issue17388

OPINION الرأي 12 Issue 17388 - العدد Tuesday - 2026/7/7 الثلاثاء وكيل التوزيع وكيل الاشتراكات الوكيل الإعلاني المكـــــــاتــب المقر الرئيسي 10th Floor Building7 Chiswick Business Park 566 Chiswick High Road London W4 5YG United Kingdom Tel: +4420 78318181 Fax: +4420 78312310 www.aawsat.com [email protected] المركز الرئيسي: ٢٢٣٠٤ : ص.ب ١١٤٩٥ الرياض +9661121128000 : هاتف +966114429555 : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: www.arabmediaco.com هاتف مجاني: 800-2440076 المركز الرئيسي: ٦٢١١٦ : ص.ب ١١٥٨٥ الرياض +966112128000 : هاتف +9661٢١٢١٧٧٤ : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: saudi-disribution.com وكيل التوزيع فى الإمارات: شركة الامارات للطباعة والنشر الريـــــاض Riyadh +9661 12128000 +9661 14401440 الكويت Kuwait +965 2997799 +965 2997800 الرباط Rabat +212 37262616 +212 37260300 جدة Jeddah +9661 26511333 +9661 26576159 دبي Dubai +9714 3916500 +9714 3918353 واشنطن Washington DC +1 2026628825 +1 2026628823 المدينة المنورة Madina +9664 8340271 +9664 8396618 القاهرة Cairo +202 37492996 +202 37492884 بيروت Beirut +9611 549002 +9611 549001 الدمام Dammam +96613 8353838 +96613 8354918 الخرطوم Khartoum +2491 83778301 +2491 83785987 عمــــان Amman +9626 5539409 +9626 5537103 صحيفة العرب الأولى تشكر أصحاب الدعوات الصحافية الموجهة إليها وتعلمهم بأنها وحدها المسؤولة عن تغطية تكاليف الرحلة كاملة لمحرريها وكتابها ومراسليها ومصوريها، راجية منهم عدم تقديم أي هدايا لهم، فخير هدية هي تزويد فريقها الصحافي بالمعلومات الوافية لتأدية مهمته بأمانة وموضوعية. Advertising: Saudi Research and Media Group KSA +966 11 2940500 UAE +971 4 3916500 Email: [email protected] srmg.com مستقبل العلاقات اللبنانية ــ السورية قسوة الإقامة داخل الحرائق هل يصمد «الناتو» في قمة أنقرة؟ يمكن الـقـول إن مـسـار تطبيع الـعـاقـات اللبنانية السورية (المقصود تحديدا العلاقات بين دولتين يُفترض أن يحكمَهما منطق الدولة) قد انطلق بعد التغيير الذي حصل في سوريا، وأمامه بالطبع كثير من التحديات. ومـــن بـــاب الـتـذكـيـر، كـانـت الــعــاقــات فــي المــاضــي، التي تدرَّجت مع الوقت منذ «الدخول» السوري إلى لبنان عام ، لتحمل عنوان «وحــدة المصير والمـسـار»، تعكس 1976 في مسارها درجات متعددة من الهيمنة السورية على القرار في لبنان، في مختلف مجالات الحياة السياسية، وحسب كل مرحلة من مراحل تلك العلاقات. مجمل اللاعبين السياسيين في لبنان دخلوا فيما يمكن وصفه بلعبة الكراسي الموسيقية، من حيث طبيعة العلاقات مع سوريا بين الرهان أو القبول أو التعايش أو التصادم بدرجات مختلفة في لحظة معينة، كما يدل تاريخ هذه العلاقات مع الدور السوري في لبنان. الـجـغـرافـيـا والــتــاريــخ والاجـــتـــمـــاع، كـلـهـا عناصر أســـهـــمـــت فـــــي إضـــــفـــــاء طـــــابـــــع خـــصـــوصـــي عـــلـــى هـــذه الــعــاقــات. لـكـن مــا تــجــدر الإشــــارة إلـيـه أيـضـا فــي هـذا الـخـصـوص هــو قـابـلـيـة الـلـعـبـة الـسـيـاسـيـة فــي لبنان لاستدراج درجات مختلفة من التحالفات مع الخارج، خــــدمــــة لأهـــــــداف «الــــاعــــبــــن» ومــصــالــحــهــم الــداخــلــيــة المتغيرة أيـضـا. وقــد أسهم فـي ذلــك، دون شــك، ضعف السلطة الوطنية اللبنانية، والانـقـسـامـات السياسية والمجتمعية، التي زادت من قابلية التدخل الخارجي وجاذبيته بصورة عامة. ولا بـــد مـــن الـتـذكـيـر بـــأن الـتـحـالـفـات المـتـغـيـرة في الإقــلــيــم، ومـــا أنـتـجـتـه مــن صـــراعـــات وتـفـاهـمـات، تبقى ظرفية من حيث طبيعتها أو حدتها، ويحكمها منطق وقـــواعـــد «لـعـبـة الأمـــــم»، وقـــد أسـهـمـت أيــضــا فــي تعزيز الــدور الـسـوري في لبنان في مراحله المختلفة على كل الأصـعـدة العربية والإقليمية والـدولـيـة، وعلى صعيد دبــلــومــاســيــة الــــصــــراع الـــعـــربـــي الإســـرائـــيـــلـــي. ولـلـبـنـان مصلحة اسـتـراتـيـجـيـة فــي عــاقــات جــيــدة مــع ســوريــا، فهي بوابته إلـى العالم العربي، كما لسوريا مصلحة استراتيجية أيضا في علاقات جيدة ومستقرة مع لبنان بسبب الجغرافيا السياسية للبنان، والــقــوة الناعمة التي يتميز بها في مجالات العلوم والثقافة والتنوع والانفتاح. توقيع اتفاقية إنشاء اللجنة العليا اللبنانية - السورية خلال زيارة وزير الخارجية السوري للبنان، والـــلـــقـــاءات الــتــي عـقـدهـا مــع ممثلي أطــــراف لبنانية عــديــدة ومختلفة فــي تـوجـهـاتـهـا الـسـيـاسـيـة، يحمل أكثر من رسالة حول الانخراط المختلف عن سياسات الماضي لدمشق في لبنان. ويحاول البعض أن يذكّر باتفاقية الأخوة والتعاون والمجلس الأعلى اللبناني الــــســــوري فــــي المــــاضــــي، الــــــذي كـــــان بــالــطــبــع أســـيـــراً، وبـالـتـالـي كـــان إطــــارا شكليا مــن حـيـث فـاعـلـيـة دوره ومهامه، لطبيعة العلاقات التي كانت قائمة حينذاك. التغييرات، كما أشرنا، التي انطلق مسارها في سـوريـا، والـتـي أمامها كثير مـن التحديات الداخلية والخارجية من جهة، ومسار عودة الدولة إلى دورها الطبيعي، الــذي أمـامـه كثير مـن التحديات الداخلية فـي لبنان أيـضـا، كلها تشجع على إمكانية صياغة عـاقـات جـديـدة ومختلفة عـن المـاضـي. عـاقـات تقوم على تعزيز منطق الـدولـة، وعلى التعاون التدرجي، مـتـعـدد الأوجــــه والأبـــعـــاد. عــاقــات تــخــدم الاســتــقــرار الوطني والمجتمعي في كل جوانبه في البلدين، كما تسهم فـي الاسـتـقـرار الإقليمي فـي ظـل دعــم ومواكبة عربية لهذا المـسـار. مـسـار ليس بالسهل، كما أشرنا سابقاً، ولكنه ليس بالمستحيل، في ظل توفر الرؤية والإرادة. مـنـذ نـهـايـة الـــحـــرب الـعـالمـيـة الــثــانــيــة، يــــدور الـشـرق الأوســــط فــي دائــــرة تـكـاد تـتـكـرر مـامـحـهـا، تنتهي حـرب لتبدأ أخـــرى، وتـهـدأ جبهة حتى تشتعل جبهة جـديـدة، بـيـنـمـا يـبـقـى الــجـمــر كـامــنــا تــحــت الــــرمــــاد، يـنـتـظـر ظـرفـا سياسياً، أو تدخلا خارجياً، أو حسابات إقليمية تعيده إلى الاشتعال. ومـع مــرور العقود، تترسخ حقيقة قاسية، وقناعة مؤلمة، بأن المنطقة لا تعيش إلا على إيقاع الحرائق. هذا الواقع يفرض سؤالا واضحاً: هل اقتربت لحظة الخروج من هذه الدائرة المغلقة، أم أن الحرائق أصبحت جزءا من البنية السياسية والأمنية للشرق الأوسط؟ إن تشخيص الأزمة لم يعد محل خلاف بين التيارات المـخـتـلـفـة، فــالــدولــة الـوطـنـيـة الــعــربــيــة، مـنـذ الاســتــقــال، واجهت تحديات متراكمة أضعفت قدرتها على ترسيخ مـؤسـسـاتـهـا، واحـتـكـارهـا أدوات الـــقـــوة، وفـــرض سـيـادة القانون. وقـد نشأ فـراغ تتمدد فيه الميليشيات، وتتعدد فيه مراكز القرار، وتتشابك فيه الـولاءات، فتتراجع هيبة الدولة في أكثر من ساحة عربية. ويقدم لبنان والسودان المثال الواضح لما يمكن أن تــؤول إليه الأوطـــان، عندما يـتـوزع الـسـاح بـن الدولة والتنظيمات المسلّحة، وكذلك فلسطين؛ وهـي القضية التي تُوحد وجدان العرب، لم تكن بعيدة عن هذا المرض الـعـضـال، فقد أضـعـف الانـقـسـام الـداخـلـي قدرتها على تـوحـيـد الــقــرار الـسـيـاسـي فــي مـواجـهـة احــتــال يفرض تـــحـــديـــات غــيــر مــســبــوقــة، وأصـــبـــح تــوحــيــد المـرجـعـيـة الوطنية ضــرورة لحماية القضية، وتعزيز حضورها الـــســـيـــاســـي والـــدبـــلـــومـــاســـي، وصـــــــوْن حـــقـــوق الـشـعـب الفلسطيني. وفي الجهة الأخرى، استثمرت إسرائيل، منذ قيامها ، كثيرا مـن هــذه الـتـنـاقـضـات، وجعلتها جـزءا 1948 عــام مـــن اسـتـراتـيـجـيـتـهـا فـــي إدارة الـــصـــراع، واســـتـــفـــادت من الانقسامات العربية، ورسّخت في الوعي الغربي صورة الـــدولـــة الــديــمــقــراطــيــة المــحــاطــة بــالــفــوضــى، وهــــي روايــــة حجبت كثيرا من حقائق الـصـراع، وأسهمت في ترسيخ اختلال واضح في المواقف الدولية تجاه قضايا المنطقة. وتــعــاظــم المـشـهـد تـعـقـيـدا مــع الــتــدخــات الإقـلـيـمـيـة، والتنظيمات ذات الارتباطات العابرة للحدود، فتحولت أزمات الشرق الأوسط إلى صراعات ممتدة، تتداخل فيها المصالح الدولية مع الحسابات المحلية، وأصبح الإقليم سـاحـة تتقاطع فوقها مـشـاريـع الـنـفـوذ، بينما تراجعت مشاريع التنمية والاستقرار. وكشفت التطورات التي شهدتها المـمـرّات البحرية، وفي مقدمتها مضيق هرمز والبحر الأحمر، أن استقرار الـــشـــرق الأوســـــط لـــم يـعـد شــأنــا إقـلـيـمـيـا، لـكـنـه بـــات ركـنـا أسـاسـيـا فــي اســتــقــرار الاقــتــصــاد الــعــالمــي، فــهـذه المــمــرات تـمـثـل شـــرايـــن رئــيــســيــة لــلــطــاقــة، والـــتـــجـــارة، وســاســل الإمداد العالمية، وأي اضطراب فيها ينعكس مباشرة على الأسواق العالمية، وحركة الملاحة، وأمن الطاقة. إن آثـار هذه الصراعات لا تقف عند حـدود الخرائط والسياسة، لكنها تمتد إلى الإنسان العربي نفسه، الذي أصـبـح يـدفـع كلفة الــحــروب جـيـا بعد جـيـل، فقد أفــرزت النزاعات موجات واسعة من النزوح واللجوء، واستنزفت المـــوارد التي كـان يمكن أن تُــوجَّــه إلـى التعليم، والصحة، والبنية الأساسية، بينما نشأت أجيال كاملة في بيئات يغيب عنها الاستقرار، وتغلب عليها ثقافة الخوف وعدم الـيـقـن، وحــن تصبح الـحـرب جـــزءا مـن المشهد اليومي، تتراجع فرص التنمية، وتتآكل الثقة في المستقبل، وتفقد المجتمعات قدرتها على التخطيط لما هو أبعد من النجاة من الأزمة التالية. ومـــن هـنـا فـــإن مـسـؤولـيـة إطـــفـــاء الــحــرائــق تـتـجـاوز احــــتــــواء الأزمــــــــات بـــعـــد انــــدلاعــــهــــا، لــتــصــل إلـــــى مـعـالـجـة أسبابها، ويأتي في مقدمة ذلـك تعزيز الـدولـة الوطنية، وإنهاء ظاهرة الميليشيات، ووقف التدخلات الخارجية، وتوحيد القرار الفلسطيني، والعمل الجاد من أجل إقامة الـدولـة الفلسطينية المستقلة، وكــل ذلــك يـوصَــف بركائز أساسية لاستقرار المنطقة. يقع على عاتق العرب دور تاريخي في هذه المرحلة، فامتلاكهم أهم الممرات الاستراتيجية في العالم يمنحهم وزنا سياسيا واقتصاديا كبيراً، ويضع أمامهم مسؤولية بناء رؤية عربية مشتركة تحمي الأمن القومي، وتصون أمـن الملاحة الدولية، وتؤكد أن استقرار الشرق الأوسـط مصلحة عالمية. لقد أثبتت العقود الماضية أن الاتفاقات المؤقتة تُؤجل الأزمــــات، وأن أسـبـاب الـتـوتـر تـعـود فـي كـل مــرة بأشكال جديدة، أما الاستقرار الحقيقي فيبدأ من إعادة الاعتبار لـلـدولـة الـوطـنـيـة بمعناها الفلسفي الــشــامــل، وترسيخ سيادتها، وتجفيف منابع الصراعات، وإعادة بناء الثقة بين دول الإقليم. وتكشف تجارب العقود الماضية أن الأمن لا يتحقق بـالـقـوة العسكرية وحــدهــا، كما أن الــــردع، مهما بـلـغ، لا يستطيع أن يصنع سلاما دائـمـا، فــإذا غابت التسويات العادلة، بقيت جذور الأزمات دون حلول منطقية. إن أي هدنة لا تعالج أسباب الـصـراع، وأي اتفاق لا يستند إلى احترام سيادة الدول، وإعلاء القانون الدولي، وإنـصـاف الشعوب في حقوقها المشروعة، يظل معرضا للانهيار عند أول اخـتـبـار، فبناء الـسـام الحقيقي يبدأ من معالجة جذور الأزمـات معالجة نهائية، مستندا إلى الصراحة مع الذات. لكن الحرائق المزمنة ليست قدَرا محتوماً، وإنما هي حصيلة خـيـارات سياسية تراكمت عبر عـقـود، وتغيير هذه الخيارات يظل ممكنا إذا ما توفرت الإرادة، واجتمعت الرؤية، وارتفع صوت الدولة فوق صوت السلاح، وتقدمت المـصـالـح الوطنية على حـسـابـات الـنـفـوذ، عندها يخمد الـجـمـر الـكـامـن تـحـت الــرمــاد، ويستعيد الــشــرق الأوســـط حظه في مستقبل يصنعه الاستقرار، وتحميه التنمية، ويؤمن بأن السلام قرار، وليس هدنة بين حريقين. الأحــــاف بـــرزت فــي الــتــاريــخ مــع تـمـدُّن الإنسان وسكنه المدن، ثم اضطراره للدفاع عن وجـوده ضد قوى تريد التوسع؛ إما لزيادة المنافع المادية وإمـا لأهــداف آيديولوجية أو دينية. بعض الأحلاف كان ناجعا وبعضها سقط في الميدان. في عصرنا الحديث سقط حـــلـــف وارســــــــو، وانـــتـــصـــر حـــلـــف «الـــنـــاتـــو»، الأول مـثـلـتـه الــشــيــوعــيــة بـــزعـــامـــة الاتـــحـــاد السوفياتي، والثاني الليبرالية الرأسمالية الممثلة بالغرب؛ وكـان هـذا الانتصار مدويا لدرجة أن أحـد مفكري الغرب الكبار تحدث عــن نـهـايـة الــتــاريــخ، بمعنى غـيـاب الـصـراع الآيديولوجي (التناقض الجدلي) وسيادة الليبرالية العالمية ممثلة برأيه نهاية التطور البشري الآيديولوجي. وفــــق الــتــصــور الــلــيــبــرالــي، ظــهــر حلف «الــــنــــاتــــو» قــــــوة لا مــثــيــل لـــهـــا فــــي الـــتـــاريـــخ، وانـــضـــمـــت إلـــيـــه بــعــد الانـــتـــصـــار دول عـــدة، ليزداد قوة ومنعة. والأحـــاف تتأسس على عناصر عـدة، أهــمــهــا حــمــايــة أمــــن الأعـــضـــاء ومـصـالـحـهـم الاقــــتــــصــــاديــــة، وردع الأعـــــــــداء المــحــتــمــلــن، والتجانس الآيديولوجي. والـتـجـانـس الآيـديـولـوجـي هـو الصمغ الــــــذي يــــقــــوِّي الـــحـــلـــف، ويــــقــــرِّب المــتــحــالــفــن لـــدرجـــة الــتــشــابــه، ومــــن دونـــــه يـفـقـد الـحـلـف قــــوتــــه الآيــــديــــولــــوجــــيــــة، ويـــصـــبـــح خــاضــعــا لتذبذبات المصالح المادية، وعندها يزن كل عـضـو مـصـالـحـه، وبــهــذه المـــوازنـــة إمـــا يبقى وإمــــا يــخــرج، وإمــــا يـطـالـب -إذا كـــان عضوا قوياً- الأعضاء بالخضوع لشروطه. وهذا ما يمارسه الرئيس الأميركي دونالد ترمب منذ ولايته الأولى ثم الثانية، لاعتقاده الشخصي أن الحلف لا يخدم مصالح الولايات المتحدة بصيغته السابقة والراهنة. يعتقد تـرمـب أن حـلـف «الــنــاتــو»، بعد سقوط الشيوعية، لا يقدم خدمات للولايات المتحدة، وأن أعضاءه يقتاتون على حساب دافـــعـــي الــضــرائــب الأمــيــركــيــن. وهــــذا مـــردُّه إلى أنه ينظر للسياسة من منظور صفري، وبـالـتـالـي فـــإن مـفـهـوم الـتـرتـيـبـات المـتـعـددة الأطــــــراف مـثـل «الـــنـــاتـــو»، ومـنـظـمـة الصحة العالمية، وغيرها، لا تروقه، ويراها عقبة أمام فــرض الإرادة الأميركية. فمن مـنـظـاره: تلك المؤسسات المتعددة الأطـــراف توفر مصالح لــأعــضــاء أكــبــر مـمـا تـحـصـل عـلـيـه أمـيـركـا، ولذلك تستهويه -بدافع حماية أميركا- فكرة التحالفات الثنائية (التعاقدية) التي ترجِّح كفة امتيازاته، وتحقق رغباته. ولا عجب أن نراه ينتقد الاتحاد الأوروبي ويعتبره ضارا بـمـصـالـح أمــيــركــا، ولـــذلـــك شـجـع بريطانيا على الخروج منه، واعــدا حكومتها بصفقة تــجــاريــة تـعـوضـهـا عـــن الـــخـــروج، ولــكــن في الاتـفـاقـيـات الثنائية الـاحـقـة مـع بريطانيا رجَّح كفة مصالح أميركا على بريطانيا. وثمة عامل أكبر يسهِّل لترمب رؤيته الـــصـــفـــريـــة، وهــــي الــقــومــيــة المـــتـــصـــاعـــدة في أمــيــركــا تـحـت مـظـلـة «لـنـجـعـل أمــيــركــا قـويـة ثــــانــــيــــة»؛ هــــــذا الــــشــــعــــار مــــع عــــــدم واقــعــيــتــه -لافتراضه الخاطئ أن أميركا ليست عظيمة- يتأسس على نظرة قومية ضيقة: أن أميركا هي للسكان الأصليين وليست للمهاجرين، ولـــلـــثـــقـــافـــة المـــســـيـــحـــيـــة- الـــيـــهـــوديـــة ولــيــســت للثقافات المهاجرة الدخيلة الضاربة لأسس المــجــتــمــع الأمـــيـــركـــي. هــــذه الـــنـــظـــرة الـضـيـقـة تـتـعـارض تـمـامـا مــع مفاهيم دول «الـنـاتـو» الأعــــضــــاء -بــاســتــثــنــاء عــضــو أو عــضــويــن- الــقــائــمــة عــلــى الــلــيــبــرالــيــة الـــعـــالمـــيـــة، والــتــي تتناقض تـمـامـا مــع مـبـدأ الـصـفـريـة، ومـبـدأ القومية الضيقة. ورغـم أن ترمب وأتباعه من المسؤولين والمــــفــــكــــريــــن والأغـــــنـــــيـــــاء يـــــمـــــدون الأحــــــــزاب اليمينية المـتـشـددة فـي أوروبــــا بكل أسباب الـــعـــون، فـــإن الـلـيـبـرالـيـة فـــي أوروبـــــا لا تـــزال متجذرة وتتفوق على الفكر المتطرف المزعزع للمجتمع. ورغــــم تــكــاتــف أعـــضـــاء حــلــف «الــنــاتــو» وتـــمـــاســـكـــهـــم لـــيـــبـــرالـــيـــا، فـــــإن وجـــــــود تــرمــب فــي قــيــادة أمـيـركـا يخلخل تـمـاسـك الـحـلـف، ويخلق تـوتـرا وقلقا إزاء المستقبل فـي عالم يزداد اضطراباً؛ فالسؤال الدائم لدى أعضاء الحلف: هـل سيأتي ترمب لنجدة عضو في حـــال تـعـرضـه لاعـــتـــداء؟ هـــذا الــســؤال لــم يكن أبـــــدا مــحــل شـــك فـــي المــــاضــــي، ولأنـــــه لـــم يكن نجح الحلف في تعزيز فكرة الـردع، لاعتقاد الأعداء أنه عند أي تفكير في مهاجمة عضو فـي الحلف ستكون أمـيـركـا جــاهــزة، وقـــادرة مع حلفائها على تدمير المعتدي. ولكن ترمب -بلا مواربة- أسقط سلاح الردع بقوله علانية إنه سيترك أي دولة فريسة لاعتداء خارجي إذا لم تلتزم بمطالبه برفع ميزانيتها. ورغم تـعـهـد كــل الأعـــضـــاء بـالاسـتـجـابـة لـــه، فإنهم يزدادون قناعة بأن أميركا لن تكون بجانبهم في حال شن الرئيس بوتين اعتداء على دول أخرى في الحلف. وهذا التضارب الناتج عن غياب المظلة الليبرالية، والنظرة الصفرية، وصعود تيار «أميركا أولاً»، وخلخلة مفهوم الـــردع، ترك بقية الحلفاء أمـام خيار لم يكن يخطر على بـالـهـم، وهـــو حـمـايـة أمـنـهـم مــن دون المظلة الأميركية. أوروبا تفكر جديا في «ناتو» أوروبي، وتماشي ترمب مرغمة لقناعتها بأن أميركا ضرورة أمنية، وبالذات في مجالات القيادة والــتــحــكــم، والـــصـــواريـــخ الــدقــيــقــة، والأقـــمـــار الـــصـــنـــاعـــيـــة، والــــرســــائــــل المـــشـــفـــرة؛ وريــثــمــا تــمــتــلــك أوروبــــــــا هـــــذه الـــــقـــــدرات الــعــســكــريــة، وتــــــــــــــداوي أمــــــراضــــــهــــــا الـــــقـــــومـــــيـــــة، وتــــعــــزز مفاهيمها الليبرالية الإنسانية، سيستميت قــادة أوروبـــا لبقاء حلف «الـنـاتـو»، وتعزيز تضامنهم. وإذا ما نجحوا فلن تبقى أميركا عظيمة مـن دونـهـم؛ بـل ستكون حتما دولـة قـويـة كالصين والـيـابـان وروســيــا وغيرها، وســتــشــكــل أوروبـــــــا بــالمــقــابــل حــلــف «نـــاتـــو» أوروبيا متفوقا عسكرياً، وقويا اقتصادياً، ومـتـاحـمـا آيـديـولـوجـيـا بصمغ الليبرالية المجرب. أحمد محمود عجاج ناصيف حتي جمال الكشكي

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky