issue17480

رأى عالم السياسة صمويل لوبيل ذات مـرة أن الـــحـــزبين الـسـيـاسـيين فــي أمــيــركــا يـمـكـن تقسيمهما إلــى «حـــزب الـشـمـس»، الـــذي يضع الأجـنـدة الوطنية، و«حـــزب الـقـمـر»، الـــذي يعكس هــذه الأجـنـدة فحسب. وقـــد انـتـقـل دور «حـــزب الـشـمـس» مــن الـديـمـقـراطـيين إلى الجمهوريين 1980 و 1945 في الفترة الممتدة بين فصاعدا ً. 1980 اعتبارا من عام ويـــمـــكـــن ســـحـــب الــــفــــكــــرة ذاتـــــهـــــا عـــلـــى الأنـــظـــمـــة الـسـيـاسـيـة والاقـــتـــصـــاديـــة؛ فـفـي الــفــتــرة المــمــتــدة بين ، كان مقر «حـزب الشمس» في واشنطن 2000 و 1980 الـعـاصـمـة، وكـــان مُُــكــرسا للنهوض بـالـسـوق الـحـرة. أما اليوم، فقد بات مقره في بكين، تدفعه المؤسسات المملوكة للدولة والحواجز الحمائية. وقـــد تـجـلََّــى حـجـم هـــذا الــتــحــول بـــوضـــوح خلال الزيارة الرسمية لشي جينبينغ إلى واشنطن، مؤخراً. فلم تتخل الـــصين فحسب عـن أي ادعـــاء بالانصياع لما كـان يُُــعـرف سـابـقا بــ«إجـمـاع واشـنـطـن»، بـل باتت الــــولايــــات المـــتـــحـــدة تُُــطــبــق الـــيـــوم كــثــيــرا مـــن مــبــادئ «إجـــمـــاع بــــكين» الـــجـــديـــدة، عــلــى أســــاس أن الـطـريـقـة الوحيدة لهزيمة الصينيين هي الاقتداء بهم. وقــــد حـــــازت الــحــكــومــة الأمـــيـــركـــيـــة حـــصـــصا في 10( » سلسلة متنامية من الشركات، مثل شركة «إنتل في المائـة)، وشركة «يو إس ستيل»، (بنسبة ذهبية). وقد وظ ّّفت الولايات المتحدة نفوذها في التحكم في الـنـفـط الـفـنـزويـلـي والمـــعـــادن الـــنـــادرة الأوكـــرانـــيـــة بلا أي حـــرج. كما اقـتـدت بـالـصين فـي توظيف الحواجز الحمائية أداة للسياسة الاقتصادية. وكانت الولايات المــتــحــدة تـــمـــارس بـعـض هـــذه الــســيــاســات حـتـى قبل أن ينقذ بـــاراك أوبــامــا، على مـضـض، شـركـة «جـنـرال موتورز» من الإفلاس. غير أنها تخطو اليوم خطوات غير مسبوقة، مُُستبدلة الحماس بالتردد، وموظ ِِّفة الــــدولــــة لـتـشـكـيـل ملامـــــح الاقـــتـــصـــاد كــكــل وإضـــعـــاف خصومها. وسلك العالم النامي مسلكا مماثلا من واشنطن إلى بـكين. فقد عـادت المؤسسات المملوكة للدولة إلى دائرة الضوء في دول تمتد من سنغافورة وإندونيسيا والبرازيل -والنموذج ينبغي في الحقيقة أن يُُسمّّى «النموذج السنغافوري» بدلا من «نموذج بكين»، لأن سنغافورة هي أول من طو ّّره. أما الأوروبيون فقد تمس ّّكوا بالمذهب الليبرالي الــجــديــد أطـــــول مـــن غــيــرهــم. وتُُـــعـــد أوروبــــــا مـــن أكـثـر اقتصادات العالم انفتاحاً، إذ يبلغ مستوى انفتاحها على التجارة الدولية ضعف انفتاح الولايات المتحدة تــقــريــباً. ويـتـجـلـى هـــذا الانــفــتــاح بــصــورة خـاصـة في ألمانـــيـــا الــتــي كــانــت -حــتــى وقــــت قـــريـــب- تََـــعـــد الـــصين شريكا تجاريا مثالياً، ومصدرا للبضائع الرخيصة، وسوقا لمعداتها الصناعية. علاوة على ذلك، لا يستند الاتحاد الأوروبي بصفته تكتلا اقتصاديا إلى أساس متين، إلا إذا حال دون إقدام الدول الأعضاء على توفير دعــم لصناعاتها الوطنية أو فــرض حـواجـز تجارية داخلية بينها. باتت الـصين الآن تهدد بتقويض أركـان «البيت الأوروبـي»؛ فقد أدى قرار ترمب اتخاذ موقف متشدد حــيــال الــــصين إلـــى تـحـويـل أوروبـــــا إلـــى صــمــام أمـــان عــالمــي يـمـتـص الــفــائــض الـهـيـكـلـي لــلــقــدرة الإنـتـاجـيـة الصينية، مما أسفر عن تراكم عجز تجاري أوروبـي مـلـيـار دولار) 1.1( مــع الـــصين يـتـجـاوز مـلـيـار يـــورو يــــومــــياً. وفــــي الـــوقـــت نــفــســه، فــــإن نـــجـــاح الـــــصين في الارتقاء نحو القطاعات الأكثر تطورا في السوق بات يهدد الصناعات عالية القيمة التي كـان يُُفترض أن تـضـمـن اســـتـــمـــرار رفــاهــيــة أوروبـــــــا: مــثــل الـــســـيـــارات، وآلات الـــتـــصـــنـــيـــع، والمـــســـتـــحـــضـــرات الـــصـــيـــدلانـــيـــة، والــتــكــنــولــوجــيــا الــــخــــضــــراء. فـــقـــد اســــتــــورد الاتـــحـــاد الأوروبـــي أكثر مـن مليون سـيـارة مـن الــصين فـي عام في المائــة عن العام السابق. 30 ، بزيادة قدرها 2025 كـمـا أضــحــت ألمانـــيـــا تــســتــورد الآلات عـالـيـة التقنية ومعدات المصانع من الصين أكثر مما تصد ِِّره إليها، في انقلاب واضح للنمط التجاري المستقر منذ عقود. كـمـا بــاتــت «الــصــدمــة الـصـيـنـيـة الــثــانــيــة» تـهـدد بالقضاء على المشهد السياسي الأوروبـي بالأسلوب نفسه الـــذي أحدثته «الـصـدمـة الصينية الأولـــى» في الـسـيـاسـة الأمــيــركــيــة: تـجـريـف الــقــاعــدة الاجـتـمـاعـيـة لـلـسـيـاسـات الــقــائــمــة عــلــى الـــســـوق الـــحـــرة. فــقــد أدت القفزة الهائلة في الـــواردات الصينية -عقب انضمام - إلى 2001 الـــصين إلــى منظمة الـتـجـارة العالمية عــام تــقــويــض الـــدعـــم الــشــعــبــي لــلــتــجــارة الــــحــــرة، وإقـــنـــاع عـــديـــد مـــن الـــعـــمـــال الـــذيـــن كـــانـــوا يـــصـــو ّّتـــون لـلـحـزب الديمقراطي بتحويل ولاءاتهم لصالح ترمب. واليوم، تُُــكــر ِِّر «الـصـدمـة الصينية الـثـانـيـة» الـسـيـنـاريـو ذاتــه فــي ألمانـــيـــا؛ إذ نـجـح حـــزب «الـبـديـل مــن أجـــل ألمانــيــا» اليميني المتطرف في الوصول إلى السلطة في ولايتين بـشـرق ألمانـــيـــا مـــؤخـــراً، بينما يـنـهـار الــدعــم الشعبي لأحـــــــزاب الــــوســــط الــتــقــلــيــديــة، وفـــــي مــقــدمــتــهــا حـــزب «الاتحاد الديمقراطي المسيحي» الحاكم. وفي فرنسا، تتصدر مارين لوبان استطلاعات الرأي للانتخابات الرئاسية، مستمدة دعما قويا من المناطق التي كانت تُُشكل معاقل الصناعة التحويلية السابقة. ولم تعد المؤسسة التقليدية القديمة تملك حلولا اقتصادية، مثلما يفقد نفوذها السياسي سيطرته. فالقاعدة الأولى في أدبيات النيوليبرالية تقضي بالرد على الضغوط التنافسية عبر الارتقاء نحو القطاعات الأعلى قيمة في السوق. غير أن الصين باتت متقدمة أشــــواطا عـلـى أوروبــــا فــي مـجـال الــذكــاء الاصطناعي (بـــل تسبق الـــولايـــات المـتـحـدة فــي بـعـض الــجــوانــب). كما تتصدر الصين المشهد في مجالات التكنولوجيا الخضراء والسيارات الكهربائية. فضلا عن ذلك، فإن البيروقراطية التجارية للاتــحـاد الأوروبــــي ص ُُممت للتعامل مع الاختلالات السوقية العارضة -سواء كان دعما معينا أو عائقا تجارياً- بدلا مما تواجهه الآن: سياسة متماسكة وممنهجة تُُــدار على نطاق واسع ويخطط لها حزب شمولي وتهدف إلى ضمان هيمنة الصين على الأسواق العالمية. وبات الاتحاد الأوروبي يدرك -وإن كان متأخراً- أنـه لا خيار أمـامـه سـوى السير على خطى الـولايـات المــــتــــحــــدة فـــــي مــــحــــاكــــاة بـــعـــض جـــــوانـــــب «الــــنــــمــــوذج الصيني»، إذا أراد تجنب انهيار صناعاته الرئيسية وتـــفـــادي تــطــرف المـشـهـد الـسـيـاسـي. وقـــد قــــدّّم تقرير «دراغــــــــــي» مـــخـــطـــطا تـــوجـــيـــهـــيا لــتــحــقــيــق مــــزيــــد مـن التكامل الأوروبي عبر إنشاء سوق رأسمالية موحدة وتــأســيــس «شـــركـــات أوروبــــيــــة عـــملاقـــة» قـــــادرة على منافسة نظيراتها الصينية. فـي هــذا الـسـيـاق، اقترحت المفوضية الأوروبـيـة «قــــــانــــــون المُُــــــســــــرّّع الــــصــــنــــاعــــي» لــــدمــــج الـــصـــنـــاعـــات الاستراتيجية ودعمها، إلى جانب «قانون المشتريات الـــعـــامـــة» الــــــذي يــتــيــح لــلــســلــطــات الــحــكــومــيــة رفـــض العطاءات الخاصة بالعقود الكبرى، إذا كانت نسبة قيمتها المنشأة في أوروبا تقل عن النصف، فضلا عن تأسيس «المؤسسة الأوروبية للمواد الخام الحيوية» لتقليل اعــتــمــاد الـتـكـتـل الأوروبــــــي عـلـى الــــصين عبر تجميع القوة الشرائية، وتكديس المخزونات من المواد الحيوية، وحماية سلاسل الإمداد العسكرية. ولا ريب فـي أن الاتــحــاد الأوروبــــي سيندفع أشــــواطا أبـعـد في اتـجـاه الحماية الاقتصادية والسياسات الصناعية على النمط الصيني إذا ما استولى سياسيو اليمين الراديكالي على مقاليد السلطة. غـيـر أن حــل «المـعـضـلـة الـصـيـنـيـة» -المـتـمـثـلـة في تــبــنــي الـــســـيـــاســـات الــصــيــنــيــة لــكــبــح جـــمـــاح الــتــمــدد الصيني- لن يكون بالأمر الهين. فالاعتماد الأوروبي على الــصين بلغ مستويات حــادة للغاية. إذ أشـارت أورســـولا فـون ديـر لايـن إلـى أن نسبة اعتماد التكتل الأوروبـي على الصين في الحصول على المـواد الخام في المائة 90 في المائـة، وتتعدى 80 الحيوية تتجاوز في بعض العناصر الأرضية النادرة. كما تزخر ألمانيا بعديد من أنصار التجارة الحرة الراغبين في حماية الــنــظــام الــقــديــم والإبـــقـــاء عـلـيـه. حـيـث كـشـفـت وثيقة مسرََّبة أن برلين تسعى للسماح باحتساب البضائع المــصــن ََّــعــة لــــدى الـــشـــركـــاء الـــتـــجـــاريين ضــمــن حصص ُُـــنِِـــع فـــي أوروبــــــا» المــنــصــوص عـلـيـهـا فـــي «قــانــون «ص المُُـــســـرّّع الــصــنــاعــي» لـقـطـاعـات الألمــنــيــوم والإسـمـنـت والتكنولوجيا النظيفة. مـــن جـانـبـهـا، لـــن تـقـف الــــصين مـكـتـوفـة الأيــــدي، وإنـــمـــا ســتــخــوض مـــواجـــهـــة مـــضـــادة عــبــر اســـتـــغلال اعتماد أوروبـــا على المكونات الصينية واللعب على أوتـار الانقسامات الداخلية داخل الاتحاد الأوروبـي، وهي انقسامات عميقة وذات ثقل معتبر. ، كـان الضغط الألمانـــي حاسما في 2016 في عـام إجبار اليونان المثقلة بالديون على بيع حصة غالبة في ميناء «بيرايوس»، وهي الحصة التي استحوذت عليها لاحـــقا شـركـة مملوكة لـلـدولـة الصينية. فهل سينتهج الـيـونـانـيـون نــهــجا مــتــشــددا تــجــاه الــصين لإنـقـاذ صناعة الـسـيـارات الألمانـيـة (الـتـي كانت تملك مـــتـــســـعا مــــن الــــوقــــت للاســــتــــعــــداد لـــظـــهـــور الـــســـيـــارات الــكــهــربــائــيــة الــصــيــنــيــة، لــكــنــهــا فــضــلــت الاســتــكــانــة لأمجادها التليدة)؟ لا تحظى المفوضية الأوروبـــيـــة بشعبية كبيرة عــلــى امــــتــــداد الــــقــــارة؛ فــهــل سـيـحـتـشـد المـسـتـهـلـكـون الأوروبيون وراءها إذا ما أسفرت الحرب التجارية مع الصين عن نقص في السلع الاستهلاكية؟ إن الجميع خاسرون في نهاية المطاف من السياسات التجارية الحمائية (الميركانتيلية) لأنها تعتمد بالأساس على وجـــود طــرف آخــر يشتري فـائـض بضائعها. بيد أن الخاسر الأكبر هم أولئك الذين يستفيقون متأخرين على لعبة التضليل والخدع. كـــان الاتـــحـــاد الأوروبـــــي المستفيد الأكــبــر عـالمـيا من الحقبة الطويلة للهيمنة الليبرالية التي أعقبت الـحـرب العالمية الثانية؛ وهــو كـيـان استمد حيويته الاقـتـصـاديـة مـن التكامل الـعـالمـي، واسـتـمـد شرعيته الــســيــاســيــة مـــن الأفـــكـــار الــقــائــلــة بــــأن الـــتـــجـــارة تــولّّــد الإصلاح السياسي، وإن الرفاهية تسير يـدا بيد مع الليبرالية «مفهوم التجارة اللطيفة». وإن الإبقاء على مثل هـذا المـشـروع حـيّّا في عالم أضحت فيه الشمس تُُـــشـــرق مـــن بـــكين بــــدلا مـــن واشــنــطــن، يـتـطـلـب مـهـارة سياسية فائقة من الطراز الأول. أما مدى امتلاك قادة أوروبـــا الحاليين هـذه المـهـارات رفيعة المستوى، فهو أمر يبقى موضع شك وتساؤل كبير. * بالاتفاق مع «بلومبرغ» Issue 17480 - العدد Wednesday - 2026/10/7 الأربعاء حـــذر المـلـك الـبـريـطـانـي تـشـارلـز الـثـالـث مـنـذ أسـابـيـع في اسكوتلندا من خطر داهـم على البشر، وطالب بإبقاء الذكاء الاصطناعي تحت السيطرة البشرية، فـي وقــت يتحدث فيه الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن «الذكاء الخارق». هذا الخطر الداهم جعل بابا الفاتيكان ليو الرابع عشر نفسه، يطلق من فرنسا تعبيرا طريفا وجديدا عن «فـردوس الآلات»، والذي قد يزهق أرواح البشر، سواء كان الذكاء الخارق أم الأسلحة النووية. أمــا الـرئـيـس الفرنسي إيـمـانـويـل مــاكــرون، فقد دعــا إلى تـــعـــاون دولـــــي لـتـنـظـيـم تــطــويــر الــــذكــــاء الاصـــطـــنـــاعـــي، ومـنـع مجموعة ضيقة مـن الـشـركـات والـقـوى الكبرى مـن السيطرة عـلـيـه، وقــــال بــوضــوح إن الـعـالـم لا ينبغي أن يــتــرك مصيره فـي هـذا المـجـال لـلـولايـات المتحدة والـــصين وعــدد مـحـدود من الفاعلين الاقتصاديين. بينما رمــى السيناتور الأمـيـركـي بيرني سـانـدرز الكرة أبعد، وقــال إن الخطر المحتمل للذكاء الاصطناعي قد يكون أكــبــر مـــن خـطـر الأســلــحــة الـــنـــوويـــة، وحــــذر مـــن الـــوصـــول إلـى مرحلة قد يصبح فيها الـذكـاء الاصطناعي أذكــى من البشر، وقادرا على الإفلات من السيطرة، وقد تكون العواقب كارثية. رؤية ساندرز لا تتوقف عند خطر الحروب أو الجماعات الــشــاردة الـتـي قـد تستخدمه فـي لحظة طـيـش، وإنـمـا تحدث أيضا عن تأثيره الاجتماعي الكارثي، من حيث إلغاء الوظائف، قد يتسبب في فوضى اجتماعية واقتصادية عالمية، فضلا عن استخدامه في صناعة فيروسات غير موجودة، قد تستخدم فـي محو عرقيات وجنسيات فـي جريمة إبـــادة جماعية غير مقصودة. إيلون ماسك ورفاقه من مطلقي المارد أنفسهم يعترفون بـــضـــرورة الإبـــطـــاء، فـــالأمـــر خـــرج عـــن الــســيــطــرة؛ فـفـي حـادثـة طريفة ومخيفة فـي الـوقـت نفسه، اخـتـرق أحـد أنظمة الذكاء الاصطناعي التابعة لـ«أوبن إيه آي» موقعا حكوميا أسترالياً، فــي حــادثــة فتحت الــبــاب أمـــام ســـؤال خطير عــن قـــدرة أنظمة الــذكــاء الاصـطـنـاعـي عـلـى تــجــاوز الــحــدود الـتـي يضعها لها البشر. وقــــع الاخــــتــــراق فـــي يــونــيــو الماضــــــي، ولــــم تـبـلـغ الـشـركـة الحكومة الأسترالية به إلا في سبتمبر، بعد أن اكتشفت أن أحد وكلاء الذكاء الاصطناعي وصل، بصورة غير مصر ّّح بها، إلى البنية الخلفية لبوابة إحصاءات صحية تابعة لخدمات أستراليا. الــبــوابــة كــانــت تتضمن بــيــانــات إحـصـائـيـة عــامــة وغير حساسة، ولــم يثبت حتى الآن الـوصـول إلــى بيانات صحية شخصية، لكن الحكومة الأسترالية تخوفت، وفتحت تحقيقا رسميا في الحادثة. فـتـحـت هــــذه الـــحـــادثـــة الـــبـــاب عــلــى مــصــراعــيــه، فـــأوروبـــا مهددة بفقدان السيادة الرقمية، والتأثير في الاقتصاد، فضلا عـن الـحـرب السيبرانية فـي ظـل الـصـراع الـروسـي الأوكــرانــي، واستنزاف القدرات السياسية والعسكرية للقارة العجوز في صراع لا نهاية له، وبات الخوف يعلو الرؤوس، وكأنه ضباب كثيف يغرق مستقبل أوروبا في ظلام دامس. أما الخطر الأكبر فيكمن في التنافس الأميركي الصيني الشرس في هـذا المجال، الـذي يبدو أنـه من الصعب السيطرة عـلـيـه، ومـــن ثـــم فـــقـــدان الــعــالــم أو حــرمــانــه مـــن فـــوائـــد الــثــورة الرقمية، واحتكارها لـدى طـرفين يتنافسان في مجال علمي غير مسبوق. ومن يضمن ألا يقود الذكاء الاصطناعي حربا من تلقاء نفسه؟ إن ما كـان خيالا علميا في الـروايـات والسينما صار حقيقة ساطعة، وتفوق على خيال كتاب وأدباء كانوا يتسلون أو يسلون القراء. ماذا لو كانت كاتبة الألغاز والجريمة البريطانية أغاثا كريستي تعيش فـي هــذا الـعـصـر؟ مـــاذا ستكتب؟ أتكتب عن اقتحام روبوت بيوت الناس في ريف إنجليزي يقع بعيدا عن المدينة ذات مساء، وهو يختطف أبناءهم دون أن يروه مثلا ًً؟ وقـعـت ثـــورة الــذكــاء الــخــارق بـالـفـعـل، وهـــي ثـــورة كاملة تضاف إلى الثورات الصناعية السابقة، وهي بمثابة طوفان نوح جديد، من يستقل سفينته سوف ينجو، لكن طوفان نوح انتهى مع جفاف الماء، بينما هذا الطوفان يتطور دون توقف، لـيـس بــأيــدي قـلـة صـغـيـرة فـقـط كـمـا حـــذر مـــاكـــرون، وإنــمــا قد تتطور أنظمته بطرق يصعب على البشر توقعها أو السيطرة عليها، وقد ينفجر في حرب لا تبقي ولا تذر. بالطبع، ماكرون يشير، من طرف خفي سياسياً، إلى أنه يجب ألا تحتكره أميركا والــصين وحدهما في ظل التنافس الــــشــــرس، ولــكــنــه يــخــشــى أيـــــضا أن يــتــحــول الــــذكــــاء الـــخـــارق إلـــى سلاح فــي أيـــدي ميليشيات، فتستخدمه ضــد الشعوب والمجتمعات والـدول. ومـاذا لو اختلط مع أسلحة نووية تقع بين أيدي هذه الميليشيات؟ طــوفــان الـتـحـذيـرات مــن هـــذا الـضـيـف الـعـالمـي الـجـديـد لا يـتـوقـف، ولـكـن التحذير الـــذي يجب أن نعيه، نحن أصحاب الإقليم العربي، الذين يستهلكونه دون أن ينتجوه، أن نسارع بتحصين أنفسنا من خلال إنشاء إدارة علمية متخصصة في جامعة الـــدول العربية، وأن تـقـوم كـل دولـــة عربية على حدة بتحصين عالمها الرقمي بصرامة. إن المستقبل يحمل ريـــاحا عـاتـيـة، ومــن لا يسيطر على فضائه الرقمي قد تعبث ميليشيا صغيرة بأمنه القومي، وما أكثر الميليشيات في عالمنا العربي الجريح. هــــل الـــبـــشـــريـــة فــــي حـــاجـــة إلـــــى صــحــوة حقيقية، تحمل في طياتها الأمـل والتجديد والانبعاث من رماد الكراهية، وإرث البغضاء؟ إذا ألقينا نـظـرة على الـعـالـم وتـاريـخـه، يبدو للوهلة الأولـى أن راية الحرب والعنف، القمع والظلم، عطفا على الانحلال الأخلاقي، هي السائدة. الـــيـــوم لا تــبــدو الـــدمـــوع الــتــي ذرفــــت في الـــقـــرن الــعــشــريــن، مـــع حــــربين عـــالمـــيـــتين، راح ضـــحـــيـــتــهــمــا عـــــشـــــرات الملايين، قـــــد مـــهـــدت الطريق لهذه الــروح، وبـات الأمـل هو انتظار الزارع الصالح بشوق، على حد تعبير الشاعر الفرنسي الشهير شارل بيغي. مع الأسف توحي ملامح العالم الحالية، بــإعــتــام مــغــلــق، وأحلام مـحـطـمـة، ونــهــايــات لـــلـــوعـــي الإنـــســـانـــي الـــتـــاريـــخـــي؛ وبـــعـــالـــم مـن غـيـر مــشــروع إنـسـانـي مـشـتـرك يليق بكرامة الإنسانية بالقرب من منتصف القرن الحادي والعشرين، حيث الاستعباد العالمي متعدد الأشكال يسود، ما يعود بالبشرية إلى زمن حضارة الغاب. هـــــــل تــــحــــقــــقــــت تــــــنــــــبــــــؤات الــــفــــيــــلــــســــوف الإنجليزي توماس هوبز عن الإنسان، وكيف يتحول إلى ذئب لأخيه الإنسان؟ حين تـغـيـب الــــقــــوانين الـــدولـــيـــة، وتــدفــع الـــفـــردانـــيـــة وحــــــب الـــــــــذات، كــــل شـــخـــص عـبـر مصالحه وقوته، تبدو حياة الإنسان وحشية وقـصـيـرة ومــمــلــوءة بــالــخــوف، ويستتبعها بـــالـــضـــرورة نـــشـــوب الــــحــــروب، حــيــث تصبح علاقــة الناس ببعضهم، أشبه بعلاقة الذئب المفترس بفريسته. قــــبــــل ثلاثــــــــــة عـــــقـــــود ونــــــيــــــف، قــــــــدم لــنــا الصحافي الأميركي والمحلل الجيوسياسي الأمـــــيـــــركـــــي روبــــــــــرت كــــــــــابلان مــــقــــالــــه المـــثـــيـــر «الــفــوضــى الـــقـــادمـــة»، عـبـر مـجـلـة «أتلانــتــيــك ، أي بـعـد 1994 مـــونـــثـــلـــي»، وكــــــان ذلـــــك عـــــام سقوط الاتـحـاد السوفياتي، واعتبار الغرب منتصرا بالمطلق. وضــــــع كـــــــــابلان أمــــــــام أعـــيـــنـــنـــا خــريــطــة لعالم مقسم، تنبأ من خلالها بنشوء ثنائية إنسانية متناحرة، بين عالم متقدم ومستقر تكنولوجياً، محاط بـجـدران وأســـوار أمنية، في مقابل عالم نام يعيش في الفوضى والفقر والحروب الأهلية المستمرة. بعد خمسة عشر عاما من مقال كابلان، كــــان الأديــــــب الــفــرنــســي الـجـنـسـيـة الـلـبـنـانـي الأصــــــــل أمين مــــعــــلــــوف، يــــقــــدم لـــنـــا رائـــعـــتـــه «اخــتلالات العالم»، والتي سيعقبها برؤيته لـ«غرق الحضارات». فــي الأولــــى يقطع بـــأن الـحـداثـة المبتذلة والأنانية غير المقدسة التي تتمرغ في حمأة الإثرة المطلقة، ستقودان العالم إلى الضياع. وفـي الثانية، يصور لنا أوضــاع البشر في حاضرات أيامنا، ببحارة في قارب واحد، نـصـفـهـم يـــجـــدف نــاحــيــة الــــشــــرق، والــنــصــف الــبــاقــي يـمـضـي بــالمــجــاديــف نــاحــيــة الــغــرب، والـنـتـيـجـة أنـهـم لــن يـصـلـوا أبـــدا إلـــى شاطئ الأمان وقت العاصفة. يــــوما تـلـو الآخــــر تُُــثـبـت «عـــبـــادة العجل الـــذهـــبـــي» أنـــهـــا لا تـــفـــيـــد، بــــل إن جـــعـــل المال والتكالب على الثروات معيارا لكل استحقاق للاحــتــرام وأســـاسا لكل سلطة وكــل تراتبية، أمــــر يـــــؤدي إلــــى تــمــزيــق الـنـسـيـج المـجـتـمـعـي البشري، وهو ما نراه حادثا الآن. استنقاذ العالم من وهدة الضياع، شأن يـتـطـلـب ثــقــافــة جـــديـــدة هــدفــهــا الـــبـــنـــاء مـــعاً، على أسس من التوافق حول الحقائق، وهذا لا يتحقق إلا عبر ثقافة اللقاء، واستحسان الـــظـــن بـــالآخـــر، واســـتـــعـــادة الــلــطــف بين بني البشر. يبدو عالمنا في حاجة إلى مسارات سلام تقود إلـى التئام الـجـروح، لا تعميق مشاعر العداء، ما يتطلب قوافل من «صناع السلام» المــســتــعــديــن لـــلـــشـــروع فــــي عــمــلــيــات الــشــفــاء والتلاقي. هـذه الأيـــام ونحن على عتبات مخاوف من اندلاع صراع واسع ما بين روسيا وحلف الـــنـــاتـــو، قــــد لا يــنــفــك أن يـــتـــحـــول إلـــــى حـــرب عـــالمـــيـــة، يــتــوجــب عـلـيـنـا أن نــتــذكــر مـــا شــدد عليه الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط عام ، فـي مؤلفه الشهير «فـــروض عـن بداية 1786 تاريخ الإنسانية»، من أن «أكبر شيء يصيب الشعوب المتمدنة ناشئ عن الحرب، لا بمعنى الحرب الحاضرة أو الماضية، بل بمعنى دوام الاستعداد للحرب القادمة». مــــن هـــنـــا تـــتـــبـــدى الـــحـــاجـــة الماســــــــة إلـــى «هـــنـــدســـة الــــــــسلام الــــعــــالمــــي»، الـــــــذي يـسـمـح بتعايش الأمم وتلاقي الشعوب، مع الاحتفاظ بـالـهـويـات الــخــاصــة، وفـــي الــوقــت عـيـنـه، من دون أن تـصـبـح مـنـطـلـقا لــلــصــراع وتـتـحـول إلى هويات قاتلة. سلام يجمع الكثيرين في الـسـعـي وراء بـحـث مـشـتـرك نـحـو قـيـم أسمى وأرقــــــى يـسـتـفـيـد مـنـهـا الـجـمـيـع عــبــر أرجــــاء الكون وقارته، وصولا إلى الفضاء الخارجي، والــذي يقول الــراوي إنـه صـار ملعبا للتسلح وهذه قصة أخرى. عــــالمــــنــــا يـــنـــبـــغـــي أن يــــتــــوحــــد لمـــواجـــهـــة الأخـطـار، لا سيما بعد أن بـات عائلة معولمة واحـــــــــــدة، تــــحــــتــــاج لأريــــحــــيــــة أمــــمــــيــــة تــتــســع للجميع، وشـــراكـــات خلاقـــة تبني ولا تـهـدم، توفق ولا تفرق. البشرية المنغلقة على ذاتها، برا وبحراً، مـمـرات ومـضـائـق، إنسانية بائسة منهزمة. وهـنـاك لحظات مثيرة فـي أضابير التاريخ، لا يـصـح فيها الــتــســاؤل عـمـن انـتـصـر أو من انهزم، من يمتلك القوة، أو يفتقر إليها، وإنما يصبح السؤال الأعمق: هل يستطيع البشر أن يستمروا معا على سطح الكوكب الأزرق؟ شــرايين الحضارة الإنسانية في حاجة إلى دماء جديدة نقية تعيد للروح الإنسانية ربيعها الجديد. عالمنا في حاجة إلى مسارات سلام تقود إلى التئام الجروح لا تعميق العداء جمال الكشكي إميل أمين OPINION الرأي 16 عن ربيع جديد للروح الإنسانية فردوس الآلات الاتحاد الأوروبي أمام مخاطر جسيمة في ات ِِّباع النموذج الصيني إدريان *وولدريدج

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky