issue17331

الثقافة CULTURE 18 Issue 17331 - العدد Monday - 2026/5/11 الاثنين ورثن عنهن فرط الحساسية وسعة الخيال أمهات الأدیبات حین تـرد على الأذهــان أسماء الأدیـبـات تتجه أفكارنا عـادة إلـــى الـــرجـــال - آبــــاء وأزواجـــــا وعـشـاقـا - الــذیــن لـعـبـوا أدوارا في حیاتهن. فنحن لا نفكر في سیمون دي بوفوار مثلا إلا من حیث علاقتها بجان بـول سـارتـر. وكـذلـك الشاعرة الأميركية سیلفیا بلاث ترتبط في الأذهـان بزوجها الشاعر الإنجليزي تيد هیوز، والنهایة المأسوية لهذا الــزواج حین تركها من أجل امـرأة أخرى فانتحرت بلاث في شقتها بمدینة لندن بأن فتحت على نفسها محبس الغاز. لكننا قلما نفكر في الدور الذي تلعبه الأم في حیاة الأدیبة. وهذا هو موضوع كتاب عنوانه: «أمهات العقل: النساء المــرمــوقــات الــلــواتــي شـكـلـن فـرجـیـنـیـا وولــــف، وآغـــاثـــا كریستي، Mothers of the Mind: The Remarkable Women( » وسیلفیا بلاث .)who Shaped Virginia Woolf, Agatha Christie and Sylvia Plath مــن تألیف 2023 الـكـتـاب صـــادر عــن «مطبعة الــتــاریــخ» فــي ، وهـــــي صــحــافــیــة وكــاتــبــة Rachel Trethwey راشــــیــــل تــــرثــــوي بريطانية، درســت التاریخ بجامعة أوكـسـفـورد، وحصلت على الدكتوراه في الأدب الإنجليزي، ولها خمسة كتب مؤلفة، أحدثها .)2021( » «بنات تشرتشل موضوع الكتاب غولیا ستيفن ولف (والدة فرجینیا وولف)، وكـــارا میلر كریستي (والــــدة آجـاثـا كـریـسـتـي)، وأوریـلـیـا بلاث (والـدة سیلفیا بـاث). فهو كتاب عن المیراث الأمـوي، وعن ثلاث أمـهـات قـویـات الشخصیة شكلن اتـجـاهـات بناتهن إزاء الحیاة والأدب والنسویة، إن خیرا وإن شراً. إن الأمهات یحتللن هنا مركز المسرح بینما الأدیبات یلیهن في الأهمیة. كن أمهات مشبوبات العاطفة، معقدات الشخصیة، وأحـیـانـا مـآنـات بالمتناقضات. طمحن جمیعا إلـى أن یغدون أدیـبـات. وكتاباتهن تلقي الضوء على كتابات بناتهن. كانت الصلة الوثیقة بالأم حائلا بین الأدیبات الثلاث وبین تكوین هویة منفصلة وشخصیة مستقلة. وقـد ورثـت ثلاثتهن عــن أمـهـاتـهـن فـــرط الـحـسـاسـیـة وحــــدة المـشـاعـر وســعــة الـخـیـال. وأضفى ذلك على كتابتهن فهما لتعقیدات العلاقات الإنسانیة. غدون بحاجة إلى الحمایة: وفي غیاب الأم لجأن إلى عشاق أو أزواج أو أصدقاء یملأون الفراغ. هؤلاء الأمهات كُن أول من أدرك عبقریة بناتهن. وقد بذلن كل ما في وسعهن من أجل تنمیة قدراتهن الأدبیة، وكن أول معلمات وقــارئــات ونــاقــدات لكتاباتهن. وقــد شجعهن على الانـتـقـال من الهوایة إلـى الاحــتــراف. وبـدورهـن كتبت الأدیـبـات عـن أمهاتهن وذلـك في صـور أوتوبیوغرافیة أحیانا وتخیلیة أحیانا أخـرى. ففى روایة فرجینیا وولف «صوب المنار»، على سبيل المثال، نجد أن شخصیة «مسز رامزي» مبنیة على شخصیة أم الكاتبة. وفى كتاب أغاثا كریستي المسمى «صورة شخصیة غیر مكتملة» نجد أن شخصیة میریام مبنیة على شخصیة أم الكاتبة. وشخصیة مـسـز جـریـتـون فــي روایــــة سیلفیا بـــاث «الــنــاقــوس الـزجـاجـي» مبنیة على شخصیة الأم. وفي الأسر التي جاءت منها هؤلاء الكاتبات كان الأب شكلیا رأس الأسرة؛ لكن الواقع غیر ذلك. فقد كانت الأم هي الشخصیة المهیمنة والمحددة لنمط الحیاة والمؤثرة في تربیة الأبناء. وكان لكل من الأمهات الثلاث قدم في الأدب. فجولیا ستيفن ولف كتبت قصصا للأطفال ومقالات وكتابا عن فن التمریض. وكــــــارا مـیـلـر كـریـسـتـي كـتـبـت قــصــائــد وقــصــصــا قـصـیـرة. وأوریلیا بلاث كتبت قصائد وأطروحة أكادیمیة ومقدمة لكتاب ابنتها المـعـنـون «رســائــل إلـــى الـبـیـت» وهـــو یـضـم رســائــل الابـنـة إلیها. وكتابات هؤلاء الأمهات تساعدنا على فهم مواهب بناتهن. فما كان مجرد بذرة في جیلهن أثمر نباتا في جیل البنات. ونــــحــــن نــــــرى آثـــــــــارا إیـــجـــابـــیـــة لـــلـــحـــب غـــیـــر المـــــشـــــروط بـن الأمهات والبنات، كما نرى العواقب السلبیة للرغبة في التملك والاستحواذ على عواطف الطرف الآخر. ومن الجدير بالذكر هنا أن فرجینیا وولف ذكرت أن أمها ظلت تطارد خیالها حتى بعد مرور ثلاثة عقود على رحیلها عن الدنیا إذ كانت فرجینیا ترى أن أمها على صواب دائماً. وأكثر اللحظات غموضا فى حیاة كریستي كانت اختفاءها حیث لم یعرف أحد لها مكاناً. وقد عزا هذا 1926 عن الأنظار عام إلى تحطم زواجها. ولكن الحقیقة أن انهیارها العصبي في تلك الفترة كان راجعا إلى حیرتها إزاء هذا السؤال: من الأهم لصحتها العقلیة: زوجها أم أمها؟ وقد اشتهرت كریستي بروایاتها البولیسیة ولكنها كتبت أیــضــا - تـحـت اســـم قـلـمـي مـسـتـعـار هـــو مــــاري وســتــكــوت - ست روایات عن الحیاة العائلیة. وكانت هذه الروايات بمثابة دراسات نفسیة معقدة تستكشف العلاقات بین أفراد الأسرة الواحدة. إنــهــا نـــافـــذة نـطـل مـنـهـا عـلـى حــیــاة أغـــاثـــا الــداخــلــیــة وعـلـى تصورها للرابطة بین الأم والابنة. وكانت علاقة سیلفیا بلاث بأمها - كعلاقتها بزوجها تيد هیوز - علاقة عاصفة. وقـد انعكست هـذه العلاقة على قصائد بلاث وروایتها الوحیدة ویومیاتها. إن أشـهـر قـصـائـد بـــاث تـــدور حـــول أبـیـهـا. وفـــى قصیدتها المـسـمـاة «بــابــا» تـصـوره فـي صـــورة نـــازي وحـشـي. لكنها كتبت أیـضـا قـصـائـد عــن أمــهــا، مـثـل قـصـیـدة «مـــیـــدوزا»، وهــي قصيدة صادمة تبین كم كانت هذه العلاقة سامة غیر صحیة. إن كـــتـــاب راشــــیــــل تــــرثــــوي رحـــلـــة مــــــرور مــــن الاعـــتـــمـــاد إلـــى الاستقلال، ومحاولة الانفصال عن الأم لتكوین هویة مستقلة، وهو یطرح هذا السؤال: إلى أي حد یفترض بالآباء والأمهات أن یتدخلوا في حیاة الأبناء؟ وإلـى أي مدى یعرف كل طرف الآخر على حقیقته رغم الرابطة القویة ظاهریا بینهما؟ لكن يبقى أهم ما یبینه الكتاب هو أن الحبل السري الـذي یربطنا بأمهاتنا لا ینقطع قط، حتى بعد الموت. د. ماهر شفیق فرید كريم عبد السلام يبحث عن مسار جديد لقصيدة النثر «الوحوش دخلت البيت»... الشعر مواجها الفوضى والجنون فــــي ديــــوانــــه الـــجـــديـــد «الـــــوحـــــوش دخـلــت الـــبـــيـــت»، يـبـحـث الــشــاعــر المـــصـــري كـــريـــم عبد الـــــســـــام عـــــن مــــســــار جــــديــــد لـــقـــصـــيـــدة الـــنـــثـــر، يختلف عـن المـسـار الــذي سـار فيه أبـنـاء جيله مــن شــعــراء التسعينيات، الــذيــن استغرقتهم مـــقـــولات الــيــومــي والمـــعـــيـــش، والانـــغـــمـــاس في الــــــــذات وهـــمـــومـــهـــا الـــشـــخـــصـــيـــة، والالـــتـــصـــاق بالجسد، حتى صارت هذه الموضوعات أقرب إلى وصفة جاهزة لكتابة قصيدة النثر، التي تـأبـى بطبيعتها الانــحــبــاس فــي قـالـب ثـابـت، مـا أفـقـدهـا بحكم هــذا الـتـكـرار وهـــذه الوصفة كـثـيـرا مــن طـزاجـتـهـا وتــمــردهــا. كـمـا يخاصم كــريــم فـــي هـــذا الـــديـــوان وصــفــة ســـــوزان بـرنـار فـي كتابها الـــذي شــاع بـن أبـنـاء جيله أيضاً، حتى اتـخـذه معظمهم مرجعا جماليًا وحيدا لهذه القصيدة، خاصة فيما يتعلق بطروحات الناقدة الفرنسية عن الكثافة والمجانية. الـــديـــوان صــــادر عـــن دار «يـــســـطـــرون» في القاهرة، وهو الثاني في تجربة يطلق عليها الشاعر عنوان «بالادات»، و«البالاد» فن شعبي أوروبــي، يمزج بين الحكاية الشعبية والشعر والـــرقـــص والمــوســيــقــى، لـيـنـتـج الـــــ«بــــالاد» من جــمــاع هـــذه الــفــنــون. مــن هــنــا، يـتـكـئ الــديــوان فـي كـل قصائده تقريبا على أنـمـاط شتى من الفنون الشعبية، المحلية والعالمية، فضلا عن اتكائه على عوالم الأساطير والخرافة، وإفادته من التاريخ، كما يفيد كثيرا من تقنيات السرد، ومـن إمكانات فن السينما والسيناريو، وكذا الــفــنــون الـتـشـكـيـلـيـة، دامـــجـــا كـــل هـــذه الـــروافـــد فـي عجينة واحـــدة، هـي القصيدة، التي تأتي حاملة مدلولا سياسيًا أو فلسفيًا أو حضاريًا، ولــيــســت مـجـانـيـة أو ذاتـــيـــة، ولا تـنـكـفـئ على الـــجـــســـد، بــــل إنـــهـــا تــعــيــد الاعـــتـــبـــار لـلـقـضـايـا الكبرى، كما تعيد للشاعر - وكــذا قصيدته - مـكـانـتـه بـوصـفـه صــاحــب مــوقــف مــن الــوجــود والـــعـــالـــم والــــتــــاريــــخ، ولـــيـــس مـــحـــض مـشـاهـد عاجز، منكفئ على ذاتـه، ولا عدميًا غير مبال بـالـعـالـم مــن حــولــه. عــنــوان «الـــوحـــوش دخلت البيت»، بوصفه العتبة الأولية لقراءة الديوان، وهو في الوقت نفسه عنوان قصيدة رئيسية فـيـه، يـبـدو حــامــا المـفـاتـيـح الـدلالـيــة لقصائد المـــن، إذ تحيل مـفـردة «الــوحــوش» إلــى عوالم الـغـابـات والـقـتـل والــحــيــوانــات المـفـتـرسـة، تلك العوالم القديمة، حين كان الإنسان الأول يسكن الـــغـــابـــات والـــكـــهـــوف، حــيــث لا قـــوانـــن حـاكـمـة سوى قانون الغابة والقوة والتوحش. أمـــــا مــــفــــردة الـــبـــيـــت، فــتــحــيــل إلـــــى دلالات الحضارة والسكن والفردانية والهدوء، وبينهما يـأتـي الفعل «تــدخــل»، لكن الفعل هنا لا يشير إلــى الاسـتـضـافـة، بـل إلــى الاقـتـحـام والانـتـهـاك، فالوحوش الآتية من عوالم الغابة، تقتحم عالم الـبـيـت بـحـمـولاتـه الـحـضـاريـة، ورغـــم أن البيت يحافظ على سمته من حيث الشكل الخارجي، فــإنــه يـصـبـح مـسـكـونـا بـالـوحـشـيـة والافـــتـــراس وقوانينهما الغاشمة، المبنية على شريعة القوة والبطش والالتهام. هذه هي الحمولات الدلالية التي ينبئ بها عنوان الـديـوان، وتتأكد مع كل قـصـيـدة فــيــه، لـيـكـون بـمـثـابـة إدانــــة للحضارة الإنسانية الراهنة، التي تبدو برَّاقة من الخارج، لكنها في بنيتها العميقة لا تختلف كثيرا عن قوانين الغابة القديمة، التي لا تزال تسكن تحت جلد الإنسان المعاصر، وتدفعه للحرب والقنص والـقـتـل، مثل سلفه الإنـسـان الـبـدائـي، بـل ربما يبدو هـذا الأخـيـر أكثر وضـوحـا، فهو لا يدعي الحضارة والتمدن مثل إنسان العصر الراهن. يقول في هذه القصيدة: «الوحوش عادت من العمل ساعدت الأطفال في واجباتهم المدرسية وتناولت العشاء مع العائلة ثم جلست أمام التليفزيون. عشر دقائق عشرون جدران البيت وصلت إلى مشارف الغابة والنهر قسّم الصالة نصفين وبدأت التماسيح تطل برؤوسها على الضفتين في انتظار الفرائس العطشانة» يـــبـــدو دخــــــول الـــــوحـــــوش لــلــبــيــت دخـــــولا رهيفاً، لكنه أقــرب إلـى التسلل، ثم سرعان ما تتمدد الوحوش وعالمها داخـل البيت وعالمه، تــحــتــلــه، تــحــت ســمــع وبـــصـــر الــــــذات الــشــاعــرة التي تكتفي في البداية بموقف المـراقـب، لكنه فـي النهاية يجد عـالمـه قـد تغير تـمـامـا، حتى يكتسحه هو قانون الغاب، وتنتهي القصيدة وقــــد أصــبــحــت الـــبـــدائـــيـــة مـهـيـمـنـة عــلــى عـالـم البيت، وعلى الذات الشاعرة، التي تتحول هي الأخرى، ويعود إلى عوالم الكهف: «ها أنا نائم في مخبئي أحلم بالغد ورحيق أنثى الهومو، والليل يأتي بها مع سلة من الفاكهة ولحم الغزال والأسماك المــــــرأة تــخــمــش جــــــدران المـــخـــبـــأ، وتـــئـــن بـصـوت يخشى النجوم والوحوش الصيادة ذات العيون الصفراء المرأة في وكري إلى الأبد... وعلي أن أخرج للقتل وانتزاع الطعام» فـــي قــصــيــدة «الــــــزار مـــن أجــــل الــشــريــفــة... الــــهــــواء تــســلــل وقــــبّــــل الــــبــــاب المـــــقـــــدس»، يـفـيـد الـشـاعـر كـثـيـرا مــن تـقـنـيـات الـسـيـنـمـا، وحـركـة الكاميرا، وتصوير الأجـواء المحيطة بالحدث، فــتــبــدو الـــــذات الـــشـــاعـــرة مــثــل كــامــيــرا تـتـجـول وتسجل تفاصيل المكان والحالة، ثم سرعان ما تنتقل إلى سرد الحكاية، معتمدة على السرد البصري، وعلى موسيقى أقرب إلى موسيقى تــصــويــريــة، مـــع الإفـــــادة الــواضــحــة والــتــداخــل مـع فـن «الــــزار»، وهــو فـن شعبي يعتمد كثيرا على خرافة إخــراج الجن من الجسد، فيوظف إيــقــاعــات مـوسـيـقـى الــــــزار، ومـــا يــقــال فـيـه من تـوسُّــات بالصالحين لإخـــراج الجن العاشق، مــع تــنــاص واضــــح بــن حـكـايـة الـشـريـفـة التي حـمـلـت مـــن الــــهــــواء، دون أن يـمـسـسـهـا بـشـر، مــع حـكـايـة مـريـم الـــعـــذراء فــي الــتــراث الـديـنـي، ومـــع كثير مــن الـحـكـايـات المـمـاثـلـة فــي الحكي الشعبي، يقول: «الشباك كان مفتوحا على الصيف والشريفة تحلم والقمر بدر والنجوم شاهدة الهواء تسلل من الشباك، على صورة الغائب والشريفة تحلم قبل الباب المقدس والشريفة تحلم وتمادى.. والشريفة تحلم» ينشغل الديوان كثيرا بشعرنة الحكايات الشعبية والتاريخ، بل شعرنة مفاهيم مجردة، مثل الموت، الذي يؤنسنه، ويخاطبه ويجادله، في قصيدة «المراقبون.. والموت المحترم»، وكذا شعرنة الزمن، الـذي يصوره بشكل سوريالي سـاخـر فـي قصيدة «الــزمــن يـشـرب الـقـهـوة مع الـشـيـشـة»، فيجسده ويـؤنـسـنـه، لـكـن كإنسان كـــلـــي المـــعـــرفـــة، يــجــلــس عـــلـــى المـــقـــهـــى لـيـخـطـط لمسيرة ومستقبل البشرية في ألف عام مقبلة، مع كثير من الشعور بالملل، فما سيحدث في الألــفــيــة المـقـبـلـة لا يـخـتـلـف كــثــيــرا عـــن الألـفـيـة المــنــقــضــيــة، ربـــمـــا تـخـتـلـف الأطـــــــراف ويــتــبــدل الفاعلون، لكنها نفس المآسي والـفـواجـع، من انـــقـــابـــات وحــــــروب وصــــراعــــات مـسـلـحـة على الـسـلـطـة وأوبـــئـــة وأمــــــراض وزلازل وبـــراكـــن، فالبشرية تعيد إنتاج نفسها، وكلما تقدمت قــلــيــا تـنـتـكـس، وتـنـقـلـب عــلــى ذاتـــهـــا، لتعيد إنتاج عجلة الحضارة، التي تنطوي في عمقها عــلــى أســـبـــاب تـفـكـكـهـا وســقــوطــهــا، مـــع إعــــادة إنـتـاج الجنون ذاتـــه، والحماقة نفسها، يقول على لسان الزمن: «من أجل تحقيق التارجت لا بد من مختلين من أجل توريد عدد القتلى المطلوب لا بد من زعماء مجانين كهنة مجانين صيارفة مجانين كتبة مجانين خطوط إنتاج للمجانين الثورة الصناعية للجنون». وتتبدى شعرنة التاريخ في إعـادة إنتاج وتشكيل قصص تـراثـيـة شـهـيـرة، مثل صـراع قبيلتي «طسم» و«جديس»، وأبطالها: عفيرة، والــعــمــلــيــق، والأســــــود بـــن عـــفـــار. قــصــة الـظـلـم والإغـــــارة والـسـبـي، الـتـي تـبـدو بـعـيـدة للغاية زمـنـيـا وحــضــاريــا، لكنها تـعـاد فــي كــل لحظة في أماكن متفرقة من العالم الآن، لكن بأبطال مختلفين. كما ينزع الشاعر إلى إعادة شعرنة قصة «إيزادورا»، الفتاة المصرية رائعة الجمال، الـتـي عـاشـت فـي الـقـرن الـثـانـي قبل المـيـاد في عـصـر الإمــبــراطــور هـــادريـــان، وراحــــت ضحية حــبــهــا لــلــشــاب «حــــابــــي» أحــــد عـــامـــة الــشــعــب، وانتحرت بإلقاء نفسها في النيل، بعد رفض والـــدهـــا الـــثـــري حـبـهـا لأحـــد الـــعـــوام، وصـــارت نموذجا يعاد إنتاجه بشكل دائم في كثير من قصص الحب التي تنتهي نهايات مأساوية، بدافع من تقسيمات طبقية. عمر شهريار يلعب الديوان على رمزية الغابة، واقتحامها عالم البيت بحمولاته الحضارية، في دلالة على الوحشية والافتراس مثلما ًيحدث في عالمنا الراهن عرضا متنوعا 39 يسري حسان يقدم قراءات في النقد المسرحي بين التجهم الزائف ومتعة المشاهدة منذ اللحظة الأولـــى فـي كتابه «كـــام في المــســرح» الــصــادر عـن الهيئة المـصـريـة العامة لـــقـــصـــور الـــثـــقـــافـــة، ضـــمـــن ســلــســلــة «كـــتـــابـــات نقدية»، يحدد المؤلف يسري حسان بوضوح شديد أنه ضد التجهم الزائف، والمصطلحات العويصة التي يشهرها بعض النقاد في وجه القارئ باعتبارها دليلا على العمق. عملاً 39 وعبر فصول الكتاب التي تتناول مسرحيًا مصريًا، عُرضت في الفترة بين عامي ، تـحـضـر مـتـعـة الـنـقـد المـسـرحـي 2024 و 2023 عبر اللغة البسيطة التي تخاطب القارئ غير المــتــخــصــص، ولــكــنــهــا لا تـــتـــنـــازل عـــن الـــرؤيـــة المتعمقة، والقدرة البارعة على النفاذ إلى سر العمل، والغوص في جميع مفرداته. لا يــقــدم المـــخـــرج مـحـمـد زكــــي فـــي عـرضـه المــســرحــي «الأرتـــيـــســـت» ســيــرة ذاتــيـــة للفنانة الكوميدية الراحلة زينات صدقي، وأغلب الظن أن طـمـوح الــعــرض كـــان أبـعـد مــن ذلـــك بكثير، وما زينات صدقي هنا إلا وسيلة للتعبير عن كفاح الفنانة العربية في العموم، وتضحياتها من أجل فنها في وسط محافظ، كان إلى وقت قـريـب وربــمــا لا يـــزال ينظر إلـيـهـا باعتبارها خـــارجـــة عـلـى الأعــــــراف، ويــــرى فـــي اشـتـغـالـهـا بـالـفـن عــــاراً، وكـــم مــن عــائــات قـاطـعـت بناتها اللاتي عملن في الفن، وتبرأت منهن. كـــانـــت زيـــنـــات واحــــــدة مـــن هــــــؤلاء، ولـعـل اســتــعــادة سـيـرتـهـا هـنـا تــؤشــر إلـــى أن نـظـرة المـجـتـمـع لــلــمــرأة الـعـامـلـة بـالـفـن لا تــــزال لـدى بعضهم تـحـمـل تـلـك الـــرواســـب الـقـديـمـة التي تجعلهم متحفظين تجاهها، ساخرين من أن تلجأ لهذا العمل حتى وإن أبدوا إعجابهم به ظاهري ًا. إذن فالعرض في رسالته المضمرة يسعى إلى الانتصار للمرأة الفنانة، وبيان ما تعانيه مــن آلام نفسية، ومـــا تـدفـعـه مــن أثــمــان غالية نتيجة نظرة المجتمع إليها، ولذلك لم ينشغل بسرد السيرة الذاتية لزينات صدقي بقدر ما أجرى عملية انتقاء لبعض الملامح الدالة التي تؤكد على جمال الرسالة الفنية، وعمق الألم الذي يتحمله صاحبه في سبيل توصيلها. ويـلـفـت حـسـان إلـــى أنـــه مــن المــاحــظ -فـي مصر على الأقل- أنه لم يسبق لمخرج مسرحي الــلــجـــوء إلــــى الـــدمـــى فـــي مـعـالـجـتـه مـسـرحـيـة لرواية «البؤساء» الشهيرة للشاعر الفرنسي »، لكن 1885-1802« الـشـهـيـر فـيـكـتـور هــوغــو مـحـمـود جــراتــســي غــامــر وفـعـلـهـا، حـيـث قـدم الـعـمـل مــازجــا بــن الــدمــى والـعـنـصـر البشري بـشـكـل تـغـلـب عـلـيـه الــكــومــيــديــا الــــســــوداء في بــعــض المـــشـــاهـــد، تـــاركـــا خـلـفـه كـــل المـعـالـجـات السابقة لهذا النص، والتي جاءت في غالبها متشابهة حد التطابق. من يقرأ روايـة البؤساء التي تعد واحدة مـن أشـهـر روايـــات الـقـرن التاسع عشر -ســواء في ترجماتها الكاملة أو المختصرة-، ويطالع الجحيم البشري الذي يصوره هوغو، والمتمثل في الجهل، والبؤس، والقوانين التي لا تعرف المرونة، أو لا تضع الرحمة فوق العدل، فقد لا ترد إلى ذهنه فكرة تقديمها مسرحيًا بطابع تغلب عليه الكوميديا. ورغم أن العرض كسر أفق التوقع لدى كل من يعرف الرواية الشهيرة بطابعها المأساوي، فقد نجح المخرج في تقديم صياغته المشهدية بشكل جـيـد، ومتماسك، وحـافـظ على الـرؤيـة الكلية للنص الأصـلـي مـن دون أن ينزلق إلى الاســتــغــراق فــي الـكـومـيـديـا، أو يعممها على المــشــاهــد كـــافـــة، وهـــي عـلـى أي حـــال كـومـيـديـا سوداء تجلب الضحك والأسى في آن واحد. فـــي المـــقـــابـــل أثـــقـــل المـــخـــرج مـــــارك صـفـوت على نفسه كثيراً، إذ لـم يكتف بتقديم عرض مسرحي عـن إحــدى روايـــات الكاتب التشيكي فرانز كافكا المشهور بالطابع التشاؤمي المعقد لأعماله، ولكنه قدم عرضه «التحول» مأخوذا عـن نـص كتبه محمود محمد سيد مــزج فيه بين روايتي «المسخ» و«المحاكمة»، وبين حياة كافكا ذاته. ومـا زاد من صعوبة التجربة أن العرض قـدمـتـه «فــرقــة ثـقـافـة أبـــنـــوب» الـتـابـعـة لــــوزارة الثقافة، وأبنوب مدينة تتبع محافظة أسيوط فــي جـنـوب مـصـر، وتـكـمـن الـصـعـوبـة هـنـا في مــمــثــا ومــمــثــلــة هم 20 كـيـفـيـة الـــعـــثـــور عــلــى عـــــدد شــخــصــيــات الــــعــــرض يــنــهــضــون بــعــبء تجربة نوعية، ومركبة كهذه في عمق الأقاليم البعيدة، والنائية بجنوب البلاد. القاهرة: رشا أحمد

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky