هيكلا جـديـدا لأفـكـارهـم، مما يـــثـــري مـشـهـد الأدب الــعــالمــي أمـــثـــال إدواردو مــانــيــت الــــذي عــانــى تــجــربــة المــنــفــى الــقــســري، وروايــــتــــه «الــــغــــربــــاء»، وهــيــكــتــور بـيـانـشـوتـي مـــن ضــفــاف الأرجـــنـــتـــن إلــــى قــبــة الأكــاديــمــيــة، يعتبر بيانشوتي حـالـة استثنائية؛ فهو لم يـكـتـف بـالـكـتـابـة بـالـفـرنـسـيـة، بــل صـعـد سلّم الاعــتــراف الثقافي الفرنسي حتى نــال مقعدا في «الأكاديمية الفرنسية». وراؤول دامونتي بوتانا والمعروف بالاسم المستعار كوبي الذي يُعتبر تجسيدا للتمرد السريالي. ثمة لحظة فــارقــة فـي حـيـاة المــبــدع، حين يـجـد نـفـسـه واقــفــا عـلـى أعــتــاب مــديــنــة ليست مدينته، يقتات من ذكريات أرض باتت بعيدة، ويكتب بلغة قـد لا تـكـون لغته الأم، أو يكتب عن وطن يراه بوضوح أكبر كلما زادت المسافة. هذا ما تعبّر عنه تجربة أدباء أميركا اللاتينية فــي بـــاريـــس، الــتــي تـتـقـاطـع مــع حـكـايـة أولـئـك المـبـدعـن الــذيــن اخـــتـــاروا «الـفـرنـسـيـة» موطنا لأقلامهم، ليشكلا معا لوحة فريدة لـ«إنسان الغربة». عـلـى الـجـانـب الآخــــر، نـجـد تـلـك الكوكبة الـــتـــي اخـــتـــارت الــفــرنــســيــة لـــغـــة لــــإبــــداع، مثل كـــونـــديـــرا ومـــاكـــن ويــونــســكــو. إذا كــــان أدبــــاء أميركا اللاتينية قد لجأوا لباريس ليحفظوا «ذاكرة الوطن»، فإن هؤلاء المبدعين لجأوا إلى «اللغة الفرنسية» ليجدوا «وطنا للروح»، إذ إن اختيار اللغة ليس مجرد أداة للكتابة، بل هو قـــرار فلسفي بتفكيك الهوية وإعـــادة بنائها. فعندما يكتب المرء بلغة غير لغته الأم، فهو لا يكتب فقط، بل هو يتخلص من زوائد المألوف، ويصل إلى جوهر الفكرة دون أن تعيق حركة خياله قيود التراث والنشأة. لم يكن أدباء أميركا اللاتينية في باريس - مـثـل غــارســيــا مــاركــيــز أو خـولـيـو كــورتــاثــار - يــكــتــبــون عـــن بـــاريـــس الـــتـــي كـــانـــت بـالـنـسـبـة لهم «مختبراً» للنضج، ومكانا يمنح الكاتب المسافة اللازمة لرؤية وطنه بـ«عدسة كونية»، بــــل إنـــهـــم كــــانــــوا يــــفــــرون مــــن أتــــــون الــســيــاســة والاقـــتـــصـــاد، لــيــجــدوا فــي المــقــاهــي الـبـاريـسـيـة صـومـعـة لترميم الــــذات، حـيـث يـمـتـزج صخب السريالية الفرنسية بواقعية أميركا اللاتينية السحرية، ليصنعوا أدبا يفوح برائحة الغابات الاستوائية في أزقــة مدينة الأضـــواء. في كلتا الـتـجـربـتـن، تـظـهـر بـــاريـــس كــكــائــن حــــيّ، كما وصـفـهـا الأدبـــــاء الآخـــــرون: «المـــــاذ»، «الـعـيـد»، «اللعوب» و«الفاتنة»، و«الواحة» التي تمنحهم الحرية لتأكيد ذواتهم أو بالأحرى الجسر الذي يربط بين «تخوم العالم» و«مركزه»، والامتزاج بين الحنين والمجهول. إن هؤلاء المبدعين - سواء كانوا لاتينيين يحملون إرث الــقــارة الـبـعـيـدة، أو «مهاجرين لـغـويـن» اخـــتـــاروا فرنسية الـنـص - يـؤكـدون عــلــى شـــــيء واحــــــد هـــو أن الإبـــــــداع لا يـعـتـرف بالحدود الجغرافية، و«الوطن» الحقيقي ليس رقعة أرض نولد عليها، بـل هـو تلك المساحة الرحبة من الحرية التي يصنعونها بأنفسهم عـــبـــر اســـتـــحـــضـــار ذكـــــريـــــات المــــاضــــي أو عـبـر استنطاق لغة جديدة. لــــقــــد أثـــــبـــــت هــــــــــؤلاء أن الــــــكــــــاتــــــب، حــن يغترب، لا يضيع بـالـضـرورة، بل يجد صوته الــحــقــيــقــي فــــي أصـــــــداء الـــصـــمـــت، ويــــحــــول ألمـــه الـشـخـصـي إلـــى «أنــــــوار» تــضــيء دروب الــقــراء فـي كـل زمــان ومـكـان. ويمكن للكاتب أن يكون «مـغـتـربـا» حـتـى داخـــل لغته الأم، وأن الإبـــداع الحقيقي لا يولد إلا فـي المسافة الفاصلة بين الانتماء والرحيل بفعل تلاطم أمــواج الأزمـات السياسية، والاختناقات الثقافية، والانهيارات الاقــتــصــاديــة فـــي أوطـــانـــهـــم، لــذلــك وجـــد أدبـــاء أميركا اللاتينية ملاذا في الهجرة إلى باريس الــتــي لـطـالمـا كــانــت قـبـلـة المـنـفـيـن والمـغـضـوب عليهم كأنهم يشتركون فـي «سـيـرة جماعية» للإبداع، متجذرة في تربة أوطانهم الأولى رغم الغربة. لم يقف هــؤلاء الأدبـــاء عند حــدود الجدل الأدبي التقليدي بين «الفانتازيا» و«الغرائبي»، بـل غـاصـوا عميقا فـي نقد «صنمية السلعة» الــتــي تـلـتـهـم الإبــــــداع. وقـــد تــم تـوثـيـق ذلـــك من خـال محاوراتهم وجدلهم وشتات رسائلهم، ومــذكــراتــهــم. وكــانــت بينهم مــظــات إنسانية مشتركة؛ كالدبلوماسية، أو النزوح القسري، أو التجاوز الجنسي، أو حتى التغرب في لغة أخـــرى (الـفـرنـسـيـة). ومـــع كــل تـلـك الاخـتـافـات بينهم إلا لأن ثـمـة «نـغـمـة خـفـيـة» تــوحــد بين أدبــاء أميركا اللاتينية، وهـي حالة لم تعرفها الأمم المهاجرة الأخرى في باريس التي تحولت قـنـديـا يُــضــيء طريقهم نـحـو إعــــادة اكتشاف هويتهم اللاتينية. هــــــــــــــؤلاء الـــــعـــــمـــــالـــــقـــــة صـــــــاغـــــــوا تـــــاريـــــخ بــاريــس «الـهـسـبـانـي»: كـــورتـــاســـار، ســــاردوي، أســــتــــوريــــاس، كـــاربـــنـــتـــيـــيـــر، ريــــبــــيــــرو، بــريــس إيشينيكي، فارغاس يوسا، وغارسيا ماركيز، أوكتافيو باث، وأليخاندرا بيزارنيك وغيرهم، نـــرى فــي أعـمـالـهـم مختلف الـتـأثـيـرات، ومنها «الـــتـــأثـــيـــرات الــســريــالــيــة فـــي روايـــــــات خـولـيـو كورتاثار» أو «تمثيلات الغربة في أدب ماريو فـــــارغـــــاس يـــــوســـــا»، و«خــــبــــايــــا» إقـــامـــتـــهـــم فـي بـــاريـــس. وهــنــاك أســمــاء أدبــيــة نـسـويـة مهمة، وفي مقدمتهن لويزا فوتورانكس، التي حظيت بترجمات إنجليزية بـارعـة. ولا يمكن إهمال رؤية تأثير الثورة الكوبية على تنامي الاهتمام الأوروبـــي بأميركا اللاتينية، وحضور أسماء أدبية مهمة في جلسات المقاهي الباريسية. يُــشـكّــل وجـــود هـــؤلاء الأدبـــــاء فــي المنفى، تجسيدا لــ«ظـاهـرة بـاريـس» كمركز ثقل أبـدي في حياة النخبة المثقفة في أميركا اللاتينية. وبينما لا يزال بعض النقاد يشككون في قدرة باريس على الاحتفاظ بهيبتها الأدبية لكنها كانت آنـذاك كـ«مختبر وجـودي» صقل «تحول أمـيـركـا الـاتـيـنـيـة» مــن مـجـرد مـــاذ للمنفيين إلـــى فـــضـــاء فـــكـــري، كـمـا دمـــجـــوا فـــي أعـمـالـهـم، وهـذا هو التأثير الأهـم في كتابتهم، التحليل النفسي وما بعد البنيوية، بل إن هؤلاء الأدباء المغتربين من أميركا اللاتنية حولوا اغترابهم إلى نصوص عابرة للحدود، تعيد خلق الوطن مـن رحـم الـعـدم. فـي الختام، نتساءل: هـل كان من الممكن أن يحدث هذا التحول الفلسفي في أعمالهم ووصوله إلى العالمية دون التماس مع باريس؟ ميغيل أنخل أستورياس لويس سوبولفيدا أوكتافيو باث غابرييل غارسيا ماركيز ماريو فارغاس يوسا شاكر نوري صهروا عبثية باريس وفلسفتها وتاريخها مع «الواقعية السحرية» وأساطير أميركا اللاتينية «سيدي الحب»... تركة التاريخ الثقيلة فـــي روايــــــة «ســـيـــدي الـــحـــب» (دار ديــــوان للنشر - الـقـاهـرة) للكاتبة والـروائـيـة المصرية رشـــــا زيــــــــدان، تـــبـــدو ظـــــال قـــصـــة الـــحـــب الــتــي كتبها محمود درويش في قصائده عن «ريتا» وكــأنــهــا تــؤطــر الــعــالــم الـــســـردي لـــلـــروايـــة منذ صفحاتها الأولى. لا يقتصر حضور درويـــش على تصدير الرواية، بل يتسلل عبر عتبات الفصول، حيث يـتـصـدر كــل فـصـل مقطع شـعـري يـبـدو وكـأنـه المنبت الأول للحكاية ومرجعها الرمزي، فمن قـولـه: «ومــن أنــت يـا سيدي الحب حتى نطيع نواياك؟» يتشكّل أفق القراءة حول فكرة الحب الذي يقف في مواجهة الهُوية، والعاطفة التي تصطدم بتاريخ طويل من العداء، قبل أن تفتح الرواية هذا الأفق على أسئلتها الخاصة. إلا أن رشـا زيـــدان تنزع إلـى مقاربة أكثر حــــــدّة وتـــعـــقـــيـــداً، إذ تـــضـــع بــطــلــهــا، الـــحـــاخـــام الــــيــــهــــودي هــــــــــارون، أمـــــــام مــــفــــارقــــة وجــــوديــــة تــــزعــــزع يــقــيــنــه الـــديـــنـــي والإنــــســــانــــي، لـتـفـتـح أمــامــه مــســارا روحــيــا ينتهي بــه إلـــى الإســـام، ويــــتــــوازى هــــذا المـــســـار مـــع عـــاقـــة تـنـشـأ بينه وبـــن فـاطـمـة الفلسطينية، الـتـي يلتقيها في المشهد الافتتاحي وهي تواجه بجسارة جنديا إسرائيليا بسبابها وغضبها، فتبدو له امرأة صاخبة، حُــرّة بقدر صراخها، قبل أن تتحوّل تدريجيا إلى نقطة ارتكاز في رحلته الداخلية، لـيـتـداخـل الــحــب مـــع أسـئـلـة الــهــويــة والإيـــمـــان والخلاص. مستويات الصراع لـــيـــس اخـــتـــيـــار الــــحــــاخــــام هـــــــارون راويـــــا لــأحــداث قـــرارا سـرديـا مـحـايـداً، إذ تضع رشا زيـــــدان الـــقـــارئ داخــــل وعــــي يـتـغـيـر تـدريـجـيـا، بـحـيـث لا تـــأتـــي مــراجــعــة الاحــــتــــال بـوصـفـهـا خطابا خارجياً، وإنـمـا ثمرة لمسار طويل من الـشـك وإعـــــادة الـنـظـر، وهـــو مــا يمنح التحول الـروحـي والأخــاقــي الــذي يمر بـه هـــارون قـدرا أكبر من الإقناع الفني، ومن داخل هذا الوعي، يعايش القارئ رحلته عبر مستويين متوازيين مـــن الـــصـــراع؛ الأول خـــارجـــي، يـخـوضـه داخـــل المــؤســســة الــديــنــيــة الـــيـــهـــوديـــة، وفــــي مـواجـهـة أسرته المتشددة والمكانة التي يحتلها بوصفه حاخاماً، بينما يضطر إلـى إخـفـاء مراجعاته الـــروحـــيـــة الــتــدريــجــيــة ومـــمـــارســـتـــه لـلـشـعـائـر الإسلامية سراً، في حياة تقوم على الازدواجية والخوف الحذِر من تبعات الحقيقة. أمـــا المـسـتـوى الـثـانـي فـهـو صـــراع داخـلـي يتجسد فـي اهــتــزاز يقينه الأخــاقــي والديني أمـــام مــا يـــراه مــن عـنـف الاحـــتـــال، حـتـى يغدو الـسـؤال الأخـاقـي سابقا على الانتماء نفسه، يـقـول هــــارون: «لــو كــان بـإمـكـان المـــرء أن يتبرأ مــن أصــلــه ويـسـتـبـدل عــرقــه بــعــرق آخــــر، لكنت بالتأكيد تبرأت منهم ونسبت نفسي إلى تلك الــــوجــــوه المـسـكـيـنـة المـــحـــكـــوم عـلـيـهـا بـالـشـقـاء دون ذنــب إلا أنهم أصـحـاب أرض يريد قومي انتزاعها منهم». لا يبدو هذا الانقسام طارئا على هارون، فـيـحـيـلـنـا الـــســـرد إلــــى جـــــذوره الـعـائـلـيـة الـتـي أصابها الانقسام نفسه، ففي مقابل أسرة والده التي اختارت الهجرة من مراكش إلى إسرائيل، والانـــدمـــاج الــكــامــل فــي المـــشـــروع الـصـهـيـونـي، تحتفظ الرواية بشخصية «العم» الـذي رفض الـرحـيـل، وتـمـسـك بـالـبـقـاء فــي المــغــرب، رافـضـا الــذوبــان فـي الـسـرديـة الصهيونية، ومؤسسا حياته داخل مجتمع مسلم. ومن هنا لا يؤدي العم وظيفة الشخصية الــثــانــويــة، بــقــدر مـــا يــغــدو الــبــوصــلــة الـفـكـريـة والأخـاقـيـة الـتـي يظل هـــارون مـشـدودا إليها، ويـــرى فــي اسـتـقـالـه وتــمــرده الاحـتـمـال الآخــر الـذي كان يمكن أن تكون عليها حياته، لتبدو عـــودتـــه مـــع نـهـايـة الـــروايـــة إلـــى مـــراكـــش، أكـثـر مـــن مــجــرد رحــلــة نـوسـتـالـجـيـة، إنــمــا اخـتـيـار راديكالي تكتمل معها ولادة «هارون الجديد». هُوية متوارثة لا تـطـرح الـــروايـــة الـعـاقـة بــن هـــارون وفاطمة بوصفها قصة حـب شـــارِدة تنمو على هامش الـصـراع التاريخي الأزلــي بين احتلال ومُحتَل، بل تجعلها أحد تجلياته، فـمـنـذ ظــهــورهــا الأول، وهـــي تــدفــع جنديا إسرائيليا بغضب، تـبـدو فاطمة النقيض الكامل لحِياد هــارون الطويل وعـزوفـه عن الاشـــتـــبـــاك، قــبــل أن تــغــدو تــدريــجــيــا الــقــوة الــــتــــي تـــدفـــعـــه إلــــــى مــــســــاءلــــة هــــــذا الـــحـــيـــاد والانـــقـــاب عـلـيـه، ومـراجـعـة الـسـرديـة التي نــشــأ داخــلــهــا مــنــذ طــفــولــتــه، لــيــبــدو الـحـب في الرواية موازيا للمقاومة، فكلما اقترب هارون من فاطمة، ازداد ابتعادا عن قناعاته الأولـــــــى، فــالــبــطــل الـــــذي يـــبـــدو فـــي الــبــدايــة رجــــا يــحــرص عـلـى الـبـقـاء خــــارج الــصــراع «كنت مواطنا إسرائيليا مسالماً، لم أشارك يــومــا فــي مـظـاهـرة ضــد الفلسطينيين ولا ضـد الـحـكـومـة، ولــم أشتبك فـي أي صــراع، ولـم أنحز إلـى أي جانب، وأحمد ربـي على أن رجــال الـديـن معفون مـن التجنيد» يبدأ حياده في التصدّع تدريجيا عبر تفاصيل صـــغـــيـــرة تـــكـــشـــف عـــمـــق المـــــراجـــــعـــــات الـــتـــي يعيشها. ولا يـــــقـــــتـــــصـــــر هــــــــــــذا المـــــــــســـــــــار عـــلـــى الـــشـــخـــصـــيـــات، بــــل يــمــتــد إلـــــى الــجــغــرافــيــا نـفـسـهـا، حـيـث تـتـحـرك الـــروايـــة بــن الرملة ويافا ومراكش، لا كمجرد خلفيات سردية، بقدر ما تصبح محطات في إعــادة تشكيل وعـــي الـبـطـل وتــحــديــات الـعـاقـة العاطفية الـــتـــي تــحــيــلــنــا إلـــــى الانــــقــــســــام الــــحــــاد بـن أبناء «إسـحـاق» وأبناء «إسماعيل»، حيث الانـــتـــمـــاء لا يــقــف عــنــد الــنــســب الـــديـــنـــي أو الـــتـــاريـــخـــي، إنـــمـــا يـــغـــدو ســـــــؤالا مـفـتـوحـا حـول الهُوية المختارة فـي مواجهة الهوية الموروثة، وهو السؤال الذي يتصاعد ببطله إلـــى حـــد الأزمــــــة: «أمــــا أنـــا فـكـنـت رجــــا بلا هوية، لا عربيا ولا عبرانياً». لا تكتفي رشا زيدان بتتبع هذه الرحلة عـلـى مـسـتـوى طـــرح الأفـــكـــار، بــل تُسيّجها بتفاصيل الـشـعـائـر الـيـومـيـة، فـفـي الـوقـت الـــــذي كــــان يُــنــتــظــر مـــن هــــــارون أن يقضي طقس «الشابات» اليهودي مع أسرته، يقرر أن يـتـجـه إلـــى الــرمــلــة ليصلي الـجـمـعـة مع صديقه الفلسطيني خليل: «يــوم الجمعة، نــــفــــذت عـــقـــابـــي لأبـــــــي. لــــم أقـــــــض الـــشـــابـــات معهم، وفكرت أن أذهب إلى الرملة وأصلي الجمعة مع خليل»، لتبدو الشعائر الدينية علامات سردية تقيس بها الرواية المسافة الـتـي يقطعها هـــارون فـي رحـلـتـه، فيصبح هـــــذا الانـــتـــقـــال الــتــعــبــيــر الأكــــثــــر حـسـاسـيـة عـن انـتـقـالـه مـن يـقـن إلــى آخـــر، ومــن هوية موروثة إلى هوية اختارها بنفسه. بـــذلـــك لا تـــبـــدو اســــتــــدعــــاءات مـحـمـود درويش، التي تمتد حتى الصفحة الأخيرة مــن الـــروايـــة مـجـرد إحــــالات أدبــيــة أو تحية شِــــعــــريــــة، إنــــمــــا تــــغــــدو جـــــــزءا مــــن بـنـيـتـهـا الفكرية، فمن قصيدته «تمرّد قلبي عليّ»، التي تُظلل الفصول بعتبات شِعرية، يبدو هارون وكأنه يسير في رحلته الروحية على هُــدى هذا الصوت الشِعري، قبل أن تنتهي الرواية إلى صوتها الخاص؛ صوت لا ينزع نفسه من تركة التاريخ الثقيلة، ولا يدّعي تجاوزها، بل يترك شخصياته تبحث عن موطئ قدم إنساني داخل هذا الإرث. القاهرة: منى أبو النصر

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky