issue17482

يـــوشـــك الــــقــــارئ الــخــبــيــر أن يــســخــر عـــنـــدمـــا يــقــرأ مصطلح «نظام العالم»؛ لأن المشاهََد أنـه ليس للعالم فـــي هــــذا الـــزمـــان نـــظـــام يــعــتــرف بـــه الـجـمـيـع ويـتـبـعـون تعليماته. ويختلف الأمر بعض الشيء عندما نتحدث عــن الـنـظـام الـــدولـــي؛ إذ هــنــاك منظمة لـهـا مـقـر رئيس وكـــل دول الـعـالـم داخــلــة فيها والمـــفـــروض أنـهـا تضمن اســتــقلالــهــا ووحـــــدة أراضـــيـــهـــا وســلــطــاتــهــا. والمـنـظـمـة المـذكـورة (الأمــم المتحدة) تعقد مؤتمرها السنوي هذه الأيام في مقرها بنيويورك، ويحرص سائر الرؤساء أو المـسـؤولين الكبار في الــدول على الحضور والـــكلام في الاجتماع إثباتا للمشروعية والاعتراف والمقام العزيز بين الدول وفي النظام الدولي. لماذا هـــذا الــــكلام الآن عـلـى الـنـظـام الــدولــي ونـظـام العالم أو لا نظامه؟! هـــذا الــعــام مــا حـضـر اجـتـمـاع نــيــويــورك مــن كبار العالم غير الرئيس ترمب، وغـاب الصينيون والـروس والهنود. أما الأوســاط، فلم يحضر منهم غير الرئيس الإيراني ورئيس الوزراء الإسرائيلي. لقد حضر الرئيس الأمـــيـــركـــي لأن عــنــده مــطــالــب مـــن الأمــــم المــتــحــدة كـانـت الــولايــات المـتـحـدة فـي زمنها الليبرالي قـد اشترعتها! ثم خف للاجتماع بالرئيس الصيني في واشنطن. أما الرئيس الإيـرانـي، فقد حضر لأن بلاده محاص ََرة وهو مـحـتـاج إلـــى الــــكلام مــع الـحـاضـريـن إلـــى الأمـــم المتحدة ســــواء صــغــروا أم كـــبـــروا. أمـــا الإســرائــيــلــي، فـقـد حضر لأنـــه مـحـتـاج إلـــى المــجــيء إلـــى أمـيـركـا قـبـل الانـتـخـابـات ومـا استجابوا لـه فوجد فـي مناسبة نيويورك فرص ًة ويتعذر على الأميركان بعدها ألا يقابلوه! لــيــس مـــن الــــضــــروري الـــقـــول إن الأمــــم المــتــحــدة ما عادت مهمة. فإن لم يعد مجلس الأمن قادرا على حفظ الــــسلام؛ فـــإن وكـالاتـهـا ومفوضياتها شـديـدة الأهمية في تقديم المساعدات المتنوعة للدول الفقيرة، والأخرى التي تعاني من الحروب والنزاعات الداخلية، أو التي تثيرها دول أخـرى مجاورة أو بعيدة. والحق يقال أن أحـداث السنوات الماضية التي استشرت فيها الحروب وتوسعت مناطقها، ما استطاع مجلس الأمن رغم كثرة التصويت أن يوقف أيا منها وليس في حالات الخلاف فـقـط؛ بـل فـي حـــالات الـتـوافـق أيـــضاً؛ لأن الـطـرف القائم بالحرب أو الداعم لها لا يستجيب رغم موافقته ظاهرا على إنهاء النزاع! ولـنلاحـظ أمــرا آخـر يبدو في التحالفات. ففي زمن الــحــرب الـــبـــاردة، كـــان هـنـاك قـطـبـان: الـــولايـــات المـتـحـدة، والاتـحـاد السوفياتي. ودول العالم إمـا أن تكون تابعة لـهـذا الـقـطـب أو ذاك. فـــإذا شـــب نــــزاع فــي إحـــدى الـــدول، فمسؤولية الحليف الكبير إنــهــاؤه. وقــد نجح الاتـحـاد السوفياتي في إخماد نزاعات أثارتها الولايات المتحدة في معسكره بالقوة المباشرة. أما النزاع الأفغاني الذي تدخل فيه الروس ونصرت الولايات المتحدة «المجاهدين» ضد الروس والحكومة الشيوعية بالبلاد؛ فإنه لم يخمد حتى بعد اتفاق الـروس مع الأميركيين على الانسحاب. فلما انسحبوا شـب الـنـزاع بين كتائب المجاهدين على السلطة إلى أن استولت «طالبان» عليها. مـــن مــعــالــم ضــعــف الــنــظــام الــــدولــــي، أن الــــــدول ما عادت تقتصر على حليف أو تحالف واحد. كانت الدول الوسطى مثل الهند والبرازيل وألمانيا تطالب بإصلاح نظام الأمم المتحدة في نقاط عدة، أهمها العضوية في مجلس الأمـن وهـي قاصرة على الخمسة الكبار الذين شاركوا في الحرب العالمية الثانية. أما الآن، فما عادت الــــدول الـوسـطـى ولا الـصـغـرى تكتفي بـعـضـويـة الأمــم المتحدة، بل تعدّّد تحالفاتها حسب المصالح القريبة. وبالطبع، لا يزال التحالف مع الكبار مطلوبا ومرغوباً. لكن حتى مـع التحالف مـع الكبار لا مانع مـن التماس تحقيق مصلحة أو اثـنـتين أو اتـقـاء شـــرور الــنــزاع من التحالف مع الـدولـة القوية والقريبة أو الـدولـة الغنية التي تستطيع المساعدة. وهــــــكــــــذا، فـــالـــتـــحـــالـــفـــات الـــــيـــــوم مــــتــــعــــددة لــتــعــدد الاصـــــطـــــفـــــافـــــات، كــــمــــا أنــــهــــا أكــــثــــر بــــراغــــمــــاتــــيــــة وأقـــــــل آيديولوجية. وقــد يـكـون الاســتــقلال الاستراتيجي من طــريــق الـتـعـديـد بين أهــــداف الـتـحـالـف. وهــكــذا يصبح التحالف حـزمـة متكاملة مـن المـصـالـح يشبه أن تكون شبكات بسبب غلبة السيولة عليها، وتصدع مقولتي الغرب والشرق إلى حد بعيد. لكن تبقى معالم عدة: أن التكنولوجيا في قلب التحالفات، كما أن التحالف صار عبارة عن أداة لإدارة المخاطر وليس تعبيرا عن هوية ثابتة. ومـن جملة إدارة المخاطر والمصالح مـعا اتجاه الــقــوى الـوسـطـى لـتـعـديـد تـحـالـفـاتـهـا ذات الاتـجـاهـات المختلفة. كثيرون ظـنـوا حقبة الـحـرب الــبــاردة شــرا مطلقاً. لكن مع هـذه التحالفات التي لا تنتهي ما ازداد الأمن الــعــالمــي ولا الإقــلــيــمــي، وظـــهـــرت أشـــكـــال مـــن الــنــزاعــات والــــتــــدخلات والمــيــلــيــشــيــات الـــتـــي مـــا عـرفـتـهـا الـحـقـبـة الـسـابـقـة. والاتـــفـــاق عـلـى نــظــام بــديــل مــن الـكـبـار شبه مستحيل. ولله في خلقه شؤون. خطر ببالي أثـنـاء إعلان رئـيـس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي انطلاق عملية «فجر اليمن» مقالا قديما كتبه المفكر الأميركي فرانسيس فوكوياما في مجلة «ذا أتلانتيك» عـن بـنـاء الــدولــة. استوقفتني فيه 2004 عــام أهمية الانتقال من تحقيق الاستقرار إلى بناء مــؤســســات تـسـتـطـيـع الـــوقـــوف عــلــى قـدم ََــيـهـا وتـحـمـل مـسـؤولـيـاتـهـا. وأرى أن هـــذه الفكرة حاضرة في التحدي الــذي تواجهه الحكومة اليمنية الـيـوم؛ فالعملية التي انطلقت بدعم من «التحالف» بقيادة السعودية تتيح فرصة لاستعادة الدولة وليس فقط استعادة الأرض. وهذا يستلزم أن يواكب التقدم العسكري عملا ّّــد صــفــوف الـشـرعـيـة، ويكسب سـيـاسـيا يــوح ثقة اليمنيين فـي مناطق سيطرة الحوثيين، ويـــحـــشـــد الــــدعــــم الــــدولــــي لاســـتـــعـــادة الـــدولـــة وبسط سلطتها. مـيـلـيـشـيـات الــحــوثــي لا تـمـثـل إلا نسبة صـــغـــيـــرة جــــــدا مـــــن المـــــكـــــون الـــيـــمـــنـــي، لـكـنـهـا استغلت خلال السنوات الماضية الانقسامات داخـــل صـفـوف الــقــوى المـنـضـويـة تـحـت مظلة الشرعية وتنافسها على النفوذ، مما أتاح لها توسيع نفوذها وسيطرتها، وأضعف القدرة على مواجهتها بصورة متماسكة. وبالتالي تبدأ مسؤولية الحكومة بتوحيد هذه القوى حول مشروع استعادة الدولة، ومعالجة تعدد مراكز القرار وتباين الأولويات، حتى لا تنتقل خلافاتها إلى إدارة المناطق المستعادة. وهنا تـبـرز أهـمـيـة اســتــعــادة زخـــم الـــحـــوار الوطني الــشــامــل والـــبـــنـــاء عــلــى مــخــرجــاتــه، بوصفها أســــــاسا لــتــقــريــب المــــواقــــف وتــنــظــيــم الــشــراكــة الـسـيـاسـيـة تـحـت مـرجـعـيـة الـــدولـــة. فـالـحـوار جــمــع كـــافـــة ممثلي 2013 الـــــذي انــطــلــق عــــام القوى السياسية ومكونات المجتمع اليمني، وأتـــــاح مـنـاقـشـة أســـس الـــدولـــة ونــظــام الحكم والحقوق والحريات بكل شفافية. وقـد أعلن 90 المبعوث الأممي آنذاك الاتفاق على أكثر من في المائة من مخرجاته، قبل أن يعط ّّل الانقلاب الــحــوثــي مــســار الانــتــقــال الـسـيـاسـي وتنفيذ تلك المخرجات. وبالتالي يمكن للحكومة أن تستند إلــى هــذه الـتـوافـقـات لتقريب المـواقـف ومعالجة المطالب السياسية عبر التفاوض والمشاركة، وترسيخ الالتزام بمرجعية الدولة ووحـــــــدة قـــــرارهـــــا. فــــالــــخلاف حـــــول مـسـتـقـبـل الـحـكـم وتـــوزيـــع الـسـلـطـة والـــثـــروة ينبغي أن يجد طريقه إلى الحوار والتنافس السياسي تحت سقف الدولة ومؤسساتها الدستورية. وكـــلـــمـــا نــجــحــت الـــحـــكـــومـــة فــــي تـــرســـيـــخ هـــذه الــــقــــاعــــدة ضــــاقــــت المــــســــاحــــة الــــتــــي يـسـتـطـيـع الحوثيون استغلالها، وتعززت ثقة اليمنيين بـــقـــدرة الــــدولــــة عــلــى اســتــيــعــاب اخــتلافــاتــهــم وحماية مصالحهم. وتــــأتــــي دعـــــــوة «الــــــعــــــودة الآمـــــنـــــة» الــتــي أعلنها رئيس مجلس القيادة الرئاسي لتكون مــــــــدخلا لـــتـــوحـــيـــد الـــصـــف الــــوطــــنــــي، وكــســب ثـقـة الـسـكـان فــي مـنـاطـق سـيـطـرة الـحـوثـيين، وإتـــــاحـــــة الـــفـــرصـــة لـــهـــم لـــلـــعـــودة إلـــــى أهــلــهــم وحياتهم المدنية. وسوف تكتسب هذه الدعوة مــصــداقــيــة عــالــيــة إذا تـــم تــســريــع الإجــــــراءات التنفيذية المتعلقة بقرار «العودة الآمنة» بعد اسـتـكـمـال مــســارهــا الـــدســـتـــوري والــقــانــونــي. فحماية السكان وممتلكاتهم، ومنع الملاحقة عـلـى أســــاس الانــتــمــاء المـنـاطـقـي أو المـذهـبـي، وحصر المساءلة في المسؤولية الفردية وفق القانون، وتوفير الخدمات الأساسية... سوف تعزز بلا شـك الثقة بالحكومة وتمنح دعـوة «الـــعـــودة الآمـــنـــة» مـصـداقـيـة أكـــبـــر. فـالمـواطـن اليمني الــذي أنهكته سـنـوات الـحـرب لا يريد أكـثـر مـن أن يطمئن إلــى أمــن أسـرتـه ومصدر رزقه، وأن يجد مؤسسات قوية تحمي حقوقه وتضمن لـه الـعـدالـة. وحين يشعر المـواطـن أن معيشته تحسنت، وأن الـقـانـون يطبق على الـجـمـيـع، ســـوف تـقـوى وتــــزداد ثقته بـالـدولـة ويـطـمـئـن إلــــى مـسـتـقـبـلـه ومـسـتـقـبـل أبــنــائــه. ومع ترسخ هذه الثقة تتراجع قدرة الحوثيين على تخويف السكان وربــط مصيرهم ببقاء الــجــمــاعــة، ويــتــســع الــتــأيــيــد الـشـعـبـي لــعــودة مؤسسات الدولة. أمـــــا عـــلـــى الــصــعــيــد الـــــدولـــــي، فــالــتــحــرك الـدبـلـومـاسـي رفـيـع المـسـتـوى يـعـد مـهـما جـدا لمخاطبة المجتمع الدولي والإقليمي. ويعتبر » والقرارات اللاحقة 2216« قرار مجلس الأمن الخاصة باليمن هي الأساس والمرجعية لهذا التحرك، بما تضمنته من مطالبة الحوثيين بــــالانــــســــحــــاب مـــــن المــــنــــاطــــق الــــتــــي اســـتـــولـــوا عليها، وتسليم الأسلحة التي انتزعوها من المؤسسات العسكرية والأمنية، والتوقف عن مــمــارســة اخــتــصــاصــات الـحـكـومـة الـشـرعـيـة، إلى جانب استئناف المفاوضات للوصول إلى حـل سياسي تـوافـقـي. ويقتضي ذلــك تكثيف التواصل مع الأمم المتحدة والعواصم المؤثرة لــتــحــويــل الـــتـــأيـــيـــد الـــســـيـــاســـي إلـــــى مــســانــدة عملية، تشمل دعــم تنفيذ الــقــرارات الـدولـيـة، والـــــحـــــد مـــــن تــــدفــــق الـــــــــسلاح إلــــــى الـــجـــمـــاعـــة، ومساعدة الحكومة على استعادة الخدمات وإنعاش الاقتصاد. فكلما اتضحت التزامات الـحـكـومـة وأولــويــاتــهــا، ازدادت قـدرتـهـا على إقناع الشركاء بأن دعمها سيقود إلى استقرار مستدام. كما أن ارتباط استقرار اليمن بأمن المـنـطـقـة والملاحــــــة الـــدولـــيـــة يـمـنـحـهـا أســــاسا للمطالبة بمشاركة أوسـع في تحمل الأعباء، وإسناد الجهود السعودية، وتمويل التعافي وإعــادة الإعمار. وبذلك يصبح الدعم الدولي عـــــاملا يــســاعــد الـــدولـــة الـيـمـنـيـة عــلــى تثبيت حـــضـــورهـــا، والـــــوفـــــاء بــمــســؤولــيــاتــهــا تــجــاه مواطنيها. ويــبــقــى الـــتـــحـــدي الأهـــــم أن تـفـتـح «فـجـر الــيــمــن» الــطــريــق لإنـــهـــاء دورة الـــصـــراع الـتـي أنهكت الـبلاد. فملامح المرحلة المقبلة تتشكل منذ الآن، والـــقـــرارات الـتـي تتخذها الحكومة أثـــــنـــــاء الـــعـــمـــلـــيـــة ســـتـــتـــرك أثـــــرهـــــا فـــــي فـــرص الــسلام بعدها. ولـهـذا، فـإن التفكير في اليوم التالي مسؤولية تبدأ اليوم؛ فسنوات الحرب خلّّفت انقسامات ومظالم ومصالح مرتبطة بـــاســـتـــمـــرارهـــا، وهـــــي تـــحـــديـــات تـــحـــتـــاج إلـــى معالجة حتى لا تصبح أسبابا لجولة جديدة من القتال. والمطلوب أن تقود هذه التضحيات إلـى سلام يستطيع اليمنيون الحفاظ عليه، وأن يجد من أنهكتهم الحرب فرصة للعودة إلـى حياتهم وبناء مستقبلهم؛ عندها يمكن أن تؤسس «فجر اليمن» لمرحلة يستعيد فيها اليمن قدرته على النهوض، ويخرج من دوامة الحروب المتكررة. OPINION الرأي 12 Issue 17482 - العدد Friday - 2026/10/9 الجمعة ما الجديد في نظام العالم؟ «ف ََجر اليمن»... من استعادة الأرض إلى استعادة الدولة وكيل التوزيع وكيل الاشتراكات الوكيل الإعلاني المكـــــــاتــب المقر الرئيسي 10th Floor Building7 Chiswick Business Park 566 Chiswick High Road London W4 5YG United Kingdom Tel: +4420 78318181 Fax: +4420 78312310 www.aawsat.com [email protected] المركز الرئيسي: ٢٢٣٠٤ : ص.ب ١١٤٩٥ الرياض +9661121128000 : هاتف +966114429555 : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: www.arabmediaco.com هاتف مجاني: 800-2440076 المركز الرئيسي: ٦٢١١٦ : ص.ب ١١٥٨٥ الرياض +966112128000 : هاتف +9661٢١٢١٧٧٤ : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: saudi-disribution.com وكيل التوزيع فى الإمارات: شركة الامارات للطباعة والنشر الريـــــاض Riyadh +9661 12128000 +9661 14401440 الكويت Kuwait +965 2997799 +965 2997800 الرباط Rabat +212 37262616 +212 37260300 جدة Jeddah +9661 26511333 +9661 26576159 دبي Dubai +9714 3916500 +9714 3918353 واشنطن Washington DC +1 2026628825 +1 2026628823 المدينة المنورة Madina +9664 8340271 +9664 8396618 القاهرة Cairo +202 37492996 +202 37492884 بيروت Beirut +9611 549002 +9611 549001 الدمام Dammam +96613 8353838 +96613 8354918 الخرطوم Khartoum +2491 83778301 +2491 83785987 عمــــان Amman +9626 5539409 +9626 5537103 صحيفة العرب الأولى تشكر أصحاب الدعوات الصحافية الموجهة إليها وتعلمهم بأنها وحدها المسؤولة عن تغطية تكاليف الرحلة كاملة لمحرريها وكتابها ومراسليها ومصوريها، راجية منهم عدم تقديم أي هدايا لهم، فخير هدية هي تزويد فريقها الصحافي بالمعلومات الوافية لتأدية مهمته بأمانة وموضوعية. Advertising: Saudi Research and Media Group KSA +966 11 2940500 UAE +971 4 3916500 Email: [email protected] srmg.com إبراهيم العثيمين رضوان السيد الملاحـــظـــة الأولـــــى الـــتـــي اسـتـوقـفـتـنـي فـــي مـتـابـعـة احتجاجات التلاميذ بالمدن الفرنسية، وما عََرََفََته هذه الاحـتـجـاجـات مـن بعض مظاهر التخريب ورد الفعل العنيف، أن كل الشعوب؛ سواء أكانت متقدمة أم الأخرى المتعثرة تنموياً، فـي الأزمـــات تصبح متشابهة بشكل يكشف عن قوة التأزم الاقتصادي في أخذ الشعوب إلى الممارسات والتفاعلات نفسها. وفـــي فــرنــســا؛ بـلـد الـــثـــورة الـفـرنـسـيـة والاسـتـثـنـاء الثقافي، ها هي «المََدرسة» تعيد إنتاج دورها التاريخي في النقد السياسي؛ الشيء الذي جعل «المََدرسةََ» تحتل حيزا فكريا خاصا في المدونة الفكرية الفرنسية. وفـي هـذا السياق، أثبت عالم الاجتماع الفرنسي بيير بـورديـو فـي كتابََيه «الــورثــة» و«إعـــادة إنـتـاج» أن «المـدرسـة»، بـدلا من أن تكون مصعدا اجتماعيا يحقق تـكـافـؤ الـــفـــرص، قـــد تـتـحـول أداة خـفـيـة لإعـــــادة إنـتـاج الـتـفـاوت الطبقي. وتلتقي هــذه المـقـاربـة مـع أطـروحـات الــفــيــلــســوف مـيـشـيـل فـــوكـــو، الـــــذي رأى فـــي «المـــدرســـة الحديثة» امتدادا للمؤسسات الانضباطية التي تهدف إلى تدجين الأفراد لمصلحة النظام الاقتصادي السائد. والـــيـــوم، يـتـجـلََّــى هـــذا الـفـكـر الــنــقــدي بــوضــوح في الشارع الفرنسي؛ فثورة تلاميذ الثانويات والضواحي تعبّّر عن رفـض هـذا الفرز الاجتماعي الخفي، وتحتج ضد سياسة التقشف على حساب المدارس. لم يكن مشهد النيران وهـي تلتهم النفايات أمام ثانويات باريس وضواحيها، ولا صور آلاف المراهقين وهـــم يــواجــهــون الــغــاز المـسـيـل لــلــدمــوع، مــجــرد شغب؛ بقدر ما يبدو لنا رسائل اجتماعية صريحة وواضحة. وهـنـا لا بــد مــن وضـــع هـــذه الاحـتـجـاجـات فــي سياقها الاقتصادي والاجتماعي حتى يتسنى فهمها... ذلك أن تداعيات سياسة الانكماش المالـي والواقع الاقتصادي المأزوم الذي تعيشه فرنسا منذ مدة قد م ََس ََّت «المدرسة» بصفتها مؤسسة تحتاج إلــى مـقـومـات مـاديـة لتأمين الـرسـالـة الـتـربـويـة وفــق مـبـدأ تكافؤ الـفـرص لكل المـدن والـــضـــواحـــي، بـــوصـــف ذلــــك وجـــــها مـــن وجـــــوه الــعــدالــة الاجتماعية التي يوليها التاريخ الاجتماعي الفرنسي أهمية كبيرة. وربـمـا يمكن استنتاج أن «الــشــارع الــطلابــي»؛ إذا جاز الوصف، بات يعكس بوضوح أرقام الاختناق المالي والاجتماعي؛ فمن المهم أخـذ خطة التقشف الحكومية مـــلـــيـــار يـــــــورو فــــي مـــقـــدمـــة هـــذه 54 الـــقـــاســـيـــة الـــبـــالـــغـــة المـؤشـرات، حيث تسببت في خفض ميزانيات التعليم، وتجميد التوظيف؛ مما أنتج نقصا حقيقيا في الأساتذة 35 و 32 واكتظاظا في الفصول حتى باتت تضم ما بين تلميذاً، فــضلا عـن تهالك البنية التحتية للمؤسسات. وفي هذا التوصيف التفصيلي لواقع مدارس الضواحي في فرنسا نستحضر، دون عناء يذكر، واقع المدارس في البلدان التي كانت مستعمرة فرنسياً! إن الانكماش في الإنفاق العام المشار إليه يتزامن مع في المائة؛ مما 0.4 نمو اقتصادي شبه معدوم لا يتعدى يغذي «قلق المستقبل» لدى الشباب، الذي جرى التعبير عـنـه صـــراحـــة فـــي الـــشـــعـــارات. علاوة عـلـى ذلــــك؛ فـــإن ما يحدث، خصوصا في النسق التصاعدي للاحتجاجات، لا يمكن فصله عن ظاهرة أثبتتها الـدراسـات الرسمية نفسها تؤكد تراجع الإنفاق الاستهلاكي للأسر بنسبة فـي المائــــة، وذلـــك تحت وطـــأة تضخم مستمر؛ مما 0.5 يـعـنـي واقـــعـــيا أن الــــعــــائلات - لا سـيـمـا فـــي الــضــواحــي والمناطق الأقل حظا - لم تعد قادرة على تعويض فجوات التعليم الحكومي عبر حلول تداركية؛ مما يولد شعورا عارما بـ«انعدام تكافؤ الفرص». وكي نفهم دلالات الانفجار التلاميذي أعمق، فإنه في 8.3 يكفي أن نعلم أن مـعـدل البطالة الـعـام قـد بلغ 3 المائـة، وفي صفوف الشباب تصل نسبة البطالة إلى أضعاف المعدل العام، إضافة إلى أن سياسات التقشف في 119 المتبعة إنما هي نتاج دََيــن عـام قياسي لامـس المائة من الناتج المحلي الإجمالي. إذن؛ فـــي الــظــاهــر «المـــدرســـة تـــثـــور»، وفـــي الـبـاطـن «المدرسة لسان حال التأزم الاجتماعي والاقتصادي»، خصوصا أن المـؤشـرات الاقتصادية المشار إليها تفعل فـعـلـهـا فـــي الـــشـــبـــاب، مـــن خلال تـعـمـيـق مــشــاعــر الـقـلـق والخوف من المستقبل. مــــــن يـــــقـــــرأ تــــــاريــــــخ فــــرنــــســــا يـــــــــدرك أن «المــــــدرســــــة العمومية»، منذ تأسيسها الحديث على يد جول فيري، كانت دائما المختبر الأول لنقد الواقع؛ فالمشاهد الحالية في شوارع باريس وليون ومارسيليا تعيد إلى الأذهان » التاريخية، مرورا بـ«انتفاضة 1968 ) «ثورة مايو (أيار » فـــي الـــضـــواحـــي ضـــد تـــــردي أوضــــــاع المــــــدارس، 1990 ». لكن خطورة الحراك 2018 وصــولا إلـى «احتجاجات الـــراهـــن تكمن فــي المـنـحـى الــراديــكــالــي المـتـصـاعـد الــذي اتـخـذه، فالانتقال السريع نحو مـواجـهـات ضـاريـة مع آلاف شخص (معظمهم 5 الأمـن أسفر عن اعتقال نحو ّّـــر)، وصــــولا إلـــى تــعــدد ملامــــح المـحـتـجين مع مــن الـــقُُـــص انضمام الأساتذة والطلبة والعائلات. كل هذا يشير إلى أننا أمام حراك سيدخل التاريخ لا محالة؛ وأغلب الظن أنه سيغير الواقع. الـــســـؤال هــــو: إلــــى أي مــــدى يـمـكـن أن تـنـجـح هــذه الاحتجاجات في تحقيق أهدافها الماديـــة في ظل واقع فرنسي يعاني إكراهات ماديّّة؟ هـــــذه الاحـــتـــجـــاجـــات زادتـــــهـــــا شـــبـــكـــات الـــتـــواصـــل الاجتماعي توقداً. مدارس فرنسا... التاريخ يعيد نفسه آمال موسى

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky