issue17489

6 تحقيق FEATURES Issue 17489 - العدد Friday - 2026/10/16 الجمعة ASHARQ AL-AWSAT في قلب مدينة الخليل، كبرى مدن الضفة الغربية، لا يتقاسم مستوطن إسرائيلي مع آلاف الفلسطينيين تقاسما 500 نحو متكافئا للمكان، بل تكشف اختلالا عميقا في موازين السيطرة والحقوق. فالأقلية الاستيطانية، المسنودة بالحماية العسكرية، تفرض حضورا يتجاوز حجمها العددي، بينما يواجه السكان الفلسطينيون قيودا تضيق معها قدرتهم على التنقل والعمل والعبادة والبقاء في منازلهم. وهكذا، تتحول الحياة اليومية في البلدة القديمة إلــى معركة على الــوجــود، يصبح فيها الـوصـول إلى البيت أو فتح متجر أو عبور شارع فعلا محفوفا بالعوائق. ويحتل الحرم الإبراهيمي موقعا مركزيا في هذا الصراع، حيث تتشابك السيطرة على المـكـان مـع مـحـاولات فـرض روايـــة دينية وتاريخية على حساب ارتباط الفلسطينيين بمدينتهم. ولا تقف تداعيات الاستيطان عند الاستحواذ على المباني والمساحات، بل تمتد إلى إنهاك السكان ودفعهم إلى الرحيل، بما يهدد النسيج الاجتماعي للمدينة ويقوض حضور أهلها في أحيائهم. مستوطن يقاسمون آلاف الفلسطينيين حياتهم 500 ... الحرب في قلب الخليل قبل الوصول إلى مدينة الخليل، التي كم جنوب الضفة 35 تبعد عن القدس نحو الـغـربـيـة، عـلـى الـطـريـق الالـتـفـافـي السريع » يواجهك كثير من 60« المعروف بالطريق الشاخصات واللافتات التي توج ّّه العابرين على اختلاف جنسياتهم وأديانهم ومللهم، بــالــلــغــات الـــــــثلاث، الــعــبــريــة والإنــجــلــيــزيــة والـــعـــربـــيـــة، إلــــى وجــهــتــهــم، أيا كـــانـــت تلك الوجهة؛ فلسطينية أو إسرائيلية، أو ربما أبعد... «كرمي تسور - حلحول - بيت أمر - كريات جات - مخيم العروب - كريات أربع»، و«الحرم الإبراهيمي»... وغيرها. «ممنوع الدخول» وقــــبــــل قـــلـــيـــل مـــــن المـــــدخـــــل الـــرئـــيـــســـي لـلـمـديـنـة، تـعـتـرضـك لافــتــة ضـخـمـة تـحـذر الإسـرائـيـلـيين مـن الـدخـول إلــى المنطقة «أ» الممنوعة عليهم، و«الخطرة»، متجاهلة أن مستوطن يقيمون داخلها، ويحتلون 500 قلب المدينة الأكبر في الضفة الغربية، أي الــبــلــدة الــقــديــمــة، ويــتــقــاســمــون مـــع أهـلـهـا الــــشــــوارع والمــــنــــازل والمــــــحلات والــســاحــات وإطلالات الــشــرفــات والـــحـــرم الإبـراهـيـمـي. ويـــحـــاولـــون كـــل يــــوم طــــرد جـــيـــرانـــهـــم، في معركة طويلة ومرهقة، وأصبحت شرسة .2023 إلى حد كبير بعد السابع من أكتوبر في مطلع شـارع «الشهداء»، المعروف فــي منطقة بـــاب الـــزاويـــة المـكـتـظـة بـالـنـاس والمـــحـــال الــتــجــاريــة فـــي الــخــلــيــل، ينتظرك جـــنـــود إســرائــيــلــيــون مــتــأهــبــون. مهمتهم منع كل فلسطيني من الدخول إلى المنطقة، إلا أولـئـك الـقلائـل الـذيـن مـا زالـــوا يسكنون هــنــاك فـــي أحـــد المـــنـــازل الـقـديـمـة المـتـهـالـكـة والمـــحـــاصـــرة، ولـــم يــرحــلــوا عـلـى الــرغــم من أنهم يخضعون يومياً، في ذهابهم وإيابهم لتفتيش دقيق، كمشتبه بهم طوال الوقت. أكتوبر وبعده 7 قبل قــبــل الــســابــع مـــن أكـــتـــوبـــر، كــنــا دخـلـنـا الــــشــــارع بــعــدمــا ســمــح لــنــا الـــجـــنـــود بــذلــك. مـــتـــر فـــقـــط، أوقــفــنــا 100 ولــــكــــن، بـــعـــد نـــحـــو جــنــدي وقــــال إنــنــا مـمـنـوعـون مـــن مـواصـلـة الطريق، بسبب «سحنتنا العربية»، متذرعا بأنه لا يستطيع تأمين سلامتنا. أمـا اليوم فلم يعد مسموحا بالدخول ولا لمتر واحد. دخـلـنـا إلـــى الـبـلـدة الـقـديـمـة عـبـر طـرق أخــــرى مـفـتـوحـة، لكننا وجــدنــا الـكـثـيـر من شــــــوارع الــبــلــدة الــقــديــمــة وقــــد أغــلــقــت، ولــم نـــســـتـــطـــع الــــــوصــــــول إلــــــى مـــنـــاطـــق كـــثـــيـــرة، ومـــــن بــيــنــهــا شــــــارع الــســهــلــة خـــلـــف الـــحـــرم الإبــراهــيــمــي، الــــذي أُُغــلــق كــذلــك مـثـل شــارع الشهداء وأصبح ممنوعا على أي فلسطيني مـــا لـــم يــكــن أحــــد هــــؤلاء «المــــزعــــجين» سـكـان المنطقة. خرج إلينا إسلام الفاخوري إلى حارات ليست مغلقة أمــام أحــد، مثل سـوق «الــلبن» الذي كان خاوياً؛ محال مقفلة بلا تجار ولا سكان ولا متسوقين، وهو جزء من شوارع أخرى متداخلة في البلدة القديمة. قــــال الـــفـــاخـــوري لـــ«الـــشـــرق الأوســـــط»، إنـــه يـفـضـل الـــخـــروج لمـــرة واحــــدة فــي الـيـوم قـبـل أن يــعــود مـــرة أخـــيـــرة، لـتـجـنّّــب الكثير مــن الإجـــــراءات المــذلّّــة والـصـعـبـة. مـوضـحاً: «يعاملوننا كمشتبه بـهـم دائــــماً. يـجـب أن يـــكـــون اســـمـــك مـــــــدرجا عـــلـــى قـــائـــمـــة خــاصــة وتخضع للتفيش لــدى خـروجـك وعـودتـك، ويـــدقـــقـــون فـــي الـــهـــويـــات ثـــم يــســمــحــون لك بالعبور». والـــــــفـــــــاخـــــــوري مــــــن بين قلائــــــــــل بــقــي فــــي مـــنـــزلـــه بــــشــــارع الـــســـهـــلـــة، قـــــرب الـــحـــرم الإبــراهــيــمــي الــــذي يــقــع بـالـنـسـبـة لـلـطـرفين الــفــلــســطــيــنــيين والإســــرائــــيــــلــــيين فــــي مــركــز الصراع. يـقـول الـفـاخـوري إنــه بقي هنا لأنــه لم يستطع تقبل فكرة مغادرة منزله كما أنه «لا يريد تركه لهم». وأضــــــــــاف: «إذا تــــركــــت الــــبــــيــــت. فـــــورا يسيطرون عليه. هذا ما يريدونه أصلاًً. كل ما يحدث يهدف إلى دفعنا لهجرة منازلنا. لماذا يـضـيـق علينا الـجـيـش؟ لماذا كــل هـذه الإجـــــــراءات؟ لماذا يـهـاجـمـنـا المـسـتـوطـنـون؟ لأنهم يريدون المكان كله». يشرح الفاخوري كيف تعرض وآخرون فــي المـنـطـقـة لـهـجـمـات واعـــتـــداءات مـتـكـررة، لكنه لم يستسلم، مؤكداً: «مش طالع ومش مستغني عن بيتي». لــم يغير الــفــاخــوري مـوقـفـه حـتـى بعد السابع مـن أكتوبر عندما أصبحت معركة البقاء أصعب وأكثر تكلفة. فــــمــــنــــذ الـــــســـــابـــــع مــــــن أكـــــتـــــوبـــــر صـــع ّّـــد المـــســـتـــوطـــنـــون فـــــي الـــضـــفـــة مـــــن ســلــوكــهــم الــعــدائــي وراحــــــوا يـشـنـون هـجـمـات دمـويـة فـي مناطق واســعــة؛ يقتلون الفلسطينيين ويـــحـــرقـــون مـــنـــازلـــهـــم ومــمــتــلــكــاتــهــم ودور عبادتهم ويخربون مزروعاتهم، ويستولون على الأراضي والمنازل وتلال الجبال وحتى على المواشي. أكـــتـــوبـــر، 7 وقـــــــال الـــــفـــــاخـــــوري: «بــــعــــد أصبح كل مستوطن حكومة بحالها». وأضــــــاف: «كــنــا نــتــحــرك بــحــريــة أكــبــر، أكــتــوبــر 7 وكـــــان الاحـــتـــكـــاك أقـــــل. لــكــن بــعــد كـــل شــــيء تــغــيــر. أغــلــقــوا الـــبـــوابـــات وزادوا الــــــحــــــواجــــــز. وأصـــــبـــــحـــــت كــــــل حـــــركـــــة هــنــا محسوبة. وفـوق كل ذلك نتعرض لهجمات واعـتـداءات متواصلة بلا حسيب أو رقيب. يـــهـــاجـــمـــون المـــــنـــــازل ويــــعــــتــــدون عــلــيــنــا فـي الشوارع. كل يوم مشكل. كل يوم». مـــا قــالــه الـــفـــاخـــوري يـعـطـي فــكــرة لماذا لم يعد هناك سكان في مناطق واسعة في البلدة القديمة والمحلات مغلقة. 1978 معركة بدأت في بالطبع لم يكن إغلاقا بدأ بعد السابع مـــن أكــتــوبــر، بـــل قـبـل ذلـــك بـكـثـيـر؛ فمعركة المـسـتـوطـنين قـديـمـة لكنها استفحلت بعد ذلك التاريخ. وبـــحـــســـب مـــركـــز المـــعـــلـــومـــات الــوطــنــي الفلسطيني أقيمت أولى البؤر الاستيطانية ، بـاحـتلال 1978 داخـــل الـبـلـدة الـقـديـمـة عـــام مـجـمـوعـة مـــن المــســتــوطــنين مـبـنـى الـدبـويـا وســـط المــديــنــة. وأطـــلـــق عـلـيـه المـسـتـوطـنـون فيما بعد اسم «بيت هداسا»، وبعد «عملية ، وردا عليها 1980 الــدبــويــا» الـشـهـيـرة عـــام قامت سلطات الاحتلال بهدم عشرات المنازل مـن أجــل توسيع الــبــؤرة الاستيطانية ذات أقيمت 1983 الموقع الاستراتيجي. وفي عام بؤرة قرب مبنى الدبويا عرفت باسم «بيت رومانو» بعد السيطرة على «مدرسة أسامة بن المنقذ» بزعم أنها أملاك يهودية. أنشئت بؤرة استيطانية 1984 وفي عام جــديــدة (أبـــراهـــام أفــيــنــو) عـلـى مــوقــع أثــري فـي تـل الـرمـيـدة، وأغلقت سلطات الاحــتلال سـوق الخضار المـركـزي في البلدة القديمة، وتــــــم تـــســـلـــيـــمـــه فـــيـــمـــا بـــعـــد لــلــمــســتــوطــنين لإقامة بـؤرة استيطانية جديدة؛ بالإضافة إلــى بــؤر أخــرى مثل «بيت حـسـون» و«بيت شنرسون». وقـــــــــال المــــــركــــــز إن إســـــرائـــــيـــــل تــســعــى للسيطرة على المكان وتوسيع حجم البؤر الاستيطانية، وقد قامت من أجل ذلك باتباع سياسات عنصرية ضد السكان العرب، من خلال نشر عشرات الحواجز ونقاط التفتيش وإغلاق تام لبعض الشوارع والأســواق؛ في مـحـاولـة لــطــرد الـسـكـان الــعــرب والتضييق عـلـيـهـم؛ بـغـيـة تـهـجـيـرهـم مــن المـــكـــان؛ حيث قـــدر عـــدد المــــحلات الـتـجـاريـة المـغـلـقـة بنحو مغلقا بأوامر 520 محلا تجارياً، منها 1829 عـسـكـريـة خـــاصـــة؛ والــبــاقــي مـغـلـق مـــن قبل أصـــحـــابـــهـــا بــســبــب إغلاق الــــطــــرق ووضــــع الحواجز ونقاط التفتيش داخل الأزقة. يــؤكــد ســكــان الـبـلـدة الــذيــن التقيناهم هناك على عجل إن «المـعـركـة معهم قديمة، لكنها اشتدت في مرحلتين، وكانت مفصلية ، ثـم بعد 2000 بعد الانتفاضة الثانية عــام .»2023 السابع من أكتوبر وإلـى اليوم، غـادر معظم سكان البلدة ألفا ً. 40 البالغ عددهم «الحرم الإبراهيمي»... على مرمى حجر كــــان الـــحـــرم الإبـــراهـــيـــمـــي الـــــذي يصفه الفلسطينيون بـأنـه أقـــدم مـكـان مـقـدس في الــعــالــم، عـلـى مــرمــى حــجــر. وقــبــل الــوصــول إلـيـه، دب فـي المـكـان بعض الـحـيـاة؛ مـحلات قـــلـــيـــلـــة مـــفـــتـــوحـــة يــــعــــرض فـــيـــهـــا حـــرفـــيـــون وصـــــنـــــاعـــــيـــــون بـــــعـــــض الـــــحـــــلـــــي والــــــخــــــزف والمنحوتات الخشبية، والكثير من خرائط فـــلـــســـطين والـــــــطـــــــرزات، والأكـــــــــــواب المـــزيـــنـــة والبخور وحلوى الحلقوم في مصنع قديم للغاية، أقدم من الاحتلال نفسه. تزينت إحدى واجهات العرض بصورة للشاعر الــراحــل محمود درويـــش مرسومة على قطعة مـن الـصـدف وكتب إلـى جانبها ما قاله يوماً: «على هذه الأرض ما يستحق الـــحـــيـــاة». وإلــــى جـانـبـه كــانــت هــنــاك رسـمـة لــفــيــروز وكــتــب إلـــى جـانـبـهـا «أنــــا لحبيبي وحـبـيـبـي إلــــي»، وغــيــر ذلـــك مــن خـزفـيـات لا تشبه اللحظة. ولــكــن عـلـى هـــذه الأرض مـقـابـل الـحـرم الإبـراهـيـمـي، وقــف جـنـدي إسـرائـيـلـي خلف بـــوابـــات أمــنــيــة مــتــأهــبا ومــتــســلــحاً، يــراقــب الراغبين بالصلاة، ثم يمنحهم إذنا بالمرور، عبر ضوء أخضر فقط. مـــررنـــا بـــبـــوابـــات دوارة أو مـــا يسميه الـفـلـسـطـيـنـيـون ســـاخـــريـــن «المــــعــــاطــــات» ثم ببوابات إلكترونية، قبل أن يفحص الجندي هوية كل شخص، ثم عبرنا إلى أكشاك أمنية تحت كاميرات مراقبة، وجنود حراسة، قبل أن تفحص جندية هناك الهويات مرة أخرى، ثم تسمح لنا بالمرور إلى الحرم الإبراهيمي. خطوات قليلة تشبه عبور حدود بلد أو مقر وزارة دفاع ما، وليس مسجدا للصلاة. كــــان لــلــمــكــان الـــــذي يـحـمـل الــكــثــيــر من الــقــدســيــة لـلـمـسـلـمين هــيــبــتــه، لــكــن قـلـيـلين كانوا هناك يصلون. البعض جاء لأول مرة في حياته، فراح يتفقد بكثير مـن الدهشة مقامات الأنبياء ويـكـتـشـف زوايـــــا كـثـيـرة عـتـيـقـة تـحـت أعين الكاميرات الإسرائيلية. كانت الكاميرات في كل مكان. وأينما ولـــيـــت وجـــهـــك كــــان ثــمــة كــامــيــرا تـــرصـــد كل حركة وكل كلمة. مدير الحرم: يبثون الخوف فينا لــــم يــكـــن الــشــيـــخ مــعــتــز أبـــــو سـنـيـنـة، مدير الحرم، متحمسا لفكرة القيام بجولة فـي المسجد، حتى وإن بــدون كـامـيـرات أو تصوير، كي لا يستغل الإسرائيليون ذلك ويقتحموا المكان. الخليل (فلسطين): كفاح زبون إسرائيل تغلق الحرم الإبراهيمي حتى إشعار آخر (وفا) «إذا تركت البيت... فورا يسيطرون عليه، هذا ما يريدونه أصلا ًً» بائع حلوى فلسطيني داخل البلدة القديمة في الخليل (الشرق الأوسط) (رويترز) 2026 يونيو 16 فلسطينيون ينتظرون عند حاجز إسرائيلي لأداء الصلاة بالمسجد الإبراهيمي في الخليل يوم داخل الحرم الإبراهيمي... صراع يومي على المكان والزمان والرواية

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky