الرئيس التنفيذي جمانا راشد الراشد CEO Jomana Rashid Alrashid نائب رئيس التحرير Managing Editors Editorial Consultant in KSA Aidroos Abdulaziz Camille Tawil Saud Al Rayes Deputy Editor-in-Chief مديرا التحرير مستشار التحرير في السعودية محمد هاني Mohamed Hani الأمير أحمد بن سلمان بن عبد العزيز عيدروس عبد العزيز كميل الطويل سعود الريس 1987 أسسها سنة 1978 أسسها سنة هشام ومحمد علي حافظ رئيس التحرير غسان شربل Editor-in-Chief Ghassan Charbel OPINION الرأي 13 Issue 17311 - العدد Tuesday - 2026/4/21 الثلاثاء الميليشيات... وتعطيل دور الدولة لم تعد الميليشيا في كثير من البلدان مجرد تـشـكـيـل مـسـلـح نــشــأ فـــي لـحـظـة اضــــطــــراب أمــنــي، بـل غـــدت، مـع الــزمــن، بنية نـفـوذ متكاملة: سـاح، ومــــال، وآيــديــولــوجــيــا، وشـبـكـات مـصـالـح، وقـــدرة على اختراق مؤسسات الدولة أو تطويعها، ومن هنا لا تـبـدو القضية أمنية فحسب، بـل سياسية واقتصادية وسيادية في آن واحد؛ لأن السلاح حين يقترن بالتمويل والغطاء الآيديولوجي والوظيفة الإقليمية، يتحوَّل إلـى مـشـروع حكم مـــوازٍ، لا إلى قوة طارئة تنتهي بانتهاء مبرراتها. لـقـد اســتــفــادت هـــذه الـتـشـكـيـات مــن سـنـوات الفوضى، ومن انهيار الثقة بين المواطن والدولة، ومــــــن الـــعـــجـــز المــــزمــــن فــــي بــــنــــاء اقــــتــــصــــاد مـنـتـج يــســتــوعــب الـــشـــبـــاب، فـــحـــن تـــتـــراجـــع الــصــنــاعــة، وتُــهـمَّــش الــزراعــة، ويضيق أفــق العمل الحقيقي، يصبح حمل السلاح، لدى بعض الفئات، وظيفة بـديـلـة تمنح الــراتــب والـهـويـة والـشـعـور بـالـقـوة، هكذا لا يعود الانـخـراط في الميليشيا تعبيرا عن قـنـاعـة عـقـائـديـة فــقــط، بـــل عـــن حــاجــة اجـتـمـاعـيـة أيـــضـــا؛ حـــاجـــة صـنـعـتـهـا دولـــــة ريــعــيــة ضـعـيـفـة، وعــمَّــقــتــهــا بــيــئــة ســيــاســيــة وجــــــدت فــــي الـتـعـبـئـة المذهبية والشعارات الكبرى وسيلة أسهل من بناء مؤسسات حديثة، وفرص إنتاج واستقرار. لكن الأخطر أن رعاة هذه الظاهرة، في العراق ولـــبـــنـــان والـــيـــمـــن، لــــم يــتــعــامــلــوا مــعــهــا بـوصـفـهـا تشكيلات قتالية مؤقتة، بـل بوصفها نـــواة لبناء دولـة عميقة مـوازيـة، دولـة تمسك بالمنافذ، وتؤثر في القرار، وتتغلغل في الإدارات، وتفرض منطقها على السياسة والاقتصاد، بينما تترك في الواجهة دولــــة رسـمـيـة هـشـة مــن حـكـومـة وبـــرلمـــان وقـضـاء، وعندما تبدو المؤسسات قائمة شكلاً، بينما تُدار فـعـلـيـا تــحــت ضــغــط الـــســـاح والـــــــولاء والــشــبــكــات المالية، فــإن الأزمـــة لا تعود أزمــة انـفـات أمـنـي، بل أزمة دولة مخترقة من الداخل. مـن هنا يمكن فهم الـهـوس بتكثير الفصائل وتـــوســـيـــع مــكــاتــبــهــا الاقـــتـــصـــاديـــة وتــــمــــدّدهــــا فـي المـنـافـذ والمــعــابــر والــعــقــود والــتــجــارة، فالميليشيا التي تحصل على شرعية الـسـاح، ثـم على غطاء الموازنة، ثم على حصتها من الاقتصاد المـوازي، لا تعود معنية بعودة الدولة كاملة الصلاحيات؛ لأن اكتمال الدولة يعني تقلص مجالها الحيوي، لذلك ازدهـــرت الإتـــاوات والجبايات والتهريب، وتحوَّل السلاح من ذريعة حماية إلى أداة نفوذ، بينما أُعيد إنتاج البطالة والتهميش بطريقة تجعل الميليشيا نفسها ملاذا لكثير من العاطلين عن العمل، برواتب غير منتِجة، وتكلفة وطنية باهظة. أما الشعارات المعلَنة، من الدفاع عن دولها أو حماية العقيدة أو مقاومة الإرهاب، فقد فقدت كثيرا مـن معناها حـن انتهى الخطر الـــذي استُخدِمت لمـواجـهـتـه، وبـقـيـت البنية المسلحة تـتَّــسـع بـــدل أن تنكمش، فالإرهاب الذي شُنَّت الحرب ضده تراجع بوصفه تـهـديـدا وجــوديــا منذ إعـــان النصر عليه ، لكن منطق التعبئة لـم يتراجع، 2017 فـي نهاية بل جرى توظيفه لتبرير بقاء السلاح خارج منطق الدولة، ثم لتوسيع دوره في الداخل، وتحويله إلى ورقـة ضغط على القرار الوطني، وإلـى أداة تدخل فــي مـلـفـات لا صـلـة لـهـا بـالـدفـاع عــن المـجـتـمـع، ولا بحماية السيادة. وفـي هـذا السياق تحديدا بـرز الــدور الأخطر: إن بـعـض هـــذه الـــقـــوى لـــم تـكـتـف بـتـعـطـيـل الــدولــة مــن الـــداخـــل، بــل أدت وظـيـفـة الأذرع الإيــرانــيــة في صـــراع إيــــران مــع الـــولايـــات المـتـحـدة، وهـنـا لــم يعد الــــعــــراق ســـاحـــة لــحــمــايــة نــفــســه، بـــل صــــار مـنـصـة لـتـبـادل الـرسـائـل والـضـغـط وتصفية الـحـسـابـات، فكلما احـتـدمـت المـواجـهـة بـن طـهـران وواشـنـطـن، تحرَّكت هـذه الأذرع وفـق إيقاع الصراع الإقليمي، لا وفق المصلحة العراقية، فتعرَّضت سيادة البلاد للاهتزاز، ودُفع العراق مرارا إلى حافة حرب لا ناقة له فيها ولا جمل، والمعنى السياسي لذلك أن السلاح لم يعد مرتبطا بقرار الدولة، بل بقرار يتجاوزها ويستخدم أرضـهـا ومؤسساتها ومـــواردهـــا، كما حصل في الهجمات العدوانية على المملكة العربية السعودية، وبقية دول الخليج. ولـــــم يـــكـــن إقـــلـــيـــم كــــردســــتــــان بـــعـــيـــدا عــــن هـــذا المسار، بل كان في أحيان كثيرة أحد أبـرز أهدافه، فالهجمات بـالـصـواريـخ والـطـائـرات المـسـيّــرة على بيوت المواطنين، والفنادق، وحقول النفط والغاز، 700 والمصافي، وقوات البيشمركة والتي تجاوزت طـائـرة انتحارية وصــــاروخ، لـم تكن مـجـرد أعمال عدائية متفرقة، بـل رسـائـل مركبة مـا زالــت تمثل، رغـــم أزمــاتــهــا، نـمـوذجـا أكــثــر اســتــقــرارا وانـفـتـاحـا وقابلية للحياة، ومــن هنا بــدا اسـتـهـداف الإقليم جزءا من محاولة معاقبة أي تجربة تكشف، بالفعل لا بالشعار، حجم الفشل الذي كرَّسته قوى السلاح في بقية مفاصل البلاد. ومـــا يـفـاقـم المـشـهـد أن هـــذه الـبـنـيـة لـــم تكتف بـالـتـمـدُّد الأمــنــي، بــل دخـلـت أيـضـا إلـــى السياسة، فـــصـــارت قــــــادرة عـلـى تـعـطـيـل تـشـكـيـل الـحـكـومـات أو الـتـأثـيـر فـيـهـا، وعــلــى حـمـايـة شـبـكـاتـهـا داخـــل الإدارة والاقـتـصـاد، وعلى فـرض مناخ عـام يجعل مساءلتها أمرا شديد التكلفة. خــاصــة الأمــــر أن المـيـلـيـشـيـات لا تـــزدهـــر في الفراغ فقط، بل في الدولة الضعيفة، وفي الاقتصاد المشلول، وفي الخطاب التعبوي، وفي الارتباطات الخارجية، ولـذلـك فــإن المعركة ليست ضـد فائض الـسـاح وحـــده، بـل ضـد المنظومة التي جعلت من السلاح اقتصاداً، ومن الاقتصاد ولاءً، ومن الولاء بديلا عن الدولة. لا بد إذن من حصر السلاح بيد المـؤسـسـات الـشـرعـيـة؛ لأن مـا حصل مـن تدمير لم يكن بسبب وجود الميليشيات وحده، بل نجاحها في إقناع كثيرين بأنَّها قَدَر لا يمكن تجاوزه، بينما هي، في الحقيقة، أحد أبرز أسباب الانهيار. كفاح محمود معركة العقل العربي ــ الإسلامي كــل شـــيء عـلـى هـــذه الأرض يـتـحـرك. الـزمـن قـوة قاهرة يعيش فيه الإنسان ويتعايش معه، يـخـتـرع ويـكـتـشـف ويـصـنـع ويــــــزرع. الـعـقـل هو الــقــوة الـسـحـريـة الـتـي تُــحــرك الـبـشـر، ويمكِّنهم من التعامل مع صيرورة الحياة المتغيرة. اليوم يــعــيــش عــلــى هــــذه الأرض ســبــعــة مـــلـــيـــارات من الـبـشـر، ينقسمون إلــى أغـنـيـاء وفــقــراء، وبينهم مـــئـــات المـــايـــن يـعـيـشـون بـــن الــفــئــتــن. أمـيـركـا الـشـمـالـيـة وأوروبــــــا وبــعــض الــبــلــدان الآسـيـويـة ارتقت إلى الفئة الأولى على سلم العقل وفعالية العلم. القارة الأفريقية الكبيرة، أرضـا وسكاناً، والغنية بكل أنــواع الخامات والغابات والمياه، ما زالـت تتخبط منذ سنين طويلة بين الحروب الأهـلـيـة والانــقــابــات الـعـسـكـريـة، الـتـي لا تغيب في بعض دولها. أميركا اللاتينية عاشت عقودا مـــن الاضــــطــــرابــــات، بـــن الانـــقـــابـــات الـعـسـكـريـة والمــتــاهــات الآيــديــولــوجــيــة، بــــدأت بـعـض دولـهـا تتحرك نحو حلقات الرشد. وقــفــة تــأمــل فــي الـخـريـطـة الإنـسـانـيـة الـيـوم تــؤكــد لـنـا أن عـقـل الإنـــســـان هـــو صــانــع الـــثـــروة، ومحرك النهوض والتقدم. بلدان كثيرة تختزن في باطن أرضها ثروات هائلة، لكن فوق ظهرها المـــايـــن الـــذيـــن يـــتـــضـــورون جـــوعـــا، ويـعـيـشـون حروبا أهلية، لا تخبو إلا لكي تنفجر بقوة أكبر ومساحة أوسع. بلاد الكونغو، بما تملكه من أنهار وغابات وخـامـات، تؤهلها لأن تكون الأغـنـى على سطح الأرض، لكنها تغرق في مستنقع عميق من الفقر والحروب التي تتوالد عبر العقود. اليابان بلاد تـتـكـون مــن جـــزر مـتـنـاثـرة كـأنـهـا جـلـد نــمــر، ولا تمتلك ثروة هائلة من الخامات، تقف على رأس قائمة الدول التي تُبدع وتصنع وتتمتع برفاهية عالية. العقل هـو الـرافـعـة إلــى درجـــات النهوض وتحقيق فرحة الحياة، والعلم هو الوقود الذي يدفع محرك التقدم. «العقل العربي» ظل لسنوات طويلة عنوانا حـــاضـــرا فـــي مــنــابــر الــنــقــاش وصــفــحــات الـكـتـب، الــتــي يـسـطـرهـا المــفــكــرون والأســــاتــــذة فـــي الـبـاد العربية. النخب بكل أطيافها فـي دائـــرة الحكم، وفي حلقات النشاط الثقافي والتعليم، يتابعون مـا يشهده الـعـالـم مـن أحــــداث، ومــا تنجزه الأمـم من تقدم تقني وعلمي وتفاعل سياسي، في حين تتخبط بلدانهم في وهاد لا قرار لها. السؤال الحاضر دائماً، ولا يزال، لماذا نتأخر ويـتـقـدم آخــــرون؟ فـي الـعـقـود الأخــيــرة مـن القرن المـاضـي عكف أكثر مـن مفكر عربي على دراســة مـوضـوع العقل الـعـربـي. السمة الغالبة فـي كل تلك المقاربات كانت الغوص، فيما راكمه الموروث الضخم من الزمن الماضي. يحللون ويدرسون ما كتبه بعض الفقهاء الأولين والمؤرخين وما أبدعه الشعراء في رحلة الزمن المديد. الأســتــاذ الـدكـتـور محمد عـابـد الـجـابـري أعــــطــــى ســــنــــوات طـــويـــلـــة مــــن عــــمــــره لــــدراســــة العقل العربي. الجابري أسس نتاج اجتهاده عـلـى ثـاثـة مــرتــكــزات؛ الأول بـعـنـوان الـبـيـان، الــذي يقوم على اللغة والنصوص في القرآن والــحــديــث والــشــعــر، والــثــانــي: الــعــرفــان الــذي يــــقــــوم عـــلـــى الـــتـــصـــوف والـــفـــكـــر الـــغـــنـــوصـــي، والـــثـــالـــث: الـــبـــرهـــان الـــــذي يـــقـــوم عــلــى الـعـقـل والمــنــطــق والــفــلــســفــة. مـــشـــروع الـــجـــابـــري كــان مـشـروعـا كـبـيـراً، قــــدّم فـيـه إضــافــة فـكـريـة إلـى الــدارســن والمـفـكـريـن. دفــع هــذا المـشـروع المهم حشدا من المفكرين والأساتذة العرب لتناوله بالدراسة والتحليل. كان أبرزهم المفكر الكبير جورج طرابيشي. قضى طرابيشي في دراسة ما كتبه الجابري سنوات أطـول من تلك التي أمضاها الجابري في إنجاز مشروعه الكبير. انتقد طرابيشي منهج الجابري الــذي تبناه فـي دراســتــه، ورآه منهجا انتقائياً، ووصفه بأنه قـــراءة آيديولوجية للتاريخ. طرابيشي رفــــض مـــا ذهــــب إلــيــه الـــجـــابـــري بـــوجـــود عقل عربي واحد ثابت، فالعقل في رأي طرابيشي ليس جـوهـرا ثابتاً، بـل هـو متغير ومتطور، يتفاعل مع ما يقدمه العلم والروافد الفكرية، والوسائل التعليمية والإعلامية. الـــدكـــتـــور مــحــمــد أركــــــون أيـــضـــا نــقــد الـعـقـل مـــن مـنـظـور ديــنــي فـــي كـتـابـه «نــحــو نـقـد العقل الإســـامـــي». تـبـنـى منهجية مـعـرفـيـة أكـاديـمـيـة مغايرة، ودعـا إلى المراجعة وإدخــال مـادة النقد الديني فـي مناهج التعليم وإنــقــاذه مـن هيمنة الأصوليين. ويـبـقـى الــســؤال الكبير هـــو: هــل هـنـاك عقل عــربــي واحــــد فـــي المـــاضـــي والـــحـــاضـــر؟ وهـــل مَــن تنتجه النخب مـن إضـافـات فكرية وإبـداعـيـة له تـأثـيـر عـلـى كــل فــئــات الـشـعـوب الـعـربـيـة فــي كل الأقطار؟ العقل حقل بـذوره العلم، وسماده التفكير، ومــــاؤه الـحـريـة، وسـنـابـلـه وأشـــجـــاره الـتـقـدم. لا يمكن للعقل أن يبلغ أشُدَّه إذا كان يتحرك تحت سقف منخفض يلامس الرؤوس. هــــنــــاك ســـيـــل مـــــن الـــفـــكـــر الــــديــــنــــي أنــتــجــتــه طموحات وصراعات وعادات طواها الزمن، لكن ما زال يفعل فعله بقوة في أوسـاط العامة، وكل مـن يـحـاول الاقــتــراب منه تطوله ضـربـات التهم العنيفة. التطرف الدموي العنيف الذي تمارسه مــجــمــوعــات بـــاســـم الـــديـــن يـــؤكـــد غـــيـــاب فـاعـلـيـة العقل العربي الإسـامـي. هيمنة صـوت التشدد والتطرف، في بعض مناهج التعليم وفي وسائل الإعـــام، تقدم المــدد لأرتـــال مـن التخلف والـدمـار والدم. تعبئة قوة العقل هي وحدها القادرة على هزيمة جحافل التخلف والتطرف والعنف. عبد الرحمن شلقم
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky