حـــتـــى قـــبـــل عـــــام واحــــــد فـــقـــط، كـــــان هـــــذا الــــســــؤال لــيــثــيــر الــدهــشــة والاســــتــــغــــراب، داخـــــل الــــدوائــــر الــســيــاســيــة حــــول الـــعـــالـــم. آنــــــذاك، بــدت الجمهورية الاتحادية تجسيدا لمعجزة اقتصادية، ونموذجا للاستقرار الديمقراطي، وكان حرصها المالي وثقافتها القائمة على العمل الجاد والابتكار، الضامن للاستقرار على مستوى أوروبا. أما اليوم، فتحتشد غيوم الشك والريبة في سماء ألمانيا، التي كانت صافية ذات يوم، جراء عوامل؛ منها اقتصاد واهن، ودين وطني متزايد، وظلال حرب تتمدد من أوكرانيا، وعلاقات شائكة مع الولايات المتحدة، تحت قيادة الرئيس ترمب. غير أن الغيمة الأشـــد ظلاما والأكــثــر اتــســاعاً، مـا يـعـده كثير من المراقبين عودة لبعض أشباح ألمانيا القديمة، متمثلة في حزب «البديل من أجل ألمانيا»، عقب إحـرازه انتصارات كبيرة في الانتخابات بثلاث ولايات، وبروزه بوصفه ثالث أكبر قوة سياسية في البلاد، بعد «الحزب الديمقراطي المسيحي» و«الحزب الديمقراطي الاجتماعي». اللافـت أن حزب «البديل من أجل ألمانيا» بنى خطابه حول ثلاثة محاور رئيسية. يــــدور المــحــور الأول حـــول المـفـهـوم الـشـعـبـوي المــعــتــاد، الــــذي يـــرى أن هناك نخبة خبيثة، تضح ّّي بمصالح الشعب على مذبح آيديولوجيتها الأنانية. غالبا ما يجري تعريف الشعبوية بوصفها آيديولوجيا «سطحية»، ذات طـــابـــع أخلاقـــــــي، تــقــســم المــجــتــمــع إلــــى مــجــمــوعــتين مـتـجـانـسـتين ومتعاديتين: «الشعب النقي» في مواجهة «النخبة الفاسدة»، وتدفع الشعبوية بضرورة أن تعب ِِّر السياسة عن «الإرادة العامة للشعب»، أيا كانت تلك الإرادة. ويرفض الشعبويون الآليات الديمقراطية، حين يرون أنها تشوه الإرادة الشعبية الحقيقية. وتـلـك الـنـخـبـة، رغـــم عـــدم تـحـديـدهـا بدقة مطلقاً، تحبذ الهجرة، لأنها توفر العمالة الرخيصة، وتدعم العولمة، لأنها تضمن أســـواقا أكبر وأربـــاحا أكثر لها. كما تكرس هـذه النخبة شـعـور ألمانــيــا بـالـذنـب الـتـاريـخـي، لأنــه يـبـرر الـنـظـام الـسـيـاسـي، الـذي .1945 فرضه الحلفاء عام أما المحور الثاني، فيدور حول فكرة أن عضوية الاتحاد الأوروبي أُُنـشـئـت كـطـوق صحي لـعـزل ألمانــيــا، الـتـي كــان حلفاء الـحـرب العالمية الثانية يراقبونها بوصفها خطرا دائما على السلام. ومع مرور العقود، حو ََّل الاتحاد الأوروبي ألمانيا إلى ما يشبه «بقرة حلوباً»، لصالح بلدان جنوب وشرق أوروبا، التي تبحث دائما عن العيش على حساب غيرها. وأخـيـراً، يتمثل المحور الثالث في خطاب الحزب، في الحنين إلى ألمانيا بصورتها التي كانت عليها في الماضي، بما في ذلك عهد النازية، وبدرجة أقل خلال الحكم الشيوعي بالمنطقة الشرقية. ويـتـجـاهـل «حـــزب الـبـديـل مــن أجـــل ألمانـــيـــا» الــرؤيــة الـسـائـدة التي تفترض أن النازية والشيوعية نقيضان لا يلتقيان، ويُُبدي الحنين إلى العهد الذي تحالفا فيه بموجب حلف «مولوتوف ـ ريبنتروب». ويجري تقديم هذا الخليط الغريب على طبق من ذهب يسمى «النوستالجيا». ومع أن كلمة «نوستالجيا» تبدو يونانية، فإنها في حقيقة الأمر ليست كذلك؛ إذ تتألف من الكلمتين اليونانيتين: «نوستوس» (العودة) و«ألجيا» (الألم)، لتجسد رغبة جارفة في العودة، مكانا ومعنى. ، صــــاغ يـــوهـــانـــس هـــوفـــر، وهــــو بـــاحـــث طـــبـــي، الـكـلـمـة 1688 عــــام بوصفها تشير إلــى مــرض يصيب المـرتـزقـة الـسـويـسـريين فـي جيش لويس الـرابـع عشر، الذين أضناهم الشوق إلـى وطنهم. وكتب هوفر أطروحة زعم فيها أن «النوستالجيا» قد تكون داء قــاتلاًً، إذا لم يُُعََد المريض إلى نمط حياته السابق. ويحمل الشوق إلى «إيثاكا» خيالية جاذبية خاصة لدى الألمان، الذين يزخر تاريخهم بمزيج من الاضطراب والحنين. ونرى ذلك جليا في أعمال شيلر وفون كلايست، وفي أساطير «فالهارا»، وموسيقى فاغنر، بل حتى في افتتان بيتهوفن بشخصية نابليون. اليوم، نلمس ذلك في شعبية الأفلام الألمانية القديمة، بما فيها تلك التي أنتجها استوديو «أوفـــا»، سيئ السمعة المملوك ليوزف غوبلز، وعــــودة أســمــاء لامــعــة مــن ثلاثــيــنــات الــقــرن الماضـــــي، مـثـل زارا لـيـانـدر وماريكا روك، من غياهب النسيان كنجوم ساطعة لعهد يُُفترض أنه كان ذهبياً. كما وجـدت الكتابات السياسية لكارل شميت، وأعمال غيرهارت هاوبتمان وبرونو ألفرد دوبلن وغيرهم من مؤرخي عهدي «فايمار» والنازية، قاعدة جديدة من القراء. وفي المنطقة الشرقية السابقة، حتى ســيــارات «تــرابــانــت» -تـلـك الــصــورة الـكـاريـكـاتـيـريـة الشيوعية لمفهوم السيارات- باتت تحقق أسعارا باهظة بوصفها قطع مقتنيات أثرية. ولعل غونتر غـــراس، الــذي كـان سـاخـطا على اخـتـزال الألمان فـي مجرد منتجين لسيارات «فولكسفاغن»، يتقلب الآن في قبره. على امتداد نحو أربعة عقود، كانت إعادة التوحيد حلما جامعاً. أََمََا وقد غدت واقعاً، يبدو الشعور السائد اليوم، كأنه إفاقة ثقيلة بعد حالة مـن الس ُُّكر. فـي ولايــة ساكسونيا، حيث حقق حـزب «البديل من أجـل ألمانـيـا» أعلى نسبة فـوز لـه، كـان الـحـنين المـــزدوج للحياة فـي ظل النازية ثم الشيوعية، جلياً. ومـن المثير للاهتمام أن عاصمة الولاية ، التي أثبتت أنـه عند 1854 ماغديبورغ، موقع التجربة الشهيرة عـام تفريغ الهواء من الضغط الجوي، لا توجد قوة قادرة على فصل نصفََي كرة معدنيين متلاصقين بإحكام. وتنطوي خطابات النجم الصاعد في الحزب، أولريش زيغموند، على هذين النصفين بوصفهما: النوستالجيا الرومانسية، والانضباط الألماني الرصين والصارم، الذي يشبه الانضباط العسكري. ومثال على هذا الخليط روايـة غوته «آلام فرتر»، التي يقرر فيها البطل، وقــد تملّّك منه حـب مـن طــرف واحـــد، الانـتـحـار. وكـونـه موظفا منضبطاً، يُُنهي «فـرتـر» مهام مكتبه أولاًً، ثـم يسدد ديـونـه، وحـرصا منه على المال يستعير زوجا من المسدسات. وأخيرا يصوغ رسالة وداع جافة «إلى من يهمه الأمر»، قبل أن يحجز تذكرته إلى «فالهارا» (عالم الخلود بالأساطير الجرمانية). في الواقع، لو كان فرتر روسياً، أو فارسيّّاً، لكان قد نظم قصيدة، وسـكـر حـتـى الـثـمـالـة، وأضــــرم الــنــار فــي الـحـظـيـرة، وشـنـق نفسه على شجرة بلوط عتيقة. الحقيقة التي لا يمكن إنكارها، اليوم، أن ملايين الألمان، خصوصا من أبناء المنطقة الشيوعية السابقة، يشعرون بالتعاسة. غير أن ذلك لا يعني أننا نشهد عودة للأيام السوداء للنازية أو الشيوعية، أو لمزيج منهما. موجز القول أنـه يجب التعامل مع الصدمة الانتخابية الأخيرة، كــصــدمــة كـهـربـائـيـة سـيـاسـيـة تـعـيـد إحـــيـــاء أجـــهـــزة الــنــظــام الـخـامـلـة. وتذكروا دائماً: ما لا يقتلك، يجعلك أشد قوة. الرئيس التنفيذي جمانا راشد الراشد CEO Jomana Rashid Alrashid نائب رئيس التحرير Managing Editors Editorial Consultant in KSA Aidroos Abdulaziz Camille Tawil Saud Al Rayes Deputy Editor-in-Chief مديرا التحرير مستشار التحرير في السعودية محمد هاني Mohamed Hani الأمير أحمد بن سلمان بن عبد العزيز عيدروس عبد العزيز كميل الطويل سعود الريس 1987 أسسها سنة 1978 أسسها سنة هشام ومحمد علي حافظ رئيس التحرير غسان شربل Editor-in-Chief Ghassan Charbel ألمانيا... إلى أين؟ حـــرب اليمن الحالية قـد تـقـود إلــى تغيير تاريخي، كما حـدث في سوريا بإسقاط نظام مـوال آخـر لإيـران. فالشرعية تمد نفوذََها على أكثر من ثلثي البلاد وتقاتل على ما تبق ََّى. لكن هــذا الثلث ليس نـزهـة لاعـتـبـارات تضاريسية وعـسـكـريـة، فـهـي حـــرب مــع «الــحــرس الــثــوري» الإيراني و«حزب الله» اللبناني اللذين يعملان ضمن قيادات وصفوف الحوثي. وقد لا تحسم سريعاً، رغم ما تم تحقيقه في شمال وجنوب غربي البلاد. هـــــذه الـــــحـــــرب تــخــتــلــف عــــن حــــــرب الــيــمــن ، مـــــن نـــــــــواح عـــــدة. 2015 الــــســــابــــقــــة، فـــــي عــــــام فميليشيا الحوثي تعمل منذ سنوات بإشراف «الـــــحـــــرس الــــــثــــــوري» الإيـــــــرانـــــــي، ولــــيــــس كـمـا يصورُُهم البعض أنََّهم حفاة وسكان كهوف. فـــقـــد تـــــــدرّّب عـــنـــاصـــرُُهـــا فــــي لـــبـــنـــان والــــعــــراق وأُُعِِــــــد ُُّوا لـهـذه المــواجــهــة ســـنـــوات، مــا يجعلُُها حربا إقليمية أخرى مع طهران. وتفيد تقارير مــوثــوقــة بــــأن عــبــدالــرضــا شـــهلائـــي، مـــن قـــادة «فـيـلـق الــقــدس» الإيـــرانـــي، هــو مــن قـــاد هـجـوم الحوثي الأخير على سهل تهامة. ما يجعل حرب اليمن اليوم مختلفة عن حرب الأمـــس، عـوامـل عـدة استجدت. فالمجتمع الـدولـي، الـــذي كـــان مـنـقـسـماً، أصـبـح الآن شـبـه مــوحــد ضد الحوثي. وبات مقتنعا بأنََّها حرب عادلة من أجل الشعب اليمني. كما أن الحرب أصبحت تهم الأمن الإقليمي، والتجارة الدولية. كذلك توجد رغبة في إنهاء سيطرة الحوثي لتقليص النفوذ الإيــرانــي فـي المنطقة، الـــذي تُُــوّّج بإسقاط نظام الأسد قبل نحو عامين. بريطانيا والـولايـات المتحدة كانتا تدفعان في حرب اليمن الماضية لمنع الت ََّقدم نحو الحديدة وصنعاء، اعتقادا بأن التوصل لحل سياسي في مفاوضات استوكهولم يحقق الهدف. وبعد نحو عـقـد مـن حكم الـحـوثـي بــات واضـــحا أن الحوثي لا يـخـتـلـف كــثــيــرا عـــن تـنـظـيـمـات إرهـــابـــيـــة مثل «داعش» و«حزب الله»، وهو فرع من شبكة النظام الإيراني، وإن كانت هناك اختلافات فرعية. هـــذا الــعــام ازدادت خـــطـــورة الـحـوثـي على المستوى الدولي مع ازدياد أهمية «باب المندب»، لأن مـضـيـق هــرمــز شــبــه مـغـلـق بـسـبـب الـحـرب مــع إيـــــران، فــصــار الـبـحـر الأحــمــر مـنـفـذا بـــديلا لصادرات الطاقة. وفي تنسيق مع إيـران أعلن الحوثي أن هدفه إغلاق المضيق. وانسجاما مع الاسـتـهـداف الإيــرانــي ضـد النفط الـعـابـر، أعلن الحوثي ضرب حصار بحري على السعودية، وبدأ استهداف ناقلاتها، ولهذا الهدف استولى الشهر الماضي على جزيرة بريم ومنطقة المخا التي تم تحريرُُها أخيراً. قـبـل ذلـــك لــم يــكــن المـجـتـمـع الـــدولـــي يبالي كثيرا بتصحيح الوضع في هذا البلد المنكوب، إلــــــى أن أصـــــبـــــح مـــشـــكـــلـــة تــــتــــجــــاوز الإنـــــســـــان الـيـمـنـي والــــــدول المــــجــــاورة، وغـــــدا خـــطـــرا على الملاحـــة الـدولـيـة. فقد ســارع الاتـحـاد الأوروبـــي وبـريـطـانـيـا والإدارة الأمـيـركـيـة إلـــى الـتـنـديـد، وعـرضـوا تقديم الـدعـم اللوجستي لأي عملية ضد الجماعة الحوثية. إن حقََّقت الـحـرب الحالية أهـدافََــهـا فإنها ســـــوف تــنــهــي تـــســـلـــط الـــحـــوثـــي عـــلـــى الــشــعــب الــيــمــنــي، وتــــوقــــف مــــأســــاة ملايين الــيــمــنــيين. مـلـيـون يمني تـحـت سيطرته 22 وتـنـقـذ نـحـو من حافة المجاعة والأوبئة، إذ تضاعفت حالات الكوليرا ثلاث مــرات خلال ثلاثــة أسابيع وفق بـــيـــانـــات مـنـظـمـة الــصــحــة الــعــالمــيــة. وسـيـعـود ملايين الأطــفــال لمـدارسـهـم بـعـد أن عــاشــوا من دون دراسة لسنين. وقــــد حـــو َّّلـــت الــجــمــاعــة الــديــنــيــة المـتـطـرفـة اليمن مـمـرا لـلـهـاربين مـن الـحـروب والمجاعات فــي شـــرق أفـريـقـيـا، ومـعـبـرا لمـهـربـي المــخــدرات، ومرتعا لتنظيمي «القاعدة» و«داعـش» اللذين يـــنـــشـــطـــان هــــنــــاك ويـــــتـــــعـــــاملان مـــــع الـــحـــوثـــي، وتربط الجماعة علاقة تهريب أسلحة بـ«حركة الشباب» الإرهابية في الصومال. لـــقـــد مــــــر ََّت اثـــنـــتـــا عـــشـــرة ســـنـــة عـــلـــى حـكـم الحوثي، سيطر قهرا على صنعاء، على غـرار «حــــزب الــلــه» الـلـبـنـانـي، وحــمــل اســــما يشبهه، «أنصار الله» ويرفع صور قادته. هــــــــــذه الـــــــحـــــــرب تــــخــــتــــلــــف عـــــــن الــــــحــــــروب والاشـــــتـــــبـــــاكـــــات الــــســــابــــقــــة. إنََّـــــهـــــا أوََّل حـــرب يخوضها الـيـمـن الـشـرعـي مـتـكـاملاًً، ويجتمع تحت رايته قوى يمنية متعددة، في حين كانت المواجهات السابقة يخوضها التحالف العربي، وقوات الحكومة التي كانت محدودة داخلياً. قـــد تــكــون مـــواجـــهـــات الأســـابـــيـــع والأشــهــر المــقــبــلــة حـــاســـمـــة، حــيــث حـــــد ََّد رئـــيـــس مجلس الـقـيـادة اليمني الــهــدف وهــو تحرير صنعاء. ولو تمك ََّن اليمنيون من دحر جماعة إيران فإن ذلك سيكون انتصارا إقليميا كبيراً، كما فعلت قوات أحمد الشرع عندما انتقلت من محافظة إدلـــــب، وحـــــرّّرت الـعـاصـمـة الــســوريــة مـــن نـظـام الأسد. استعادة صنعاء مثل تحرير دمشق OPINION الرأي 13 Issue 17482 - العدد Friday - 2026/10/9 الجمعة عبدالرحمن الراشد أمير طاهري
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky