issue17378

الرئيس التنفيذي جمانا راشد الراشد CEO Jomana Rashid Alrashid نائب رئيس التحرير Managing Editors Editorial Consultant in KSA Aidroos Abdulaziz Camille Tawil Saud Al Rayes Deputy Editor-in-Chief مديرا التحرير مستشار التحرير في السعودية محمد هاني Mohamed Hani الأمير أحمد بن سلمان بن عبد العزيز عيدروس عبد العزيز كميل الطويل سعود الريس 1987 أسسها سنة 1978 أسسها سنة هشام ومحمد علي حافظ رئيس التحرير غسان شربل Editor-in-Chief Ghassan Charbel مـــــومـــــيـــــاء «مــــــوهــــــي جـــــــــاج» واحـــــــــــــدة مــــــن أهــــم الاكـــتـــشـــافـــات الأثـــــريـــــة الـــحـــديـــثـــة. عُـــثـــر عــلــيــهــا فـي منطقة وادي تــخــرخــوري فــي جــنــوب لـيـبـيـا. يــقــدَّر عـمـرُهـا بسبعة آلاف سـنـة. اكتشفت مــا بــن عامي خــــال حـــفـــريـــات أثـــريـــة قـــادهـــا عـالـم 2006 و 2003 الآثـار الأفريقية الإيطالي البروفسور سافينيو دي لـيـرنـيـا، الأســـتـــاذ بـجـامـعـة لاسـابـيـيـنـزا الإيـطـالـيـة. المومياء طبيعية التحنيط، أي أن الجسد حُفظ بفعل الظروف الطبيعية، حيث البيئة الجافة، وليس عبر تقنيات التحنيط التي عرفتها مصر القديمة مثلاً. نُقلت المومياء إلى إيطاليا، وأجريت عليها دراسات سـنـة، وأعــيــدت إلــى ليبيا مؤخرا 20 اسـتـمـرت لمــدة ووضــــعــــت بــالمــتــحــف الـــوطـــنـــي الــلــيــبــي بــطــرابــلــس. أجـمـع عـلـمـاء آثـــار مــا قـبـل الــتــاريــخ عـلـى أنـهـا أقــدم الأجــــســــاد المــحــنــطــة طـبـيـعـيـا فـــي الـــتـــاريـــخ. كشفت تحاليل الحمض النووي الحديثة بقايا بشرية في موقع تخرخوري بجنوب ليبيا الغربي، عاشت في الصحراء التي كانت خضراء منذ آلاف السنين. مومياء تخرخوري الليبية، التي أُعطيت اسم «مـــوهـــي جـــــاج»، تـخـتـلـف عـــن المـــومـــيـــاوات المـصـريـة القديمة في أشياء جوهرية عـدة، رغـم أنها تشترك معها في أخرى، أهمها الحفظ الاستثنائي للأجساد لآلاف الـــســـنـــن. الـــبـــروفـــســـور الإيـــطـــالـــي فــابــريــتــزو مــــوري، عـالـم الآثــــار والإثــنــوغــرافــيــا، قـضـى سـنـوات طويلة يدرس ويبحث في الصحراء الليبية بمنطقة تــــدرارت وأكــاكــوس منذ خمسينات الـقـرن المـاضـي. درس الرسوم والنقوش الصخرية لما قبل التاريخ، وكان أستاذا للآثار بجامعة لا سبيينزا الإيطالية، وتـــولـــى فـيـهـا كــرســي إثـنـولـوجـيـا مـــا قـبـل الـتـاريـخ الأفــريــقــي، أبــــرزت أبـحـاثـه القيمة الـتـاريـخـيـة لموقع أكــاكــوس، وتــم تسجيلها فـي قائمة الـتـراث العالمي بـــ«الــيــونــيــســكــو». كــــان الـــبـــروفـــســـور مـــــوري عـاشـقـا بــل مـهـووسـا بتلك المنطقة العجيبة فــي كــل شــيء. اندمج مع سكانها الطوارق، وتعلم شيئا من اللغة الطارقية. ربطتني بـه علاقة صـداقـة وثيقة عندما كـنـت سـفـيـرا لليبيا بـــرومـــا، فـأنـا مــن جـنـوب ليبيا وأعـــرف منطقة أكــاكــوس وتــــدرارت وكـــاف الجنون، وزرتها مرات. كان موري عالما موسوعيا يعيش في الـتـاريـخ القديم ويعيش فيه، ولا يمل الحديث عن تلك الدنيا التي لا يغادرها أو تغادره. أسس جيلا من علماء آثـار ما قبل التاريخ، تحديدا عن جنوب غربي ليبيا، وبـرز من بينهم البروفسور سافينيو دي لـيـرنـيـا مـكـتـشـف المـــومـــيـــاء الأســـطـــوريـــة. تكمن أهمية مومياء «موهي جاج» في منطقة تخرخوري في أنها تعود إلى زمن كانت فيه الصحراء الكبرى مــنــطــقــة خــــضــــراء مــمــتــلــئــة بـــالـــبـــحـــيـــرات والمــــراعــــي، وســــكــــان المــنــطــقــة كــــانــــوا يـــمـــارســـون الــــرعــــي، ولــهــم طقوس دفن متقدمة في زمنهم. عُثر بجانب المومياء على هياكل عظمية لأفراد من المجتمع نفسه، وكذلك بقايا مواش وأدوات حجرية وعظمية وأوان فخارية ونـــقـــوش صـــخـــريـــة، فـــي مـنـطـقـة تـــــــدرارت أكـــاكـــوس توثق الحياة اليومية في ذلك الزمن السحيق. تلك الاكـتـشـافـات تجعل مـن مـوقـع تـخـرخـوري أحــد أهم المـواقـع لفهم تاريخ الإنـسـان في الصحراء الكبرى، قبل ظهور الحضارات القديمة في مصر ومنطقة ما بين النهرين. ذلك الاكتشاف التاريخي لم يكن نتاج جهد شخص واحد، بل شارك فيه فريق من العلماء، أبــــرزهــــم عـــالـــم الآثــــــار الإيـــطـــالـــي الــكــبــيــر سـتـيـفـانـو بياجيتي. خـلـصـت الـــدراســـات الأثـــريـــة الـعـلـمـيـة الطويلة والعميقة إلـى أن مومياء «مـوهـي جــاج» هـي لطفل صـغـيـر كـــان عــمــره عـنـد وفـــاتـــه مـــا بـــن سـنـتـن إلـى ثـــاث ســـنـــوات، وقـــد وضـــع بـعـنـايـة داخـــل لـفـافـة من جلد حيواني، ودُفن في حفرة خاصة مما يدل على رسوخ طقوس جنائزية. أكدت الدراسات أن مومياء ذلـــك الـطـفـل الـتـي حنطتها الطبيعة، تـعـود إلـــى ما سنة قبل المــيــاد، وتُــعـد مـن أقـدم 5000 و 6100 بـن الأجساد البشرية التي عُثر عليها محنطة حتى الآن. نشرت دراســة جينية مهمة للحمض 2025 في عـام النووي كشفت أن سكان منطقة تخرخوري القدماء ينتمون إلـــى سـالـة شـمـال أفـريـقـيـة قـديـمـة لــم تكن معروفة سابقاً، ويبدو أن هذه السلالة ظلت معزولة لآلاف الـسـنـن، مـمـا جعلها أشـبـه بـفـرع مـفـقـود من تاريخ شمال أفريقيا، والدراسات الجينية الحديثة التي أُجريت على بقايا من الموقع ركزت على امرأتين سنة قبل الميلاد، وكانتا من 7000 عاشتا قبل نحو مجتمعات رعوية، مما ساعد الباحثين على إعادة بناء جزء من تاريخ سكان الصحراء الكبرى القدماء. هـنـاك ثلة مـن علماء الآثـــار يـــرون أن أهمية منطقة تخرخوري تتعدى، ما علمتنا إياه مومياء «موهي جاج»، بل إنـهـا تمثل نـافـذة نـــادرة على حـيـاة البشر في ليبيا قبل ظهور الحضارات القديمة الكبرى بآلاف الــســنــن، عــنــدمــا كـــانـــت الـــصـــحـــراء الــكــبــرى خصبة ومأهولة، وليست صحراء قاحلة كما هي اليوم. التاريخ القديم فـي كـل أرجـــاء الدنيا قـوة حية هـائـلـة تـشـد الإنـــســـان إلـــى أعــمــاق جـــــذوره، وعـلـمـاء الآثــــــار يــهــبــون أعـــمـــارهـــم لـلـتـنـقـيـب والـــــدراســـــة، من أجل معرفة ما كان من حياة الأجــداد. جسد صغير رمـيـم حنطته الطبيعة فـي عمق الـصـحـراء الليبية الجنوبية «مــوهــي جــــاج»، استنطقه الـعـشـرات من علماء الآثار، ليقول لهم ما كان على الأرض من بشر وحياة. عالم الآثار الإيطالي الكبير فابريتزو موري وتلميذه العالم الـبـروفـسـور سافينيو دي ليرنيا، ومعهما كوكبة من علماء الآثــار، قــرأوا لنا ما كُتب في جسد الزمان السحيق. مومياء تخرخوري الليبية... رميم ناطق لفترة طويلة أتـابـع أحـــوال بريطانيا، وربما يبدو ذلـك أمــرا طبيعيا لمـن قضى جــزءا مـن حياته الأكاديمية أو المهنية على تماس مع ثقافات أخرى. كثير مــن الــذيــن يــدرســون فــي الــخــارج لا يـعـودون فقط بشهادة جامعية، بـل يـعـودون أيضا بعلاقة وجـدانـيـة مـع البلد الـــذي عـاشـوا فـيـه، وفـهـم أعمق لمجتمعه ومؤسساته وقيمه. لذلك تحرص الـدول ذات الـرؤيـة الاستراتيجية على استضافة الطلبة الأجـانـب؛ لأنَّــهـا تــدرك أن بناء الجسور الإنسانية والثقافية استثمار طـويـل الأمـــد يـفـوق فـي قيمته كثيرا من الاستثمارات التقليدية. مـا زلـت حتى الـيـوم على تـواصـل مـع عـدد من الـطـلـبـة الألمــــان الــذيــن درســــوا فــي جـامـعـة الـكـويـت فــي سبعينيات وثمانينيات الــقــرن المــاضــي، كما أتواصل مع عدد من أبناء الخليج الذين كانوا طلبة في تلك المرحلة، وأصبحوا اليوم في مواقع قيادية مؤثرة في بلدانهم؛ تلك العلاقات الممتدة تؤكد أن أفضل استثمار تقوم به الــدول هو الاستثمار في الإنسان؛ إذ يتعاطف هـؤلاء، حتى بعد تخرجهم، مع أحداث البلد الذي درسوا فيه. مــن هـــذا الاهــتــمــام ببريطانيا حـيـث أحـــرص، كلما سنحت الفرصة، على متابعة جلسة مساءلة رئـــيـــس الــــــــوزراء فـــي مــجــلــس الـــعـــمـــوم الـبـريـطـانـي كـــل يــــوم أربــــعــــاء عــنــدمــا يـــكـــون المــجــلــس مـنـعـقـداً. وفــي تلك الجلسة يــرى المـتـابـع نـمـوذجـا راقـيــا من النقاش السياسي؛ أسئلة حادة أحياناً، وانتقادات مـــبـــاشـــرة، ومــحــاســبــة عـلـنـيـة لـلـحـكـومـة، لا تخلو من ظـرف ساخر وتـوريـة. قد يختلف الناس حول السياسات، لكنهم نادرا ما يختلفون حول شرعية النظام الديمقراطي نفسه. المتابع للأحداث في بريطانيا في العقد الأخير يـــاحـــظ أن الاســـتـــقـــرار الــســيــاســي الـــــذي اشـتـهـرت بـه لـم يعد كما كــان؛ فقد شهدت الـبـاد خـال عقد تعاقب ستة من رؤساء الحكومات؛ أي إن المتوسط الحسابي عشرون شهراً، في ظاهرة لم تكن مألوفة فــي الـحـيـاة الـسـيـاسـيـة الـبـريـطـانـيـة طــــوال عـهـود. وآخر هؤلاء السير كير ستارمر، الذي وجد نفسه فـي مـواجـهـة تـمـرد داخـــل جــزء مـن حـزبـه العمالي، رغـــم أنـــه قـــاد حـــزب الـعـمـال إلـــى انـتـصـار انتخابي كـــاســـح بـــعـــد أربــــعــــة عـــشـــر عـــامـــا قـــضـــاهـــا الـــحـــزب خارج السلطة، أو كما يقال في التعبير السياسي البريطاني: في البرية السياسية. عندما تابعت خطاب ستارمر الأخير بلهجة متهدجة شعرت بشيء من الأســف. لم يكن الرجل مــثــالــيــا، ولــــم تــكــن حـكـومـتـه خــالــيــة مـــن الأخـــطـــاء، لكن كثيرا من المشكلات التي واجهها لم يصنعها بنفسه، بــل ورث جـانـبـا كـبـيـرا منها مــن تـراكـمـات اقتصادية واجتماعية وسياسية امـتـدت سنوات طـــويـــلـــة... كــنــت أســتــمــع إلــــى كــلــمــاتــه الـــتـــي تعني أن عــمــر الــســيــاســي قــصــيــر، لا لأن ســتــارمـــر فشل فـي الأداء؛ بـل لأن المـــزاج السياسي السائد يعاقب الوجوه، ولا يعالج الأسباب. هذه ليست مشكلة بريطانية فقط، بل ظاهرة تمتد إلى معظم دول أوروبا الغربية؛ فمنذ سنوات تتعرض الأنـظـمـة السياسية لضغوط اقتصادية مـتـزايـدة، وارتـفـاع فـي تكاليف المعيشة، وتغيّرات ثــقــافــيــة واجــتــمــاعــيــة مـــتـــســـارعـــة، وقـــلـــق مـتـعـاظـم بشأن الهوية الوطنية ومستقبل الطبقة الوسطى. ونتيجة لذلك بـدأت قطاعات واسعة من الناخبين تميل إلى اليمين، اعتقادا منها أن هذا الاتجاه يمثل الــخــاص مــن الأزمــــات المـتـراكـمـة. غـيـر أن التجربة السياسية الحديثة لا تـقـدم دلـيـا قاطعا على أن الـيـمـن الـشـعـبـوي يمتلك حــلــولا عـمـلـيـة، بـقـدر ما يمتلك قـــدرة عـالـيـة عـلـى تعبئة الـغـضـب الشعبي واسـتـثـمـاره سـيـاسـيـا. فالكثير مــن تـلـك الـحـركـات تـبـنـي خـطـابـهـا عــلــى فـــكـــرة بـسـيـطـة؛ هـــنـــاك طــرف مسؤول عن مشكلاتكم، وغالبا ما يكون ذلك الطرف هو المهاجر، أو القادم الجديد، أو صاحب الثقافة المغايرة كالمسلمين مثلاً. وهــنــا تـظـهـر مــفــارقــة لافــتــة تـسـتـحـق الـتـأمـل؛ فمن أكثر الفئات تشددا ضد الهجرة الجديدة هم مـهـاجـرون قـدمـوا إلــى تلك المجتمعات فـي مراحل سابقة، وكأن المشكلة ليست في الهجرة ذاتها، بل فـي الـخـوف مـن المنافسة، أو فـي الرغبة فـي إغـاق الباب بعد العبور منه. الأكــثــر إثــــارة أن بـعـض الــقــيــادات الـــبـــارزة في الأحزاب التي تتبنى خطابا متشددا تجاه الهجرة تـتـحـدر هــي نفسها مــن أصـــول مــهــاجــرة؛ فزعيمة المعارضة البريطانية من أصـول نيجيرية، كما أن نــائــب رئــيــس حـــزب الإصــــاح الـيـمـيـنـي مــن أصــول آسـيـويـة. وهـــذا يـوضـح أن المـسـألـة لــم تـعـد تتعلق بالأصل العرقي، بقدر ما تتعلق باستثمار المخاوف الاجتماعية والسياسية في المنافسة الانتخابية. الأحــــــــزاب الـــشــعـــبـــويـــة كـــثـــيـــرا مــــا تــبــيــع الأمــــل السريع والـوعـود البراقة، لكنها عندما تصل إلى السلطة تكتشف أن إدارة الاقتصاد، ومعالجة عجز الخدمات العامة، وتحقيق النمو، ورفع الإنتاجية... أعـقـد بكثير مــن إطـــاق الــشــعــارات. وعـنـدهـا تبدأ الفجوة بالاتساع بين الوعود والنتائج. ومــــــع ذلــــــك لا أزال أعـــتـــقـــد أن الـــديـــمـــقـــراطـــيـــة البريطانية تمتلك من المرونة والخبرة التاريخية ما يمكنها من تجاوز هذه المرحلة؛ إذ تمتلك مؤسسات فاعلة، وقد واجهت أزمات أكبر في الماضي وخرجت منها أكثر قوة. إلا أن التحدي الحقيقي اليوم ليس فقط فـي تغيير الحكومات أو الـوجـوه السياسية، بـل فـي اسـتـعـادة الثقة بـالمـركـز المـعـتـدل الـــذي صنع استقرار بريطانيا لعقود طويلة. ولعل أكثر ما يقلق أن يكون سقوط الاعتدال مـقـدمـة لـصـعـود خـطـاب يـقـوم عـلـى تحميل الآخــر كل الأخـطـاء. المجتمعات تتعثر عندما تبحث عن كبش فـــداء، بــدلا مـن مواجهة مشكلاتها بشجاعة وعقلانية. لذلك بـدا لي خطاب ستارمر أقــرب إلى صوت سياسي يحاول الدفاع عن هذا التوازن في زمن أصبح فيه التوازن نفسه هدفا للهجوم. آخـر الكلام: الدولة الرشيدة لا تخشى تغيير الحكومات، ولكن تخشى تغيير المؤسسات! في بريطانيا... إسقاط السياسي أسهل من إصلاحه! OPINION الرأي 15 Issue 17378 - العدد Saturday - 2026/6/27 السبت عبد الرحمن شلقم محمد الرميحي

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky