issue17504

OPINION الرأي 14 Issue 17504 - العدد Saturday - 2026/10/31 السبت وكيل التوزيع وكيل الاشتراكات الوكيل الإعلاني المكـــــــاتــب المقر الرئيسي 10th Floor Building7 Chiswick Business Park 566 Chiswick High Road London W4 5YG United Kingdom Tel: +4420 78318181 Fax: +4420 78312310 www.aawsat.com [email protected] المركز الرئيسي: ٢٢٣٠٤ : ص.ب ١١٤٩٥ الرياض +9661121128000 : هاتف +966114429555 : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: www.arabmediaco.com هاتف مجاني: 800-2440076 المركز الرئيسي: ٦٢١١٦ : ص.ب ١١٥٨٥ الرياض +966112128000 : هاتف +9661٢١٢١٧٧٤ : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: saudi-disribution.com وكيل التوزيع فى الإمارات: شركة الامارات للطباعة والنشر الريـــــاض Riyadh +9661 12128000 +9661 14401440 الكويت Kuwait +965 2997799 +965 2997800 الرباط Rabat +212 37262616 +212 37260300 جدة Jeddah +9661 26511333 +9661 26576159 دبي Dubai +9714 3916500 +9714 3918353 واشنطن Washington DC +1 2026628825 +1 2026628823 المدينة المنورة Madina +9664 8340271 +9664 8396618 القاهرة Cairo +202 37492996 +202 37492884 بيروت Beirut +9611 549002 +9611 549001 الدمام Dammam +96613 8353838 +96613 8354918 الخرطوم Khartoum +2491 83778301 +2491 83785987 عمــــان Amman +9626 5539409 +9626 5537103 صحيفة العرب الأولى تشكر أصحاب الدعوات الصحافية الموجهة إليها وتعلمهم بأنها وحدها المسؤولة عن تغطية تكاليف الرحلة كاملة لمحرريها وكتابها ومراسليها ومصوريها، راجية منهم عدم تقديم أي هدايا لهم، فخير هدية هي تزويد فريقها الصحافي بالمعلومات الوافية لتأدية مهمته بأمانة وموضوعية. Advertising: Saudi Research and Media Group KSA +966 11 2940500 UAE +971 4 3916500 Email: [email protected] srmg.com ذات مرة وصف الفيلسوف الألماني الأشهر إيمانويل )، «كـرامـة الإنــســان»، فوصفها بأنََّها 1804-1724( كانط فوق التصنيف. الذين لهم دالة معمقة على فلسفة كانط، يعلمون علم اليقين أنه كان ينظر لقيمة الإنسان في ذاته، وليس كمجرد وسيلة لتحقيق مصالح الآخرين. من هنا يمكن بناء حجة قوية ضد صيغة العنصرية المعاصرة، التي تعود اليوم من الشباك، بعد أن تم طردها خلال عـصـور التنوير مـن الأبــــواب، إذ لا يـجـوز اخـتـزال قيمة الإنــســان فـي لــون بشرته أو جـــذور نـشـأتـه، وربما معتقده وإيمانه الروحي. يوما تلو الآخر تترجم مظاهر التعصب عبر أدوات العنف، فيما تزداد جرائم الكراهية مــن خلال أدوات الــتــواصــل، لا سيما المستحدثة منها، وبينهما بـات الـتـسـاؤل: كيف يمكن للناس أن يُُضحوا أقل خوفا من جيرانهم؟ بـالـنـظـر إلـــى الأرقـــــام الـــــواردة فــي تـقـريـر اليونسكو حـول العنصرية والتمييز، نجد أن الظاهرة 2025 عـام في 38 المـقـيـتـة تـنـطـلـق عـلـى أســـس مـــن الأعـــــراق بـنـسـبـة في 20 في المائـة، والنوع الاجتماعي 33 المائـة، والجنس المائة. بحسب القواميس العالمية تُُعرف العنصرية بأنها الاعتقاد بأن عرق الشخص هو محدد أساسي لصفاته وقدراته. كــان هــذا المنطلق ركـيـزة خبيثة قـــادت إلــى كــوارث كـونـيـة، حـيـث اعـتـبـرت شـعـوب بعينها ذاتــهــا، صاحبة أولوية متقدمة في هيراركية النوع الإنساني المزيفة، لا لشيء إلا لتتجاوز أعــراقا بشرية أخــرى، بهدف تحقيق مـصـالـح مـوصـولـة بـالـسـيـطـرة والــســطــوة والإمـبـريـالـيـة الفوقية. وتمضي قراءات أخرى لتصف لنا العنصرية بأنها نـوع مـن أنـــواع «الاضـطـهـاد الممنهج»، الأمــر الــذي يمنح فـصـيلا بعينه مـيـزات اجتماعية وسياسية، تضمن له رفاهية اقتصادية. على أنه بحال من الأحوال لا يمكن النظر لإشكالية الـعـنـصـريـة بـــعين الـحـاضـر فـحـسـب، بــل يـتـوجـب علينا الــعــودة إلـــى نـحـو أربـعـمـائـة عـــام إلـــى الـــــوراء، حـيـث رأى المــســتــثــمــرون الأوربــــيــــون أن اســتــعــبــاد الــبــشــر مـــن قـــارة أفريقيا، وهو الأمر الذي انسحب على الولايات المتحدة لاحقاً، شأن تجاري اعتيادي، حيث تلك الأيادي الخشنة أرخــــــص كـــثـــيـــرا لــلــعــمــل فــــي صـــنـــاعـــات الـــســـكـــر والــقــطــن والتبغ، ولم يدر بخ ََلد هؤلاء أي معنى أو مبنى للكرامة الإنسانية. الــجــشــع والمــصــلــحــة الـــذاتـــيـــة إذن كـــانـــا دافــــــعين في الماضــــي، والــيــوم قــد لا يختلف المـشـهـد كـثـيـراً، فـفـي ظل المنافسة العالمية، وعمليات نقل الصناعات إلـى خـارج الـدول الوطنية، تتراجع فرص العمل، الأمـر الـذي يُُشعر المــواطــنين بــأن المهاجرين واللاجــــئين فـي بـقـاع بعينها، ينافسونهم على الوظائف والأجور، ما يؤدي إلى تحول القلق الاقتصادي لعداء عنصري تجاه جماعات بشرية قائمة بذاتها. الـــبـــحـــث المـــحـــقـــق والمــــدقــــق فــــي جــــــذور الــعــنــصــريــة، يكشف لنا لونا مخيفا مما يمكن أن نسميه «العنصرية العلمية»، وقد أفرز علماء أوروبيون قـراءات مخيفة في هذا المضمار، كانت يوما أساسا لعنصرية تمتد وتنتشر اليوم من غير أدنى مقدرة على العودة. ، صنف الـعـالـم الألمانــــي يـوهـان فـريـدري 1776 عــام بلومنباخ، البشر، خمس مجموعات، واضعا القوقازيين أو العرق الأبيض في قمتها. فــي الـجـانـب الـغـربـي مــن الأطـلـسـي، حـيـث الــولايــات المتحدة الصاعدة والبازغة بقوة لمنافسة أوروبــا، خرج علينا في منتصف القرن التاسع عشر، العالم والطبيب صموئيل جورج مورتون، برؤية مفادها أن حجم الدماغ مرتبط بالذكاء، وخلص إلى أن البيض يمتلكون جماجم أكبر، وبالتالي فهم متفوقون فكرياً. كـانـت تـلـك الـــقـــراءات مــــدخلا لـلـنـازيـة الـتـي اعتمدت بشكل كبير على التصنيفات، واستخدمت علم تحسين النسل، بهدف ضمان قيام الرايخ الثالث، الـذي كـان من المأمول أن يعمر لألف سنة. غير أن تلك العلوم والنظريات الـزائـفـة، قــادت إلى خـــــراب عـــالمـــي وحـــــرب أمــمــيــة وإبـــــــادات جــمــاعــيــة، كـبـدت البشرية خسارة روح الـسلام وبـذرت عـوضا عنها بذور الحرب والخصام. يتساءل المــرء فـي حيرة وقـلـق: ألـم يكن المنتظر من الــعــولمــة أن تــزيــل الـــحـــدود، وتــتــجــاوز الـــســـدود، لتبسط الأرض كرقعة واسعة للوصل والتواصل الإنساني لخير البشرية في حلها وترحالها، صحوها ومنامها؟ هنا تتجلََّى لنا مفارقة تاريخية، ذلـك أنََّها عوضا عما تقدم، بدت وكأن ََّها ساهمت في إحياء مشاعر الخوف من الآخر، وأضرمت نيران القلق على الهويات الوطنية، وجــــذرت لـطـرح الــرفــض الـعـرقـي أو الـديـنـي للمهاجرين والأقليات. جـانـب لـيـس قــلــيلا مــن حـــوار الـعـنـصـريـات الـدمـوي الـــحـــادث يــعــود إلـــى صــحــوة الــهــويــات الــقــاتــلــة، بـعـد أن بـات الآخـر المغاير، بمثابة تهديد للغة أو الدين، وربما التقاليد الوطنية. فــــــي هــــــــذا الـــــســـــيـــــاق يُُــــضــــحــــي مــــــن الـــطـــبـــيـــعـــي أن تـنـمـو الـشـعـبـويـة ومـــا يـمـكـن أن نـطـلـق عـلـيـه «الـقـومـيـة الإقصائية». أضف إلى ما تقدم خطاب الكراهية الرقمية، ونـــــوازل الـــذكـــاءات الاصـطـنـاعـيـة المـنـحـولـة الــتــي تصدر للشعوب على نطاق واسع. الكارثة أن تتحول العنصرية إلـــى آيـديـولـوجـيـة سـيـاسـيـة، وهـــو مــا حـــذر مـنـه فلاسـفـة معتبرون. ّّــلـة لإنـهـاء لــم تـكـن الــحــرب وسـيـلـة الإنـــســـان المـفـض الــنــزاعــات؛ بـيـد أنـهـا بالتأكيد بقيت ولا تـــزال تفرض «حـتـمـيّّــتـهـا» و«ضـــرورتـــهـــا» عـبـر وقـــائـــع مـركـبـة؛ إذ لا يمكن تصو ّّر أي تاريخ بشري من دون فقه ح ِِقََب النزال وجولات الصراع. تُُعلّّمنا الــحــرب أن مــا نـقـوم بــه قــد لا نــريــده، غير أن حركة الـتـاريـخ أجـبـرت الإنـسـان على خــوض النزال من أجل صياغة مستقبل يحلم به، أو الدفاع عن واقع يعيشه، أو سو ْْس عدو يتربّّص به. لقد بقي موضوع خيار الحرب والبحث عن بدائل أخرى مـؤرّّقا للبشرية وللسياسيين وللفلاسفة. يؤرّّخ الباحثون للمعاهدات الأولـى بوثائق تعود إلى القرن الثالث عشر قبل المـــيلاد. كانت الرحلة من الحرب إلى الـتـفـاوض ومـنـه إلـــى الــــسلام شـاقـة ومليئة بالعثرات والانــكــســارات العسكرية والسياسية، والأهـــم مـن ذلك الصعوبات النظرية. ن من عاد إلى تقييم ذلك الجدل، الفيلسوف ومن بي ْن الألماني هيغل؛ والذي خص جزءا من نظري ّّته السياسي ّّة لدرْْس مشكلة الحرب من جذرها. والسبب فـي ذلــك الاهـتـمـام مـن قبل هيغل - وذلـك بحسب شـارحـه الـراحـل إمــام عبد الفتاح إمــام - يعود إلــــى: «أحـــــداث الـعـصـر الــــذي عـــاش فـيـه ومـــا شــهـده من تغييرات سياسية سـريـعـة وهـائـلـة. ومــن المــعــروف أن الـتـفـكـيـر الـسـيـاسـي يـنـمـو ويـــزدهـــر فــي حــالــة الغليان السياسي والاجـتـمـاعـي والأزمــــات السياسية الـحـادة، والأحــــــداث الـتـاريـخـيـة الــحــاســمــة؛ لأن ذلـــك كـلـه يجبر الإنسان على أن يتخذ موقفا سياسيا رغما عنه». الآن ثمة من يعارض الحروب ويناوئها باعتبارها تـــتـــجـــاهـــل إمــــكــــانــــات الــــــــسلام وتـــهـــم ّّـــش قـــيـــم الــــحــــوار؛ فـــــحين نـــتـــحـــدّّث عــــن ضـــــــرورة ضـــــرب المارقين بـــالـــقـــوّّة ونــزع شـرورهـم بـهـراوة الـحـرب يـنـادي بعض الحالمين بنظريات هش ّّة ارتكاسية غرائبية في كسلها. إن الـــحـــرب ضـــد الإرهــــــاب الــحــوثــي - وهــــي المــثــال الحديث والحي - ضرورية، وعبرها وبها يمكننا لجم التمرّّد وقمع الإرهاب. سبق وأن عـاشـت الـبـشـريّّــة مثل هــذا الــصــراع بين الـنـخـب، صـــراع واقـعـيّّــة الـحـرب بـوجـه مثاليّّة الـــسلام. ولإيـــضـــاح الــنــظــريّّــة أكـــثـــر، أحــيــل إلـــى فــصــل: «الــحــرب ومـحـكـمـة الـــتـــاريـــخ» مـــن كـــتـــاب: «الـفـلـسـفـة الـسـيـاسـيـة عــنـد هــيـغـل» لإمــــام عـبــد الــفــتــاح إمـــــام، ومــــن عـنـاصـره (بتصر ّّف) أن: «الحرب شغلت أذهان الفلاسفة منذ أقدم العصور. انقسموا حيالها بين فريقين؛ منهم من رأى حتمي ّّة الحرب، ومنهم من آمن بحتمية السلام. توصف المجموعة الأولى بالواقعيّّة والثانية بالمثالية (وأحيانا توصف الأولى بالمحافظة والثانية بالإبْْطالية). هيغل رأى أن الـــحـــرب أب ومـــلْْـــك كـــل شــــيء، وتـظـهـر الأشــيــاء وتختفي عن طريق النزاع؛ إذ لا يمكن إنكار دور الحرب في تطوّّر الإنسان؛ لأن مجموعة كبيرة مما تم إنجازه طـــوال الـتـاريـخ إنـمـا جــاء نتيجة للحرب والــنــزاع أكثر مـمـا جـــاء عــن طـريـق الانـسـجـام والــتــعــاون بين البشر. هيغل كتب في هذا الموضوع في وقت مبكر من حياته .»1801 بمقالاته السياسية عام لكن لا بـد مـن الـتـوازن فـي فهم رأي هيغل ونجده لـدى شـرح جـون بلاميناتس الــذي لا يعتبر «الـحـروب المستمرة المتواصلة هي النشاط الأنبل بالنسبة لهيغل، لكن ثمة مـواضـع تكون فيها «الـحـروب مفيدة لصحة الشعب الأخلاقية؛ إذ لا يُُنكر وجود فضائل اجتماعيّّة وعسكرية تنتج عن الحرب». الــغــرض مــن ذلـــك الــعــرض مــحــاولــة الـتـخـفـيـف من الجلََبة النخبويّّة السياسية والإعلامـيـة الحاليّّة التي تــنــادي بـالـجـلـوس عـلـى الـــطـــاولات وبــــدء المــفــاوضــات، بينما الحركة الحوثية المارقة تقصف المدنيين والمباني والمـطـارات. إن الحرب جزء من انتصار الإنسان الخيّّر على قـوى الشر المحض، والـصـراع الآن في الإقليم بين من يريد التعمير ومن يريد التدمير، والانتصار وقوده القو ّّة والحرب هي «قو ّّة القوى». الخلاصة: ستبقى النظريات المثاليّّة أسيرة الكتب والـنـدوات والشعر والـغـنـاء... إن حركة التاريخ تحتّّم ّّــلـهـا، غـيـر أنـــه حـتـما عـلـى الإنـــســـان مـــعـــارك قـــد لا يـفـض ســيــخــوض ثـبـجـهـا حين يـــتـــوقـــف وجــــــوده عــلــى هجر الكهوف وسن الرماح وقرع السيوف. الــصــمــود هــو ســـر مـوريـتـانـيـا، طيلة سنوات متتالية من الأزمـــات، وفـي محيط إقليمي مشتعل تنهار فيه الـــدول بسرعة كبيرة، وسياق عالمي يغلي يوما بعد يوم، وأســـواق دولـيـة غير مستقرة لا يـكـاد يمر يوم دون أن ترتفع فيها الأسعار. كل هـذا يجعل بلدا من العالم الثالث مثل موريتانيا لا يراهن على أي شيء أكثر مــن قــدرتــه عـلـى الـصـمـود والــتــأقــلــم، حتى أصبح يوصف من طرف كثير من الخبراء بأنه «جنة سلام وسط جحيم من الحروب والنزاعات». ولكن كيف طـوّّرت موريتانيا قدرتها على الصمود، رغم شح الإمكانات؟ لـــفـــهـــم الــــســــيــــاق المــــوريــــتــــانــــي، يـكـفـي أن نـقـف عـنـد مـشـهـد الــرئــيــس مـحـمـد ولـد الـــشـــيـــخ الـــــغـــــزوانـــــي، يـــعـــقـــد فـــــي الـــلـــيـــالـــي الماضية اجتماعا تحت خيمة، مع عشرات الـــــــواطـــــــنين، فـــــي مـــديـــنـــة وادان، الــــواحــــة الــتــاريــخــيــة الــنــائــمــة فـــي عــمــق الــصــحــراء كيلومتر 700 الموريتانية، على بعد نحو من العاصمة نواكشوط. سنوات، 7 منذ وصوله إلى الحكم قبل يحرص ولد الغزواني بين الفينة والأخرى، عـلـى زيــــارة الـــولايـــات الـداخـلـيـة والمـنـاطـق النائية والمنسية، حيث يجلس مع السكان لــيــســمــع مــشــاكــلــهــم، ويـــنـــاقـــش ويــتــقــاســم معهم بعض الرؤى والأفكار. هـــذه الأيـــــام يــــزور ولايــــة آدرار، حيث أعــاد طــرح أسئلة جوهرية حــول مستقبل الــــدولــــة، وعلاقـــتـــهـــا بـــالمـــواطـــن، ثـــم تـوقـف كثيرا عند سؤال يرافق الدولة الموريتانية منذ نشأتها: كيف يمكن توفير الخدمات الأساسية لسكان يعيشون في مدن وقرى متباعدة، وســط جغرافيا قاسية ومـــوارد محدودة؟ تـتـجـاوز مـسـاحـة مـوريـتـانـيـا مليون كيلومتر مـربـع، معظمها صـحـراء، بينما ملايين 5 بـــالـــكـــاد يـــتـــجـــاوز عــــدد الـــســـكـــان نسمة، وفي بلد بهذه الخصائص، تصبح المسافة عنصرا حـاسـما فـي حساب تكلفة الـتـنـمـيـة. فــقــد تــحــتــاج قــريــة صــغــيــرة إلــى استثمارات كبيرة لـتـأمين الماء والكهرباء والـــــطـــــرق، ثــــم إلـــــى مـــــــوارد دائــــمــــة لـضـمـان التشغيل والـصـيـانـة. ولــهــذا، فـــإن فـهـم ما تواجهه السلطات من تحديات يبدأ بالنظر إلـى الخريطة، وإلــى تــوزع السكان عليها، قبل الاكـتـفـاء بمقارنة المطالب بما تحقق منها. ولــكــن هـــذه المــشــاريــع والاســتــثــمــارات ليست تنموية فـقـط، وإنــمــا فــي جوهرها جـزء من معادلة أمنية معقدة، حيث إنها تضمن حـضـور الــدولــة، الـــذي هـو حضور للأمن والسيادة والسلطة. وحين تـغـيـب الـــدولـــة تـظـهـر شـبـكـات الجريمة المنظمة والمـجـمـوعـات الإرهـابـيـة التي تعشق الفراغ. هذه هي المعادلة المعقدة التي يمسك الرئيس الموريتاني بأطرافها، وهو القادم من عمق المؤسسة العسكرية، لذا فهو يدرك أهمية التواصل مع الناس لتقريب القرار مـن الــواقــع، وإتــاحــة الـفـرصـة أمـــام السكان لعرض مشكلاتهم بتفاصيلها... والدولة تجلس معهم على نفس الحصير، تسمع وترى وتشرح وتناقش وتتخذ القرار. فـــي مــديــنــة أطــــــار، عــاصــمــة المـنـطـقـة، جلس الرئيس وبعض وزرائه مع السكان، نـاقـش معهم أوضــــاع مدينتهم، ثــم تعهد لـــهـــم بـــتـــعـــزيـــز شـــبـــكـــة الـــكـــهـــربـــاء وتـــرمـــيـــم الطريق الوطني، والبحث عن حلول دائمة لنقص المياه في منطقة صحراوية تعتمد على زراعة الواحات. نفس المشهد تـكـرر فـي وادان، مدينة الـــعـــلـــم والــــنــــخــــيــــل، حـــيـــث أعــــلــــن الـــرئـــيـــس لسكانها أن مطلبهم الـقـديـم، المتمثل في طريق يربط وادان بشبكة الطرق الوطنية، سيدرج ضمن ميزانية الدولة للعام المقبل، وكــان ذلـك إجابة عن أهـم ســؤال يتردد في أذهان سكان المدينة النائية والبعيدة. مــــــن حــــــق الــــــــواطــــــــنين اعـــــتـــــبـــــار هــــذه الـخـدمـات واجــــبا عـلـى الـــدولـــة، لا مـنّّــة فيه لأحـــــد. غــيــر أن هــــذا الـــحـــق لا يــلــغــي قيمة الجهد المبذول، ولا يمنع الاعتراف بالتقدم حين يتحقق. فـالإنـصـاف يقتضي تقدير المــــبــــادرات الـــجـــادة ومـتـابـعـتـهـا، مـــع إبـقـاء المطالبة بتحسين الأداء قائمة. ثـــم إن تـشـتـت الـتـجـمـعـات الـسـكـانـيـة يظل أحـد العوائق التي تزيد مهام الدولة صـــعـــوبـــة. فــــحين تــنــشــأ تــجــمــعــات جــديــدة بفعل خلافات محلية أو تنافس اجتماعي وسياسي، تتوزع المــوارد على احتياجات متجددة، وترتفع تكلفة إيصال الخدمة إلى كل أسرة. وزيـــــــــــــارة الـــــرئـــــيـــــس لـــلـــمـــنـــطـــقـــة، بــمــا تــــضــــمــــنــــتــــه مـــــــــن اســـــــتـــــــمـــــــاع وتــــــعــــــهــــــدات وتـــوجـــيـــهـــات، تــســتــحــق أن تُُــــقــــرأ فــــي هـــذا الإطــــــــــار؛ ســــعــــيا إلــــــى مـــعـــالـــجـــة اخـــــــتلالات مـتـراكـمـة، وتـقـريـب الـخـدمـات مـن السكان، وتـــوســـيـــع فـــــرص اســـتـــفـــادتـــهـــم مــــن مـــــوارد بلادهـــــــم، وتـــعـــزيـــز قـــــدرة مــوريــتــانــيــا على الصمود. موريتانيا التي لا تمتلك الكثير من المــــــوارد المــعــدنــيــة الــــنــــادرة، وقـــدرتـــهـــا على خلق الـثـروة لا تـــزال مـحـدودة، رغـم الآفـاق الــواعــدة والمستقبل المــشــرق، فإنها تمتلك ثـــــروة أخـــــرى، هـــي قــدرتــهــا عــلــى الـصـمـود والــبــقــاء... وهــي قـــدرة تـعـود فـي جوهرها إلى قيم الإنسان الموريتاني. عن حتمية الحرب وسجالات السلام العنصرية العالمية و«القومية الإقصائية» موريتانيا... نموذج القدرة على الصمود عبد الله ولد محمد فهد سليمان الشقيران إميل أمين المشاريع في جوهرها جزء من معادلة أمنية معقدة حيث إنها تضمن حضور الدولة

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky