ســألــنــي أحــــد المـــحـــاوريـــن الأذكــــيــــاء مـــؤخـــرا عن القطعة الموسيقية الـتـي أخـتـارهـا لتلخيص سمات عصرنا الراهن. وللأسف، أجبت إجابة نمطية مكررة وهـي أوبــرا «غـوتـردامـرونـغ» للموسيقار فاغنر، وإن كانت عبقرية فاغنر لم تكمن في إيجاز الأمور. وحين غادرت المقابلة، خطرت على بالي إجابة أفضل. تبدو أغنية «لقد فـقـدت السيطرة» لفرقة جوي ديفيجن أكـثـر تلامــــسا بـجـوهـر عـصـرنـا الــخــارج عن السيطرة: التكرار التنويمي لعبارة «فقدت السيطرة مجدداً»؛ والمقاطع المشؤومة عن «الحيرة في عينيها التي تقول كل شــيء»، و«الـصـوت الـذي يخبرها متى وأيــــن تـــتـــصـــرف»؛ وفــــي مــقــاطــع الأداء الـــحـــي، رقـصـة المـغـنـي الـرئـيـسـي إيـــان كـيـرتـس المـضـطـربـة المجنونة بتلويحات ذراعيه وعينيه نصف المغمضتين. وجدير بــالــذكــر أن كــيــرتــس، المـــصـــاب بــصــرع حــــاد، قـــد شنق نفسه بغرفة جلوسه في سن الثالثة والعشرين. تــأم ّّــل بـعـض عـنـاويـن الأخــبــار الأخـــيـــرة: دونـالـد ترمب يُُهدد بـ«الإبادة» في خطاب أمام الأمم المتحدة التي ش ُُيّّدت معبدا للسلام، وفلاديمير بوتين يتحدث عـن اسـتـخـدام أسلحة نـوويـة «اسـتـراتـيـجـيـة» لحسم المأزق فــي أوكــرانــيــا؛ وفـــي الأثـــنـــاء ذاتـــهـــا، أثـــار مقتل عامل مختبر في معهد «إيركوتسك» لأبحاث مكافحة الطاعون (في سيبيريا والشرق الأقصى) مخاوف من تفشي وباء الطاعون، وبيل غيتس يصرح بأن للذكاء الاصـطـنـاعـي الــقــدرة عـلـى التسبب فــي «مـلـيـار حالة وفـاة» إن وقع في الأيـدي الخطأ. وفي فرنسا، يحرق طلاب المـــدارس مدارسهم وكـل مـا تصل إليه أيديهم. وفــي ألمانــيــا، يتصدر حــزب «الـبـديـل مـن أجــل ألمانـيـا» اليميني المـتـطـرف اسـتـطلاعـات الـــرأي على المستوى الوطني. أكــــثــــر المـــــشـــــكلات الـــســـيـــاســـيـــة إثــــــــارة لــلــعــواطــف تـتـمـحـور حـــول مـسـألـة الـسـيـطـرة أو غـيـابـهـا. موجة تــدفــق اللاجـــــئين تــوحــي بـأنـنـا فـقـدنـا الـسـيـطـرة على ّّــي الــجــرائــم الـصـغـيـرة يــوحــي بأننا حـــدودنـــا، وتــفــش فقدنا السيطرة على شوارعنا، ودرامــا السماء، حين حـاول طيار مـارق الاسـتـيلاء على طائرة متجهة إلى ألــف قــدم نحو الأرض، تُُــعـزّّز 14 إسـرائـيـل فأسقطها أشد المخاوف قتامة تجاه السفر الجوي. يـمـكـن الـــجـــدال فـيـمـا إذا كـــان الـعـالـم الــيــوم أكثر خــــــــروجا عــــن الـــســـيـــطـــرة مـــمـــا كـــــان عـــلـــيـــه إبـــــــان أزمــــة ، أو حظر النفط العربي 1962 الصواريخ الكوبية عام . غير أن دورة الأخبار الراهنة بكل ضجيجها 1973 عام تُُــعـمّّــق شـعـورنـا بــأن الأمـــور تـــدور فـي فلك الفوضى: إذ تُُغرقنا المنصات المتنافسة بشظايا الــكــوارث من شتى بقاع الأرض دون توقف للحظة واحـدة. ويُُلقي هــذا الـشـعـور بـظلالـه الـداكـنـة على الأحــــداث الفعلية: فالبريطانيون مقتنعون بأنهم يعيشون موجة من وباء الجريمة، رغم أن حوادث الجرائم الأشد خطورة كالقتل في تراجع. ومن يعبأ بإحصاءات جرائم القتل حين يُُضطر محل «تيسكو» المحلي إلى تركيب حاجز زجاجي م ُُقوى لحماية موظفيه من صغار المشاغبين؟ تحتل مسألة كيفية استعادة السيطرة في عالم خــارج عـن السيطرة قلب السياسة العالمية. غير أن الإجــابــات الـــثلاث الأكـثـر شـيـوعا على هــذه المعضلة ليست خاطئة فحسب؛ بل م ُُفضية إلى نتائج عكسية؛ إذ تُُقد ِِّم وهما بالسيطرة بينما تُُفاقم نقيضه تماماً. يـعـيـش الــــروس فــي رهــبـة مــن أن يُُــســاقــوا قسرا إلـى الخدمة بالجيش ويُُـــزج بهم في طاحونة الموت الأوكرانية. والأميركيون من غير البيض يواجهون خـطـر الاعــتــقــال عـلـى يـــد وكـــالـــة الــهــجــرة والــجــمــارك. ويعج مضيق هرمز والمناطق المحيطة به بالمخاطر. والحل الليبرالي لمسألة فقدان السيطرة يتمثل فــــي مـــضـــاعـــفـــة الــــقــــواعــــد والـــتـــشـــريـــعـــات؛ فـــالاتـــحـــاد ألـــف قــانــون وتشريع 20 الأوروبـــــي يـضـم مــا يــقــارب نافذ، لا تمس الـدول الأعضاء وحدها، وإنما كل من يريد التجارة مع هذا التكتل. وفي الولايات المتحدة، ألف 400 تضخم قانون اللوائح الفيدرالية من نحو ، إلــى أكثر مـن مليون كلمة 1970 كلمة تقييدية عــام هيئة 90 الــــيــــوم. والمــمــلــكــة المـــتــحــدة تــضــم أكـــثـــر مـــن تنظيمية، غير أن هذا التضخم في القوانين واللوائح كثيرا ما يُُفضي إلى النقيض بـدلا من تعزيز شعور الناس بالسيطرة. ولـعـل أكـثـر شـكـاوى السياسيين الديمقراطيين اســــتــــمــــرارا أنـــهـــم يُُـــنـــتـــخـــبـــون لإحـــــــداث الـــتـــغـــيـــيـــر، ثـم يـــجـــدون أنــفــســهــم غــــــارقين فـــي الإجــــــــــراءات، مــكــبّّــلين بــالــبــيــروقــراطــيــة، ومـــعـــرقـــلين بــضــغــوط مـجـمـوعـات المصالح. ولنأخذ بريطانيا مثالا ًً، الدولة التي خرجت من الاتحاد الأوروبي بُُغية «استعادة السيطرة»؛ فقد شكا بـوريـس جونسون مـن أن أدوات السلطة هشة ورخـــوة كأنََّها مصنوعة مـن الشوكولاته أو الــهلام. وبلغ الإحباط بكير ستارمر - رجل العمل والإجراءات بامتياز - حدا دفعه إلى شن حملة على «جيش محلي من المفتشين والمعرقلين» الذين تخص ّّصوا في ضمان عدم إنجاز أي شيء. أمــــا الـــحـــل الــثــالــث فـيـتـمـثـل فـــي الانـــســـحـــاب من الفضاء العام والانكباب على تحسين الـذات. وتكمن المشكلة الجليّّة في هذا النهج أنه إذا انسحب العقلاء مـــن الــفــضــاء الـــعـــام، فــلــن يـبـقـى فــيــه إلا المـتـعـصـبـون والحمقى. وهذه المعضلة - النظام الخاص في مقابل الـــفـــوضـــى الـــعـــامـــة - هـــي الــصــيــغــة الــحــديــثــة لمـفـارقـة الخبير الاقتصادي جون كينيث غالبريث عن الرخاء الخاص والبؤس العام. وثمة مشكلة أدق وأبلغ عمقاً: السيطرة على حياتك الشخصية ذات نفع محدود إن كنت مُُختزََلا في آلـة من العمل، ومُُــرغََــما على قضاء حياتك مطيعا لأوامر مديرك، لا سيما إن كان مديرك هذا ذكاء اصطناعيا وليس بشراً. * بالاتفاق مع «بلومبرغ» الرئيس التنفيذي جمانا راشد الراشد CEO Jomana Rashid Alrashid نائب رئيس التحرير Managing Editors Editorial Consultant in KSA Aidroos Abdulaziz Camille Tawil Saud Al Rayes Deputy Editor-in-Chief مديرا التحرير مستشار التحرير في السعودية محمد هاني Mohamed Hani الأمير أحمد بن سلمان بن عبد العزيز عيدروس عبد العزيز كميل الطويل سعود الريس 1987 أسسها سنة 1978 أسسها سنة هشام ومحمد علي حافظ رئيس التحرير غسان شربل Editor-in-Chief Ghassan Charbel ثلاث مدن في بلدان مختلفة ومتباعدة الأميال، ولــكــنــهــا تــحــمــل تــــاريــــخا لا يــخــلــو مـــن دلالات مهمة وعميقة للبشرية جمعاء. الأولى هيروشيما، شهدت أول استخدام 1945 ) فـي الـسـادس مـن أغسطس (آب للقنابل النووية في التاريخ الإنساني كله. والثانية حلبجة، شـهـدت حملة عسكرية قـاسـيـة مــريــرة على أهـالـي المدينة الـتـي تقطنها غالبية كـرديـة مـع أقلية آشـــوريـــة، ومـــا حــولــهــا، فـــي إحــــدى مـــراحـــل مـــا تُُــعـرف بـ«حملة الأنـفـال» التي قـام بها الجيش العراقي زمن صـدام حـسين، واستُُخدمت فيها الأسلحة الكيماوية ومـــــورســـــت الاعـــــتـــــقـــــالات الـــعـــشـــوائـــيـــة والــــقــــتــــل عـلـى الهوية. والثالثة قطاع غـزة الــذي يشهد أكبر عملية تدمير على مـدى السنوات الـــثلاث الماضـيـة، ومـا زال يتعرض أهله لكل صنوف القتل الجماعي والتجويع والإفساد المتعمد للأرض وتدمير الزرع، وهي مفردات وأعـمـال ينطبق عليها التعريف القانوني لــ«الإبـادة الجماعية». الـجـامـع بين المـــدن الــــثلاث يتمثل فــي اسـتـخـدام أسلحة شديدة التدمير والقتل، ومن ثم حصدت آلاف الضحايا في لمح البصر، كما في حالتََي هيروشيما ونـــاغـــازاكـــي الــيــابــانــيــتين. ويـتـمـثـل كـــذلـــك فـــي الـقـتـل والتدمير الممنهجين على فـتـرات متقاربة مـن الزمن ) كما في حالة المناطق الكردية شمال 1988 إلى 1986( الـــعـــراق، وراح ضحيتهما أكـثـر مــن مـائـة ألـــف كــردي وآشـــــوري وأقــلــيــات عـرقـيـة أخــــرى. وفـــي غـــزة نشاهد يوميا ما يجري؛ حيث دُُم ِِّــر القطاع، واستُُشهد أكثر ألــف مُُــصــاب، ومــا زالـــت الأعـــداد 175 ألـــفاً، مـع 75 مـن ترتفع كل ساعة. وأُُزيلت مدن كاملة في الحالات الثلاث، واختفت عـــائلات بكاملها، وتـنـاثـرت أجـسـاد الضحايا بفعل الإشعاع النووي والغازات الكيماوية السامة وقنابل الـيـورانـيـوم المنضب والقنابل الـحـارقـة التي لا تترك أثرا لمن أصيب بها. ويظل بشر أراد القدر أن يشهدوا تلك المآســي، ومـا زالــوا يعيشون بيننا، وقـد أصيبوا بالأمراض الخطيرة والمعاناة النفسية الرهيبة التي تظهر في نظرات العيون وحركات اليد وطريقة المشي المتعثرة، والعبارات الممتزجة بالدموع حين يتذكرون هـــول مـــا تــعــرضــوا لـــه. هـــم جـمـيـعا شــهــود عـلـى أكـثـر الأفعال دموية، وأكثرها انحطاطا أخلاقــياً، وأكثرها تــعــبــيــرا عــــن شــخــصــيــات وقـــــــادة فــــقــــدوا كــــل مــعــانــي الإنـسـانـيـة، وتحكمت فيهم رغـبـة الانـتـقـام الـشـرس، ولــم يـتـصـوروا أنهم رمــوز دمـويـة فـي نظر كـل البشر الأسوياء. في الـذكـرى الستين لإلقاء القنبلة النووية على ، وبدعوة 2005 هيروشيما، يوم السادس من أغسطس مـن الحكومة اليابانية، شـاركـت فـي بعض الأنشطة المتعلقة بإحياء تلك الذكرى المريرة، وقبل حلول تلك الـذكـرى بأيام قليلة، نشرت الـولايـات المتحدة بعض الوثائق المتعلقة بقرار استخدام تلك القنابل لإخضاع اليابان وفرض الاستسلام عليها، حتى بعد أن عرض الإمبراطور الياباني آنذاك هيروهيتو استسلام بلاده بلا قيد أو شـرط، وهو ما تجاهله الرئيس الأميركي هـاري ترومان الـذي قرر إلقاء القنبلة المسماة «الولد الـصـغـيـر» عـلـى هـيـروشـيـمـا، و«الـــرجـــل الـبـديـن» على ناغازاكي، أيا كانت النتائج المحتملة على البشر. في تلك الوثائق تأكدت نية استخدام القنابل النووية بلا أدنى معارضة من القادة العسكريين الذين أثنوا على القرار، واعتبروا أنه سيكون فتحا تاريخيا كبيراً. فـي تلك الــذكــرى وقــف بعض الـسـيـدات المسنات ن من الإصابة المباشرة، وكـن صغيرات، اللواتي نـج ََيْن ولكنهن لم يََسلََمْْن من الإشعاعات السامة والأمراض الــخــطــيــرة. كــــان الـــوهـــن مـتـمـكـنا فـــي نـــظـــرات الـعـيـون وحركات الجسد والصوت الضعيف. حكت السيدات أمـام الحضور ما أصابهن من أمــراض خبيثة، وفقد الأبــــنــــاء والأزواج والأقـــــــــارب والأصــــــدقــــــاء، وانــتــهــت كــلــمــاتــهــن بـــالـــدعـــوة إلـــــى تــعــلــم الــــــــدروس والــتــمــســك بالسلام. الــحــكــايــات ذاتـــهـــا يـمـكـن أن تـسـمـعـهـا -وكــأنــهــا قـصـة لــم تتغير مـفـرداتـهـا- فــي حلبجة، تـلـك المدينة الــــكــــرديــــة الـــتـــي كـــــان لـــهـــا نــصــيــب مـــريـــر مــــن «حــمــلــة الأنــــفــــال» اللاإنـــســـانـــيـــة؛ حـيـث سـقـط مـــن أهـلـهـا آلاف عــدة، وانتشرت الأمـــراض التعيسة بين آلاف آخرين، كانت من بينهم السيدة «كيشوه ر ولودحه مه يس» المـــرشـــدة فــي مـتـحـف حـلـبـجـة، الــتــي تــشــرح لـلـزائـريـن المأســــاة، وكـيـف حـدثـت، وكـيـف تمثلت الوحشية في التحركات العسكرية العراقية ضد العزل من السيدات والأطــفــال. هـي نفسها أجــرت عمليات جراحية عـدة، آثارها في أماكن كثيرة من الجسد. كانت تشرح لوفد مصري غير رسمي اللوحات والصور التي التقطها مــصــور هــولــنــدي جـــاء إلـــى المــديــنــة خـلـسـة، بـعـد أقـل مـن أسـبـوع مـن اسـتـخـدام الأسلحة الكيماوية، ونـال على أشهر صـوره تلك جوائز عـدة، وهـي صـورة الأم الـــتـــي تـحـتـضـن طـفـلـهـا وكلاهـــمـــا مــطــمــور بــالأتــربــة، فـي مـحـاولـة لحمايته مـن الأشـعـة والـسـمـوم القاتلة، ولكنهما نالا معا شرف الشهادة. هـــي الـــصـــور الـكـثـيـرة نـفـسـهـا الــتــي تــخــرج على العالم بأسره من غزة طوال السنوات الثلاث الماضية؛ حـيـث مــئــات الأمـــهـــات -إن لـــم يـــكُُـــن آلافاً- يـحـمـلـن في صــدورهــن فــلــذات أكــبــادهــن؛ حـيـث اسـتـشـهـدت كــل أم وابنها معاً؛ ناهيك بصور الدمار والخراب والأصول التي لم تعد سوى ذكرى أليمة. ويظل السؤال: لماذا قتلونا؟ حين نشرت الممثلة الأميركية الشهيرة أنجلينا جـولـي قـبـل أســبــوعين صـــورة الــدمــار فــي قـطـاع غــزة، مُُلحقة بها صــورة المكان نفسه قبل تدميره على يد جيش الاحـــتلال بـأوامـر رئيس الـــوزراء نتنياهو، بدا المـــرء وكـأنـه يشاهد صــور هيروشيما وكــل منازلها ومبانيها مجرد رماد، وتماثل تلك الصور ما يعرضه متحف حلبجة المتواضع من صـور للمباني المدمرة والعربات المحترقة، والمعالم التي لا يمكن أن يُُعرف ما كانت عليه، ولكنها أصبحت عدماً. الــــحــــروب الـــتـــي تـــخـــرق كـــل مــعــانــي الإنــســانــيــة، أيا كــان الـقـائـد، وأيا كــان المــنــفِِّــذون، يظل ضحاياها وذكرياتها الأليمة القاسم المشترك، الأمر الذي يدعو الـبـشـريـة جـمـعـاء إلـــى الــوقــوف بحسم وصــرامــة ضد هؤلاء المنزوعة إنسانيتهم. هيروشيما وحلبجة وغزة... لماذا قتلونا؟ عالم خارج عن السيطرة؟ OPINION الرأي 13 Issue 17486 - العدد Tuesday - 2026/10/13 الثلاثاء حسن أبو طالب *أدريان وولدريدج
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky