issue17380

في مطلع الألفية اشتكى سكان أسيوط في جنوب مصر من زحـام السيارات، واستجاب المسؤول. أصدر أوامـــــرَه بـــإزالـــة أرصـــفـــة المــشــاة تـمـامـا مــن أجـــل توسيع الــشــوارع. لا أتــحــدَّث هنا عـن جـــزر فـي وســط الطريق، أو أرصفة عريضة على جانبيه، أتـحـدَّث عن الأرصفة العادية في الشَّوارع السَّكنية الداخلية. صِــرْت تخطو خارج باب بيتِك فتجد نفسَك على الأسفلت. الأخطر من كل هذَا أن حق المارة أغمط، وزاد الخطر عليهم. المشكلة هنا لا تقتصر على قـرار محلي سيئ، بل تمتد إلى طريقة تفكير طرحت هدفا خاطئاً، بديلا عن الهدف الصحيح وهو زيادة الانسيابية. الفارق يبدو ضئيلا على السَّطح، لكنَّه شاسع في العمق. على السَّطح توسعة الطريق تـؤدّي إلى زيـادة الانسيابية وهـــذه تـــؤدّي إلــى زيــــادة الـسُّــرعـة. لـكـن في العمق، استهداف زيــادة الانسيابية يعني أن السُّرعة نــتــيــجــة جــانــبــيــة ولــيــســت مــــؤشّــــرا لــتــحــسُّــن الـــوضـــع. وبــالــتــالــي فـــــالإجـــــراءات تـــركّـــز عــلــى تـخـطـيـط الـطـريـق بأسلوب جديد، وعلى تـوزيـع الاختناق والتَّحكم في سرعة تقاطر السيارات، وتهيئة مسارات جديدة حول المناطق السَّكنية لا عبرها. هـذا التَّفكير يحترم الغرض الأسـاسـي للتخطيط الحضري، وهو الحفاظ على مقومات المكان الأساسية الخاصة بساكنيه، مثل الرَّصيف الآمن الذي يستوعب جــمــيــع الأعــــمــــار والــــحــــالات الــبــدنــيــة، ومـــنـــاطـــق عـبـور المشاة، وتقليل الإزعاج. وهذا التفكير يدرك أنَّنا بنينَا الحضر ليكون سكناً، بكل ما تحمل الكلمة من دلالات الطمأنينة والسَّكينة والأمن. إن غــاب هــذا الـجـذر عـن ذهــن المـسـؤول أنـبـت عقله أفـــكـــارا لا تنتمي إلـــى الـتَّــخـطـيـط الــحــضــري، مــن عينة أن كـل رصيف هـدر للمساحة، وكـل شجرة عائق. وأن توسعة الأسفلت على حسابهما لكي تسير السيارات أسرع، هو الحل العبقري الذي غاب عن مخططي المدن قبله. الحفاظ على السّعة الاستيعابية للمكان أساسي فــــي تـــوفـــيـــر مـــســـتـــوى حـــيـــاة آدمــــــــيّ، لـــكـــنَّـــه أيـــضـــا مـهـم اقـتـصـاديـا للحفاظ عـلـى الـقـيـمـة. المنطقة الـتـي بنيت بمعايير معينة مـن العلاقة بـن الحيز والــبــراح تفقد قيمتها إن اختلت هــذه العلاقة اخـتـالا سلبياً. وهـذا السبب فـي تـدهـور كثير مـن المـشـاريـع المـعـمـاريـة التي تبدأ واعدة، ويدفع الناس فيها ملايين، وفي خلال أقل من عشرين عاما تتحوَّل بقدرة مسؤول محدود الأفق إلـى مكان فقد مميزاته الأصلية، وحُشِر فيه ما يفوق طاقته. فالأماكن، مثل البشر، لا ينبغي أن نكلفها إلا وسعها. والـــزحـــام مــن ثــم مـقـيـاس الألــــم للجسم الـحـضـري ينبهك إلــى مشكلة عليك تشخيصها بـدقـة وعلاجها بحكمة. فإمَّا أن يكون ناتجا عن تخطيط سيئ للطرق، وفي هذه الحالة فإن التخطيط الجيد سيحل المشكلة. وإمَّا أن يكون ناتجا عن أن المكان بلغ حدودَه واستنزف طاقته الاستيعابية. وهنا الحل الوحيد أن تنتقل إلى مــراكــز حضرية جــديــدة. إذ عــاج الإحــســاس بالتخمة ليس توسيع المعدة. وما نسميه مشكلة ترييف الحضر أو انتشار العشوائية نشأ في أصله من تجاهل السعة الاستيعابية وحشر ما يفوق طاقة المكان. عـــواصـــم الــعــالــم تـعـانـي فـــي معظمها مـــن مشكلة الزحام، لكن الإدارة الذكية لا تحل المشكلة بالتَّخلص من الحزام الأخضر، أو بمحو الأرصفة. بل تقرأ الزحام بـوصـفـه مــؤشــرا سـكـانـيـا، وأداة لـيـد الــســوق الخفية، يبلغك ذلــك أن هــذا المـكـان كامل الـعـدد. فـا تنتقل إلى الـعـيـش فـيـه مـــا لـــم يــوفــر لـــك مــيــزة اقــتــصــاديــة تمكنك من ذلـك. وإلا فالأفضل لك أن تبحث عن فرصة أفضل في مكان جديد. وبهذا تكافح به الهجرة العشوائية، وتشجع على نقل الأنشطة والبشر إلى مراكز جديدة. حـــركـــة انـسـيـابـيـة مـنـظـمـة بـطـيـئـة تـحـتـرم الـطـاقـة الاستيعابية للمكان، وتحترم رفاهية ساكنيه، أفضل بشريا واقتصاديا وإداريا من سرعة مصطنعة ناتجة عن محو مقوماته الأساسية. لماذا استماتت إيران من أجل «حزب الله» إلى حد المخاطرة بالاتفاق مع أميركا، وجعل وقف إطلاق النار في لبنان شرطا لمفاوضات سويسرا؟ هل هذا الإصرار مرتبط بـالـداخـل اللبناني فقط أم يطول أدوارهــــا في المنطقة؟ مـن البديهي أن تفعل إيـــران مـا وَسِــعَــهـا للحفاظ على حليفها الرئيس؛ «حزب الله»، وهو الذي تخطى علاقة التحالف معها ليكشف عن أنه إيراني. ثمة سبب أكبر أهمية يتمثل في سعي طهران إلى إلـغـاء نتائج الـحـرب التي شنتها إسـرائـيـل فـي لبنان إثــر «حـــرب الإســـنـــاد»، وعـلـى رأسـهـا تقليص نفوذها فــيــه عــبــر الـــقـــضـــاء عــلــى قـــــادة «الــــحــــزب» مـــن الـصـفـن الأول والـثـانـي؛ أبـرزهـم أمينه الـعـام حسن نصر الله، وإضعاف إمكاناته العسكرية والتنظيمية، إضافة إلى تراجع نفوذه السياسي في الداخل اللبناني، وتعاظم الضغوط الداخلية بشأن السلاح ودور الدولة، لا سيما بعد وصــول سلطة جـديـدة فـي سـوريـا وسـقـوط نظام بشار الأسد. حظيت الـحـرب الإسرائيلية هـذه بغطاء أميركي تجلى بـدايـة فـي زيـــارة الـرئـيـس الـسـابـق، جـو بـايـدن، ، وهي 2023 ) أكتوبر (تشرين الأول 18 إسرائيل يـوم زيــــارة تـضـامـن ودعــــم سـيـاسـي وأمــنــي غـيـر مسبوقة مــن رئـيـس أمـيـركـي خـــال حـــرب تـخـوضـهـا إسـرائـيـل. لكن بالتوازي، سعت إدارة بايدن إلى مسار سياسي ينبني على إقـامـة دولـــة فلسطينية مـنـزوعـة السلاح ومـرتـبـطـة بـضـمـانـات أمـنـيـة لإســـرائـــيـــل، ضـمـن رؤيـــة أوســـع لإعـــادة ترتيب الإقليم وتعزيز مـسـار التطبيع العربي - الإسرائيلي، بما من شأنه تقليص قدرة إيران على توظيف القضية الفلسطينية في استراتيجيتها الإقـلـيـمـيـة. هـــذا الــدفــع الأمــيــركــي نـحـو تـسـويـة دائـمـة انـــــــدرج ضـــمـــن تـــصـــور أوســــــع لـــلـــنـــزاع الإســـرائـــيـــلـــي - الفلسطيني، يسعى إلى نقل المنطقة من مرحلة هيمنة المــنــظــمــات الـــخـــارجـــة عـــن الــــدولــــة، ومــعـظـمــهـا أدوات إيرانية، إلى مرحلة استعادة الدولة الوطنية وظيفتَها بصفتها الجهة الوحيدة المخولة احتكار وسائل القوة الشرعية. مـــع وصــــول دونـــالـــد تــرمــب إلــــى الــبــيــت الأبــيــض، تراجع الزخم الداعي إلى قيام دولة فلسطينية، وانتقل من التركيز على مسار سياسي مباشر لحل الدولتين، إلى مقاربة تركز على ترتيبات ما بعد الحرب في غزة وإعــــادة تشكيل البيئة الأمـنـيـة والإقـلـيـمـيـة، مــع بقاء فكرة الدولة الفلسطينية حاضرة في المبادرات العربية والدولية. لـكـن إدارة الــحــرب الأمـيـركـيـة - الإسـرائـيـلـيـة ضد أذابـــــت كـثـيـرا من 2025 ) إيـــــران بـعـد يـونـيـو (حــــزيــــران مـكـاسـبـهـمـا الــعــســكــريــة لانــــعــــدام الــــرؤيــــة الـسـيـاسـيـة الأميركية وضـيـاع الـهـدف. فبعد حــرب كبدت طهران خسائر كبيرة في قياداتها وبناها التحتية النووية والـعـسـكـريـة، جـــاءت مــذكــرة الـتـفـاهـم لتعيد تثبيتها طرفا ممسكا بورقة أمن الطاقة والاقتصاد العالمي عبر التحكم في مضيق هرمز، كما بوصفها عاملا مهددا للاستقرار فـي المنطقة. إيـــران الـتـي خـسـرت عسكرياً، تمكَّنت مـن تجنب تـرجـمـة تـلـك الـخـسـارة إلــى هزيمة سياسية، منتزعة موقع الندية على طاولة المفاوضات في سويسرا. لــبــنــانــيــا، قــمــة الـــغـــرابـــة فـــي كـيـفـيـة الــتــوفــيــق بين الاتــــفــــاق المـــهـــم الـــــذي وقــــع يــــوم الــجــمــعــة المـــاضـــي بين لبنان وإسرائيل، والمذكرة التي تعيد البلاد إلى المربع الأول؛ إذ كرست استمرار الـــدور الإيـرانـي فـي التأثير على الساحة اللبنانية، من خـال التعامل مع طهران بوصفها طرفا مـؤثـرا فـي الاسـتـقـرار الأمـنـي، وأوقفت مسار تراجع «حزب الله» السريع، ومنحته وقتا ثمينا لإعــادة التموضع وانتقاله إلـى مرحلة دفاعية تهدف إلى إعادة تمكين نفوذه السياسي والمؤسساتي، ومنع تـرسـيـخ مـعـادلـة داخـلـيـة جــديــدة تـقـوم عـلـى حصرية السلاح بيد الدولة. أمـا طـرح ترمب الاستعانة بسوريا للقضاء على «حــــزب الـــلـــه» فـهـو لا يــتــوافــق مـــع مـــا تـقـولـه واشـنـطـن من أنها تعمل على تمكين الدولة اللبنانية وترسيخ احتكارها السلاح، كما يشكل مفارقة سياسية تتمثل في التفاوض مع إيران، في الوقت الذي تسعى فيه إلى القضاء على وكيلها الأبرز بالمنطقة! فلسطينياً؛ يكشف الغياب الكامل لغزة وللقضية الفلسطينية عن ورقة التفاهم عن أن القضية التي كانت الشرارة المباشرة للتحولات الإقليمية التي تحققت لم تعد جــزءا من التسوية المطروحة. وبــدلا من أن تقود الحرب إلى إعادة وضع القضية الفلسطينية في صلب النظام الإقليمي الجديد، انتقلت الأولوية إلى تنظيم العلاقة بإيران، فيما تُرك مستقبل الفلسطينيين خارج إطار التفاهم نفسه. كـــمـــا عــــــززت «مــــذكــــرة الـــتـــفـــاهـــم» مــــخــــاوف حـلـفـاء واشـــنـــطـــن مــــن أن تــــكــــون قــــد حــــوّلــــت خـــســـائـــر إيــــــران العسكرية مكاسب سياسية، عبر تثبيت دورها شريكا فـي الأمــن الإقليمي وإعـــادة شرعنة نفوذها وأذرعـهـا المسلحة بالمنطقة، لا سيما في لبنان، في مقتل لفكرة الدولة الوطنية. المحصلة: لا تكمن مسألة ورقة التفاهم في بنودها المباشرة، بقدر ما تكمن في الرسالة التي تحملها: فبعد سـنـوات مـن الـحـديـث عـن بـنـاء شــرق أوســـط تحتكر فيه الدول الوطنية القرارين الأمني والعسكري، عادت إيران لتُعامَل بوصفها شريكا في هندسة التوازنات الإقليمية. وهكذا يقع لبنان بخاصة ودول المحور الإيراني بعامة مجددا بين مشروع الدولة ومنطق الميليشيات، ويـزداد القلق من مستقبل الأمن الإقليمي. قبل أن أخـوض في حديثي هذا أود أن أقول إن كلمة «العفريتة» التي ابتكرتها الـذاكـرة الشعبية المصرية قــبــل عـــقـــود طـــويـــلـــة، قـــد تـــكـــون أكـثـر حـــداثـــة مـــن كــثــيــر مـــن المـصـطـلـحـات التقنية التي نستخدمها اليوم. فقد فهم الناس ببساطة ما نحاول نحن أن نفهمه الآن بلغة الفلسفة والذكاء الاصــــطــــنــــاعــــي. فـــالـــعـــفـــريـــتـــة كـــانـــت شهادة ميلاد الصورة. كنت أول مـن احتفل بالعفريتة وعلّقها في غرفته. أُخذت لنا صورة الـــشـــهـــادة الابـــتـــدائـــيـــة. كـــنَّـــا نـــرتـــدي القميص ذاتـــه والجاكيت ذاتـــه. كنَّا نـــخـــلـــع مـــابـــســـنـــا فـــــي الاســــتــــوديــــو ونــلــبــس الـقـمـيـص ذاتـــــه والـجـاكـيـت ذاتـــــــه، وأحـــيـــانـــا لا شـــــيء تـحـتـهـمـا. تسلَّمت الصور بالمقاس الذي تطلبه المدرسة (ستة في تسعة). العفريتة هي الصورة المقلوبة؛ الأبـــــيـــــض فـــيـــهـــا أســــــــــود، والأســـــــــود أبـــــــيـــــــض، كـــــمـــــا الأشـــــــــبـــــــــاح. وربـــــمـــــا لـــهـــذا تـــعـــارف الـــنـــاس عـلـيـهـا بـاسـم «الــعــفــريــتــة». لـكـنـهـا لـــم تــكــن مـجـرد صـــــورة مــقــلــوبــة، بـــل شـــهـــادة مـيـاد الصورة نفسها. مـــــنـــــذ الــــــبــــــدايــــــة كـــــنـــــت مـــغـــرمـــا بـــالـــعـــفـــريـــتـــة وبــــغــــرفــــة الــتــحــمــيــض؛ تـــلـــك الـــغـــرفـــة المـــظـــلـــمـــة الــــتــــي يــدخــل إلــيــهــا الــفــيــلــم بــعــد أن يــمــر الــضــوء عــبــر الـــعـــدســـة. يُــغــمــس فـــي الــســائــل الكيميائي، ثم يُغسل بالماء، ثم يعلق على حبل حتى تجف الصورة. كانت الـــصـــورة تـمـر بـرحـلـة كـامـلـة قـبـل أن تصبح حقيقة قابلة للرؤية. فـــي عــصــر الـــذكـــاء الاصـطـنـاعـي وتـــكـــرار الـــصـــور الـــتـــي بـــا أصـــــل؛ إذ نـــرى صــــورا لـطـفـل لــم يــولــد، وحـربـا لـــم تـــحـــدث، وأصــــواتــــا لـــم تــخــرج من حـــنـــجـــرة إنـــــــســـــــان... عــــــاد إلـــــــي ذلـــك الـهـاجـس الأول الــخــاص بالعفريتة وغــرفــة التحميض و«الـنـيـغـاتـيـف». أيـــــن أصـــــل كــــل هـــــذه الـــــصـــــور؟ وهـــل لهذا العالم كاملا من شهادة ميلاد؟ ســـؤال الـعـالـم الــيــوم: هـل مــر الـضـوء مـن هنا ذات مــرة؟ وهــل لهذا العالم عفريتة؟ قصة الأصـــل والــصــورة قديمة، وانـشـغـل بها فلاسفة منذ أفـاطـون حتى جون بودريارد. الصورة دائما تأتي بعد الأصل، والأثر بعد الحدث. وحتى عندما اختلف الفلاسفة حول طبيعة الحقيقة، ظلوا متفقين على وجــــود نـقـطـة بـــدايـــة يـمـكـن الــرجــوع إليها؛ شـهـادة مـيـاد لـلـصـورة. لكن الذكاء الاصطناعي يضعنا لأول مرة أمام إمكانية إنتاج الصورة من دون أصــل، العالم بـا شـهـادة مـيـاد، بلا عفريتة ولا غرفة تحميض. قصة العفريتة أدخلتني خلال العامين الماضيين في مشروع كتابة روايــــــــة انـــتـــهـــيـــت مـــنـــهـــا قـــبـــل يــومــن بعنوان «رسول». وفيها استعارتان حـــاكـــمـــتـــان هـــمـــا غــــرفــــة الــتــحــمــيــض و«الأتـــر» (الأثـــر). هناك جملة تتكرر في الرواية: «الرحم غرفة التحميض الأولى». فالإنسان نفسه يبدأ حياته في عتمة، ثم يخرج إلى النور حاملا شهادة ميلاده. «الأتــــــــــــــر»، هـــــكـــــذا نـــنـــطـــق كــلــمــة «الأثر» في قريتنا في صعيد مصر. لكن «الأتر» عندنا ليس مجرد بقايا شــيء مـضـى. نـقـول: «فـــان مـن بقية أتــــــرك»؛ أي مـــن دمــــك وســالــتــك ومــا تــبــقــى مـــنـــك فــــي الآخـــــريـــــن. شـخـص يـــشـــتـــرك مـــعـــك فــــي أصـــــل واحــــــد وإن تفرقت بكما الطرق. الـعـفـريـتـة هـــي «أتـــــر» الـــصـــورة. هـــي الــدلــيــل عـلـى أن الـــضـــوء مـــر من هنا. هي الخيط الذي يربط النسخة بأصلها. الحضارة الإنسانية كلها قائمة على هذه الفكرة. المؤرخ يبحث عـــن وثــيــقــة أصـــلـــيـــة، والـــقـــاضـــي عن دلــيــل، وعــالــم الآثــــار عــن أثـــر. وحتى الإنـــســـان الـــعـــادي يـحـتـفـظ بـشـهـادة ميلاده ليقول: لقد كنت هنا بالفعل. لـــكـــن مــــــــاذا يــــحــــدث عـــنـــدمـــا تـصـبـح النسخة مستقلة عـن الأصـــل، أو بلا أصل؟ في الصعيد نحن لسنا علماء آثـــــار نـبـحـث عـــن الـــذهـــب، بـــل عـلـمـاء «أتر»، نتقصى ما بقي من حياة. بــعــد عــشــريــن عــامــا مـــن الآن قد تـصـبـح مـعـظـم الـــصـــور الـــتـــي نــراهــا محل شــك؛ ليس لأنَّــهـا كلها مزيفة، بل لأن أحدا لن يستطيع بسهولة أن يثبت أيها وُلـد في العالم الحقيقي، وأيــهــا وُلـــد داخـــل خــوارزمــيــة. صـور بــا «أتــــر» ولا عـفـريـتـة، لــم تـولـد في غرفة التحميض. هنا تصبح الأزمة لـــيـــســـت أزمـــــــة مـــعـــلـــومـــات، بــــل أزمــــة «أتر»، وأزمة أصالة. يصبح التحدي هــو الـبـحـث عــن عـفـريـتـة، وعـــن طـرق تـمـنـح الأشـــيـــاء شـــهـــادات مــيــادهــا. الـتـحـدي لـيـس الــصــورة نفسها، بل إثبات نسبها. وربــــمــــا تــــكــــون المـــهـــمـــة الـــكـــبـــرى لجيلنا هي البحث عن شهادة ميلاد الــعــالــم الــرقــمــي كـــلـــه. فـعـنـدمـا يفقد العالم عفريتته، يفقد أصله. وعندما يضيع الأصل، يصبح كل شيء محل شك. ما زلت أضحك على العفريتة، وعـــــلـــــى الــــــوقــــــوف فــــــي الاســــتــــوديــــو بجاكيت وقـمـيـص مـسـتـعـاريـن، ولا تعرف الإدارة التعليمية في القاهرة أننا كنا بلا ملابس تحت الجاكيت والقميص! OPINION الرأي 12 Issue 17380 - العدد Monday - 2026/6/29 الاثنين وكيل التوزيع وكيل الاشتراكات الوكيل الإعلاني المكـــــــاتــب المقر الرئيسي 10th Floor Building7 Chiswick Business Park 566 Chiswick High Road London W4 5YG United Kingdom Tel: +4420 78318181 Fax: +4420 78312310 www.aawsat.com [email protected] المركز الرئيسي: ٢٢٣٠٤ : ص.ب ١١٤٩٥ الرياض +9661121128000 : هاتف +966114429555 : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: www.arabmediaco.com هاتف مجاني: 800-2440076 المركز الرئيسي: ٦٢١١٦ : ص.ب ١١٥٨٥ الرياض +966112128000 : هاتف +9661٢١٢١٧٧٤ : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: saudi-disribution.com وكيل التوزيع فى الإمارات: شركة الامارات للطباعة والنشر الريـــــاض Riyadh +9661 12128000 +9661 14401440 الكويت Kuwait +965 2997799 +965 2997800 الرباط Rabat +212 37262616 +212 37260300 جدة Jeddah +9661 26511333 +9661 26576159 دبي Dubai +9714 3916500 +9714 3918353 واشنطن Washington DC +1 2026628825 +1 2026628823 المدينة المنورة Madina +9664 8340271 +9664 8396618 القاهرة Cairo +202 37492996 +202 37492884 بيروت Beirut +9611 549002 +9611 549001 الدمام Dammam +96613 8353838 +96613 8354918 الخرطوم Khartoum +2491 83778301 +2491 83785987 عمــــان Amman +9626 5539409 +9626 5537103 صحيفة العرب الأولى تشكر أصحاب الدعوات الصحافية الموجهة إليها وتعلمهم بأنها وحدها المسؤولة عن تغطية تكاليف الرحلة كاملة لمحرريها وكتابها ومراسليها ومصوريها، راجية منهم عدم تقديم أي هدايا لهم، فخير هدية هي تزويد فريقها الصحافي بالمعلومات الوافية لتأدية مهمته بأمانة وموضوعية. Advertising: Saudi Research and Media Group KSA +966 11 2940500 UAE +971 4 3916500 Email: [email protected] srmg.com مأمون فندي سام منسى خالد البري العفريتة... شهادة ميلاد العالم مذكرة التفاهم... مخاوف لم تحسم بعد الحضر والبشر والمركبات

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky