issue17388

اليوم، ثمة مسؤولية مزدوجة تقع على عاتق الـقـادة: إعـادة تشكيل هويات موظفيهم لتتناسب مـــــع طـــريـــقـــة الـــعـــمـــل الـــــجـــــديـــــدة، مـــــع الـــــحـــــرص فـي الـوقـت ذاتــه على الحفاظ على مهاراتهم القديمة، لـاسـتـعـانـة بـهـا فــي الـلـحـظـات الـتـي تتعطل فيها الآلات. كان كارل ماركس، عالم الاقتصاد الذي عاش ، أول مـــن لـفـت إلـــى تـهـديـد الــذكــاء 19 فـــي الـــقـــرن الـــــــ الاصطناعي للحافز المعنوي لــدى الإنــســان. ربما تكون قد سمعت عنه (نعم، أنا أقتبس من ماركس، بشكل إيـجـابـي، داخـــل منبر رأســمــالــي). وبمجرد التخلص مــن كــل الــهــراء المتضمن فــي آرائــــه (عمل ضخم بالتأكيد)، ستبقى لدى ماركس فكرة واحدة غـايـة فــي الأهـمـيـة، أطـلـق عليها اســـم «الاغـــتـــراب»، وتـــدور حــول أن التصنيع فصل الـعـمـال عـن نتاج عملهم، وأن هذا يحول العمل من تعبير مُرض عن إرادة العامل وإبداعه، إلى عمل لا معنى له. وعـــادة مـا يشير الأشـخـاص، الـذيـن يجادلون بـأن الـذكـاء الاصطناعي لـن يترك أثــرا كارثيا على سوق العمل، وعن حق، إلى أنه في حين أنه بمقدور الـــذكـــاء الاصـطـنـاعـي الاضـــطـــاع بـــأجـــزاء مــن كثير مـــن الـــوظـــائـــف، فـــإنـــه يــظــل عــــاجــــزاً، حــتــى الآن عن الاضــطــاع بجميع مـهـام أي وظـيـفـة تـقـريـبـا. ومـع ذلك، وحتى لو ظل ذلك صحيحاً، فإن أتمتة أجزاء كبيرة من وظيفتك يمكن أن تخلق بداخلك شعورا عميقا بالاغتراب. إلا أن هــــذا لــيــس أمـــــرا حــتــمــيــا؛ فــالاســتـعــانــة بــالــذكــاء الاصـطـنـاعـي فــي الاضـــطـــاع بـالـوظـائـف، قــــد تــفــضــي إلـــــى إفـــراغـــهـــا مــــن مــضــمــونــهــا، وتــــرك الناس يراقبون آلـة تتولى تنفيذ الجزء المثير من العمل، أو يمكن أن تعزز تمكين الأفـــراد عبر إلغاء الحاجة إلى الاضطلاع بالأعمال الشاقة، وتحرير العمال للتركيز على الأجـــزاء البشرية الفريدة من وظـائـفـهـم، الـتـي لا يمكن لأحـــد ســواهــم إنـجـازهـا، وتـحـسـن الأداء الـــعـــام. أمـــا مـسـألـة أي الاتـجـاهـن ستسير فيه الأمور، فلا تتعلق بالتكنولوجيا؛ بل ستتحدد بناء على من يمتلك الآلات، وكيف يقرر قــادة المؤسسات تشكيل هويات الأشـخـاص الذين يتولون العمل. وبــالــفــعــل، خـضـنـا تــجــربــة لـــهـــذا الــتــحــول في مـجـال الـطـيـران. الــيـوم، أنــت فـي خطر أكـبـر عندما تقود سيارتك إلـى المطار مقارنة بكونك على متن طائرة، ويعود السبب في ذلك إلى حد كبير، إلى أن معظم مهام قيادة تلك الطائرة أصبح الآن يجري بواسطة أجهزة الكمبيوتر. ورغم أنه لا يزال هناك طيارون في المقدمة، فإن الجمع بين الإنسان والآلة يؤدي المهمة الأهم للطيار: إتمام رحلة آمنة، بشكل أفضل مما يمكن لأي منهما أن يفعله بمفرده. ولا يـــعـــنـــي ذلــــــك أن الــــطــــيــــاريــــن لـــــم يـــشـــعـــروا بــالاغــتــراب عـنـدمـا بــــدأت أجــهــزة الـكـمـبـيـوتـر تحل محلهم، فيما يخص الاضـطـاع ببعض مهامهم. بــعــنــوان 1983 وفـــــي ورقــــــة بــحــثــيــة صــــــدرت عـــــام «مفارقات الأتمتة»، وصفت عالمة النفس الإدراكـي ليزان باينبريدج، كيف أن أتمتة الأجزاء الروتينية من العمل، قد تترك للبشر الأجــزاء الأصعب وملل الـتـحـديـق فــي الـشـاشـة، فــي حــن أن المـــهـــارات التي سيحتاجونها فـي أوقـــات الأزمــــات تتلاشى جـراء عـــدم اســتــخــدامــهــا. كـلـمـا كــانــت الآلــــة أفـــضـــل، قـلّــت مـــمـــارســـة الـــشـــخـــص، وبـــالـــتـــالـــي تــــراجــــع مـسـتـوى استعداده عندما تتعطل الآلة. ولا يثير ذلك القلق من الناحية النظرية؛ عام ، دخلت طائرة تابعة لشركة الخطوط الجوية 2009 الفرنسية، كانت في طريقها من ريـو دي جانيرو إلـــى بــاريــس، فــي قـلـب عـاصـفـة هــوجــاء، وتجمدت مستشعرات سرعة الطيران، وأسقط الطيار الآلي زمــــام الـتـحـكـم فـــي أيــــدي طـــيـــارَيـــن لـــم يـسـبـق لهما تقريبا أن طارا بطائرة نفاثة يدويا على ارتفاع عالٍ. وتوقفت الحماية، التي تجعل من المستحيل عادة أن تتوقف طـائـرة «إيــربــاص» عـن الـطـيـران، بسبب هذا العطل، وسارع الطاقم المذعور إلى إيقافها على أي حـال. وهـوت الطائرة لمـدة ثـاث دقائق ونصف دقـيـقـة بـاتـجـاه مــيــاه المـحـيـط الأطــلــســي، وكــــان من الممكن إنقاذها طوال فترة هبوطها. وانتهى الأمر شخصا ً. 228 بمقتل جميع الركاب البالغ عددهم مـــن جــهــتــه، طـــالـــب مــخــتــصــون بــالــنــظــر فيما إذا كـــانـــت الأتـــمـــتـــة المـــتـــقـــدمـــة تــجــعــل مــــن الـصـعـب على الطيارين «التدخل بسرعة كبيرة والتصرف بفاعلية كبيرة عندما تسوء الأمــور» ـ مهارة تبين أن أفــراد طاقم طائرة الخطوط الجوية الفرنسية، قد سُمح لهم بفقدانها. ليس من قبيل الصدفة أن يكون كتاب «العصا والــدفــة» لولفغانغ لانـغـويـشـه، أحــد كتب الطيران المرجعية. وحتى يومنا هذا، يرى معظم الطيارين أن الـتـحـكـم فـــي الــطــائــرة بـيـديـك هـــو مـــا يـعـنـيـه أن تكون طـيـاراً. وعندما يسلب الكمبيوتر ذلــك منك فــي معظم الأوقـــــات، يصبح مــن الـسـهـل للغاية أن تتلاشى مهاراتك. وعليه، فإن هذا النصف الأول من المهمة التي تـواجـه الــقــادة فـي عصر الــذكــاء الاصـطـنـاعـي. كان لا بـد أن يتحول الطيار مـن «شـخـص مـوهـوب في التعامل مـع عصا التحكم والــدفــة»، إلــى «شخص ينقل ركــابــه بــأمــان إلـــى وجـهـتـهـم، بـاسـتـخـدام كل الأدوات المــتــاحــة». لا أحـــد يـتـخـلَّــى عــن هـويـتـه من تــلــقــاء نــفــســه، وإنـــمـــا اســـتـــغـــرق الأمـــــر ســـنـــوات من شركات الطيران في إعادة التدريب المتعمد لترسيخ الهوية الجديدة. الحقيقة أنـه لا يمكن للأتمتة أن تبعدك عـن وظيفتك، إذا كنت تــرى وظيفتك على هذا النحو. إلا أن المــشــكــلــة لا تــقــتــصــر عـــلـــى ذلــــــك؛ فــهــذه الأدوات ليست كليّة المعرفة - على الأقل ليس بعد؛ فــإذا كنت مجرد مدير لأنظمة الكمبيوتر، فسوف تنسى كيفية استخدام عصا التحكم ودفة القيادة، أو ما يعادل ذلك في وظيفتك. وبما أن هذه الأنظمة تميل إلى الأداء الممتاز في الظروف العادية، وتفشل فـي الــظــروف القاسية، فــإن تلك المــهــارات لـن تكون مفيدة إلا في اللحظات الحرجة. جـــديـــر بـــالـــذكـــر أن دلـــيـــل الـــطـــيـــران يـــأتـــي مـع ملصق تحذيري. وقد احتفظ الطيارون بمقاعدهم، لأسباب منها أن القانون يقتضي أن يجلس شخص مــا فـيـهـا. الـــيـــوم، لا تــوجــد إدارة طــيــران فـيـدرالـيـة للعمل المعرفي. إذا احتفظ موظفوك بالمهارات التي جعلتها الآلات اختيارية، فسيكون ذلك لأنك قررت أنه ينبغي لهم ذلك. * بالاتفاق مع «بلومبرغ» Issue 17388 - العدد Tuesday - 2026/7/7 الثلاثاء كـــم مـــرة يـنـبـغـي عـلـى الـشـعـب الـلـبـنـانـي أن يـقـاتـل مـــن أجـل بحدوده 1920 تحقيق الاستقلال. لبنان الكبير؛ الذي أُعلن عام . وقـــد تـــم هـــذا نتيجة 1943 الـــراهـــنـــة، لـــم يـنـل اسـتـقـالـه إلا عـــام تـراكـم نـضـالات سياسية وشعبية. لكن هــذا الاسـتـقـال انتهكه ، عندما حاصرت «شرعيات» إقليمية 1969 «اتفاق القاهرة» عام الشرعية الوطنية. تعددت المرجعيات، واستُبيح البلد، وتسببت ، وتحكم نظام 1982 و 1978 ْ الـثـورة الفلسطينية فـي اجـتـيـاحَــي الأســد البائد: الأب والابـــن، فـي المصير، عندما وصـف «الـوجـود - 1976( ســنــة 29 الـــســـوري بـــأنـــه ضـــــروري ومــــؤقــــت»، فـاسـتـمـر ). لكن «انتفاضة الاسـتـقـال» أخـرجـت آخــر جندي سـوري 2005 . أهـدر غـدر المتسلطين على الانتفاضة 2005 ) في أبريل (نيسان »، عندما 05 التاريخية الاستقلال الثاني، الذي سُمّي «استقلال تحالفوا وتساكنوا مع السلاح اللاشرعي، كما تساكنوا سابقا مع الاحتلال. بعد كارثة «الاتـفـاق الرباعي» بـدأت الوصاية الإيرانية من خلال ذراعها العسكرية والأمنية «حـزب الله»، وقضت مصلحة إيران وأهداف تمدد نظامها من قزوين إلى المتوسط، بأخذ لبنان ، ثـم حربا «الإسـنـادَيـن» 2006 ُ حــروب مـدمـرة: حــرب 3 قسرا إلــى ، مـــن دون أن نــنــســى الـــحـــرب على 2026 و 2023 لـــغـــزة وإيـــــــران . تـهـاوت الـشـعـارات، وثبت زيف 2012 الشعب الـسـوري بــدءا مـن 30 الـسـرديـات... وحساب النتائج مــروع: إبــادة بشرية مع نحو سـنـة؛ مـا غـيّــر هــرم الأعــمــار فـي بـلـدات جبل 20 ألــف قتيل خــال عامل، إلى تجريف عشرات البلدات وإزالـة معالمها، وتهجير من ألف مواطن، وخسائر مادية فلكية. 200 يزيدون على مليون و فـي هــذه الــحــروب لـم يكن مـن دور للشرعية الـوطـنـيـة، لكن الـسـلـطـة عـلـى هـزالـهـا كـانـت معنية بـالـنـتـائـج. بـعـد نكبة حـرب الثأر لخامنئي لم يكن بيد السلطة الجديدة سـوى الذهاب إلى مـفـاوضـات مـبـاشـرة حماية لــــأرواح، ولمـنـع تفاقم الهزيمة، مع جـاهـزيـة لإعـــان الــخــروج مــن حـــال الــحــرب، خـصـوصـا أن لبنان لم يكن في أي يوم الجهة 1949 الرسمي منذ «اتفاق الهدنة» عام التي أعلنت حربا على إسرائيل. ونجحت مفاوضات واشنطن بتأكيد استقلالية المسار اللبناني، فكان «الاتفاق الإطاري» لبدء مفاوضات شاقة تضع آلية لاستعادة الدولة سيادتَها على كامل أراضيها على قاعدة إجــاء الاحـتـال باستعادة لبنان جنوبَه، وتحرير الأسرى، وعودة المهجرين. ليتضمن «الاتفاق الإطاري» نقطة قوة؛ هي جعل خيار «الاستقلال الثالث» ماثلاً. لـ«الاتفاق الإطـاري» أهمية تتجاوز بنوده التفصيلية؛ لأنه في جوهره يضع البلد أمام مسار سلام، لا هدنة. إنه نقيض ما »1559 سبقه: «اتـفـاق الهدنة» أوقــف الأعـمـال القتالية، و«الـقـرار تـنـاول إخـــراج الجيش الــســوري وغـــاب عنه الـسـاح الـاشـرعـي، » هـدنـة ووقـــف أعـمـال عـدائـيـة بـن متقاتلين والــدولــة 1701« والـــــــ نوفمبر 27 شاهد زور، حتى إن «اتفاق وقف الأعمال العدائية» في قـال الشيء ونقيضه: حصر السلاح بيد 2024 ) (تشرين الثاني الــدولــة، ومـنـح الــــذراع المحلية لـ«فيلق الــقــدس» حـق الــدفــاع عن النفس كما حق التدخل للعدو الإسرائيلي! منحى «الاتفاق الإطاري» أخرج الممانعين عن طورهم بربطه نزع السلاح اللاشرعي، وهو إقليمي بامتياز، بالتحرير. فسعت طـهـران انطلاقا مـن «مـذكـرة التفاهم» إلـى محاولة تثبيت وقف الأعــمــال الـعـدائـيـة بــن إسـرائـيـل و«الـــحـــزب»، مــن دون أن تجعل من نزع السلاح شرطا للتنفيذ (...)، مما يعني أن الهدف وقف المواجهات مع بقاء البنية العسكرية لـ«الحزب»، فيعود لبنان؛ وإن بعد حين، إلى زمن تناسل الحروب. في المقابل، عنى فصل المــســار الـلـبـنـانـي عــن الاشــتــبــاك الإقـلـيـمـي، قـلـب مـعـادلـة «إســـام آبـــاد»، بالتشديد على إدراج نــزع الـسـاح، الــذي بــات استمراره مبررا لبقاء الاحتلال، في مبدأ احتكار الدولة العنف فيستعيد لبنان قرار الحرب والسلم. تريد طهران الحفاظ على المتبقي من استثمارها في ذراعها اللبنانية؛ مما يعني انتقاص الشرعية وتخثر استعادة الدولة ومـرجـعـيـتـهـا. فيما يفضي مـسـار واشـنـطـن إلـــى ربـــط اسـتـقـرار وأمـان اللبنانيين بنزع السلاح وتفكيك بنى الدويلة: العسكرية والاقتصادية والمالية والإداريـة؛ مما يحول دون إعادة إنتاج أي مرجعية مــوازيــة. والـتـحـريـر مـن احـتـال إسـرائـيـل ومــن السلاح اللاشرعي يعني حتما طي صفحة «الحرس الثوري» في لبنان، فيكتمل الاسـتـقـال الـثـالـث. هـنـا ينبغي عـــدم الـتـغـاضـي عــن أن «الـــحـــرس» يعمل عـلـى الأرض الـلـبـنـانـيـة. كـــان رئـيـس الحكومة اللبنانية، نــواف ســام، مصيبا عندما اتهمه بقيادة العمليات الــعــســكــريــة بـــاســـم ذراعــــــه الــلــبــنــانــيــة الـــتـــي تـــم حــظــر أنـشـطـتـهـا العسكرية والأمــنــيــة. وعـنـدمـا هـــددت طــهــران «مــذكــرة التفاهم» لتحييد الضاحية إنـمـا أرادت حماية تمركز «الــحــرس» هناك. ولافت أن الرئيس اللبناني جوزيف عون قال في رده على وزير الـخـارجـيـة الإيـــرانـــي عـبـاس عـراقـجـي: «لـبـنـان بـلـدنـا ولـيـس بلد (الحرس الثوري)»! سقطت مـحـاولات قيام جبهة ضد «الاتـفـاق الإطـــاري»؛ وإن استمرت تحفظات وانتقادات جهات بعينها، ولبنان اليوم على أول الطريق؛ لا يملك إلا نجاح «المناطق التجريبية» ومحادثات سنة على 57 شاقة وطويلة، لتحقيق سلام مستدام بعد أكثر من استباحة البلد؛ بدأت مع «اتفاق القاهرة». وتدرك أوسع الأوساط الـلـبـنـانـيـة أن الــبــديــل هـــو الـــعـــودة إلـــى تـنـاسـل الـــحـــروب والمـــوت والدمار، ورسالة بأنه ممنوع إنقاذ لبنان وقيام الدولة المرجعية للبنانيين وأن المنع يطول إنجاز الاستقلال الثالث. لم تكن الطائرة الإيرانية التي حطّت في مطار صنعاء، في تصرف غير مسؤول، مجرد رحلة جوية كسرت عزلة الحوثيين كـمـا يـزعـمـون، بــل هــي فــي جـوهـرهـا اخـتـبـار إضــافــي للمجتمع الــدولــي تـجـاه الــســيــادة. فالقضية لا تتعلق بـطـائـرة أو بشركة طــيــران أو حـتـى بـمـا يـتـم تــداولــه فــي الــداخــل اليمني عــن وجــود خبراء من «الحرس الثوري» الإيراني على متنها، وإنما بسؤال أســاســي فــي الـحـالـة اليمنية ظــل عـالـقـا مـنـذ عـقـديـن: هــل مــا زال اليمن يُعامل بوصفه دولة ذات سيادة، أم أنه أصبح منطقة نفوذ مفتوحة لاختطاف ميليشياوي ومشاريع إقليمية تقويضية؟ من هنا تمكن قراءة تصريحات المتحدث باسم تحالف دعم الشرعية اللواء تركي المالكي، والمتحدث باسم القوات المسلحة اليمنية الـعـمـيـد عــبــده مـجـلـي، مختلفة فــي توقيتها ونبرتها ودلالاتـــــهـــــا، حــيــث تــــجــــاوزت مــســألــة بـــيـــانـــات الــــــردع الـعـسـكـريـة إلــى قـــراءة أعـمـق للحالة اليمنية بوصفها متصلة بالتحولات الإقليمية الكبرى، وأن أي محاولة لإعادة تكريس النفوذ الإيراني عبر اليمن تمثل تهديدا مباشرا لأمن المنطقة والممرات الدولية، فضلا عن كونها تعميقا لجراح الدولة الشرعية والقسم الأكبر مــن الـشـعـب اليمني الـــذي يـقـف عـلـى الـضـد تـمـامـا مــن اختطاف الميليشيا وفرض الأمر الواقع. معضلة اليمن تبدأ من الطريقة التي جـرى بها توصيفها دولــيــا. فمنذ انـــدلاع الأزمـــة افـتـرضـت دول ومنظمات عـديـدة أن اليمن يعيش نزاعا أهليا بين أطراف يمنية متنافسة يحتاج إلى تسوية سياسية وتقاسم للسلطة وترتيبات لوقف إطلاق النار. وهــذه مقاربة تلتقط جانبا من الـصـورة لكنها تتجاهل حقيقة أكـثـر تـأثـيـراً، وهـــي أن الـحـوثـيـن مـنـذ استيلائهم عـلـى السلطة لم يـعـودوا مجرد طـرف سياسي مسلح، بل تحولوا مع الوقت، وبفعل التشخيص الخاطئ، إلى سلطة أمر واقـع قسرية وذراع ميليشياوية مرتبطة بـمـشـروع إقليمي يـتـجـاوز حـــدود اليمن، وتُسخِّر مؤسسات الدولة التي تسيطر عليها لخدمة الخارج لا لخدمة اليمنيين، مع اقتصاد مــواز قائم على الإتـــاوات والمــوارد غـيـر المــشــروعــة، وتجنيد الأطــفــال والــــزج بـهـم فــي الــحــرب، وهـي وقائع موثقة في تقارير المنظمات الدولية نفسها. والفرق بين المقاربتين جوهري؛ فمن يرى الحوثيين مكونا سـيـاسـيـا كـسـائـر المــكــونــات الـيـمـنـيـة، وأن الـحـل يكمن فــي إدارة الخلاف بينهم وبين بقية الأطـراف، يتجاهل أن الجماعة عندما ربـطـت قـرارهـا السياسي والعسكري بمشروع خـارجـي لـم تعد تمثل مجرد طرف في نزاع داخلي، بل أصبحت حالة «دولة داخل الـــدولـــة»، الأمـــر الـــذي يجعل اسـتـعـادة مـؤسـسـات الــدولــة شرطا يسبق أي تسوية سياسية مستدامة. وجـاءت الرحلة الإيرانية الأخيرة لتؤكد هذه الحقيقة. فلو كــانــت الـعـاقـة بــن طــهــران والـحـوثـيـن مــجــرد دعـــم سـيـاسـي أو تقارب آيديولوجي لما أثـارت كل هذا الجدل، لكن وصـول طائرة مباشرة إلى مطار خارج سلطة الحكومة الشرعية، وفي توقيت إقليمي شديد الحساسية، يحمل رسالة واضحة مفادها أن إيران مـا زالــت تنظر إلــى اليمن بوصفه إحــدى سـاحـات نـفـوذهـا، وأن الحوثيين ما زالوا يرون هذا الارتباط مصدر شرعيتهم وقوتهم. يعتقد الـحـوثـيـون أن أي تـهـدئـة فــي المـلـف الإيـــرانـــي، أو أي تفاهم محتمل بـن طـهـران والـقـوى الـدولـيـة، سينعكس تلقائيا على تحسين موقعهم التفاوضي، وربما يمنحهم اعترافا أكبر بـسـلـطـتـهـم. وهــــذا الـــرهـــان يــقــوم عـلـى افـــتـــراضـــن: المـشـابـهـة مع «حـــزب الــلــه»، وقـبـول المجتمع الــدولــي بـتـكـرار الـتـجـربـة. غير أن هذا الاعتقاد يغفل أن إيران نفسها باتت مطالَبة بإعادة ترتيب أولوياتها، وإعادة النظر في استراتيجيتها الإقليمية، والالتفات إلى الداخل، وإعادة بناء علاقاتها مع دول الجوار. كما يتجاهل أن أي تفاهمات مستقبلية مع إيـران، لا سيما مع دول المنطقة وفي مقدمتها السعودية، لا يمكن أن تقوم على توسيع النفوذ أو تعزيز دور الأذرع المسلحة. بل إن هذه الأذرع مرشحة لأن تتحول إلى عبء تفاوضي أكثر منها ورقـة ضغط، خصوصا بعد أن تجاوز الحوثيون الخطوط الحمراء باستهداف الملاحة الدولية وتعطيل حركة التجارة في باب المندب، الأمر الذي غيّر نظرة العالم إلى الملف اليمني، فلم يعد مجرد أزمة إنسانية أو حرب أهلية، بل أصبح قضية تمس الأمن البحري العالمي. وهــنــا تـتـضـح أهـمـيـة المــقــاربــة الــســعــوديــة فـــي الــيــمــن، فهي المقاربة الوحيدة التي لم تقم على مشروع نفوذ أو تقسيم، بل على إعـادة اليمن إلى اليمنيين، وإخراجه من معادلة الاستلاب الـــخـــارجـــي والــــنــــزاعــــات الـــداخـــلـــيـــة. فــعــلــى الـــرغـــم مـــن الـهـجـمـات بــالــصــواريــخ والـــطـــائـــرات المــســيّــرة الــتــي اسـتـهـدفـت المـمـلـكـة، لم تتبن الرياض مشروعا لإدارة الفوضى أو تقسيم البلاد، وإنما اسـتـثـمـرت فـــي مـــســـارات الــتــهــدئــة، ودعـــمـــت المــــبــــادرات الأمـمـيـة، وقدمت دعما اقتصاديا واسعا للحكومة الشرعية، انطلاقا من أن اســتــقــرار الـيـمـن جـــزء مــن أمـــن المـنـطـقـة، لا سيما مــع تصاعد التهديدات القادمة من القرن الأفريقي. لقد حصل الحوثيون خــال الـسـنـوات الماضية على فرص مـتـكـررة لـلـعـودة إلـــى الـعـمـل الـسـيـاسـي بـوصـفـهـم مـكـونـا يمنيا داخل الدولة، لكنهم اختاروا في كل مرة ترسيخ دور الميليشيا، والاستثمار في فائض القوة، وربط مستقبلهم بمشاريع إقليمية تتراجع أوراقها يوما بعد آخر. ولـذلـك فــإن الــســؤال الـــذي ينبغي أن يعيد المجتمع الـدولـي طرحه اليوم ليس: كيف يتقاسم اليمنيون السلطة مع جماعة اختطفت الدولة؟ بل: كيف تُستعاد الدولة المختطفة إلى اليمنيين جميعا ً؟ المقاربة السعودية في اليمن هي المقاربة الوحيدة التي لم تقم على مشروع نفوذ أو تقسيم سقطت محاولات قيام جبهة ضد «الاتفاق الإطاري» وإن استمرت تحفظات وانتقادات جهات بعينها حنا صالح يوسف الديني *غوتام موكوندا OPINION الرأي 14 المجتمع الدولي واليمن المختطَف معركة الاستقلال الثالث الذكاء الاصطناعي... الجمع بين الإنسان والآلة أتمتة أجزاء كبيرة من وظيفتك يمكن أن تخلق بداخلك شعورا عميقا بالاغتراب

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky