issue17331

Issue 17331 - العدد Monday - 2026/5/11 الاثنين الإعلام 17 MEDIA د. ياسر عبد العزيز «كل إعلامي، سواء كان في موقع التحرير أو التقديم، يتعرّض للنقد بشكل دائم والمهم هو كيفية التعامل مع هذا النقد» ترند حان الوقت لإطلاق منصة «تواصل اجتماعي» عربية في زمن باتت فيه المعلومات سلاحا استراتيجيا لا يقل فتكا عــن الـجـيـوش والأســاطــيــل، وصــــارت فـيـه الـخـوارزمـيـة قـــوة تُشكِّل الرأي العام، وتُعيد رسم خرائط الوعي الجمعي، يقف العالم أمام مفارقة صارخة: دول تمتلك تاريخا عريقا وثقلا حضاريا وكتلا بشرية هـائـلـة، تجد نفسها رهينة منصات لا تـعـرف لغتها، ولا تحترم خصوصيتها، ولا تكترث بأمنها؛ بل لا تخضع لقانون من قوانينها. هذه ليست مبالغة في توصيف الأزمة؛ بل هي جوهرها الصارخ. منذ سنوات والعالم يشهد على نحو متصاعد كيف تتحوَّل مـنـصـات «الــتــواصــل الاجـتـمـاعـي» الـكـبـرى، المـمـلـوكـة فــي معظمها لشركات أميركية، إلى فضاءات مفتوحة على التلاعب والتضليل، وخـطـاب الكراهية، وانـتـهـاك الخصوصية، والتوظيف السياسي المُغرض. أدركت قوى كثيرة في العالم هذه الحقيقة المُــرَّة، وإن تفاوتت في طرق مواجهتها. روسيا سلكت طريق بناء بنية رقمية موازية محكمة الإغـاق، قائمة على منطق السيادة المطلقة التي لا تتورَّع أحيانا عن التحول إلى رقابة شاملة على المواطن نفسه. والصين أقامت ما يشبه «الإنترنت» المــوازي بجدار نـاري عملاق، وأنتجت منصاتها الـخـاصـة الـتـي تـتـصـدَّر مشهد التقنية الـعـالمـي بـأرقـام مذهلة، غير أنها تبقى مــرآة تعكس سلطة الـدولـة قبل أن تعكس إرادة المستخدم. أمـــا الاتــحــاد الأوروبـــــي فـقـد اخــتــار مــســارا مختلفا جـوهـريـا؛ مسار التنظيم القانوني الصارم، عبر «قانون الخدمات الرقمية»، وصولا إلى الإعلان عن إطلاق منصة «تواصل اجتماعي» أوروبية (دبليو سوشيال)، تحاول أن تجمع بين السيادة الرقمية والانفتاح والشفافية وحماية حقوق المستخدمين. وهذه الخطوة الأوروبية لم تنبثق من فراغ؛ بل جاءت استجابة لإدراك متأخر لكنه حاسم؛ ومـفـاده أن التبعية الرقمية الكاملة ثمنها خـسـارة مُــركَّــبـة تطول الرأي العام والأمن القومي والهوية الثقافية والاقتصاد معاً. أمام هذا المشهد المتحوِّل، يقف العالم العربي في موقع بالغ الهشاشة. مئات الملايين من المستخدمين يعيشون يومهم الرقمي كـــامـــا عــلــى مــنــصــات لا تـعـبـأ بـلـغـتـهـم إلا بــمــا يـكـفـي لاسـتـيـعـاب إعـــانـــاتـــهـــم، ولا تــفــهــم ســيــاقــهــم الــثــقــافــي إلا حـــن يـتـعـلـق الأمـــر باستهداف اهتماماتهم الاستهلاكية. وفي المقابل، تتدفق بياناتهم الشخصية إلــى خـــوادم بعيدة دون رقـابـة ودون ضـمـانـات، بينما تعمل خوارزميات مصممة في بيئات ثقافية مغايرة على تشكيل ما يرونه وما يغيب عنهم، وما يشعرون بالغضب تجاهه، وما يمر دون أن يلفت انتباههم. هذا ليس تشكيكا في نوايا؛ بل هو وصف لبنية تُولِّد فيها السوق واجهتها الخاصة بمعزل عن أي اعتبار للهوية أو السيادة أو الكرامة الجماعية. الـــحـــاجـــة إلــــى مـنـصـة «تــــواصــــل اجــتــمــاعــي» عــربــيــة حقيقية ليست تـرفـا ثقافيا ولا «نوستالجيا هـويـاتـيـة»؛ بـل هـي ضــرورة استراتيجية تتقاطع فيها أبعاد متعددة لا يمكن فصل بعضها عن بعض. فثمة البعد الثقافي الـذي يقتضي فضاء رقميا يستوعب الثقافة العربية بتنوعها وعمقها. وهناك البعد الاجتماعي الذي يتطلب منصة تفهم الخصوصية الاجتماعية وتحترم تعقيداتها. وأيـضـا البعد الأمـنـي الــذي يعني تحديدا أن تكون بيانات مئات الملايين من المواطنين العرب محمية داخل منظومة قانونية وتقنية تخضع لإشراف إقليمي لا لإرادة شركة أميركية. وثمة أخيرا البعد الاقتصادي؛ إذ إن الاقتصاد الرقمي المتنامي يعني في جزء كبير مـنـه تـدفـق ثــــروات هـائـلـة إلـــى خـــارج المـنـطـقـة، فــي مـقـابـل «خـدمـات مجانية» يدفع ثمنها المستخدم من خصوصيته، ووعيه، وانتباهه. بيد أن طرح فكرة المنصة العربية دون الاكتراث بدروس الفشل والاستبداد الرقمي هو مغامرة لا تقل خطورة عن التبعية القائمة. إن المنصة التي تُبنى لتكون أداة في يد السلطة، وتستخدم بيانات مستخدميها لأغراض أمنية، وتفرض سقفا مُتعسفا على النقاش، وتُطوِّع الخوارزمية لأجندات سياسية، ستُولَد ميتة حتى قبل أن تُطلَق. المـسـتـخـدم الـعـربـي الـــذي عـــاش ســنــوات يـــرى الـرقـابـة وضيق هـامـش الحرية لـن يهجر «إكـــس» و«فـيـسـبـوك» و«إنـسـتـغـرام» إلى منصة تُعيد إنـتـاج منطق التضييق فـي ثـوب رقمي جـديـد. الثقة شرط وجودي لا يمكن الالتفاف عليه. والجدوى والنجاعة العملية ضـــرورتـــان؛ لأن بـعـض المـــحـــاولات الـعـربـيـة الـخـجـولـة لــولــوج هـذا العالم كانت مـحـدودة التأثير والتمويل والانـتـشـار، وغير قــادرة على المنافسة. المنصة العربية التي يستحقها هذا الجمهور الواسع، هي تلك التي تجعل من حماية بيانات المستخدم مبدأ قانونيا راسخاً؛ لا وعدا دعائياً، وتُخضع خوارزمياتها للشفافية والمساءلة، وتحارب التزييف العميق وتوظيف «البوتات» و«الـذكـاء الاصطناعي» في التضليل، وتحمي المستخدم من الفقاعات المعلوماتية التي تُشدِّد تطرفه وتُــضـيِّــق أفـقـه. منصة تُـــدار بحوكمة مستقلة حقيقية، لا بإملاءات حكومية، ولا بمصالح رأسمالية ضيقة، وتعتمد معايير واضحة ومتسقة وخاضعة للمراجعة. المـشـروع الأوروبــــي -رغـــم مـا يكتنفه مـن تـحـديـات- يحمل في جوهره رسالة جديرة بالتأمل؛ فالسيادة الرقمية ممكنة دون أن تكون استبداداً، والانفتاح قابل للتحقق دون أن يكون تبعية. العالم العربي أمام فرصة تاريخية نادرة لبناء فضائه الرقمي السيادي. الوقت لا يتسع لمزيد من التردد، والتكلفة المتراكمة للغياب الرقمي باتت أعلى بكثير من تكلفة الشروع الجاد في البناء. قال إن تلفزيون الدولة حاضر في الذاكرة الجماعية... والسياسة سرقته من الثقافة والفنون وليد عبّود... علاقة وجدانية مع «تلفزيون لبنان» وليد عبود، صاحب خـبـرات متراكمة في عالم الإعلام اللبناني، ويمثّل نموذجا للمهني المـتـمـرّس. ولقد تنقّل بـن صـــروح عـديـدة، منذ كان طالبا في كليات الإعلام والأدب والحقوق، حــيــث كــــان شـغـفـه الأول الــثــقــافــة، إلا أن عـالـم السياسة سرعان ما جذبه، ليصبح أحـد أبرز المـــحـــاوريـــن الـتـلـفـزيـونـيـن فـــي لــبــنــان. وعــبــود راهـــنـــا يـشـغـل مـنـصـب رئـــيـــس تــحــريــر نــشــرات الأخــبــار فـي قـنـاة «إم تـي فــي» المحلية، ويـقـدّم بــرامــج حـــواريـــة هـــي: «أبــيــض وأســـــود» على 3 منصة «هـــا أرابـــيـــا»، و«الـحـكـي يــوصــل» على منصة «صــوت كـل لبنان»، و«مــع وليد عبود» على شاشة «تلفزيون لبنان». بالنسبة لمـسـيـرتـه، فــإنــه اسـتـقـى خـبـراتـه الأولــى من عمله في «دار الصياد» عندما كان فــي الـثـامـنـة عـشـرة مــن عــمــره، ويـــومـــذاك تـولّــى مــهــام الـتـحـريـر فــي نــشــرة دوريــــة كــانــت تُــرسـل إلى أصحاب القرار في لبنان والعالم العربي. بـعـدهـا تـنـقّــل بــن عـــدد مــن الـصـحـف اللبنانية والـــعـــربـــيـــة، مـــن بـيـنـهـا «المـــســـيـــرة» و«الـــحـــيـــاة» و«نـــداء الـوطـن» و«الـنـهـار»، حيث كتب مقالات ثقافية. وفـــي «المـؤسـسـة اللبنانية لـــإرســـال» (إل بــي ســي آي)، شــــارك فــي إعــــداد بــرامــج ثقافية مثل «كـبـارنـا». أمــا تـجـاربـه السياسية الأولــى فانطلقت عـبـر بـرنـامـج «ع صـــوت عــالــي» على شاشة «تلفزيون لبنان» خلال مرحلة إدارتها من قِبل فؤاد نعيم. ومع الراحل جبران تويني، خاض تجربة تـلـفـزيـونـيـة جـــديـــدة مـــن خــــال إعـــــداد بـرنـامـج «فخامة الرئيس» على شاشة «إل بي سي آي»، ليتولى بـعـدهـا بـرنـامـج «رئـــاســـيـــات». ويعلق وليد عبود على تلك الحقبة بالقول: «تعاوني مع الراحل جبران تويني ترك أثره الإيجابي في مشواري المهني. كان قامة سياسية وإعلامية لا يمكن أن تمر مرور الكرام». ،1989 فـــي انـتـقـالـه إلـــى «إم تـــي فـــي» عـــام بدأ إعـداد برنامج «سجّل موقف». وبقي فيها ، حين استدعته «إل بي سي آي» 2001 حتى عام للعمل في إدارة تحرير نشرات الأخـبـار، وهي مرحلة أكسبته خـبـرة واســعــة. ثـم عــاد مجددا إلـى «إم تـي فـي» لتولّي رئـاسـة تحرير نشرات الأخبار حتى اليوم، إلى جانب تقديمه برنامج . ويؤكد أن مجمل 2018 «بموضوعية» حتى عام هــــذه المـــحـــطـــات صــقــل تــجــربــتــه المــهــنــيــة، الـتـي عاما من العمل الإعلامي. 46 تجاوزت اليوم «تلفزيون لبنان» وعوْد على بدء على الرغم من التجارب الكثيرة واللامعة التي خاضها عبود فـي صــروح إعلامية عـدّة، فإنه لفت متابعيه أخيرا بانضمامه إلى عائلة «تلفزيون لبنان». كانت عــودة إلـى واحـــدة من ، حيث 1994 أقــــدم تــجــاربــه الإعــامــيــة فــي عـــام يقدّم عبره مساء كل أربعاء برنامجه الحواري السياسي «مع وليد عبود». فـــي لــقــاء مـــع «الـــشـــرق الأوســــــط»، قـــال عن هــذه الـخـطـوة: «لا شـك أن هــذه المحطة تسمها الــعــراقــة والــتــاريــخ المـــضـــيء، وقـــد تـربّــيـنـا على شاشتها. ومجرّد أن يُوضع اسمي إلى جانب الرعيل الأول مـن الإعلاميين أمـثـال عــادل مالك وكميل منسّى وجان خوري، فهذا يشكل حافزا وفـخـرا كبيرين لــي». وأضـــاف مستعيدا لحظة دخوله إلى مبنى التلفزيون: «ممر طويل يقود إلى الاستوديوهات، وعلى جدرانه صور هؤلاء الإعلاميين، إلـى جانب صـورة الرئيس الراحل كـــمـــيـــل شـــمـــعـــون وهــــــو يـــضـــع حـــجـــر الأســــــاس لــتــلــفــزيــون لــبــنــان. هـــنـــاك اجــتــاحــتــنــي مـشـاعـر الــحــنــن إلــــى زمــــن الإعــــــام الــلــبــنــانــي الــذهــبــي والـــــرائـــــد، حــــن كـــــان لـــبـــنـــان بــــن أوائـــــــل الـــــدول العربية التي تخطو هـذه الخطوة الكبرى في المــنــطــقــة. وكـــذلـــك اســتــعــدت ذكـــريـــاتـــي مـــع هــذه الشاشة المرتبطة بوجداني». مـــــن نـــاحـــيـــة ثــــانــــيــــة، خــــيــــار الـــــعـــــودة إلـــى «تلفزيون لبنان» لـم يكن مجرد محطة عابرة فـــي مــســيــرة عـــبـــود، بـــل جــــاء نـتـيـجـة مجموعة اعتبارات مهنية وواقعية. وهو يوضح أن تعذّر تقديم بـرنـامـج تلفزيوني على محطة محلية منافسة دفعه إلى اختيار هذه العودة، بوصفه الخيار الأنسب والأكثر انسجاما مع المرحلة. ومـــــن خـــــال هـــــذا المـــنـــبـــر، قــــــدّم بــرنــامــجــه الـــحـــواري الـسـيـاسـي «مـــع ولــيــد عـــبـــود»، الـــذي يُــــــعــــــرض مـــــســـــاء كــــــل أربــــــــعــــــــاء، ويـــســـتـــضـــيـــف شــخــصــيــات ســيــاســيــة بـــــــارزة. وقــــد اسـتـهـلـهـا مـع رئـيـس الجمهورية جـوزيـف عــون ورئيس الـحـكـومـة نـــواف ســـام. وأشــــار إلـــى أنـهـا كانت أولى إطلالاتهما الإعلامية فشكّلت نقطة تحوّل فـي مسار البرنامج، إذ أسهمت المقابلتان في تثبيت حضوره وتعزيز انتشاره. وهو يرى أن «تلفزيون لبنان»، في ظل إدارتـه الجديدة، بدأ يخطو بـاتـجـاه رؤيـــة مستقبلية أكـثـر تنظيما ووضـــــوحـــــا، مــــا انـــعـــكـــس إيـــجـــابـــا عـــلـــى مــوقــع البرنامج داخل المشهد الإعلامي. الذاكرة الإعلامية قال عبود إن تجربة العودة إلى تلفزيون لبنان «أعــادت إلـي شيئا من الـذاكـرة الإعلامية الأولـــــــى، لـكـنـهـا فـــي الـــوقـــت نــفــســه أتـــاحـــت لي مـــســـاحـــة عـــمـــل مــخــتــلــفــة، تــجــمــع بــــن الــخــبــرة المــتــراكــمــة والـــفـــرصـــة المـــتـــجـــددة لإعــــــادة تـقـديـم نفسي ضمن سياق وطني جامع». وفي سياق كلامه عن تجربته الطويلة مع قـنـاة «إم تـي فـــي»، اسـتـعـاد عـبـود محطات من إدارة نـشـرات الأخــبــار، معتبرا أن الـعـاقـة بين الإعلامي والمحطة تقوم أساسا على الانسجام فـي الــرؤيــة والـخـط الـتـحـريـري. وأردف: «نحن مَــــن نـشـبـه المــحــطــة ولــيــس الـــعـــكـــس»، مـوضـحـا أن نــجــاح الـتـجـربـة الإعــامــيــة «يــرتــبــط بـمـدى التقاطع بين قناعة الإعـامـي ونهج المؤسسة، وإلا فإن الخلافات تصبح نتيجة طبيعية». وعـــــلـــــى الــــصــــعــــيــــد الــــشــــخــــصــــي، قــــــــال إن «الـــحـــروب الإعـــامـــيـــة» لـيـسـت مـــن طـبـعـه، فهو يميل إلى تجنّب المواجهات المباشرة. ويفضّل التركيز على العمل والمضمون. ويـرى أن بيئة الــتــفــاهــم داخـــــل أي مــؤســســة إعـــامـــيـــة تُــســهّــل تجاوز التحديات، وتُقلّل من حـدّة الإشكالات، في حين أن غياب التفاهم هو ما يخلق الأزمات، ويؤدي إلى المغادرة أو الاختلاف. النقد ضرورة من أجل التطور أمـــا فــي مــا يتعلق بـالـنـقـد، فـيـشـدّد وليد عـــبـــود عـــلـــى أنـــــه «عـــنـــصـــر أســــاســــي فــــي المـهـنـة ولــــيــــس تــــهــــديــــدا لــــهــــا، بــــل لـــعـــلـــه أداة تــطــويــر حقيقية». ويضيف أن «كل إعلامي، سـواء كان في موقع التحرير أو التقديم، يتعرّض للنقد بـشـكـل دائــــم، ســــواء مــن سـيـاسـيـن أو جمهور أو زمــاء في المهنة، والمهم هو كيفية التعامل معه». وبالنسبة له، النقد لا يُقابل بالانزعاج، بل بالاستفادة؛ لأنه يكشف نقاط الضعف التي قـد لا تكون واضـحـة خــال عمل يومي يستمر ساعة متتالية. ويؤكد أنه بعد كل حلقة من 18 بـرنـامـجـه يـطـلـب آراء المـشـاهـديـن بــصــدق؛ لأن المديح لا يهمّه بقدر ما يهمّه النقد البنّاء الذي يساعده على التطوير. ويــــشــــرح مــــن ثــــم أن مـــســـيـــرتـــه الإعـــامـــيـــة الطويلة علّمته أن كل يوم يحمل تجربة جديدة، وأن العمل المتواصل لساعات قد يرافقه بعض الهفوات، لكن التحدي الحقيقي هو في تقليل الأخـطـاء وتحاشي تـكـرارهـا. ومــن ثــم، يــرى أن المـعـيـار لـيـس فــي غـيـاب الـخـطـأ، بــل فــي الـقـدرة على ضبط نسبته مقارنة بمحطات أخرى. الإعلامي يبقى في الذاكرة واختتم عبود اللقاء معه بالتأكيد على أن «الإعــــام مهنة متعبة»، ولا يـعـرف كيف انخرط فـيـهـا بــهــذا الـشـغـف الـكـبـيـر، ثــم إنـــه كـــان يخطط لمسار أكاديمي في الأدب والفلسفة، لكن الإعـام جـذبـه بشكل غـيـر مـتـوقـع. وتــابــع أنـــه يـؤمـن بـأن «الإعــــامــــي الـحـقـيـقـي يــبــقــى حـــاضـــرا فـــي ذاكــــرة الناس إذا استطاع أن يترك بصمة واضحة، وأن هذه المهنة، رغم صعوبتها، تبقى وفية لصاحبها بــقــدر وفــائــه لــهــا». ويــعــود لـيـصـف الإعــــام بأنه «عالم ساحر وجميل، لكن الأهم ألا ينقلب السحر على ساحره في اللحظات المفصلية». انضمام وليد عبود إلى «تلفزيون لبنان» أخيرا يشكل عودة إلى أقدم تجاربه الإعلامية (وليد عبود) بيروت: فيفيان حداد هل يعرقل الذكاء الاصطناعي التواصل بين الصحافيين ومصادر المعلومات؟ أثـــار تــطــوّر تـقـنـيـات الـــذكـــاء الاصـطـنـاعـي وقــــدرتــــهــــا عـــلـــى اســـتـــنـــســـاخ وانــــتــــحــــال صـفـة الـــصـــحـــافـــي، مــــخــــاوف مــــن عـــرقـــلـــة الـــتـــواصـــل بــن الإعــامــيــن ومـــصـــادر المــعــلــومــات؛ بسبب «الـتـشـكـك فـــي وجـــودهـــم وإنــســانــيــتــهــم»، وفـي حين رأى خبراء أن الذكاء الاصطناعي يُسهم في تسهيل العمل الإعلامي، فإنَّهم شدَّدوا على «ضـــرورة الـتـواصـل الإنـسـانـي المباشر لتقليل التأثيرات السلبية للتكنولوجيا». تـــــقـــــريـــــر نــــــشــــــره مــــعــــهــــد «نـــــيـــــمـــــان لاب» المــتــخــصِّــص فـــي دراســـــــات الـــصـــحـــافـــة، نـهـايـة الــشــهــر المــــاضــــي، أفـــــاد بـــإحـــجـــام المــــصــــادر عن الـــــرد عــلــى رســـائـــل الــصــحــافــيــن عــبــر الــبــريــد الإلــكــتــرونــي؛ اعــتــقــادا مـنـهـم أنَّـــهـــا مـرسـلـة من روبوتات الذكاء الاصطناعي. واسـتـنـد الـتـقـريـر إلـــى تـجـربـة الصحافي الأمـيـركـي، غـابـي بــــولارد، الـــذي ذكــر أن بعض مـــصـــادر المــعــلــومــات بــاتــت تــتــخــوَّف مـــن ورود رســــائــــل احـــتـــيـــال عـــبـــر الـــبـــريـــد الإلـــكـــتـــرونـــي، مـــا يـدفـعـهـم لـتـجـاهـل الـــــرد عــلــى اســتــفــســارات الصحافيين. أيـــضـــا لـــفـــت الـــتـــقـــريـــر إلـــــى أن «المــــخــــاوف المتعلقة بـتـراجـع الـثـقـة فــي الإعـــــام، وانـتـشـار المــعــلــومــات المـضـلـلـة، أضـيـفـت إلـيـهـا مـخـاوف جديدة تتعلق بإمكانية أن تعرقل التكنولوجيا عـنـصـرا أسـاسـيـا مــن الـعـمـل الـصـحـافـي، وهـو التواصل مع المصادر لجمع المعلومات، بحجة التشكك فــي وجـــود الـصـحـافـي مــن الأســــاس». وأشـار إلى ما تُسمى «نظرية الإنترنت الميت» الــــتــــي تـــفـــتـــرض أن مـــعـــظـــم المــــوجــــوديــــن عـلـى الإنترنت ليسوا حقيقيين. الدكتورة سالي حمود، الباحثة الإعلامية اللبنانية في شـؤون الإعــام المعاصر والذكاء الاصـــطـــنـــاعـــي، وأســــتــــاذة الإعـــــام والـــتـــواصـــل، قـــالـــت فــــي لـــقـــاء مــــع «الـــــشـــــرق الأوســــــــــط»: «إن الـذكـاء الاصطناعي يؤثر فـي عمل الصحافي سلبا وإيـجـابـا... ومـع تطور النماذج اللغوية الــضــخــمــة بــــات مـــن الــصــعــب الــتــفــريــق بـــن ما تنتجه وما ينتجه الإنسان، لا سيما مع قدرة التكنولوجيا على استنساخ وانتحال صفات أشخاص حقيقيين». وأضافت حمود أن «مـا يحدث قد يعرقل قــــدرة الــصــحــافــي عــلــى الـــتـــواصـــل مـــع مــصــادر المـــعـــلـــومـــات». ولـــــذا فــهــي تــقــتــرح أن «يــحــرص الصحافي على التواصل الإنساني في محاولة لإثـبـات وجـــوده، والـحـد مـن مـخـاوف المـصـادر، جنبا إلى جنب مع العمل على الترويج الذاتي، ورســـم صـــورة ذهنية لحضوره على منصات التواصل المختلفة». وتـــؤكـــد عــلــى «ضــــــرورة إعـــــادة الــنــظــر في كيفية التعاطي مع تقنيات الذكاء الاصطناعي، وطـــريـــقـــة الـــعـــمـــل والــــتــــواصــــل الـــصـــحـــافـــي فـي ضوئها، مع وضع سياسات شاملة لذلك». في الواقع، تطرَّق تقرير «نيمان لاب» إلى حلول عدة للحد من تأثير الذكاء الاصطناعي عــلــى الـــتـــواصـــل مـــع مـــصـــادر المـــعـــلـــومـــات، من بينها «الـتـواصـل مـن بـريـد إلـكـتـرونـي مرتبط بـالمـؤسـسـة الإعــامــيــة، والـــحـــرص عـلـى إيـجـاد فـــرص لـلـتـواصـل الإنـسـانـي المـبـاشـر لـلـحـد من تـشـكـك المـــصـــادر فـــي وجــــود الــصــحــافــي». بيد أنَّــــه فــي الــوقــت ذاتــــه لـفـت إلـــى مــا يكتنف ذلـك من تحديات ترتبط ببطء عملية التواصل في عصر رقمي لا يمنح رفاهية الوقت. هنا يــرد الصحافي المـصـري المتخصص في الإعلام الرقمي، محمد فتحي، بالقول: «إن الـذكـاء الاصطناعي لا يعرقل عمل الصحافي بشكل مـبـاشـر، لكنه يـفـرض تـحـديـات جديدة تُغيِّر طريقة الوصول إلى المعلومات». ويــــــــوضــــــــح لـــــــــ«الــــــــشــــــــرق الأوســــــــــــــــــط» أن «المـــعـــلـــومـــات أصــبــحــت مــتــاحــة جــــدا وبـــوفـــرة؛ لكن يتعذَّر التحقق منها بسهولة، ما أدّى إلى تضخم هائل في المحتوى؛ ما يجعل التحقُّق مـن دقته أكثر صعوبة، خصوصا مـع انتشار تقنيات الـتـزيـيـف الـعـمـيـق، الـتـي تتيح إنـتـاج مواد مزيفة يصعب تمييزها». مـــن نــاحــيــة ثــانــيــة، يـشـيـر فـتـحـي إلــــى أن «الـــذكـــاء الاصـطـنـاعـي يــوفِّــر فــي المـقـابـل أدوات قوية تساعد الصحافي على البحث السريع، وتحليل البيانات، والوصول إلى معلومات من مصادر متعددة خلال وقت قياسي. القاهرة: فتحية الدخاخني النص الكامل على الموقع الإلكتروني

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky