issue17503

OPINION الرأي 12 Issue 17503 - العدد Friday - 2026/10/30 الجمعة وكيل التوزيع وكيل الاشتراكات الوكيل الإعلاني المكـــــــاتــب المقر الرئيسي 10th Floor Building7 Chiswick Business Park 566 Chiswick High Road London W4 5YG United Kingdom Tel: +4420 78318181 Fax: +4420 78312310 www.aawsat.com [email protected] المركز الرئيسي: ٢٢٣٠٤ : ص.ب ١١٤٩٥ الرياض +9661121128000 : هاتف +966114429555 : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: www.arabmediaco.com هاتف مجاني: 800-2440076 المركز الرئيسي: ٦٢١١٦ : ص.ب ١١٥٨٥ الرياض +966112128000 : هاتف +9661٢١٢١٧٧٤ : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: saudi-disribution.com وكيل التوزيع فى الإمارات: شركة الامارات للطباعة والنشر الريـــــاض Riyadh +9661 12128000 +9661 14401440 الكويت Kuwait +965 2997799 +965 2997800 الرباط Rabat +212 37262616 +212 37260300 جدة Jeddah +9661 26511333 +9661 26576159 دبي Dubai +9714 3916500 +9714 3918353 واشنطن Washington DC +1 2026628825 +1 2026628823 المدينة المنورة Madina +9664 8340271 +9664 8396618 القاهرة Cairo +202 37492996 +202 37492884 بيروت Beirut +9611 549002 +9611 549001 الدمام Dammam +96613 8353838 +96613 8354918 الخرطوم Khartoum +2491 83778301 +2491 83785987 عمــــان Amman +9626 5539409 +9626 5537103 صحيفة العرب الأولى تشكر أصحاب الدعوات الصحافية الموجهة إليها وتعلمهم بأنها وحدها المسؤولة عن تغطية تكاليف الرحلة كاملة لمحرريها وكتابها ومراسليها ومصوريها، راجية منهم عدم تقديم أي هدايا لهم، فخير هدية هي تزويد فريقها الصحافي بالمعلومات الوافية لتأدية مهمته بأمانة وموضوعية. Advertising: Saudi Research and Media Group KSA +966 11 2940500 UAE +971 4 3916500 Email: [email protected] srmg.com فـــي لـحـظـات الــتــحــول الــكــبــرى، لا يــعــود اسـتـحـضـار الفلاسفة تمرينا في الحنين إلى الماضي، بل يصبح سؤالا عم ّّا تبقّّى للبشرية من حكمة وهي تََعبر عالما تتسارع فيه الاختراعات وتتعمق فيه الانقسامات. ولعل أبا الوليد بن ؛ أحـد أقدر 1126 رشـد، الـذي أبصر النور في قرطبة سنة مفكري التاريخ على مخاطبة هـذا القلق المعاصر. فبعد قــــرون مـــن مـــــيلاده، لا نستعيد اســـمََـــه لــنــزيّّــن بـــه ذاكـــرة 9 الــحــضــارة، وإنــمــا لنستعيد شــجــاعــة الـتـفـكـيـر، وأخلاق الاخـــتلاف، والإيـمـان بـأن الإنـسـان يستطيع أن يجعل من عقله جسرا لا جداراً. وبعد أيام، ستتجدد هذه الرسالة من قرطبة نفسها، حـيـث تـنـظـم «رابـــطـــة الـعـالـم الإسلامــــــي» و«تــحــالــف الأمــم المتحدة للحضارات»، بشراكة مع جهات ثقافية، لقاء دوليا عن ابن رشد بوصفه «فرصة متجددة للعقل». ويكتسب الـحـدث دلالـــة تتجاوز الاحتفاء برمز أندلسي؛ إذ يلتقي فيه صـوتـان مؤسسيان يـدعـوان إلـى الـحـوار بين الأديــان والثقافات، في زمن تُُستعمل فيه الانتماءات أحيانا لإقامة الحواجز بدل بناء الثقة. وما أجمل أن تعود قرطبة، بعد عام، إلى طرح السؤال الذي شغل أحد أعظم أبنائها: 900 كيف نعيش مختلفين من دون أن نصبح أعداء؟ لــــم يـــكـــن ابــــــن رشــــــد فـــيـــلـــســـوفا مـــنـــعـــزلا عــــن قــضــايــا مجتمعه؛ فقد جمع بين الفقه والقضاء والطب والفلسفة، ورأى في إعمال النظر مسؤولية معرفية وأخلاقية. وفي دفاعه عن إمكان التوافق بين الحكمة والشريعة، قدم درسا يتجاوز سياقه التاريخي: ينبغي ألا يُُختزل الإيمان في الخوف من الـسـؤال، ولا أن يتحول العقل ذريعة لاحتقار المــعــتــقــد. ولـــذلـــك تــظــل مـــؤلـــفـــاتُُـــه، وفــــي مـقـدمـتـهـا «فـصـل المقال» و«تهافت التهافت»، شاهدة على قيمة «البرهان» و«المــنــاقــشــة الــنــقــديــة»، لا بـوصـفـهـمـا تــــرفا نـــخـــبـــوياً، بل بصفتهما شرط ََين لتقدم المعرفة. ولـــم تـتـوقـف رحـلـتـه الـفـكـريـة عـنـد حــــدود الأنــدلــس. انـتـقـلـت شـــروحـــه ومــنــاقــشــاتــه لـلـفـلـسـفـة الــيــونــانــيــة إلــى الــعــالمََين اللاتـيـنـي والـعـبـري، وأسـهـمـت فـي إغـنـاء الجدل الـفـلـسـفـي الأوروبــــــي. ومـــن قـرطـبـة، الــتــي و ُُلــــد فـيـهـا، إلـى مـــراكـــش، الــتــي تــوفــي بــهــا، تـمـتـد جـغـرافـيـا رمـــزيـــة تصل ضـفـتـي المــتــوســط، وتُُـــذكّّـــر بـــأن الـــحـــضـــارات لا تـنـمـو في العزلة؛ فهي تتقدم حين تعترف بما أخذته من الآخرين وبما تستطيع أن تمنحهم إيـــاه، وحين تََجعل الترجمة والمـعـرفـة والاعـــتـــراف المـتـبـادل وسـائـل لتقريب الشعوب. وهـذا الـدرس أشد إلحاحا اليوم؛ لأن الذاكرة المشترََكة لا تُُلغي جراح التاريخ، لكنها تََمنع تحويلها أحكاما أبدية على الشعوب والأديان. لـــكـــن اســـتـــلـــهـــام ابـــــن رشـــــد الــــيــــوم يــقــتــضــي أكـــثـــر مـن استعادة أمجاده. فنحن نعيش مفارقة مدهشة: تتضاعف المعلومات، بينما تضيق أحيانا مساحات الفهم؛ وتصل المـــنـــصـــات الــرقــمــيــة بين الــــقــــارات، لـكـنـهـا قـــد تـــــزرع الـشـك والكراهية داخل المجتمع الواحد. أما الذكاء الاصطناعي فيفتح آفاقا واعدة للعلم والتنمية، ويثير في الوقت نفسه تـحـديـات تتعلق بــالإنــصــاف والــحــريــة وكـــرامـــة الإنــســان. وهــنــا لا تـكـفـي بـــراعـــة الآلات؛ بـــل نـحـتـاج إلـــى عـقـل نـاقـد يسائل الغايات، وإلـى ضمير أخلاقـي يضع الإنسان قبل المصلحة والسرعة والربح. وهــذا ما سعينا إلـى تأكيده في فـاس خلال المنتدى الــدولــي بـشـأن «مستقبل الـحـضـارة الإنـسـانـيـة فــي عصر أبــريــل 28 و 27 الـــذكـــاء الاصـــطـــنـــاعـــي»، الــــذي عُُــقــد يــومــي ، بمبادرة من «الجامعة الأورومتوسطية» 2026 ) (نيسان فـــي فـــاس بــالمــغــرب عـبـر «كـــرســـي الأمــــم المــتــحــدة لتحالف الـــحـــضـــارات»، وبـــشـــراكـــة مـــع «رابـــطـــة الــعــالــم الإسلامـــــي» و«تــحــالــف الأمــــم المـتـحـدة لــلــحــضــارات». لـقـد شـــدد «نـــداء فاس» على أن قيمة الابتكار تقاس بما يصونه من كرامة، ومـا يتيحه من عـدالـة، ومـا يفتحه من أفـق لـلـسلام؛ وهي مبادئ تجعل الحوار بين فاس وقرطبة حـوارا بين ذاكرة العقل ومسؤولية المستقبل. إن الأســرة الإنسانية الـواحـدة ليست شعارا عاطفيا يُُـــرفـــع فـــي المــــؤتــــمــــرات، بـــل مــــشــــروع يـتـطـلـب تـــربـــيـــة على الـتـفـكـيـر الــحــر، ومــؤســســات تـحـمـي الــتــعــدد، وســيــاســات ترفض تحويل الخلاف الثقافي والديني صراعا محتوماً. و«بيتنا الأرضـي» المشترََك لن يكون آمنا إذا ظلت المعرفة حكرا على الأقوياء، أو تُُرك الضعفاء خارج ثمار التقدم. إن عقلانية ابــن رشــد تدعونا إلــى تـواضـع حضاري يعترف بأن الحقيقة لا يحتكرها شعب، وأن كرامة الآخر جزء من كرامتنا. وهي تُُذكّّرنا أيضا بأن الحوار لا يعني ذوبان الخصوصيات، بل إقامة مساحة أخلاقية يتساوى داخلها البشر في حق الاحترام والأمل. حين تـلـتـقـي قــرطــبــة بـــــروح هــــذا المـــشـــروع فـــي الأيــــام المقبلة، فسيكون الاحتفاء الحقيقي بابن رشـد أن نجعل مـــن إرثــــه الــــتــــزاما عــمــلــياً: أن نُُــعــلّّــم أبـــنـــاءنـــا الـــســـؤال قبل الـتـعـصـب، وأن نـخـتـار الـحـجـة بـــدل الإقـــصـــاء، وأن نجعل قـرون، 9 التكنولوجيا فـي خدمة الحياة لا العكس. بعد يظل الـــدرس واضـــحاً: لا مستقبل لحضارة تستغني عن العقل، ولا معنى لعقل يفقد إنسانيته، ولا سلام لعالََم ينسى أنه بيت واحد لجميع أبنائه. شكََّلت الجريمة الإرهابية الـغـادرة التي استهدفت كـنـيـسـة فـــي مــحــافــظــة الـــكـــرك صـــدمـــة مـــروعـــة لــلــوجــدان الأردني والعربي، فقد انتهك هذا الاعتداء الطابع المقدس لــدور العبادة فـي محاولة لطعن قيم التعايش والـوئـام الدينيين. ومما زاد في قوة الصدمة أن هذا الحادث الأليم الذي أودى بحياة أشخاص أبرياء، إنما يمثل العملية الأولى من نوعها تاريخيا في الأردن التي تستهدف دار عبادة مسيحية، ممّّا يمنحه خصوصية صادمة في بلد تََميز بـنـمـوذج فـريـد مـن الاسـتـقـرار المجتمعي رغــم حساسية مـوقـعـه الـجـغـرافـي الـسـيـاسـي. أمـــا عـلـى مـسـتـوى العالم العربي، فـإن الجريمة كما نعلم ليست فريدة تماماً، بل تأتي ضمن تاريخ حالك شهد محطات دموية سابقة في مصر والعراق وسوريا، إلا أن التمعن في كثافة التواتر ن أن حدة والخط البياني لرصد الظاهرة كميا ونوعيا يبي ّن هـذه الهجمات الكبرى قـد انخفضت بشكل ملحوظ في السنوات الأخـيـرة، حيث تحولت من عمليات انتحارية مـنـسـقـة إلــــى ضـــربـــات مــتــبــاعــدة تـتـبـع أســـلـــوب الـــخلايـــا النائمة المنعزلة التي تبحث عن أهـداف رخـوة كنوع من الإعلان عـن الـوجـود ومحاولة لتأكيد أن مـا يُُــزعـم حول تجفيف منابعها ليس صـحـيـحاً. وبــنــاء عليه فــإن أول استنتاج يمكن تبنيه هو أن الإرهاب بات يعرف تراجعا تنظيميا واضحا على مستوى التنظيم وقوة الأهداف من دون تلاشي خطره الفعلي. ولا يمكن فصل هــذه الجريمة البشعة فـي أبعادها وسـيـاقـهـا الـسـيـاسـي عــن اســـتـــغلال الــتــوتــرات الإقليمية الـحـادة والشحن الفكري الـدولـي؛ فبينما يعيش الشرق الأوسط حالة غليان عسكري وتوترات ومواجهات تركزت حول الحرب ضد إيران، حاولت الخلايا المتطرفة استغلال فـرصـة انـشـغـال الـــدول بـهـذه الـصـراعـات الـكـبـرى وتوخي الغدر كعادتها لتنفيذ ضربات مباغتة للدولة وللمجتمع. بــــــالــــــتــــــوازي مــــــع ذلــــــــــك، تــــــوظ ّّــــــف الآلــــــــــة الإعلامــــــيــــــة للتنظيمات التكفيرية التصريحات الغربية المتشددة، للقيام بالتجنيد الرقمي، وغسل دمــاغ ذئابها المنفردة وأدلجتهم، لذلك فإن استهداف كنيسة مسيحية بمنزلة رد فـعـل مــريــض وانــتــقــام واهــــم يـسـعـى لإشــعــال فوضى طائفية مفتعلة داخــل مجتمع آمـن ومستقر ولا عهد له بمثل هـذه الفتنة. وكما نلاحـظ فـإن المأزق بـات يتجاوز الغلو في الدين إلى الفهم المغلوط تماما للدين ولكيفية الــــدفــــاع الـــحـــق عـــن تــعــالــيــم الإسلام وقـــيـــمـــه. ومـــثـــل هــذا الفهم الــذي يــؤدي إلـى قتل الأبـريـاء هو المـؤامـرة الكبرى على الأمــة العربية الإسلامـيـة الــذي مـن المهم مواجهته، مؤسسات ومجتمعات ونخباً. مــن نـاحـيـة أخــــرى، فـعـنـدمـا تـنـجـح أي دولــــة عربية مـسـلـمـة بـمـؤسـسـاتـهـا الـعـسـكـريـة والاســتــخــبــاراتــيــة في تـحـصين أجهزتها وبـنـاء جـــدار أمـنـي صلب يستعصي عـلـى الاخـــتـــراق، يــواجــه الـفـكـر المـتـطـرف المأزوم طبيعةًً، عـجـزا بـنـيـويا يـدفـعـه إلـــى تغيير أســلــوب الــغــدر وهـدفـه حـيـث يـتـحـول مــن مـواجـهـة الــقــوة النظامية إلـــى البحث عـن «الانـتـصـارات الوهمية» فـي الـفـضـاءات الاجتماعية المـفـتـوحـة مـثـل دور الــعــبــادة أو المــتــاحــف؛ مـثـل الـهـجـوم الذي 2015 ) الإرهابي على متحف باردو في مارس (آذار استهدف المتحف الوطني القريب من مبنى مجلس نواب الشعب في تونس العاصمة. وفـي هـذه المرحلة، تصبح التجمعات المدنية ودور الـعـبـادة الآمـنـة مـسـارح جرائم الــذئــاب المـنـفـردة، إذ يـعـمـدون إلــى اســتــغلال مـرونـة هذه الأهــداف الرخوة وغياب التحصين الأمني فيها لإحداث أكبر قدر من الصدمة الدموية والصدى الإعلامـي. وهنا تبرز معضلة «الذئاب المنفردة» في تلك المفارقة الصارخة بين هشاشتها التنظيمية وقــدرتــهــا عـلـى الـــغـــدر؛ فهي بنيويا تمثل أضعف حلقات التطرف وأكثرها تشرذما وعزلةًً، لعجزها عن المواجهة أو اختراق المقرات الأمنية المحصنة. ومـع ذلـك، يكمن خطرها الداهم في استحالة التنبؤ بتحركاتها العشوائية، حيث تستهدف في غفلة الأمــاكــن الــرخــوة ودور الـعـبـادة الآمــنــة، متبنية أسـلـوبا غـادرا لتثبت أن الضعف العسكري لا يمنع فكرة إحداث وجع في جسد السلم المجتمعي. وتكمن ديمومة الفكر المتطرف وعصيانه على الموت في كونه ليس مجرد تنظيم عسكري يمكن تفكيكه، بل هو بنية معرفية مغلقة ونسق آيديولوجي يتغذى على الهشاشة الاقتصادية وتأزم الشعور الهوياتي. معرفياً، يملك هـذا الفكر آلية دفاعية تُُعرف في أدبـيـات الإرهـاب بـ«الكمون التكتيكي» والقدرة على التحور الذاتي وإعادة إنتاج أطروحاته عبر التاريخ موظفا كل أنواع الهشاشة القائمة في هذا العالم المتوتر. ولأن محركات هذا الفكرمثل خطابات الكراهية، والشعور بالتهميش، والتوترات الـــجـــيـــوســـيـــاســـيـــة، والــــصــــدمــــات الـــحـــضـــاريـــة- هــــي قـــوى متجددة بطبيعتها، فإن الهزيمة الجغرافية للتنظيمات لا تقتل الفكرة، بل تحو ِِّلها إلى «فكرة سائلة» تنتقل عبر الفضاء الرقمي، مما يفسر كيف ينام هذا الفكر في فترات الـضـغـط الأمــنــي ليستيقظ مــجــددا كــخلايــا عـنـقـوديـة أو ذئاب منفردة عند أول لقاء محرك من محركات هذا الفكر الظلامي مع غفلة يتم استثمارها لتسجيل هدف دموي. المـــقـــاربـــة الأمـــنـــيـــة أدت دورهـــــــا جـــيـــدا فــــي مــحــاربــة التنظيمات الإرهابية، أمـا الذئاب المنفردة فتحتاج منّّا إلى صرامة مجتمعية أكبر وأكثر عمقا وانتباهاً. ـــــــقـــــــاس المـــــســـــافـــــة بين بـــــغـــــداد ت � لا ودمـشـق بالكيلومترات، لأنها انعكاس لـــعلاقـــة مـلـتـبـسـة بين دولـــــتين فـرّّقـتـهـمـا الآيــديــولــوجــيــات والأنــظــمــة، وجمعهما التاريخ والجغرافيا. وقُُـــدّّر للمدينتين أن تــرث إحداهما الأخـــــــــرى، ثــــم أن تــســقــط إحــــداهــــمــــا إثـــر الأخـــــــــــرى... ورثــــــت بــــغــــداد الــــخلافــــة مـن دمشق، ثم سقطت بغداد بيد المغول عام ، ولـحـقـتـهـا دمــشــق بـعـد عـــــامين... 1258 وظـلـتـا تـــتـــوارثـــان الــصــعــود والــســقــوط، بيد 1968 إلـى أن سقطت بغداد في عـام «الــبــعــث»، ثــم بـعـد عـــامين عـــادت دمشق وسقطت هـي الأخـــرى بيد «الـبـعـث» في ، فـــوصـــل حـــافـــظ الأســــــد إلـــى 1970 عـــــام بـــعـــد عـــــــامين مـن 1971 الــــرئــــاســــة ســـنـــة تـنـصـيـب صـــــدام حــــسين نـــائـــبا لـلـرئـيـس ، كـــــــأن الــــــــــدرب الـــــــــذي أخــــذ 1969 ســــنــــة السوريين والعراقيين إلى المجهول معبّّد بالتكرار. فـــي الــطــريــق إلـــى دمـــشـــق، لـــم يقطع 850 رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي كيلومترا بين الـعـاصـمـتين فـحـسـب، بل طوى عقودا من النزاع والتفرقة بينهما. فالمصافحة في مطار دمشق بين الزيدي والـرئـيـس الــســوري أحـمـد الــشــرع، الــذي خــالــف الــبــروتــوكــول المــعــتــاد واستقبله عـــــلـــــى أرض الــــــــطــــــــار، هـــــــي مـــصـــافـــحـــة الـــشـــجـــعـــان لإرســـــــاء الــــــــسلام؛ مـصـافـحـة تــخــتــصــر تـــــحـــــو ّّلا فــــي علاقـــــــة حـكـمـتـهـا الــخــصــومــة، وتــداخــلـــت فـيـهـا سـيـاسـات «البعثين» وحــروب المقاتلين وحسابات الدولة الصديقة والعدوة، التي سيطرت على مساراتها. فـــالـــشـــرع ذهــــب إلــــى بـــغـــداد مـــقـــاتلا وعاد منها رئيساً، فيما يأتي الزيدي، من خلفية تجارية، ممثلا جماعة سياسية فـي السلطة، قـاتـل جــزء منها دفـــاعا عن نـــظـــام الأســـــد لـــســـنـــوات. لـــذلـــك، فــــإن طــي المـسـافـة يـبـدأ بــإعــادة بـنـاء الــعلاقــة على أســــاس الاســـتـــقـــرار والمـــصــالـــح، وتــجــاوز ماض قريب كلّّف الطرفين أثمانا باهظة. في دمشق، وضع الزيدي أوراقه على الطاولة. ومن هنا، لا بد أن تبدأ الثروات بالتدفق. لم تعد الممرات بين العاصمتين لنقل المقاتلين، بل أصبحت مجالا حيويا لنقل الـــثـــروة وتـــبـــادل المــصــالــح، وبـوابـة لعبور الزائرين والسياح. هـــذا المــجــال الـحـيـوي الـــذي يتشكّّل بين بــغــداد ودمــشــق يُُــعـيـد تـركـيـب شـرق المتوسط وحدوده، في لحظة يُُعاد فيها تركيب المنطقة من جديد، وسط مخاطر حروب قد تُُعيد تفكيك ما تفكّّك، وتمنع جـــمـــع مــــا لا يــــــزال مـــمـــكـــنا جـــمـــعـــه. إنــهــا لحظة تاريخية ينبغي استثمارها لقطع الطريق على كل م ََن يريد تفكيك منظومة الــدولــة أو إضـعـافـهـا، أو جعلها رهينة الانتظارات الإقليمية والدولية الكبرى، ومصالح تُُصاغ خارج المصالح العربية المشتركة والمصالح العراقية - الشامية الخاصة. في هذه المساحة الجغرافية، تصبح شـــواطـــئ الـــبـــصـــرة، بــمــا تـمـثـلـه مـــن ثقل اقتصادي واستراتيجي، مرفأ لدمشق، ويغدو ميناء طرطوس جــزءا من مجال اقتصادي يصل العراق بالمتوسط. وبين الموانئ والمـدن، يمكن أن تتشكّّل مساحة مـــن الاقـــتـــصـــاد والـــحـــضـــارة والإنــــســــان، ومـــــن الـــــروابـــــط الــــروحــــيــــة الـــتـــي تــجــلّّــت فـــي زيـــــارة رئــيــس الــــــوزراء الــعــراقــي إلـى المسجد الأمـــوي، برفقة وزيــر الخارجية الـــســـوري، ثـــم إلـــى مــقــام الــســيــدة زيـنـب، من أجـل وأد الفتنة وتحرير المقدّّس من الآيديولوجيات القاتلة. هــــنــــا تــــســــقــــط ادعــــــــــــــــاءات احــــتــــكــــار المــقــد ّّس؛ فـالمـقـام مـحـروس بـأهـل الـشـام، والمـــســـجـــد عـــنـــوان لـــلـــوحـــدة والـــجـــمـــع، لا ذريــــعــــة لـــلـــقـــتـــال والـــتـــفـــكـــيـــك. فـــالـــروابـــط الروحية بين المجتمعات يمكن أن تكون جـسـرا يُُعيد وصــل مـا قطعته الـحـروب، بدلا من أن تتحول إلى وقود للصراعات. إن البلدين اللذين فرّّقهما «البعث»، وقـــطـــع الـــقـــتـــال صلاتـــهـــمـــا، يـسـتـطـيـعـان الـــيـــوم صــنــاعــة مــصــالــح تــجــعــل منهما نموذجا لجوار آمن، تتقاطع فيه الثروات والمصالح، وتستعيد فيه الدولة مكانتها بـــوصـــفـــهـــا الــــضــــامــــن لـــــوحـــــدة المــجــتــمــع ومستقبله. وعــــلــــيــــه، بين المـــســـجـــد والمــــــقــــــام، لا تكتمل المـصـالـحـة بالمصافحة وحـدهـا، بــــل بــتــحــويــلــهــا إلـــــى مــــشــــروع ســيــاســي واقتصادي وإنساني يحمي البلدين من تكرار الماضـي، ويمنح شعبيهما فرصة لصناعة مستقبل مختلف. لماذا لا يموت الفكر المتطرف؟ من عقلانية ابن رشد إلى حلم الأسرة الإنسانية الواحدة بين المسجد والمقام: مصالحة ما بعد «البعثين» مصطفى فحص لا تكتمل المصالحة بالمصافحة وحدها بل بتحويلها إلى مشروع سياسي واقتصادي وإنساني يحمي البلدين آمال موسى عبد الحق عزوزي

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky