issue17361

الثقافة CULTURE 18 Issue 17361 - العدد Wednesday - 2026/6/10 الأربعاء ميرزا الخويلدي «روح القصف»... كيف ربحت السعودية الحرب؟ ، شنّت ألمانيا 1941 و 1940 خـال الحرب العالمية الثانية، وتحديدا بين عامي الـنـازيـة هـجـومـا جـويـا مكثفا لأسـابـيـع مـتـواصـلـة عـلـى بـريـطـانـيـا، مستهدفة المــدن )، لكن تضامن The Blitz( » الكبرى وخاصة العاصمة لندن. سُمّي هذا الهجوم «البلتز سـكـان لـنـدن خصوصا أنـتـج مـا عــرف فـي الـسـرديـات البريطانية بـــــ«روح القصف» )، فخلافا للتوقعات بأن السكان سينهارون نفسيا بشكل جماعي، The Blitz Spirit( وسينتشر الذعر والهلع، مما سيؤدي إلى انهيار النظام الاجتماعي وظهور سلوك همجي: (نهب، سرقة، عصابات، هروب جماعي)... فإن ما حدث فعلا أن السكان في العاصمة والمدن الكبيرة، استجابوا بنحو كبير للتحدي وحققوا نجاحاً. لم يشهد النظام الاجتماعي انهياراً... تأقلم الكثير من السكان بشكل مذهل. عمّت مشاعر التعاطف والإخاء، وازدهر الإيثار والتطوع. كان الناس في الغالب يتقاسمون الطعام والمــاء. مئات الآلاف ممن فقدوا منازلهم وجــدوا مـأوى لـدى جيرانهم أو في مراكز استقبال تطوعية، ووثّــق المؤرخون أن نسبة الجرائم في لندن خلال القصف انخفضت بشكل حاد مقارنة بفترة ما قبل الحرب. تُعد إدارة الأزمات وقت الحروب الإقليمية اختبارا حقيقيا لصلابة الدولة وذكاء قيادتها. عبر التاريخ نجح القليل من الحكومات في تحويل «محنة» الحرب إلى «منحة». وأمــام الحرب الطائشة التي تشهدها المنطقة، قدمت السعودية نموذجا فريدا وناجحا في منع الحرب من تدمير رؤيتها نحو التنمية، وتمكنت من اختبار قدراتها الواسعة في الانتصار على التحديات التي فرضتها الحرب وأهمها؛ حفظ الاستقرار، وتعزيز منظومة العمل مع الشركاء الخليجيين، وخاصة في مجال الأمن الـغـذائـي والـلـوجـسـتـي، وتــأمــن سـاسـل الإمـــــداد. فـخـال هـــذه الــحــرب الـتـي ضربت خطوط تموين الغذاء والدواء؛ فتحت السعودية حدودها الجغرافية الواسعة لإمداد شقيقاتها الخليجيات بالمؤن والمـــواد الـخـام، وتقاسمت فعليا معها لقمة العيش، وضمنت انسياب السلع لجيرانها وقت الضيق. كشفت هذه الأزمة أن القوة لا تكمن فـي الـسـاح فـقـط، بـل فـي قـــدرة الــدولــة على تحصين نـمـوذجـهـا، وأن تـكـون «عصب الحياة» لجيرانها و«صوت الحكمة» لحلفائها، حيث إن الحكمة في إدارة الحرب لا تكمن في القتال فقط، بل في تحويل التهديد إلى بناء للاستقرار الإقليمي والداخلي. نجحت الــدولــة فــي اكـتـشـاف قـدراتـهـا فــي إدارة الأزمـــــات، عـبـر تشغيل المـوانـئ وخـطـوط السكة الـحـديـد ومـعـامـل التكرير ونـقـل الـطـاقـة وتسيير آلاف الـقـوافـل من الشاحنات التي تجوب البلاد من الغرب إلـى الشرق لنقل الإمـــدادات لقارة مترامية الأطـــراف ومعها الجيران الذين ضاقت بهم السبل، كما نجحت بمهارة في الوفاء بالتزاماتها الجسيمة مثل تنظيم موسمي الـحـج والـعـمـرة، بما يلزمه مـن توفير الأمــن والـغـذاء وتسيير الخدمات. وهــذه الموثوقية منحت المجتمع المحلي الشعور بالطمأنينة والاستجابة. نعرف أنه في حالات الذعر والخوف، ونقص المـوارد؛ تبرز ما تُسمّى «الأنانية الـفـطـريـة»، يمكن لـإنـسـان عـنـدهـا أن يـتـحـول إلـــى «وحــــش» كـمـا رسـمـه الفيلسوف الإنجليزي تـومـاس هـوبـز (نــمــوذج هــوبــز)، هــذا الـنـمـوذج يمثل التفسير الفلسفي والسياسي الأعمق لكيفية ارتداد الإنسان إلى «الوحشية» بمجرد شيوع حالة الذعر والخوف مع غياب القانون. لكن، وكنقيض كامل ومباشر لهذا النموذج السوداوي، تـقـدم الـكـاتـبـة والمـــؤرخـــة الأمـيـركـيـة ريبيكا سولنيت مفهومها الشهير «يوتوبيا الكوارث»، فبينما يرى هوبز أن الكارثة توقظ «الوحش» الكامن في الإنسان، تُثبت سولنيت عبر دراسـات تاريخية وميدانية معمّقة أن الكوارث يمكن أن تخرج أفضل ما في البشر، محوّلة لحظات الجحيم والذعر إلى «يوتوبيا» مؤقتة من التضامن، والتكافل، والأخوّة الإنسانية. إذا توفرت الإدارة الحكيمة التي تستخرج من الناس أفضل ما لديهم من نوازع الخير، فـإن الـكـوارث يمكن أن تزيح القشرة المزيفة للأنانية الفردية التي تفرضها الحياة الحديثة، لتعيد الروح الإنسانية إلى أصلها الفطري، حيث النجاة المشتركة تمر عبر التعاطف والعمل الجماعي. ... مع اقتراب الحرب العالمية الأولى من نهايتها 1918 كتبتها صيف عام عام 100 قصة لإديث وارتون عن الحرب ترى النور بعد نحو فــي قـصـة لــم يـسـبـق نـشـرهـا للكاتبة إديـــث وارتـــــون، كـانـت هـنـاك مــأدبــة عشاء داخـــــــل قـــصـــر فـــرنـــســـي خــــــال صـــيـــف عـــام ، مـع اقـتـراب الـحـرب العالمية الأولــى 1918 من نهايتها، في حين يُسمع دوي المدافع من بعيد. تحمل القصة القصيرة التي لم يسبق نشرها من قبل، اسم «الرجال الذين أنقذوا العالم»، وهي من إبداعات وارتون الحائزة جـــــائـــــزة «بــــولــــيــــتــــزر»، وقــــــد ظــــهــــرت بـعـد وفاتها، تحديدا قبل أسبوعين في مجلة «ذا ستراند» الفصلية. ويُـــعـــتـــقـــد أن الــــقــــصــــة، الــــتــــي يـعـتـقـد ، على 1918 ) أنها كتبت في يوليو (تـمـوز أقـــصـــى تــقــديــر، قـــد تـخـلـت وارتــــــون عنها وظلت محفوظة في «مكتبة بينيك للكتب والمخطوطات الــنــادرة»، التابعة لجامعة ييل. تــــدور أحـــــداث الــقــصــة، المـــوجـــودة في مخطوطتين مطبوعتين غـيـر مـؤرخـتـن، ويبدو أنهما مسودتان مختلفتان، حول مأدبة عشاء أُقيمت على الطاولة نفسها، الـــتـــي كـــــان جـــــــرّاح فــــي الــجــيـــش قــــد أجــــرى عـلـيـهـا عـمـلـيـات بـتـر فـــي وقـــت ســابــق من الحرب. وخلال تلك المأدبة، كان لا بد من إعادة تــرتــيــب زهـــــور الأوركـــــيـــــد، بــعــدمــا اهــتــزت بفعل الاهتزازات الناجمة عن الانفجارات. جــاء فـي إحـــدى الـفـقـرات: «هــنــاك، في تلك الساعة نفسها، كان الرجال يسقطون بـــــــالآلاف لــجــعــل الـــعـــالـــم آمـــــنـــــا... مــــن أجـــل هذا!». وجاء كذلك: «وكان بعض الضباط الــشــبــاب، الـــذيـــن بـــدأ الـضـيـق يـتـسـلـل إلـى مضيفهم بسبب تأخرهم، قادمين مباشرة من قلب تلك المشاهد». الـــافـــت، أنـــه بـعـد نـحـو قــــرن، لا يـــزال موضوع القصة يلقى صدى، حسب أندرو غولي، المحرر الإداري لمجلة «ذا ستراند»، ومقرها في رويال أوك، بولاية ميشيغان. يــقــول غـــولـــي: «تـــقـــرأ عـــن حـــرب تـــدور رحــاهــا فــي الـــخـــارج، لـكـن لــم تـشـعـر يوما بأنها تمسُّك شخصياً، لقد شاهدتها فقط عـلـى شـــاشـــات الـتـلـفـاز فــحــســب»، مضيفا أن القصة تُــصـوّر «شيئا عالميا مشتركاً، حـيـث يـمـكـن لـلـنـاس مـشـاهـدة الــحــرب من بعيد، لكنهم لا يستطيعون حقا الشعور بتداعياتها». مــــن جـــهـــتـــهـــا، نــــشــــأت وارتــــــــــون، الــتــي تتضمن أعمالها «عصر الـبـراءة» و«إيثان فـــــروم» و«بـــيـــت المـــــرح»، فـــي صــفــوف نخبة مدينة نيويورك، أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، وغالبا ما ضمّنت قضايا الطبقة الأرستقراطية في كتاباتها. لـقـد كــانــت فــي بــاريــس أثــنــاء الـحـرب الـعـالمـيـة الأولــــى، وكــرّســت نفسها لأعـمـال الإغــــــاثــــــة، بـــمـــا فــــي ذلــــــك تــنــظــيــم مــســاكــن للاجئين، وافتتاح مستشفى لعلاج السل. ، نــالــت وســــام جـوقـة 1916 وفـــي عـــام الشرف الفرنسي؛ تقديرا لجهودها خلال الحرب. فـــــي ســــيــــاق مــــتــــصــــل، تــــقــــول إمـــيـــلـــي أورلانـــــــــــدو، أســــتــــاذة الـــلـــغـــة الإنــجــلــيــزيــة، فــي جـامـعـة فيرفيلد بــولايــة كونيتيكت، ومــؤلــفــة كـــتـــاب «إديــــــث وارتــــــون والــفــنــون الـبـصـريـة»، والـتـي درســـت أعـمـال وارتـــون لعقود: «القراءة التقليدية لأعمال وارتون تــــوحــــي بـــأنـــهـــا مــــجــــرد مـــــؤرخـــــة لـلـطـبـقـة الأرستقراطية في نيويورك فقط»، منوهة بـــأن: «الكثير مـن عـامـة الـنـاس لا يـدركـون عـمـلـهـا الإنـــســـانـــي المـــذهـــل عــلــى الـخـطـوط الأمامية». وأضـــــافـــــت أورلانـــــــــــدو، مـــتـــحـــدثـــة عـن القصة المنشورة حديثاً: «حتى من خلال أعمالها الـروائـيـة، تُسلّط وارتـــون الضوء عـــلـــى الــــحــــرب الـــعـــالمـــيـــة الأولـــــــى مــــن خـــال منظورها النقدي». ويذكر أن إيزابيل بارسونز، أستاذة الأدب الإنـجـلـيـزي فــي الـجـامـعـة المفتوحة بــإنــجــلــتــرا، كــتــبــت تــحــلــيــا نــقــديــا لقصة .2023 «الرجال الذين أنقذوا العالم» عام ومــــع ذلـــــك، قــــال غـــولـــي إنــــه لـــم يعثر على أي دليل على نشر القصة للجمهور، قــبــل ظـــهـــورهـــا عــلــى صــفــحــات مــجــلــة «ذا ستراند». ، اكـــتـــشـــف بــاحــثــون 2016 فــــي عـــــام مـسـرحـيـة لـــوارتـــون أيــضــا بـعـنـوان «ظـل الــشــك»، الـتـي عُــرضـت بـوقـت لاحــق على خشبة المـسـرح. وأوضــح غولي أن مجلة «ذا ســــتــــرانــــد» تُــــعــــد الـــــوريـــــث الــــروحــــي للمجلة البريطانية الـتـي تحمل الاســم نفسه. وقـــــــــد بـــــــــــدأت نـــســـخـــتـــهـــا الــــحــــالــــيــــة ، ونــشــرت قصصا 1998 بــالــصــدور عـــام لم تُنشر سابقا لكتاب مرموقين، بينهم ريموند تشاندلر وإرنست همنغواي. يقول غولي إن وارتــون كانت ضمن قـــائـــمـــة الــــكُــــتّــــاب، الــــذيــــن ظــــل يــبــحــث عـن أعــمــالــهــم، وقــــد تـلـقـى بــالــفــعــل عـــــددا من المـــــــواد مــــن «مــكــتــبــة بـــيـــنـــيـــكـــي»، وقــضــى شــهــورا فــي دراسـتـهـا بـجـديـة؛ بحثا عن مـواد جديدة. لكن الكثير من المــواد، كما يذكر، كان مكتوبا بخط اليد؛ ما يُصعّب فـــك رمـــــــوزه: «ربـــمـــا نــحــتــاج إلــــى خــبــراء خطوط يعملون لـدى مكتب التحقيقات الــفــيــدرالــي؛ لمــحــاولــة فــك رمــــوز مــا كانت تكتب وارتـــون». ويقول عن العثور على قــصــة «الــــرجــــال الـــذيـــن أنــــقــــذوا الـــعـــالـــم»: «قرأت القصة لم تُنشر من قبل، وقلت في نـفـسـي: (حـسـنـا، هـــذا الـعـمـل الأنــســب في الوقت الراهن، ولن يكون هناك جدل حول استخدام الفاصلة أو علامة الاستفهام)». ومع أن القصة القصيرة غير مكتملة، تـظـل عـنـاصـرهـا الــســرديــة والمـوضـوعـيـة مــتــمــاســكــة. وربــــمــــا تـــكـــون هـــــذه الـقـصـة واحـدة من بين الكثير من أعمال وارتـون الأخرى التي لم تر النور بعد. وتؤكد هذا الاحتمال أورلاندو بقولها: «هناك الكثير من المـواد الأخـرى، التي جرى اكتشافها. ولا تــــــزال هـــنـــاك اكـــتـــشـــافـــات أخــــــرى فـي انـتـظـارنـا. هــذا ليس الاكـتـشـاف الأخـيـر، لكنه يبقى إنجاز عظيم لأي باحث معني بأعمال وارتون». * خدمة: «نيويورك تايمز» *إيميت ليندنر إديث وارتون تصوّر القصة «حقيقة عالمية مشتركة... حيث يمكن للناس مشاهدة الحرب من بعيد... لكنهم لا يستطيعون حقا الشعور بتداعياتها» في وسطها امرأة ترفع وشاحا مملوءا بالفاكهة جدارية الأرض المثمرة... أموية من قصر الحير الغربي يحتفظ متحف دمشق الوطني بلوحة أموية من الحجم الـضـخـم، تحتل وسطها صـــورة دائــريــة تمثل امرأة ترفع بين يديها وشاحا مليئا بالفاكهة. خرجت هذه اللوحة من قصر الحير الغربي في نواحي جنوب غـرب مدينة تدمر، ودخلت المتحف، وتــم تثبيتها في القاعة العليا مـن الجناح الــذي خُــصّــص للقى الأثرية الـتـي تـــم اكـتـشـافـهـا بــن أطـــال هـــذا الـقـصـر، وهـــي من الـطـراز الـرومـانـي الكلاسيكي الـرفـيـع، وتتبع أسلوبا ســـــاد فــــي مــخــتــلــف نــــواحــــي الأرضـــــــي الـــســـوريـــة خـــال الـقـرون الميلادية التي سبقت دخــول الإســام إلـى هذه الــبــقــاع. تـعـود هـــذه الــجــداريــة إلـــى الـعـقـود الأولــــى من القرن الثامن، وتشهد بأسلوبها المتقن لاستمرارية هذا الطراز خلال العهد الأموي، وتشكّل أحد أجمل تجليّاته المشرقيّة في مطلع القرون الوسطى. أُنـجـزت هـذه اللوحة المستطيلة على مساحة من مـادة المِــاط الجصّي المتين، وتبدو في موقعها اليوم أشبه بلوحة جدارية، غير أنّها في الواقع لوحة أرضية كــانــت تــزيّــن فــي الأصــــل قــاعــة الاسـتـقـبـال فــي الـجـنـاح الغربي من القصر الذي شيّده هشام بين عبد الملك في ، وتتميّز بضخامتها الاستثنائية، إذ يبلغ 727 عــام مـتـر. يحيط بهذه 4.43 مـتـر، وعـرضـهـا 5.21 طـولـهـا الـلـوحـة إطــــار زخــرفــي عــريــض تـزيـنـه سلسلة لولبية مـن الأغـصـان المـورقـة، تتدلّى منها عناقيد مـن العنب الأحــــمــــر. حُـــــــوّرت هــــذه الأغــــصــــان هــنــدســيــا، واتـــخـــذت شكل دوائـــر متلاحقة متعادلة فـي الـحـجـم، غير أنّها حافظت على ثقلها الطبيعي، وبـدا ذلك بشكل خاص فـي تصوير عناقيدها. تحضر فـي وسـط هـذه الإطـار صـورة نصفية لامــرأة في وضعية المواجهة، تنتصب وسط إطـار دائـري تزيّنه سلسلة من الدوائر اللؤلؤية المتناسقة الممهورة بأشكال نباتية منمنمة. يخرج هذا الوجه عن النمط الكلاسيكي، وتعكس ملامحه النسق المحلّي الـذي جمع بين التقاليد الرومانية والفارسية في قالب سـوري محلّي، سـاد في تدمر، كما في نواح أخرى من البقاع السورية. بـنـيـة الــــــرأس دائــــريــــة، تـعـلـوهـا كـتـلـة مـــن الـشـعـر الكثيف الأســـود تحيط بــه، مـع فــرق بسيط فـي وسط قـمّــتـه، وخصلتين صغيرتين تـنـسـدلان عـلـى الجبين. العينان لوزتان واسعتان يعلوهما حجابان مقوّسان عريضان منفصلان، ينسدل مـن بـن وسطهما خيط الأنــف الرفيع. الفم مطبق، وقـوامـه خـط بسيط يرسم الـــشـــق الـــفـــاصـــل بــــن شــفــتــيــه الـــرقـــيـــقـــتـــن. الــوجــنــتــان مـكـتـنـزتـان ومــوشــحــتــان بــالــلــون الأرجـــــوانـــــي. الـعـنـق عريضة، يزيّنها عقد لؤلؤي قصير، تعلوه أفعى تلتف مـــن حـــولـــه، رافـــعـــة رأســـهـــا فـــوق الـكـتـف الـيـمـنـى. تـرفـع هـــذه المــــرأة يـديـهـا فــي اتــجــاه الـــصـــدر، حـامـلـة وشـاحـا يأخذ شكل رزمـة مفتوحة، تعلوها مجموعة متنوّعة من الفاكهة، تتوسّطها إجاصتان. تبدو هذه الفاكهة مرصوصة ومثبتة في الـفـراغ، وتشكّل مساحة أفقية تحتل القسم الأعلى من الصدر الأنثوي. تتبنّى هـــذه الــصــورة نـمـوذجـا مـعـروفـا فــي الفن الــكــاســيــكــي يــمــثّــل ســـيّـــدة الـــكـــون «غــــايــــا»، وهــــي أوّل مــن ظـهـر فــي بـــدء هـــذا الـــوجـــود، بحسب الميثولوجيا اليونانية. توصف هذه السيّدة الأم بصاحبة الأحشاء الــشــاســعــة وحـــصـــن جــمــيــع الـــخـــالـــديـــن، وقــــد تـــجـــرّدت صـورتـهـا لاحــقــا مــن مـعـنـاهـا الأصـــلـــي، وتــحــوّلــت إلـى صورة «حيادية» تمثّل الأرض الطيّبة المثمرة فحسب. تُشكّل الأفعى الملتفّة حول العنق عنصرا من العناصر التشكيلية التي ترافقها، وترمز في العالم القديم إلى الخصوبة والعطاء والتجدّد المستمر. تــحــضــر «غـــــايـــــا» وســـــط لـــوحـــة دائـــــريـــــة تـسـتـقـر وســـط مـسـاحـة مستطيلة تـكـسـوهـا أغـــصـــان نباتية زخرفية. وسـط هـذه الــزخــارف، فـي القسم الأعـلـى من هـذه المساحة، فـوق هامة الأرض الأم، يطل مخلوقان غــرائــبــيــان مـتـشـابـهـان فـــي الــشــكــل، لـكـل مـنـهـمـا رأس إنــســان عـــاري الــصــدر، وســاقــا تـنـن ذي جـثـة ضخمة تعلوها الــزعــانــف. رأى دانــيــال شلومبرجير أن هـذا الكائن الذي يلتف ثلاث مرات على نفسه بشكل لولبي هـــو «قــنــطــور بـــحـــري»، والــقــنــطــور مـخـلـوق أســطــوري إغريقي نصفه العلوي إنسان ونصفه السفلي حصان، كما هو معروف، وهو في هذا الرسم الأموي كما يبدو مــخــلــوق نـصـفـه إنـــســـان ونــصــفــه الآخــــر تــنــن. الــجــزء الأســفــل مــن هـــذه المـسـاحـة التشكيلية تـعـرض للتلف وضــاع لـأسـف، ومــا تبقّى منه يُظهر بقايا ثعلبين، أحدهما يقتات عنباً، وطيرين مـن فصيلة الكراكي، وكلبا يجري وراء حيوان ضاعت ملامحه، وبـات من الصعب تحديد هويّته. ظـــهـــرت صــــــورة الأرض الأم عـــلـــى هـــــذه الــلــوحــة الأرضية من قصر الحير الغربي، ولم يقتصر ظهورها في الميراث الفني الأموي على هذا الموقع، إذ نراها كذلك فـي قصير عـمـرة، فـي الـبـاديـة الأردنـــيـــة، حيث تـكـرّرت صورتها الـواحـدة سـت مـرات في بناء تعادلي محكم، على جانبي السقف المقوّس الذي يعلو صورة صاحب الموقع، في الركن الـذي يُعرف بـ«ركن الـعـرش». يشكّل هـــذا الــحــضــور اســتــمــراريــة لــنــمــوذج مـــتـــوارث تــعــدّدت شــواهــده فـي بــاد الـشـام كما فـي سـائـر أنـحـاء الشرق الأدنـــــى، ويـــرى الـبـعـض أن تـبـنّــيـه فــي هـذيـن الموقعين الأمويين لا يخلو من الدلالة الرمزية. بحسب قراءة افتراضية اقترحها العالم ريتشارد 1962 اتـنـغـهـاوزن فـي كتابه المرجعي الـــذي صــدر عــام تـحـت عــنــوان «فـــن الـتـصـويـر عـنـد الـــعـــرب»، يـمـثّــل لـوح الأرض المـــثـــمـــرة الـــحـــاضـــرة فـــي صـــــورة «غــــايــــا»، «مــع المحيط الدائر الـذي تمثله الوحوش البحرية»، العالم الــــذي «أُلـــقـــي بـــه مـنـبـسـطـا تــحــت أقـــــدام هــــذه الأســـــرة». وســـــــواء اتـــبـــع الـــفـــنـــان المـــحـــلّـــي هـــــذه الـــصـــيـــغـــة «وفـــقـــا لتوجيهات رسمية أم لا، فــإن مثل هـذا المعنى المحدّد كان جليا بصفة مؤكّدة بالنسبة إلى المهتدين الجدد إلى الإسلام في سوريا الكبرى». محمود الزيباوي لوحة أموية من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي في البادية السورية

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky