issue17335

لـــم يـعـد خـفـض الـــوجـــود الـعـسـكـري الأمــــيــــركــــي فـــــي أوروبـــــــــــا مــــجــــرد نـــقـــاش استراتيجي طويل الأمـد بشأن «تقاسم الأعـــبـــاء» داخــــل «حــلــف شــمــال الأطـلـسـي (ناتو)؛ بل تحوّل، مع قرار إدارة الرئيس، دونالد ترمب، وقف نشر لواء مدرع كان في طريقه إلـى بولندا، اختبارا ميدانيا مـــبـــاشـــرا لــــقــــدرة الأوروبــــــيــــــن عـــلـــى ســـد فـــجـــوات كـــانـــت واشــنــطــن تـتـكـفـلـهـا منذ عقود. فـــالمـــســـألـــة لا تــقــتــصــر عـــلـــى سـحـب آلاف جــنــدي مـــن ألمـــانـــيـــا، أو الـتـهـديـد 5 بتقليص أوســــع لــلــقــوات الأمـيـركـيـة في إيطاليا وإسـبـانـيـا، بـل تتصل بتوقيت الــــقــــرار وطـــريـــقـــتـــه: مـــعـــدات وجـــنـــود من «الــلــواء المـــدرع الـثـانـي» التابع لـ«الفرقة الأولــى» من «سـاح الفرسان»، كانوا قد بدأوا فعلا مسار الانتشار، قبل أن يُلغى التحرك بصورة مفاجئة بقرار من وزير الـحـرب الأمـيـركـي، بيت هيغسيث، وفق مــا كـشـفـت عـنـه صحيفة «وول ستريت جورنال». هذا الطابع المفاجئ هو مما يعطي الـــــقـــــرار ثـــقـــلـــه الـــســـيـــاســـي والـــعـــســـكـــري. فالانسحاب لم يأت ضمن خطة انتقالية هـادئـة، بل بـدا مرتبطا برسالة عقابية، بـــعـــد اعـــــتـــــراض تــــرمــــب عـــلـــى انــــتــــقــــادات المـسـتـشـار الألمـــانـــي، فـريـدريـش ميرتس، طـــريـــقـــة إدارة حـــربـــه مــــع إيــــــــران. ووفــــق الصحيفة، فـإن تداعيات القرار تتجاوز الحسابات اللوجستية إلى سؤال أعمق: هـل يمكن أن تبقى المظلة الأميركية في أوروبـــــا منفصلة عــن تـقـلـبـات السياسة الأميركية الداخلية والخارجية؟ الدرع الأميركية ورسالة الردع أول الــتــداعــيــات المــيــدانــيــة المـبـاشـرة تـظـهـر فـــي الـجـبـهـة الـشـرقـيـة لـــ«الــحــلــف». فـ«اللواء المدرع» الذي أُلغي نشره، وقوامه آلاف جـــنـــدي، لـــم يــكــن مـجـرد 4 أكـــثـــر مـــن قـوة رمزية. هـذا النوع من الـوحـدات يقدّم للحلفاء قـدرة ثقيلة على المـنـاورة البرية، ويعزز رسالة الــردع في مواجهة روسيا، خصوصا في دول مثل بولندا ورومانيا ودول البلطيق. لذلك؛ فقد قال قائد «الفرقة الأولــــــــى» فــــي احـــتـــفـــال ســـابـــق بــالانــتــشــار إن إرســــــال لـــــواء مـــــدرع إلــــى الأمــــــام يبعث بـ«إشارة واضحة لا لبس فيها». يقول مراقبون إن إلغاء هذه الإشارة في منتصف الطريق يخلق أثـرا معاكساً: لـــيـــس بــــالــــضــــرورة انـــهـــيـــار الـــــــــردع، لـكـنـه يضعف انتظامه وقابليته للتنبؤ. فالردع لا يعتمد فقط على عدد الجنود، بل على ثبات الجداول، وتماسك سلاسل القيادة، وثــــقــــة الـــحـــلـــفـــاء بــــــأن الـــتـــعـــهـــدات المــعــلــنــة ستترجَم وجـــودا ميدانياً. وعندما تُلغى دورة انـــتـــشـــار بــعــد بــــدء تـــحـــرك المـــعـــدات، تصبح العواصم الأوروبــيــة مضطرة إلى التعامل مع احتمال أن أي ترتيب أميركي قابل للمراجعة السريعة؛ لا بسبب تقييم عـسـكـري بــحــت، بــل بـسـبـب قــــرار سياسي آني. تسليح أوروبي تحت ضغط الزمن الانـــــــــعـــــــــكـــــــــاس الــــــــثــــــــانــــــــي يــــتــــعــــلــــق بـالـتـسـلـيـح... فخفض الــوجــود الأمـيـركـي يدفع الأوروبـيـن إلـى تسريع بناء قـدرات تقليدية كان كثير منها مؤجلا أو معتمدا عــلــى الــــولايــــات المـــتـــحـــدة. ألمــانــيــا سـتـكـون فـــي قـلـب هـــذا الاخــتــبـــار؛ لا لأنــهــا وحـدهـا المــتــأثــرة، بــل لأن قــواعــدهــا شـكّــلـت لعقود مـــركـــزا لـوجـسـتـيـا أمــيــركــيــا لـلـحـركـة نحو شــرق أوروبـــا والـشـرق الأوســـط وأفريقيا. تــقــلــيــص الــــوجــــود فــيــهــا يــعــنــي إضـــعـــاف شـبـكــة الإســــنــــاد الـــتـــي تـــتـــجـــاوز الأراضـــــي الألمانية نفسها. كذلك، فإن إلغاء نشر كتيبة أميركية لصواريخ تقليدية بعيدة المدى في ألمانيا يـفـتـح فـــجـــوة نــوعــيــة فـــي قــــــدرات الــضــرب البعيد. كان ذلك الانتشار، المعلن في قمة ، جـــــزءا مـــن مـحـاولـة 2024 «الـــنـــاتـــو» عــــام ســـد فـــراغ أوروبـــــي فــي الــصــواريــخ البرية الدقيقة بعيدة المــدى. التراجع عنه يعني أن الأوروبــــيــــن سـيـحـتـاجـون وقــتــا ومـــالا وإرادة سـيـاسـيـة لـتـطـويـر بـــدائـــل، ســـواء أكان عبر شراء منظومات أميركية أخرى، أم تــســريــع بـــرامـــج أوروبــــيــــة مــشــتــركــة، أم توسيع الإنتاج المحلي للذخائر والمدفعية ووسائل الدفاع الجوي. لكن المشكلة أن هـذه البدائل لا تُبنى بـــســـرعـــة... فـالـجـيـوش الأوروبــــيــــة تعاني أصـــا مـن نقص فـي المــخــزونــات، وضعف فــي الـطـاقـة الإنـتـاجـيـة الـدفـاعـيـة، وتباين سياسي بـشـأن مستوى الإنــفــاق. وبـذلـك؛ فإن أي خفض أميركي مفاجئ لا يدفع فقط إلى «تحمل المسؤولية»، بل يكشف عن أن تحملها يحتاج سنوات لا أشهراً. الرهان على واشنطن فــي المــقــابــل، لا تـتـعـامـل كــل أوروبـــــا مع القرار بالطريقة نفسها. فبينما تـرى برلين في الخطوة رسالة ضغط سياسي، تحاول وارسو احتواء القلق والتأكيد أن إلغاء نشر الــلــواء لا يستهدف بـولـنـدا، بـعـدمـا سحبت واشـــنـــطـــن الــــعــــام المــــاضــــي لـــــــواء قــتــالــيــا مـن رومانيا. وزير الدفاع البولندي، فلاديسلاف كوسينياك كاميش، قال إن القرار «لا يخص بولندا»، بل يتصل بتغيير معلن في الوجود الأمـــيـــركـــي بــبــعــض أنـــحـــاء أوروبــــــــا، مــشــددا على أن قــدرات الجيش البولندي المتنامية، والـــحـــضـــور الأمـــيـــركـــي فـــي بـــولـــنـــدا، يـــعـــززان الجناح الشرقي لـ«الناتو». هــــذا المـــوقـــف يــعــكــس حــســابــا بـولـنـديـا دقــيــقــا؛ فـــوارســـو لا تــريــد الــظــهــور بوصفها ضــحــيــة لـــقـــرار أمــيــركــي مــفــاجــئ، ولا حليفا يــشــكــك عــلــنــا فــــي الــــتــــزام تــــرمــــب، خـصـوصـا أنها تراهن منذ سنوات على زيـادة الوجود العسكري الأميركي لديها لا خفضه. كما أن بولندا تستثمر بكثافة فـي التسلح، وتريد تقديم نفسها داخل «الناتو» بوصفها شريكا أعلى جدية من أوروبــا الغربية في مواجهة روسيا. لـكـن الـــرهـــان الـبـولـنـدي يــواجــه مـفـارقـة واضـــــحـــــة: إدارة تـــرمـــب قــــد تـــكـــافـــئ بــولــنــدا ســـيـــاســـيـــا، لــكــنــهــا فــــي الــــوقــــت نــفــســه تـعـيـد تعريف الدور الأميركي في أوروبا كلها. فإذا كان الهدف الأبعد للبنتاغون هو نقل العبء الـتـقـلـيـدي إلـــى الأوروبــــيــــن، والــتــركــيــز على الــدفــاع الـداخـلـي ومنطقة المحيطين الهندي والهادئ، فإن بولندا قد تحصل على حضور أمـيـركـي نــوعــي، لكنها لــن تـكـون بـمـنـأى عن تقليص أوسـع في المـــوارد الأميركية المتاحة لـلـقـارة. وتـــرى الصحيفة أن الــقــرار لا يشكل مـــجـــرد خــــاف أمـــيـــركـــي - ألمــــانــــي، بـــل بــدايــة مـــرحـــلـــة يـــكـــون فــيــهــا الـــحـــلـــفـــاء الأوروبـــــيـــــون أمــام معادلة أشـد قـسـوة: واشنطن قـد تبقى داخـــــل «الــــنــــاتــــو»، لـكـنـهـا تـــريـــد «نــــاتــــو» أقــل اعـتـمـادا عليها، وأكـبـر خضوعا لأولوياتها الــســيــاســيــة. أمــــا الـــتـــداعـــيـــات الـــفـــوريـــة، فهي واضـحـة: ارتـبـاك فـي الانـتـشـار، وفـجـوات في الـــقـــدرات الـثـقـيـلـة والــبــعــيــدة المـــــدى، وضـغـط متصاعد على الأوروبيين كي يحولوا وعود الإنـفـاق الدفاعي قــوات وذخـائـر ومنظومات جـــــاهـــــزة قـــبـــل أن تــــفــــرض الأزمـــــــــات الــتــالــيــة مواعيدها الخاصة. 10 أخبار NEWS Issue 17335 - العدد Friday - 2026/5/15 الجمعة الانسحاب لم يأت ضمن خطة انتقالية هادئة، بل بدا مرتبطا برسالة عقابية ASHARQ AL-AWSAT الجيش المالي: سنلاحق الجماعات المسلحة حتى آخر معاقلها تدمير «قاعدة إرهابية» قرب باماكو أعلن الجيش المالي تنفيذ ضربات جــــويــــة أســـــفـــــرت عـــــن تـــدمـــيـــر «قــــاعــــدة إرهــابــيــة» كـــان يتجمع فيها عـــدد من كيلومترا 40 المقاتلين، على بُعد نحو جنوب غربي العاصمة المالية باماكو. وأصدر الجيش بيانا قال فيه إنه «في إطـــار عمليات المـراقـبـة الإقليمية»، تم رصـــــد مــــا ســمــتــه «قـــــاعـــــدة لــجــمــاعــات مــــســــلــــحــــة إرهـــــــابـــــــيـــــــة، عـــــنـــــد المـــــخـــــرج الـــجـــنـــوبـــي لـــغـــابـــة كــيــنــيــبــاولــي، غـــرب مـديـنـة سـيـبـي»، وهـــي تجمع سكاني غير بعيد عن العاصمة باماكو، ويقع على الطريق الوطني الذي يربط مالي بدولة غينيا المجاورة. وتــــعــــد هــــــذه المـــنـــطـــقـــة فـــــي دائــــــرة نفوذ «جبهة تحرير ماسينا»، إحدى الـــكـــتـــائـــب المُـــشـــكّـــلـــة لــجــمــاعــة «نـــصـــرة الإسلام والمسلمين»، الموالية لـ«تنظيم الــقــاعــدة»، ويـشـيـر كثير مــن المـراقـبـن إلـــى أن «جـبـهـة تـحـريـر مـاسـيـنـا» هي التي هاجمت باماكو الشهر الماضي، وهـــــي الـــتـــي تــــحــــاول خـــنـــق الــعــاصــمــة باماكو منذ سبتمبر (أيلول) من العام الماضي. وتـــعـــرضـــت مــديــنــة بـــامـــاكـــو، يــوم أبـريـل (نيسان) المـاضـي، لهجمات 25 عـــنـــيـــفـــة شـــنـــتـــهـــا جــــمــــاعــــات مــســلــحــة بــعــضــهــا يـــتـــبـــع «تـــنـــظـــيـــم الــــقــــاعــــدة»، وأســــــفــــــرت عـــــن مـــقـــتـــل وزيـــــــــر الـــــدفـــــاع الـــجـــنـــرال ســـاديـــو كــــامــــارا، وأفــــــراد من عـــائـــلـــتـــه، لــيــعــلــن الــتــنــظــيــم فـــــرض مـا يـــقـــول إنــــه حـــصـــار عــلــى المـــديـــنـــة الـتـي ملايين 4 يبلغ تعداد سكانها أكثر من نسمة. وأوضــــــــــح الــــجــــيــــش أن الــــطــــيــــران «رصــــد عــــددا مـــن المــقــاتــلــن ودراجـــــات نارية ومعدات مخفية تحت الأشجار»، مـشـيـرا إلـــى أنـــه «بـعـد مـرحـلـة الـرصـد، نـفـذت سلسلة مـن الـضـربـات أدت إلى تـدمـيـر الــقــاعــدة الإرهــابــيــة بـالـكـامـل»، وأكد الجيش أنه «بعد تفرق الناجين، نـفـذت عملية تـعـقـب، وبـعـد أن تجمع بعضهم تحت شجرة تم تنفيذ ضربة دقيقة جديدة». وتـــــــــداول نـــاشـــطـــون عـــلـــى مـــواقـــع الــتــواصــل الاجـتـمـاعـي مـقـاطـع فيديو للضربات الجوية التي شنها الجيش المــــــالــــــي فــــــي المــــنــــطــــقــــة، وتــــظــــهــــر هــــذه الـلـقـطـات عــشــرات المسلحين عـلـى متن دراجـــــــات نـــاريـــة وهــــم يــتــحــركــون بين بــيــوت طـيـنـيـة، ثــم يـخـتـفـون بـعـد ذلـك تــحــت الأشــــجــــار، قــبــل أن يــشــن ســاح الجو ضربتين عنيفتين على المكان. ولـــم يــصــدر الـجـيـش أي حصيلة دقـــيـــقـــة حــــــول حـــجـــم الـــخـــســـائـــر الــتـــي خـلـفـتـهـا الـــضـــربـــات الـــجـــويـــة، مكتفيا بــالإشــارة إلــى أن «قـائـد هيئة الأركـــان سيواصل ملاحقة الجماعات المسلحة الإرهــابــيــة حـتـى آخـــر معاقلها فــي كل أنــــحــــاء الــــتــــراب الــــوطــــنــــي»، وذلــــــك فـي إشـــــارة إلـــى قــائــد الأركـــــان الــــذي تسلم مهامه الأسبوع الماضي. وكــــــــان رئــــيــــس الــــــدولــــــة الـــجـــنـــرال آســيــمــي غــويــتــا، وبـــعـــد اغــتــيــال وزيـــر الدفاع، قد قرر أن يتولى بنفسه مهام وزير الدفاع، وعين قائد الأركان العامة للجيوش السابق، الجنرال عمر ديارا، وزيرا منتدبا لدى وزير الدفاع، ثم قام بترقية الجنرال إليزيه جان داوو إلى رتبة فريق، ثم عينه قائدا للأركان. ويخوض الجيش المالي، المدعوم من «قـوات الفيلق الأفريقي الروسي»، مـــواجـــهـــات مـفـتـوحـة ضـــد الـجـمـاعـات الإرهــــابــــيــــة والمـــتـــمـــرديـــن فــــي مــنــاطــق مختلفة من مالي، حيث أعلن الجيش و«الفيلق الأفريقي» استعادة السيطرة على قواعد كانت قد وقعت في قبضة المتمردين ومقاتلي «القاعدة». وأعــلــن الـجـيـش، فــي وقـــت سـابـق، اسـتـعـادة السيطرة بدعم مـن الــروس، عــلــى قـــاعـــدة «لابـــيـــزانـــغـــا» الـعـسـكـريـة الواقعة على الحدود مع دولة النيجر، كــمــا وصـــلـــت تـــعـــزيـــزات عــســكــريــة إلــى مـــيـــنـــاكـــا، فــــي أقــــصــــى شــــمــــال الــــبــــاد، ومدينة هومبوري، في الوسط، بينما تجري استعدادات للزحف نحو مواقع المــتــمــرديــن فـــي الـــشـــمـــال، حــيــث تشير بعض المــصــادر إلــى أن الــقــوات المالية والروسية المنسحبة من مدن تيساليت وكــيــدال وأجـلـهـوك، تستعد لأن تعيد تمركزها في منطقة أنيفيس. نواكشوط: الشيخ محمد مقاتلون من «جبهة تحرير أزواد» في بلدة كيدال الاستراتيجية التي تحت سيطرة الجبهة (أ.ف.ب) الانسحاب الأميركي من أوروبا يختبر جاهزية الحلفاء وتوازنات الردع «البنتاغون» يوقف نشر لواء مدرع في بولندا وزير الحرب الأميركي خلال مؤتمر صحافي مع رئيس هيئة الأركان المشتركة في «البنتاغون» (رويترز) واشنطن: إيلي يوسف

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky