issue17388

الرئيس التنفيذي جمانا راشد الراشد CEO Jomana Rashid Alrashid نائب رئيس التحرير Managing Editors Editorial Consultant in KSA Aidroos Abdulaziz Camille Tawil Saud Al Rayes Deputy Editor-in-Chief مديرا التحرير مستشار التحرير في السعودية محمد هاني Mohamed Hani الأمير أحمد بن سلمان بن عبد العزيز عيدروس عبد العزيز كميل الطويل سعود الريس 1987 أسسها سنة 1978 أسسها سنة هشام ومحمد علي حافظ رئيس التحرير غسان شربل Editor-in-Chief Ghassan Charbel OPINION الرأي 13 Issue 17388 - العدد Tuesday - 2026/7/7 الثلاثاء ملاحظات عابرة عن «الفساد» وحالة العراق المثيرة الفساد من السلوكيات المكروهة فطريا لدى الإنـــســـان الـــســـوي. الـــقـــرآن الـكـريـم لـعـن الـفـاسـديـن والمفسدين وتـوعـدهـم بـأشـد العقاب فـي الآخـــرة. وهـــــم مـــــوجـــــودون فــــي كــــل المـــجـــتـــمـــعـــات وفـــــي كـل الأزمــــــــان. الــــفــــارق بـــن مـجـتـمـع وآخـــــر يــكــمــن في المـحـاسـبـة الــفــوريــة لـلـفـاسـديـن، فـالمـجـتـمـع الـــذي تــوفــرت لـديـه أدوات المـراقـبـة والمـحـاسـبـة وآلـيـات تـــوقـــيـــع الـــعـــقـــاب وفـــــق قــــنــــوات قــضــائــيــة رشـــيـــدة ومـــســـارات مـحـاسـبـيـة شـفـافـة، يـظـل فـيـه الـفـسـاد والإفـــــســـــاد فــــي أضـــيـــق نـــطـــاق مـــمـــكـــن. والــعــكــس صحيح؛ فإذا غابت آليات المحاسبة وانتفى الردع المعنوي ينتشر الفساد وينخر في ثنايا المجتمع والـدولـة والمـؤسـسـات، ويصبح الـعـاج، إن حدث فـــي لـحـظـة تــاريــخــيــة مــــا، أمــــرا مُــجــهــدا للجميع، يتطلب صبرا وإرادة وعزماً، والأهم دعما شعبيا ووعـــيـــا عـــابـــرا لــلــفــئــات والـــطـــبـــقـــات، يـــؤيـــد الأخـــذ بالمحاسبة الشفافة والعقاب الصارم للفاسدين. ،2004 في إحدى الرحلات إلى الصين، في عام وأثـنـاء التوجه صباحا إلــى مقر أحــد المؤتمرات العلمية، لاحظت أن مرافقي من جريدة «الشعب» الصينية، الذي يتحدث العربية وسائق السيارة، قد صمتا تماما واستمعا بإمعان شديد لراديو الـسـيـارة، لمــدة لا تقل عـن عشر دقـائـق، ثـم تبادلا الحديث بجدية شديدة لفترة قصيرة. حين سألت مــرافــقــي عـــن فــحــوى مـــا شـــد انـتـبـاهـهـمـا إلـــى حد الصمت الوقور، قال بجدية: «إنها نشرة الإعدام». صدمتني الإجــابــة، وحــاولــت معرفة المـزيـد، فــقــال لـــي إنــــه بـــن الــحــن والآخـــــر تــتــراكــم أحــكــام قـضـائـيـة بـحـق المــســؤولــن الــفــاســديــن، ويـتـحـدد يوم بذاته لتنفيذ الإعدامات، تعلن أسماؤهم في الـصـبـاح والــجــرم الـــذي اقـتـرفـه كــل مـنـهـم، ثــم في المــســاء تـــذاع نـشـرة أخـــرى تـؤكـد التنفيذ وتعيد إعلان مزيد من التفاصيل حول جريمة كل منهم. ووفقا لما قاله مرافقي الصيني، فإن هذه الأحكام تطبق فـي ولايـــات عـــدة، والـهـدف مـن الإعـــان عن الأســمــاء هــو نـــوع مــن الــزجــر والــــردع الــعــام. فكل فــاســد - حــســب قــولــه - يـسـتـحـق الــعــقــاب لنفسه ولأسرته أيضا التي تنالها سمعة غير طيبة بين جـيـرانـهـا، مما يـزيـد احـتـقـار المجتمع للمسؤول ولأسرته معاً. ثم سألني سؤالا مباشرا هل يحدث مــثــل هــــذا الأمـــــر فـــي بــلــدكــم؟ أجـــبـــت أن الـحـسـاب والقضاء موجودان، أما التشهير العنيف فليس مُستحباً، فقال ربما يلائم ذلك بلادكم نظرا لقلة عــــدد الـــســـكـــان، أمــــا فـــي الـــصـــن فـــالأمـــر مـخـتـلـف، فـنـحـن مــلــيــار ومــائــتــا مــلــيــون نــســمــة، وإن شــاع الــفــســاد وتـغـلـغـل فـــي المـجـتـمـع والمـــؤســـســـات من دون محاسبة، فلن يكون هناك صين تتطلع إلى تحقيق نهضة تسعد الجميع. ثـم أضـــاف: «إننا مجتمع نــــام لا يــتــهــاون فــي تـبـديـد مـــــوارده عبر مسؤولين فاسدين». الــدلالــة فــي الـتـجـربـة الصينية أن المحاسبة والردع المجتمعي والتشهير بالمسؤول الفاسد هي آلية مشروعة لحماية تماسك البلاد ومـواردهـا، والــتــي يـجـب تـوظـيـفـهـا لـسـد احـتـيـاجـات الـنـاس جـمـيـعـا بــالــعــدل والــــتــــوازن. الــرقــابــة والمـحـاسـبـة هما الأســـاس فـي الـعـدل والتنمية، وهـمـا الـــرادع الحقيقي لمحاصرة الفساد بأشكاله ومستوياته المختلفة. عراقياً، تثير حملة الفجر واعتقال عـدد من المسؤولين التنفيذيين ونواب برلمانيين، أكثر من رسالة وأكثر من معنى، يمكن سرد بعضها على النحو التالي: أولاً: هـــنـــاك ســلــطــة تــدعــمــهــا قـــــوى كــبــرى تـــســـعـــى لــلــســيــطــرة عـــلـــى حـــجـــم الـــفـــســـاد الــــذي استشرى في البلاد، وحجب عنها موارد هائلة، العراق بأمس الحاجة إليها لتطوير ذاته وسد احتياجات الناس العاجلة. ثــانــيــا: إن حــجــم المــبــالــغ المــالــيــة والـــعـــقـــارات والقصور الفخمة المنسوبة للمعتقلين والتي تمت مصادرتها بـصـورة أولـيـة، تؤكد أن نهب مـوارد الـــعـــراق كـــان مُــمـنـهـجـا، تــشــاركــت فـيـه مستويات مختلفة من التنفيذيين والبرلمانيين والسياسيين. ثالثاً: إن أساليب المحاسبة التي طُبقت في صـــــورة هـيـئـة لمـكـافـحـة الـــفـــســـاد، لـــم تــكــن رادعـــــة، وركــــــزت عــلــى مــحــاســبــة رمـــــوز مـــن نـــظـــام صـــدام حسين، وتغافلت عن محاسبة الفاسدين في ظل النظام الجديد، بـل إن بعض رمــوز هـذه الآليات المـحـاسـبـيـة هـــي رمـــــوز، حـسـب الــوقــائــع المـعـلـنـة، اقترفت أكبر المفاسد المالية بكل معنى الكلمة. رابـــــعـــــا: إن كــــبــــار المــــســــؤولــــن فـــــي الــســلــطــة الـتـنـفـيـذيـة والــقــضــائــيــة عــبــر الــعــقــديــن المــاضــن مسؤولون ولو معنويا عن استشراء هذا الفساد الـــهـــائـــل. يـمـكـن اســتــثــنــاء عــــدد مـــحـــدود مـــن كـبـار المـــســـؤولـــن الـــذيـــن حــــاولــــوا، ولــكــنــهــم حـــوصـــروا وأجـــبـــروا عـلـى الاســتــقــالــة، يُـــشـــار إلـــى مصطفى الكاظمي بوصفه حالة بارزة. خامساً: إن اختيار المسؤولين وفقا لمعايير سياسية ومحسوبيات وتـدخـات إيرانية وغير إيـــرانـــيـــة، وبــغــض الـنـظـر عـــن مـتـطـلـبـات الـكـفـاءة والـــــنـــــزاهـــــة، أثــــبــــت أنـــــه وصــــفــــة لــلــفــشــل والـــنـــهـــب والتخلف. ســـادســـا: إن فــســاد بـعـض مــســؤولــي الــعــراق لا يخصهم وحـدهـم، بل يمس جيرانا إقليميين، وإن لــــم يـــكـــن لـــهـــم دور. وثـــمـــة دعــــــــوات عــراقــيــة تطالب بمخاطبة قانونية لدول مجاورة استثمر فـيـهـا بــعــض المــتــهــمــن بــالــفــســاد إقـــامـــة مـصـانـع ومشروعات سكنية فاخرة ومشاركات تجارية، على أن تقوم السلطات المحلية بتمكين العراق من السيطرة على تلك الاستثمارات. سـابـعـا: إن الـحـمـلـة عـلـى المـتـهـمـن بالفساد ما زالــت محصورة في حــدود مستويات معينة، كـثـيـرون فــي الـــداخـــل يــــرون أنــهــا يـجـب أن تطول أيضا من يُوصفون بالحيتان، أيا كانت وظائفهم أو رمزيتهم في الحياة السياسية والاقتصادية. ثـــامـــنـــا: إن الـــتـــســـريـــبـــات الـــتـــي تـــزعـــم عـــرض بعض المعتقلين التنازل عما نهبوه من أموال وما يمتلكونه مــن عــقــارات وأصــــول مختلفة، مقابل وقف الإجراءات القضائية بحقهم، لن تمحو سمة الـفـاسـد عـن أي منهم، بـل تـؤيـدهـا، وتـحـول دون عودة الأمور إلى سابق عهدها. وثمة تساؤل، ماذا لو طبق العراق النموذج الـــصـــيـــنـــي فـــــي المـــحـــاســـبـــة والـــتـــشـــهـــيـــر والــــــــردع والإعدام، أو جزء منه بصرامة؟ المؤكد أن ضعاف النفوس سوف يراجعون أنفسهم، ويمكن للعراق أن ينهض من كبوته التنموية الهائلة، ويمحو سمة البلد المنهوبة موارده من قلة فاسدة. حسن أبو طالب ... العام الذي وُلد فيه العالم الحديث مرتين 1776 يوليو (تموز) مسافة 4 مارس (آذار) إلى 9 من زمنية قصيرة لا تتجاوز خمسة أشهر على الأكثر، لكنها فصلت بــن حـدثـن ثــوريــن يــؤرخــان لمولد أصدر آدم 1776 مارس 9 العالم الحديث مرتين. في يوليو 4 سميث كتابه العُمدة «ثــروة الأمــم». وفـي من العام نفسه صـدر إعـان استقلال المستعمرات البريطانية الثلاث عشرة في أميركا، والذي اعتُمد في مدينة فيلادلفيا. فهل كانت محض مصادفة، أم إنـهـا كـانـت تجسيدا للحظة فـارقـة فـي التاريخ الإنساني انفجرت فيها أفكار الحرية دفعة واحدة، بشقّيها السياسي، والاقتصادي؟ مائتان وخمسون عاما مرت على المناسبتين. أغـــلـــب الاهـــتـــمـــام الإعــــامــــي الــــدولــــي انــــصــــب عـلـى ذكـــــــرى إعـــــــان الاســــتــــقــــال الأمــــيــــركــــي، مــتــجــاهــا الاحـتـفـاء بــصــدور الـكـتـاب الاقــتــصــادي الـــذي دحـر الـفـكـر الــتــجــاري (المـركـنـتـلـي)، وفـتـح الأبـــــواب على مــصــاريــعــهــا أمــــــام زمـــــن جــــديــــد، وعــــالــــم مـخـتـلـف. الـــافـــت لــاهــتــمــام أن الإمـــبـــراطـــوريـــة الـبـريـطـانـيـة كانت في المركز من الحدثين. الاثنان كانا موجهين ضـــدهـــا، ســيــاســيــا، واقـــتـــصـــاديـــا، فـــي وقــــت واحــــد. إعلان الاستقلال الأميركي فك الحصان من العربة الإمــــبــــراطــــوريــــة الـــبـــريـــطـــانـــيـــة، وربــــطــــه بـــعـــربـــة مـن نـــوع مختلف –جــمــهــوريــة-، وانـطـلـق بالمستعمرة البريطانية الـسـابـقـة فــي طـريـق غـيـر مـطـروقـة من قبل. يـــــــقـــــــول المــــــــــؤرخــــــــــون إن عـــــــالـــــــم الاقـــــتـــــصـــــاد الاسـكـوتـلـنـدي آدم سـمـيـث، آنـــــذاك، لــم يـكـن يكتب كتابه بمعزل عن أميركا، بل خصص أجـزاء كاملة مـــن «ثــــــروة الأمــــــم» لـنـقـد الــســيــاســة الاســتــعــمــاريــة البريطانية هناك. وجادل علنا بأن بريطانيا ترهق نفسها ماليا وعسكريا لإجـبـار المستعمرات على تجارة احتكارية غير طبيعية، وتوقع بدقة لافتة أن المستعمرات الأميركية ستصبح قوة اقتصادية هائلة لا يمكن كبحها، بـل واقـتـرح علنا أن تُمنح أميركا استقلالها، أو تمثيلا عادلا في البرلمان. آدم سـمـيـث جـعـل هــمّــه الأول مـهـاجـمـة الفكر (المركنتلي) الـقـائـم على احـتـكـار الــدولــة للتجارة، والمـــــــوارد، والأســـــــواق، وفــــرض الــضــرائــب مـــن دون تمثيل برلماني. ومن هنا التقى الاسكوتلندي آدم سميث والأمـيـركـي تـومـاس جيفرسون عند مبدأ واحــد: «الـفـرديـة». فنادى آدم سميث بحرية الفرد فـــي الـــبـــيـــع، والـــــشـــــراء، والإنـــــتـــــاج، مـــن دون تـدخـل الــــدولــــة، عــبــر مــفــهــوم «الـــيـــد الــخــفــيــة» الــتــي تعمل لصالح رفاهية الأمـة من خلال المبدأ الـذي رسّخه: «دعه يعمل، دعه يمر». وفي المقابل، حرص توماس جيفرسون في صياغته لإعلان الاستقلال الأميركي على تأكيد حق الفرد المقدس في «الحياة، والحرية، والــســعــي وراء الـــســـعـــادة». هــــذا الــفــاصــل الـزمـنـي الوجيز (أقــل من أربعة أشهر) بين الحدثين يثبت أن الفكرة وقتذاك، رغم بُعد المسافات، قد طابت في الرؤوس، والقلوب، وحان وقتها. أطـــــلـــــق آدم ســــمــــيــــث الـــــبـــــيـــــان (المــــانــــفــــســــتــــو) مارس، وتكفل 9 الاقتصادي للعالم الحديث في يوم الأميركيون بإطلاق البيان (المانفستو) السياسي يوليو. تاريخا ميلاد يـؤرخـان لمولد عالمنا 4 يـوم الــحــديــث، جـعـا الــعــالــم، مـنـذ ذلـــك الـــحـــن، يمشي على قدمين متطابقتين: الرأسمالية، والديمقراطية الــلــيــبــرالــيــة. فــهــل كـــانـــت المـــصـــادفـــة هـــي مـــن يـقـود الـتـاريـخ، أم إن الـتـاريـخ كــان يسير فـي اتـسـاق مع حـركـة الـــواقـــع الإنــســانــي وهـــو يسعى لـلـتـحـرر من أصفاده، وارتياد آفاق جديدة؟ الـــيـــوم، ونــحــن نـمـر بــالــذكــرى المـئـويـة الثانية والنصف لهذا الإرث المـزدوج تبدو الاحتفالات في أميركا منقوصة، بل الأصح مغايرة، وباعثة على الــقــلــق. إذ وصــفــت الـتـقـاريـر الإعــامــيــة الأمـيـركـيـة والغربية والعربية الحدث بأنه من أكثر احتفالات الاستقلال الأميركية استقطابا سياسيا في الذاكرة الـحـديـثـة، وبـــرز ذلــك على نحو واضـــح فـي خطاب الرئيس دونـالـد ترمب الــذي وصفه المعلقون بأنه مـــزج بـــن الــخــطــاب الــوطــنــي والـــرســـائـــل الـحـزبـيـة، وسط تقارير أخرى تتحدث عن ولايات ديمقراطية قاطعت أو قلّصت مشاركتها في بعض الفعاليات. فيما يخصّنا نحن كمراقبين خارجيين، يبقى من حقنا طـرح الأسئلة في الاتجاهين الاقتصادي والسياسي: هل ما زالـت «اليد الخفيّة» اقتصاديا و«الحرية الفردية» سياسيا تحكمان عالمنا اليوم؟ أم إن هـــنـــاك تـــحـــديـــات جــــديــــدة، مـمـثـلـة فـــي تــزايــد دور الـتـخـلـي لـلـدولـة مـجـسّــدا فــي تـبـنّــي سياسات اقتصادية حمائية، وضعت حواجز وعراقيل أمام التجارة الدولية، وحرية المـرور، والحركة، مرفوقة بـتـصـاعـد نـغـمـة الــشــعــبــويــة ســيــاســيــا، مـمـثـلـة في أحزاب وحركات تناوئ وتحارب هذا الإرث المزدوج؟ فــي ظــل هـــذه الأوضــــــاع، هــل للفكر الـلـيـبـرالـي مستقبل في وقت يضيّق فيه المتشددون اليمينيون والشعبويون الخناق عليه من كل الجهات، بخاصة بعد تمكّنهم مـن الـوصـول إلــى الحكم فـي عواصم غربية كانت، في وقت ما، قلاعا حصينة لليبرالية؟ جمعة بوكليب

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky