8 السودان NEWS أكد الاجتماع أن تحقيق السلام يتطلب عملية سياسية شاملة وذات مصداقية ASHARQ AL-AWSAT Issue 17496 - العدد Friday - 2026/10/23 الجمعة الخريجي: جهود السعودية تستند إلى «إعلان جدة» لحماية المدنيين إجماع دولي يؤكد «استحالة الحل العسكري» لحرب السودان أكـــــــد اجــــتــــمــــاع دولـــــــــي حـــــــول أوضـــــــاع السودان «استحالة الحل العسكري» للحرب الدائرة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» .2023 ) منذ منتصف أبريل (نيسان وقــــــــال المـــجـــتـــمـــعـــون، فـــــي جـــنـــيـــف، إن «المــــدنــــيين يـــدفـــعـــون ثــمــن اســـتـــمـــرار الــقــتــال الباهظ ويفاقم مـن معاناتهم»، داعين إلى «هدنة إنسانية عاجلة تمهد الطريق لوقف دائـــم لإطلاق الـــنـــار»، وحــثــوا أطــــراف الـنـزاع على خفض التصعيد والانخراط بجدية في مسار سياسي، كما شددوا على أهمية وقف الـــتـــدخلات الـخـارجـيـة الـتـي تـؤجـج الـحـرب، وجــــــددوا رفــــض إنـــشـــاء حــكــومــات مـــوازيـــة، مؤكدين تمسكهم بوحدة السودان. جاءت هذه المواقف في ختام «الاجتماع الـــــتـــــشـــــاوري الـــــــســـــــادس، لـــتـــعـــزيـــز تــنــســيــق مــــبــــادرات وجـــهـــود الــــــسلام فـــي الــــســــودان»، الــــــذي نــظــمــتــه الأمــــــم المـــتـــحـــدة فــــي جــنــيــف، واخـــتـــتـــم أعـــمـــالـــه مـــســـاء الأربـــــعـــــاء. وتــــرأس الاجـتـمـاع كــل مـن وزيـــر الــدولــة السويسري للشؤون الخارجية ألكسندر فازل، والمبعوث الشخصي للأمين الـعـام للأمــم المتحدة إلى السودان، بيكا هافيستو. 22 وشــــــارك فـــي الاجـــتـــمـــاع مــمــثــلــون لــــ دولـــة، بينها الـولايـات المتحدة والسعودية والإمـــــــــــارات ومــــصــــر وبـــريـــطـــانـــيـــا وفـــرنـــســـا والصين وروسيا، ودول الجوار السوداني، بــالإضــافــة إلـــى مـنـظـمـات إقليمية ودولــيــة، من بينها الأمم المتحدة، والاتحاد الأفريقي، والاتحاد الأوروبي، وهيئة «إيغاد». وقــــــــــال هــــافــــيــــســــتــــو: «تــــتــــمــــثــــل إحــــــدى الـــخـــطـــوات الــصــغــيــرة الـــتـــي تـتـخـذهـا الأمـــم المتحدة في محاولة طرح ما يُُعرف بتدابير بـنـاء الـثـقـة، وهـــي خــطــوات يمكن أن يـوافـق عــلــيــهــا طــــرفــــا الــــــنــــــزاع». وأوضــــــــح أن أحـــد الـتـدابـيـر يتعلق بــتــبــادل أســــرى الــحــرب أو المـعـتـقـلين، الـعـسـكـريين والمـــدنـــيين عـلـى حد سواء، وتسهيل امتحانات الطلاب. وأضــــاف هافيستو: «نعتقد أن هناك ّّــد طرفي قضايا ينبغي فـي الــواقــع أن تـوح الـــــنـــــزاع، لــكــن هـــــذه بـطـبـيـعـة الــــحــــال لـيـسـت سوى خطوات أولية بسيطة مقارنة بالدمار الهائل الذي يحدث». الهدنة الإنسانية وشــــــــــدد الـــــــشـــــــاركـــــــون، وفــــــــق الــــبــــيــــان الــخــتــامــي، عــلــى ضــــــرورة أن تـــقـــود الـهـدنـة الإنسانية إلى وقف دائـم لإطلاق النار، وأن تسهم إجراءات خفض التصعيد في تحسين الأوضاع على الأرض. وانــــتــــقــــد الاجــــتــــمــــاع تـــمـــســـك الأطـــــــراف المــتــصــارعــة بــاســتــمــرار الــقــتــال فـــي انـتـظـار تحقيق مكاسب عسكرية، مؤكدا «استحالة الـحـل الـعـسـكـري لـلـحـرب» بـعـد ثلاثـــة أعـــوام ونصف العام. ووصف المجتمعون استمرار المـسـاعـي لتحقيق مـكـاسـب عـسـكـريـة، بأنه «عبء يتحمل تكلفته المدمرة المدنيون الذين يعانون بالفعل من وطأة النزاع»، ودعوا إلى عدم تحميلهم تبعات الحسابات العسكرية للأطراف المتحاربة. ودعـا المجتمعون إلـى الاحـتـرام الكامل للقانون الدولي الإنساني، وحماية المنشآت المدنية، بما فيها البنية التحتية الحيوية اللازمــــــة لـتـقـديـم الـــخـــدمـــات الأســـاســـيـــة، في جـمـيـع الأوقـــــــات، وحـــثـــوا الــــــدول والــجــهــات الـفـاعـلـة عـلـى الامـتـنـاع عــن تـأجـيـج الـحـرب، «بـــتـــوفـــيـــر المــــرتــــزقــــة والمــــــعــــــدات الــعــســكــريــة والطائرات المسيّّرة والتمويل». وحـــذر الاجـتـمـاع مـن أن اسـتـمـرار هذه المــــمــــارســــات الـــتـــي بــــالــــضــــرورة تــــــؤدي إلـــى ســــقــــوط المــــزيــــد مــــن الـــضـــحـــايـــا، وتــصــعــيــد مـخـاطـر واحــتــمــالات تقسيم الـــســـودان حـال استمرار دعـم أطــراف القتال، لكن البيان لم يسم أي دول أو جهات بعينها باعتبارها مسؤولة عن تقديم هذا الدعم. وجــــدد المـــشـــاركـــون الــتــزامــهــم بـسـيـادة السودان ووحدته وسلامة أراضيه والحفاظ عـلـى مــؤســســات الـــدولـــة، وأعــلــنــوا رفضهم إنشاء أي حكومات أو مؤسسات أو هياكل حــكــم مــــوازيــــة، أو اتـــخـــاذ خـــطـــوات تـقـوض وحــــــدة الــــــــبلاد، داعين إلـــــى اتــــخــــاذ تــدابــيــر ملموسة لحماية هذه المبادئ. مــــــن جـــــانـــــبـــــه، شـــــــدد المـــــهـــــنـــــدس ولـــيـــد الخريجي نائب وزير الخارجية السعودي، فـــي كــلــمــتــه خلال الاجـــتـــمـــاع، عــلــى جـهـود المملكة لـوقـف إطلاق الـنـار وصـــون الـوحـدة والحفاظ على مؤسسات الدولة السودانية وحمايتها من الانهيار. وأوضـح الخريجي أن هــــذه الـــجـــهـــود تـسـتـنـد إلــــى إعلان جــدة مايو 11 للالـــتـــزام بحماية المــدنــيين المــوقّّــع ، واتــفــاقــيــة وقـــف إطلاق الـنـار 2023 ) (أيـــــار قـصـيـر الأمــــــد، مــبــيــنا أن الـــســـعـــوديـــة تـدعـم مــبــادرة المـجـمـوعـة الـخـمـاسـيـة وغـيـرهـا من الجهود الإقليمية والدولية للوصول لحل سـيـاسـي يحفظ ســيــادة الـــســـودان ووحـدتـه وسلامته أراضيه. عملية سياسية ذات مصداقية وعــــلــــى الـــصـــعـــيـــد الــــســــيــــاســــي، أكــــد الاجـتـمـاع أن تحقيق سلام دائـــم يتطلب عملية سياسية سـودانـيـة شـامـلـة وذات مــــصــــداقــــيــــة، تـــعـــكـــس تـــطـــلـــعـــات الــشــعــب السوداني وتتيح مشاركة فاعلة لمختلف الـــقـــوى الــســيــاســيــة والمـــدنـــيـــة، بــمــا فيها الـــنـــســـاء والـــشـــبـــاب، وصــــــولا إلــــى مـسـار انــــتــــقــــالــــي مـــتـــفـــق عـــلـــيـــه يـــحـــقـــق الـــــــسلام المستدام والحكم الديمقراطي. وأعــــــلــــــن المــــــشــــــاركــــــون دعــــــــم جـــهـــود «المجموعة الرباعية» التي تضم الولايات المـتـحـدة والـسـعـوديـة والإمــــــارات ومـصـر، وكذلك «المجموعة الخماسية» التي تضم الاتــــحــــاد الأفـــريـــقـــي والاتــــحــــاد الأوروبــــــي والـــهـــيـــئـــة الـــحـــكـــومـــيـــة الــــدولــــيــــة المــعــنــيــة بالتنمية «إيغاد» وجامعة الدول العربية والأمــــــــم المــــتــــحــــدة، فــــي تــيــســيــر الــــحــــوار، وشــــددوا على ضـــرورة أن تتسم العملية الـسـيـاسـيـة بـالـشـفـافـيـة والمــصــداقــيــة وأن تكون خالية من الإكراه. وأعـرب الاجتماع عن بالغ القلق إزاء اســـتـــمـــرار الــقــتــال والــتــقــاريــر عـــن ارتــكــاب فـــظـــائـــع، وتـــصـــاعـــد اســـتـــخـــدام الـــطـــائـــرات المــســيّّــرة، وتـفـاقـم الأزمــــة الإنـسـانـيـة التي يـــواجـــه خلالـــهـــا الملايين شــــحا حـــــادا في الغذاء، وسط قيود على وصول المساعدات وظروف مناخية تزيد مخاطر المجاعة. وحـــــــذر مــــن الــــتــــداعــــيــــات الإنـــســـانـــيـــة والاجتماعية والاقـتـصـاديـة للحرب على دول المـنــطــقــة، ومــــن خــطــر امـــتـــداد الــنــزاع خارج حدود السودان، ومن عواقب كارثية قد يصعب احتواؤها. وتــــأتــــي مـــــشـــــاورات جــنــيــف امــــتــــدادا لسلسلة اجتماعات سابقة استضافتها القاهرة وجيبوتي ونواكشوط وبروكسل، يناير 14 كان آخرها اجتماع القاهرة في (كانون الثاني) الماضي. وتـهـدف تلك المــشــاورات إلــى تنسيق المـبـادرات الإقليمية والدولية الرامية إلى إنهاء الصراع المسلح في الـسـودان، فيما تقد ّّر هيئات الإغاثة أن الحرب الدائرة منذ ألف 200 سنوات أسفرت عن مقتل أكثر من شخص، وتسببت في نزوح ما يزيد على مـلـيـوناً، مـا أدى إلــى نـشـوء أكـبـر أزمـة 13 جوع ونزوح في العالم. كـــــمـــــا جــــــــــدد الاجـــــــتـــــــمـــــــاع الــــتــــمــــســــك بـــالمـــبـــادئ الـــتـــي أقـــرهـــا المـــؤتـــمـــر الــــــوزاري بشأن الـسـودان في بـرلين أبريل (نيسان) الماضي، وبروح «إعلان جدة» الصادر في ، الــذي تعهد فيه طرفا 2023 ) مايو (أيـــار الحرب بحماية المدنيين وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية. كمبالا: أحمد يونس (الخارجية السعودية) 2026 أكتوبر 21 جانب من الاجتماع التشاوري بشأن تعزيز تنسيق مبادرات وجهود السلام في السودان يوم الخريجي نائب وزير الخارجية السعودي خلال مشاركته في الاجتماع (واس) وجوه أنهكها الصراع وطاردها الفقر ولجأت إلى الشوارع والمساجد الحرب توس ّّع دائرة الفقر والتسو ّّل في السودان تــحــت وطـــــأة الـــحـــرب وتــفــاقـــم الأزمـــــات المعيشية، لم يعد مد الأيدي طلبا للمساعدة فــي شــــوارع الـــســـودان وأســـواقـــه ومـسـاجـده مـــشـــهـــدا عـــــابـــــراً، بــــل بـــــات انــــعــــكــــاسا لــوجــع إنساني يتسع يوما بعد آخر، في بلد تشير 73 تقديرات رسمية إلى أن الفقر يطول نحو في المائة من سكانه داخل البلاد وخارجها. وخـــلـــف كــــل يــــد مــــمــــدودة حـــكـــايـــة فََـــقْْـــد ونـــــــزوح وعـــجـــز عــــن تـــوفـــيـــر لــقــمــة الــعــيــش؛ فــعــامــل حــرمــتــه الإصــــابــــة مـــن الــــقــــدرة على العمل، وأب أثقل الـنـزوح كاهله، وأم فقدت زوجــهــا لتجد نفسها وحــيــدة فــي مواجهة أعباء إعالة أطفالها... ومـــــع تـــآكـــل مــــصــــادر الــــدخــــل وارتــــفــــاع تـكـالـيـف الـــغـــذاء والــــــعلاج والــتــعــلــيــم، يجد هؤلاء أنفسهم أمام خيار قاس ٍٍ: طلب العون مـن الآخـريـن، أو تـرك أسـرهـم تـواجـه الجوع والـــحـــرمـــان. وهـــكـــذا، لــم تـعـد الــحــرب تسرق الـبـيـوت ومــصــادر الــــرزق فـحـسـب، بــل تدفع مزيدا من السودانيين إلى حافة العوز، حيث تـصـبـح الــكــرامــة الإنـسـانـيـة نفسها موضع اختبار يومي. تـتـسـع رقــعــة الـفـقـر فـــي الـــســـودان على نـحـو غـيـر مـسـبـوق مـنـذ انــــدلاع الــحــرب في . ففي يونيو (حزيران) 2023 ) أبريل (نيسان الماضي، أعلن وزير الموارد البشرية، معتصم أحــمــد صـــالـــح، أن نـسـبـة الـفـقـر بـلـغـت نحو فـي المائـــة بين الــســودانــيين داخـــل الــبلاد 73 وخارجها، واصفا النسبة بأنها «صادمة»، وتعكس حجم التدهور الذي خلّّفه الصراع المستمر. وفي السياق نفسه، حذر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، في تقرير صدر في أبريل الماضــــي، مــن أن اسـتـمـرار الــصــراع قــد يرفع فـــي المائــــــة من 60 نــســبــة الــفــقــر المـــدقـــع إلــــى ، بما يعادل نحو 2030 السكان بحلول عـام مليون شخص. 36 إصابة تسلب عاملا مصدر رزقه يــــــــروي حـــــــسين عــــبــــد الــــلــــه لــــ«الــــشــــرق الأوســــــط» جـــانـــبا مـــن المــعــانــاة الــتــي دفعته إلى التسول بعدما فقد مصدر رزقـه بسبب الـحـرب؛ فقد أدت إصابته بشظايا إلـى بتر إحدى يديه، ما حرمه من مواصلة العمل في البناء، الذي كان يوفر له دخلا يوميا يعين به أسرته. ومع تضاؤل خياراته وعجزه عن تلبية احــتــيــاجــات عــائــلــتــه، وجــــد نـفـسـه مـضـطـرا إلــى مـد يــده للمارة فـي الـسـوق، بعدما كان يتمتع بقدر أكبر من الاستقرار المعيشي قبل إصابته. أما صلاح التيجاني، فقد قادته رحلات الــنــزوح المـتـكـررة بين الــولايــات والمـــدن التي هـي أكثر أمــنا إلــى مواجهة أعـبـاء معيشية تفوق قدرته على الاحتمال. ويقول لـ«الشرق الأوســــط» إن تـــأمين الــغــذاء والـسـكـن أصبح تـحـديا يـومـيا لأسـرتـه، فـي ظـل غياب مـورد مالي يكفي لتغطية احتياجاتها الأساسية. ويضيف أن هذه الظروف اضطرته إلى الـتـسـول لـتـوفـيـر الـطـعـام وتـكـالـيـف الـــعلاج والدراسة، في محاولة لتجنيب أفراد أسرته مزيدا من المعاناة. أرامل وذوو إعاقة في مواجهة العوز تـواجـه فاطمة عبد الـكـريـم واقـــعا أشد قـسـوة بعد أن فـقـدت زوجـهـا خلال الـحـرب، لتجد نفسها وحـيـدة فـي تحمل مسؤولية إعـالـة أطفالها، مـن دون مصدر دخــل ثابت يلبي احتياجاتهم الأساسية. وتــــقــــول إنـــهـــا اضــــطــــرت إلـــــى الــتــســول لــتــوفــيــر مـتـطـلـبـات الـــحـــيـــاة الـــيـــومـــيـــة، رغــم مـــــحـــــاولاتـــــهـــــا المــــــتــــــكــــــررة الـــــحـــــصـــــول عــلــى مساعدة من الجهات الحكومية والمنظمات الإنـسـانـيـة، لكنها لـم تجد مـا يعينها على تجاوز محنتها. وتـضـيـف فـاطـمـة لــ«الــشــرق الأوســــط»، بصوت يمتزج فيه التعب بالأمل، أنها باتت تـتـجـول فــي الأســـــواق بــحــثا عـمـا يـسـد رمـق أطفالها ويوفر ثمن العلاج، مشيرة إلى أنها تعاني حاليا من الملاريا، ولا تملك سوى ما تجمعه من طلب المساعدة لتغطية تكاليف علاجها. ولا تخفي فاطمة رغبتها في الخروج من دائرة التسول، التي تقول إنها تتعرض خلالــهــا للمضايقات والاســـتـــغلال. وتحلم بـــالـــحـــصـــول عـــلـــى دعـــــم يــمــك ّّــنــهــا مــــن إقـــامـــة مــــشــــروع صـــغـــيـــر يــــوفــــر لـــهـــا دخلا ثــــابــــتاً، ويـسـاعـدهـا عـلـى إعــالــة أطـفـالـهـا بـعـيـدا عن مشقة الـسـؤال، بما يحفظ كرامتها ويمنح أسرتها فرصة لحياة أكثر أمانا واستقراراً. ومن جهته، يقول عبد اللطيف الحسن، وهــــو مـــن ذوي الإعــــاقــــة الــحــركــيــة ويـتـنـقـل عـلـى كــرســي مــتــحــرك، إن تــداعــيــات الـحـرب والارتفاع الحاد في تكاليف المعيشة دفعاه إلــى طلب المـسـاعـدة فـي الــشــوارع والمساجد لـــتـــأمين احـــتـــيـــاجـــات أســـرتـــه الـــيـــومـــيـــة، بما فـــي ذلـــك مـتـطـلـبـات زوجـــتـــه وأبــنــائــه الـذيـن يواصلون دراستهم. ويـــؤكـــد أن الـــحـــرب فــاقــمــت الــضــغــوط المعيشية عـلـى الأســـر الـسـودانـيـة، لا سيما الأشــخــاص ذوي الإعــاقــة، الــذيــن يـواجـهـون تـــحـــديـــات مــضــاعــفــة فـــي ظـــل تـــراجـــع فــرص العمل وارتــفــاع تكاليف الـحـيـاة، مـا يجعل تــــــأمين أبـــســـط مــتــطــلــبــات المــعــيــشــة مـعـركـة يومية. من التسول إلى بيع الشاي وتـــــروي فـتـحـيـة عـبـد الـــلـــه، وهـــي امـــرأة مطلقة، جانبا من معاناة النزوح والتشرد؛ إذ دفعتها قـسـوة الــظــروف إلــى الـتـجـول في الــــشــــوارع ومــــد يـــدهـــا للآخــــريــــن ســـعـــيا إلــى تــوفــيــر لـقـمـة الــعــيــش لأطــفــالــهــا. لــكــن وطـــأة هـذه المعاناة دفعتها إلـى البحث عـن بديل، فقررت العمل في بيع الشاي بإحدى أسواق أم درمان، أملا في تأمين مصدر رزق يعينها على مواجهة أعباء الحياة. وتــــقــــول فــتــحــيــة لــــ«الــــشــــرق الأوســـــــط»: «أحيانا لا أجد ثمن وجبة الفطور، فأكتفي بسندويتش طعمية أتـنـاولـه فــي الـصـبـاح، وأظـل من دون طعام حتى أعـود إلـى منزلي مساء ًً». وتكشف شهادتها جانبا من الضغوط الـيـومـيـة الــتــي تـواجـهـهـا الأســــر الــتــي فقدت مـــصـــادر دخــلــهــا؛ إذ لا يـقـتـصـر الـــعـــوز على العجز عن توفير الاحتياجات الأساسية، بل يمتد إلى تفاصيل الحياة اليومية، من وجبة الطعام إلى تكاليف التعليم والعلاج... الظاهرة انعكاس لانهيار سبل العيش وشـــــــددت الـــبـــاحـــثـــة الاجـــتـــمـــاعـــيـــة رنــــدا حـــــسين عـــلـــى ضـــــــرورة تـــعـــامـــل المــجــتــمــع مـع ظـــاهـــرة الـــتـــســـول بـــقـــدر كــبــيــر مـــن الـتـعـاطـف والمـسـؤولـيـة، بـعـيـدا عــن الإهــانــة أو التمييز أو افتراض أن جميع المتسولين ينتمون إلى الفئة نفسها. وأوضحت لـ«الشرق الأوسط» أن بعض هــــؤلاء فــقــدوا أعـمـالـهـم ومـنـازلـهـم وشـبـكـات الأمـــان الاجـتـمـاعـي، وأصـبـحـوا عـاجـزيـن عن توفير أبسط متطلبات الحياة. وأضـــافـــت أن اتــســاع الــظــاهــرة فــي زمـن الحرب لا يمثل مجرد مشهد لأيد ممدودة في الشوارع، بل يعكس واقع أسر فقدت مصادر رزقها، وأطفال باتوا مهددين بالحرمان من الـتـعـلـيـم، وأشـــخـــاص دفـعـتـهـم الــحــاجــة إلـى التخلي عن استقلالهم المعيشي. وتشير هــذه المعطيات إلــى أن التعامل مع الظاهرة لا ينبغي أن يقتصر على الحد من انتشارها في الشوارع، بل يتطلب أيضا معالجة الـظـروف الاقتصادية والاجتماعية الـــتـــي تـــدفـــع الــــنــــاس إلـــــى الـــتـــســـول، وتــوفــيــر بدائل تتيح لهم استعادة قدرتهم على كسب العيش. تحركات حكومية لمواجهة الظاهرة وفي ظل غياب إحصاءات رسمية دقيقة بـشـأن أعـــداد المـتـسـولين والمـشـرديـن، وج ّّهت وزارة التنمية الاجتماعية بولاية الخرطوم بإجراء حصر شامل للمشردين، وتصنيفهم وتـحـديـث بـيـانـاتـهـم، بــالــتــوازي مــع تشكيل لجان فنية مصغرة لوضع منهجية متكاملة لمــكــافــحــة ظـــاهـــرة الـــتـــســـول، وإعـــــــداد تـصـور عملي للتعامل معها ومعالجة أسبابها. وشدد وزير التنمية الاجتماعية بولاية الــــخــــرطــــوم، صـــديـــق فـــريـــنـــي، عـــلـــى ضـــــرورة إطلاق حـــــملات واســـعـــة لمـكـافـحـة الــظــاهــرة، قـــائلا إنـهـا «لــم تعد مـجـرد تـحـد اجتماعي، بل أصبحت ملفا أمنيا يهدد سلامة مواطني الولاية، ما يتطلب التعامل معها بحزم». ويـــضـــع هــــذا الــتــوجــه الــســلــطــات أمـــام تــحــدي المــــوازنــــة بين تـنـظـيـم المـــجـــال الــعــام والاســــتــــجــــابــــة للاحــــتــــيــــاجــــات الإنـــســـانـــيـــة للفئات التي دفعتها الحرب إلـى التسول، خــــصــــوصا فــــي ظــــل تــــراجــــع فـــــرص الــعــمــل واتساع دائرة الفقر والنزوح. الخرطوم: بهرام عبد المنعم جانب من «سوق الخضر» في مدينة أم درمان (الشرق الأوسط)
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky