OPINION الرأي 12 Issue 17510 - العدد Friday - 2026/11/6 الجمعة وكيل التوزيع وكيل الاشتراكات الوكيل الإعلاني المكـــــــاتــب المقر الرئيسي 10th Floor Building7 Chiswick Business Park 566 Chiswick High Road London W4 5YG United Kingdom Tel: +4420 78318181 Fax: +4420 78312310 www.aawsat.com [email protected] المركز الرئيسي: ٢٢٣٠٤ : ص.ب ١١٤٩٥ الرياض +9661121128000 : هاتف +966114429555 : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: www.arabmediaco.com هاتف مجاني: 800-2440076 المركز الرئيسي: ٦٢١١٦ : ص.ب ١١٥٨٥ الرياض +966112128000 : هاتف +9661٢١٢١٧٧٤ : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: saudi-disribution.com وكيل التوزيع فى الإمارات: شركة الامارات للطباعة والنشر الريـــــاض Riyadh +9661 12128000 +9661 14401440 الكويت Kuwait +965 2997799 +965 2997800 الرباط Rabat +212 37262616 +212 37260300 جدة Jeddah +9661 26511333 +9661 26576159 دبي Dubai +9714 3916500 +9714 3918353 واشنطن Washington DC +1 2026628825 +1 2026628823 المدينة المنورة Madina +9664 8340271 +9664 8396618 القاهرة Cairo +202 37492996 +202 37492884 بيروت Beirut +9611 549002 +9611 549001 الدمام Dammam +96613 8353838 +96613 8354918 الخرطوم Khartoum +2491 83778301 +2491 83785987 عمــــان Amman +9626 5539409 +9626 5537103 صحيفة العرب الأولى تشكر أصحاب الدعوات الصحافية الموجهة إليها وتعلمهم بأنها وحدها المسؤولة عن تغطية تكاليف الرحلة كاملة لمحرريها وكتابها ومراسليها ومصوريها، راجية منهم عدم تقديم أي هدايا لهم، فخير هدية هي تزويد فريقها الصحافي بالمعلومات الوافية لتأدية مهمته بأمانة وموضوعية. Advertising: Saudi Research and Media Group KSA +966 11 2940500 UAE +971 4 3916500 Email: [email protected] srmg.com تــمــر لـيـبـيـا الآن بـــأزمـــات كــبــيــرة. وتــوقــفــت فـيـهـا كل سبل التنمية منذ عقد ونـصـف الـعـقـد. وأصـبـحـت مرتعا لــلــتــدخلات الأجــنــبــيــة، فـيـمـا المـيـلـيـشـيـات المـسـلـحـة تخنق الليبيين وتمنع إقامة الدولة الوطنية. هذا يحدث في غرب البلاد حيث العاصمة غدت رهينة لهذه الميليشيات وتحت سيطرتها. والواقع أن المنطقة الشرقية وكثيرا من جنوب الــبلاد يعيشان حالة استقرار ونمو وتنمية وسلام، ولو كانت تدريجية. من هذا المنظور نرى حالة الاستقرار في المنطقة الشرقية؛ لملاصقتها مـصـر، ونـظـرا للتعاون بين الجيش الوطني الليبي والجيش المصري. الـــــدور المـــصـــري كــــان ولا يــــزال داعـــــما للاســـتـــقـــرار في ليبيا، وداعما للسيادة الليبية على سائر ترابها الوطني بعد المحنة التي تعرضت لها بعد سقوط الـدولـة الليبية 2011 وانتشار الفوضى بعد أحــداث فبراير (شـبـاط) عـام ومــــا أعـقـبـهـا مـــن فــوضــى وانـــتـــشـــار لـــلـــسلاح والــجــمــاعــات الإرهـابـيـة عـابـرة الـحـدود، قبل أن ينهض الجيش الليبي ويستعيد المــبــادرة والـسـيـطـرة، وكـــان ذلــك بـدعـم مصري، مما يؤكد وحـدة المصير والأمــن والاستقرار بين البلدين، فـاسـتـقـرار ليبيا ينعكس إيــجــابا عـلـى الأمـــن الـقـومـي في مـصـر، كـمـا أن اسـتـقـرار ليبيا عـلـى المـسـتـويين السياسي والأمني يعد جزءا من استقرار مصر. وفي الحرب على الإرهاب كانت هناك شراكة عسكرية بين ليبيا ومصر لملاحقة الإرهابيين، وهذه الشراكة يكفلها القانون الدولي، وكانت بالتنسيق بين الطرفين. لقد دعمت مصر، وتدعم دائـماً، مسار الحل الليبي - الليبي، والسياسة المصرية الخارجية كان فيها دائما جزء من مـحـاولات ومقترحات الحل في ليبيا، بل كانت تؤكد أهمية وضرورة الملكية الوطنية الليبية لأي مسار سياسي وحوار وطني ليبي - ليبي. ُّّــك مـصـر بـالـحـل الـسـيـاسـي فــي ليبيا عـلـى مبدأ تـمـس البحث عن تسوية سياسية للصراع، كان ثابتا طيلة الأزمة الليبية الـداخـلـيـة، وكــانــت مـصـر عـلـى مـسـافـة واحــــدة من الأطـراف السياسية باستثناء الأطـراف التي تتبنى النهج الإرهابي مثل تلك المرتبطة بجماعة «الإخــوان المسلمين»، خاصة الفرع الليبي الذي يعد أشد خطورة؛ كونه مسلحا ويتبن ََّى أفراد منه المنهج القطبي التكفيري. تـــعـــود الــــعلاقــــات الــتــاريــخــيــة بين مــصــر ولـيـبـيـا إلــى آلاف الــســنين، كـمـا أنـهـا ليست ولــيــدة مـوقـف سـيـاسـي أو نـظـام حـكـم، بـل هـي ضـاربـة فـي جـــذور الـتـاريـخ؛ مـن نسب ومصاهرة وتنقل بين القبائل الليبية والمصرية وتداخلها وتـشـابـك علاقــاتــهــا، الأمــــور الــتــي جـعـلـت مــن الـــعلاقـــة بين القُُطرين من أفضل العلاقات الحدودية في المنطقة؛ لكون الشعبين امتدادا طبيعيا لبعضهما. فــــالــــعلاقــــات الأخــــويــــة المـــصـــريـــة - الــلــيــبــيــة لــــم تـتـأثـر ، حيث لم تمنع 1916 بجغرافيا «سايكس بيكو» في عـام الطرفين من تنقل السكان والقبائل بين البلدين، بل ازدادت بينهما نسب المصاهرة والــتــزاوج، الأمــر الــذي يعتبر من أعلى معدلات المصاهرة في العالم؛ لأن الشعبين يتعاملان مع بعضهما من خلال الامتداد الأخوي والقبلي، وليس من خلال المنظور السياسي. وحتى في زمن توتر العلاقات بين السادات والقذافي، لم تنقطع العلاقات الشعبية والترحال والتنقل والمصاهرة بين الشعبين، مما يؤكد قـوة ومتانة الـعلاقـة التي لا يمكن أن تكدرها أو تزعزعها أي خلافـات في المواقف السياسية، حتى وإن وجدت فهي تعالََج ضمن إطارها السياسي وتنتهي بتوافق بين الطرفين. وكانت مصر من أوائـل الـدول التي تعاملت مع ليبيا رسـمـيا بعد اسـتـقلالـهـا فـي أوائـــل الخمسينات مـن القرن العشرين، ولا ننسى أن ليبيا ساعدت وشاركت مصر في بمساعدات كبيرة. 1973 ) حرب أكتوبر (تشرين الأول حتى في زمن المملكة الليبية، لم يسمح الملك إدريس، رحمه الله، خلال العدوان الثلاثي على مصر، باستخدام الـقـواعـد البريطانية والأمـيـركـيـة فـي ليبيا لـضـرب مصر، وهــــذا بــاعــتــراف الــرئــيــس جــمــال عـبـد الــنــاصــر، فليبيا لم تــســتــخــدم أراضـــيـــهـــا لـــضـــرب مـــصـــر، مــمــا شــكــل حـــالـــة من التقارب والثقة في حسن الجوار بين البلدين. مـصـر تعتبر ليبيا عــمــقا اسـتـراتـيـجـيا لــهــا، يرتبط بالأمن القومي المصري؛ إذ إن الأمـن والاستقرار في ليبيا يـنـعـكـسـان عــلــى مـــصـــر؛ وذلـــــك لـــوجـــود الـــحـــدود الـطـويـلـة والمشتركة الممتدة بين البلدين، كما أن القبائل المصرية والليبية المنتشرة في كلا البلدين، لا يمكن نزع أي طرف منهما عن الآخر؛ لأن نصف بعض القبائل في هذا الطرف والـنـصـف الآخـــر فــي الــطــرف الآخــــر، حـيـث إن الـقـبـائـل بين الـبـلـديـن فصلتها حــــدود «ســايــكــس بــيــكــو»، وهـــي قبائل تعدادها بالملايين تتشارك البلدين موطنا لها، وبالتالي لا يمكن نزع مصر عن ليبيا، ولا يمكن نزع ليبيا عن مصر، ولا تنجح أي محاولات للفتنة أو الشقاق بين بلدين يتلاقى شعباهما في أصل قبلي واحد. مصر وليبيا ربطهما تاريخ طويل من حسن الجوار. والتبادل الاقتصادي والتجاري الكبير، ووجــود العمالة الـــوافـــدة إلـــى لـيـبـيـا مـــن المـــصـــريين، يُُـــعـــد ََّان دلـــــيلا واضـــحا على عمق الــعلاقــات الطيبة بين البلدين. وهـنـاك علاقــات متشابكة وتــاريــخ طـويـل يمتد لآلاف الــســنين، وبالتالي فلن تؤثر فيها أي اختلافات في وجهات النظر السياسية حول ترسيم الحدود البحرية، وسوف يتجاوز البلدان أي اختلافات ويحققان التوافق المستمر بينهما. فـــي مـنـتـصـف الـــقـــرن الماضــــــي وبـــعـــد الـــحـــرب الـعـالمـيـة الـثـانـيـة وحــصــول الــــدول الـعـربـيـة تــبــاعا عـلـى اسـتـقلالـهـا، تميزت النخب السياسية الحاكمة آنـــذاك بحماسة البناء ورسم خريطة طريق للتنمية. وأهم ما يمكن رصده بالنسبة إلـى تلك الحقبة التاريخية أن عمليات التنمية لم تخضع جميعها للمقاربات نفسها ولا كانت بالوتيرة نفسها. لذلك؛ فـإن التجارب التنموية في البلدان العربية ليست واحــدة. ويــبــدو لـنـا أن الــــدول الـتـي وُُفِِّــقــت فــي بــدايــات مشروعاتها التنموية هي التي اختارت الرهان على الرأسمال البشري، وتطلّّب منها ذلك حزمة من التشريعات الاجتماعية الفردية الأساسية حتى يُُهيََّأ «الفضاء الثقافي والاجتماعي»، عبر غـــرس أنـظـمـة رمــزيــة قــــادرة عـلـى إعــــادة تشكيل الــرأســمــال البشري على النحو الذي يُُمكّّنه من صنع التقدم؛ ولو كان ذلك عبر أجيال. ربـمـا كـانـت زمـنـيـة التنمية نفسها حينها عـلـى نمط الزمنية الاجتماعية والسياسية والثقافية. أما اليوم، فإن تحديد الـوتـيـرة لـم يعد شـــأنا خـــاصا بمجتمع مـا أو دولــة معينة. هناك زمنية فوقية مهيمنة على الجميع ومفروضة عليهم. لذلك؛ فإن فكرتنا هي أن التقدم بات مسألة إجبارية كإجبارية التعليم وإجبارية عدم الاعتداء على حقوق الغير. وهـو إجباري - أي التقدم - لأنـه بـات مرتبطا بالوجود في العالم، ولم يعد بالإمكان الاكتفاء بالاستهلاك والفرجة من دون أن نكون من المشاركين في صنع هذا التقدم الذي لا يكف عن التقدم. لقد أملت ثورة تكنولوجيا الاتصال اليوم شروط ََها من أجل ضمان الوجود، وهي ثورة ليست صبورا كما هي حال ،18 الثورة الصناعية، ومن بعدها الثورة الفكرية في القرن الـ وصـولا إلى الثورة الفرنسية. لم يعد مفهوم التقدم مجرد رفاهية؛ بل أصبح، أكبر من أي وقـت مضى، قضية وجـود واستمرار للشعوب. وإذا كانت النظريات النقدية الحديثة، لا ســيــمــا أطــــروحــــات مـــدرســـتََـــي «فـــرنـــكـــفـــورت» و«مـــــا بعد الحداثة»، قد فََكّّكت آيديولوجيا التقدم الغربي وحذرت من تحول التطور التقني أداة للهيمنة واغتراب الإنسان وتدمير البيئة، فإن هذا التحذير فات أوانـه اليوم؛ لأن المحظور قد وقـع، ولا بد من مقاربات فعل ومشارََكة، لا مقاربات تأقلم سطحي من بوابة الاستهلاك السلبي كما هو واقـع حالياً. نحن هنا في قلب مشكلة عويصة؛ هي معضلة الفهم العربي الراهن للتقدم، الذي لا يزال يُُختزََل في بعده المادي. هـــــذا الــتــشــظــي بين الإقـــــبـــــال الــــجــــارف عـــلـــى اســـتـــهلاك منتجات الثورة الرقمية، والتمسك في الوقت نفسه بتنشئة فكرية تقليدية تنتصر للمؤسسات على حساب الفرد، يُُنتج تقدما شكلانيا لا يُُعالج الفجوة الحضارية، التي تنبّّأ بها ونــقََــدََهــا رواد الـفـكـر الـعـربـي المـعـاصـر، حـيـث أكـــد عـبـد الله العروي حتمية تبني ما يسميها «التاريخانية الحداثية» بــوصــفــهــا «مـــنـــظـــومـــة شـــامـــلـــة»، بــيــنــمــا ركـــــز مــحــمــد عــابــد الجابري على تفكيك بنية التراث لإحياء العقلانية القائمة على الاستدلال، ودعا التونسي هشام جعيط إلى استيعاب جوهر التحرر الفكري العميق للنسق الثقافي الأوروبـــي. وكما نلحظ، فإن النخب الفكرية العربية كانت واعية بحالة التشظي فـي علاقـــة الـعـرب بالتقدم وبكيفية فهمه، أي إن الغالب على هذه العلاقة الطابع الاستهلاكي، وهو ما يطعن في هذا الفهم. إن «الأبـعـاد الغائبة» أو «شبه الغائبة» لم نتمكن من تذليلها؛ وإن كـانـت هـنـاك بــدايــات محتشمة. لــذلــك؛ فإننا بحاجة إلى خطة جريئة تقطع مع معو ّّقات التقدم، المتمثلة فـي بيداغوجيا الـتـلـقين، وتغييب العقل الـنـقـدي، واعتماد اقتصاد الـريـع، وتـواضـع المــســارات الحرياتية والحقوقية التي تؤثر على الإبـــداع وتوظيف قــدرة العقل العربي على التميز؛ وهو من الأسباب الدافعة للأدمغة العربية، بما فيها الشابة، إلى الهجرة نحو الخارج. ورغم كل هذه الثغرات، فإن التحول العالمي الجارف منذ سنوات نحو «اقتصاد المعرفة» و«الذكاء الاصطناعي» ي ََفتح أمــام المجتمعات العربية فرصة مهمة للتدارك الحضاري، ولإحـــداث نقلة نوعية فـي مـجـال الـتـقـدم... ذلــك أن اقتصاد المعرفة جعل من البيانات مصدر خلق الثروة الجديدََ، ومن الابتكار الخوارزمي أداة الهيمنة. أي إن التقدم آلية دفاعية إجبارية للمشاركة الفعلية في هذا الاقتصاد الذي يقوم على التفوق المعرفي بالأساس. وفــي الحقيقة؛ مـا يـعـزز فـكـرة وجـــود فـرصـة تاريخية الـــــيـــــوم لـــتـــعـــزيـــز الـــصـــلـــة بـــمـــاهـــيـــة الــــتــــقــــدم وشــــــروطــــــه؛ أن مجتمعاتنا تمتلك قـــوة ديـمـوغـرافـيـة فــريــدة، تتجسد في كتلة شبابية هائلة هـي الـكـبـرى مـقـارنـة بـــدول طاعنة في التقدم لكنها تعاني من الت ََّه ََر ُُّم السكاني... ولا تقتصر هذه القوة على الكم الديموغرافي الشبابي؛ بل إن العالم المتقدم نفس ََه بــات يـسـتـورد خـيـرة شبابنا، وهــو يعي جـيـدا ذكـاء الـكـفـاءات العربية العلمية المهاجرة فـي ميادين الهندسة، والـطـب، والعلوم الدقيقة والرياضيات، وهـي العقول التي تُُثبت جدارتها يوميا في أرقى مراكز الأبحاث والمستشفيات والشركات التكنولوجية العالمية. بـيـت الـقـصـيـد: لــم يََــع ُُــد بــالإمــكــان مـواصـلـة تـبـنـي فهم مـبـتـور لـلـتـقـدم، خــصــوصا أن «اقـتـصـاد المـعـرفـة» المــولــع به شبابنا قد بات من أهم موارد التقدم والمنافسة، وهو فرصة كي نشارك العالم المعرفة ونبتعد عن دور المتفرج المستهلك. كــــانــــت المـــكـــالمـــة للاطـــمـــئـــنـــان عـلـى صـــحـــة أحــــــد أقـــــربـــــائـــــه، وهــــــو صـــديـــق قــــديــــم وواحــــــــد مــــن وجــــهــــاء مـنـطـقـتـه، وفاعل اجتماعي يحظى بسمعة طيبة واحترام كبير، كما أنه نازح حالي منذ حرب الإسناد الأولـى، فقد كل ما يملك كــغــيــره مـــن ســـكـــان الـــقـــرى الـــحـــدوديـــة، وتُُقلقه حرب إسناد ثالثة قد لا تقضي على آمــال الجنوبيين بالعودة أحياء، بل حتى أمواتاً. فـــي وصــــف حـــالـــتـــه، يـــفـــرض عليه مـوقـعـه الاجـتـمـاعـي الاهــتــمــام بـشـؤون الــــنــــزوح وشـــجـــونـــه، والمـــصـــاعـــب الـتـي تلاحق أهل الجنوب اللبناني النازحين، وآخرها تأمين المقابر للمتوفين منهم. فما طرحه أو طلبه صديقي كان مبادرة لاستحصال قطعة أرض مـن مشاعات الدولة اللبنانية، وتحويلها إلى مقبرة لأبناء بلدات جنوبية تعرضت لإبـادة عمرانية كاملة، وتقع ضمن ما يُُعرف بــالــخــط الأصـــفـــر، حــيــث تــبــدو الــعــودة إلـيـهـا مستبعدة فــي المــــدى الـقـريـب أو المــتــوســط؛ حـيـث لــم يـعـد الأمــــر يتعلق بـمـقـبـرة بــديــلــة فــحــســب، بـــل بــضــرورة إيـــجـــاد مـــكـــان يــلــيــق بــمــوتــى الـــنـــزوح، بعدما تعذرت عودتهم إلى ترابهم. فـــي الـتـغـريـبـة الـجـنـوبـيـة، يعاني النازحون الأحياء صعوبة التأقلم مع أماكنهم المؤقتة، أما النازحون الموتى فباتوا جثامين تُُدفن كودائع في مقابر مؤقتة، بانتظار عودتها إلــى تربتهم الأولـــــــــــى. فـــــالمـــــوت يــــبــــدو أكــــثــــر قـــســـوة وغربة؛ لأنه إذا مات نازح، ففي أي ثرى سوف يوارونه؟ كــــــأن الــــجــــنــــوبــــيين يــســتــنــســخــون الـتـغـريـبـة الفلسطينية بـكـل فصولها مــــنــــذ حـــــــــروب الإبــــــــــــادة الإســــرائــــيــــلــــيــــة المــســتــمــرة عـلـيـهـمـا: مـــن نـــــزوح مـؤقـت إلى لجوء دائـم، من الكفاح المسلح إلى حروب الإسناد، من الخيام إلى البيوت الجاهزة، من مدافن الشهداء إلى مقابر الــــغــــربــــاء، مــــن الـــبـــحـــث عــــن مــــــأوى إلـــى شروط الدفن. فأكثر ما يواجه اللاجئين الفلسطينيين في لبنان قضية المدافن والحصول على قطعة أرض، وهــذا ما يعاني منه النازحون الجنوبيون الآن بكل تفاصيله. فــــــــــي الـــــــتـــــــعـــــــاقـــــــب أو الـــــــتـــــــزامـــــــن الفلسطيني - الـلـبـنـانـي خلال حــروب التطهير العرقي الإسرائيلية الممتدة، رأى الـــراحـــل الـكـبـيـر مـحـمـود درويـــش أن القبر مـــرآة للهوية والــتــاريــخ. وفي قصيدته «رأيت الوداع الأخير»، يطرح ســــؤالا بـالـغ الـقـسـوة، يــقــول: «ولكنني لا أرى القبر بعد. ألا قبر لـي بعد هذا الـــتـــعـــب؟». هـــو الــتــعــب الـفـلـسـطـيـنـي - اللبناني، وهو سؤال أهل الجنوب الذي طرحه درويش قبل عقود: هل أصبحنا ودائع في قبور مؤقتة بعد هذا التعب؟ فما لم يدركه أولئك المقامرون بالأحياء والأموات من أهل الجنوب أن أخطر ما في النزوح ليس أن يُُقتلع الإنسان من بيته، بل أن يُُقطع عن المكان الذي يربط حـيـاتـه بـحـيـاة أسلافـــــه، ويـمـنـح مـوتـه معنى الانتماء. فالمقبرة هنا لم تعد مجرد مساحة لاحـــتـــضـــان الــجــســد أو شـــاهـــد يـوضـع فـــوق قــبــر، بــل لـحـظـة اكــتــمــال الانـتـمـاء إلــــى بــقــعــة مـــن الأرض، مـــن المـــهـــد إلــى الــــلــــحــــد. فـــيـــهـــا الـــــوصـــــل بين الـــــذاكـــــرة الجماعية للعائلة وأجيالها المتعاقبة، وبين سـيـرة الأحـــيـــاء وحــكــايــات الـذيـن سبقوهم. فـالإنـسـان لا يــرث أرضــه من الأحـيـاء وحـدهـم، بـل مـن المـوتـى الذين يرقدون فيها، ويتركها بدوره أمانة لمن سيأتي بعده. وعــــلــــيــــه، بـــالـــنـــســـبـــة إلــــيــــنــــا نــحــن الأحياء على حافة الحرب أو النازحين عــلــى حـــافـــة المـــــوت، يـصـبـح الــقــبــر آخــر حــلــقــة فــــي ســلــســلــة الـــنـــســـب والــــذاكــــرة والانتماء إلى المكان. إجبارية التقدم والفرص المتاحة مصر وليبيا... أخو ََّة ضاربة في التاريخ منفيون تحت التراب مصطفى فحص أكثر ما يواجهه اللاجئون الفلسطينيون في لبنان هو قضية المدافن التي يعاني منها أيضا نازحو جنوب لبنان آمال موسى جبريل العبيدي
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky