issue17480

لــم تـتـعـرض بــلــدان للنهب كـمـا تـعـرضـت ربــوع الـــقـــارة الأفــريــقــيــة؛ بـــدايـــة مـــن عــهــود الاسـتـكـشـافـات الجغرافية في القرن الخامس عشر، مـرورا بالثورة الصناعية الأولى في القرن الثامن عشر وما صاحبها وتـبـعـهـا مــن رغــبــات فــي تـوسـيـع الأســـــواق والـبـحـث عـن الـخـامـات والـسـلـع الأولــيــة مـن خلال الاستعمار الاســتــيــطــانــي. وحــتــى بـعـد مـــوجـــات الاســـتـــقلال في الـــقـــرن الــعــشــريــن، لـــم تـسـلـم أفــريــقــيــا المـــعـــاصـــرة من سوء استغلال بانحياز شروط الاستثمار والتبادل التجاري، والإفراط في الاستدانة، فضلا عن تدفقات الأمــــوال غير المـشـروعـة الـتـي تـهـرب مـن أفريقيا إلى ملاذات آمنة من تعقبها. كانت وقائع النهب والاستغلال تلك تستدعيها الـذاكـرة؛ إذ طلب مني إلقاء كلمة في إطـار فعاليات «منتدى العلمين - أفريقيا للأعـمـال» الــذي عقد في مطلع هذا الأسبوع وضم قادة الدول ووزراء وأرباب أعـــمـــال ومـسـتـثـمـريـن وتـــجـــارا وعـــــددا مـــن المـنـظـمـات الـدولـيـة والإقليمية والمـؤسـسـات المالـيـة وجـمـعا من الخبراء والإعلامـــيين. وكـان في إعـداد الكلمة فرصة لتحديث معلومات عـن مستجدات الــقــارة السمراء وتــنــاول أمـــور حـرجـة فــي سبيل الاسـتـثـمـار وتـطـور الاقتصاد، وتحقيق التنمية المستدامة التي لا تزال بعيدة عن مساراتها. جـــــرى الــــعــــرف أن تــــذكــــر أفـــريـــقـــيـــا فــــي مــحــافــل الاقتصاد بإظهار ما لديها من خامات وسلع أولية، وما تفيض به المحاجر والمناجم من ثروات طبيعية، وما تسمح به أراضيها من فرص لمحاصيل تجارية كانت تدخل في تصنيع أوروبا في السابق، وانتقلت منها إلى مصانع الشرق في الحاضر. ولكن الأجدى بـالـذكـر أن أغـلـى مـا يـعـزز فــرص الـتـقـدم فـي أفريقيا 1.5 هو الثروة البشرية؛ إذ يبلغ عدد سكانها اليوم مليار إنسان، بما يتجاوز عـدد سكان الهند البالغ مليار نسمة، والصين التي يقترب عدد سكانها 1.45 مليار نسمة. كما تتميز التركيبة السكانية 1.42 من 19 الأفريقية بالشبابية، حيث يبلغ الوسيط العمري ، وفي 40 ، وفي الصين 28 عاماً، بينما يبلغ في الهند .43 أوروبا ورغــــــم أن نــســبــة الأفـــــارقـــــة إلـــــى ســـكـــان الــعــالــم فـي المائــــة، فـإنـه مـن المـؤسـف أن نصيب 19 تـتـجـاوز فـي المائـــة، 3 أفريقيا مـن الـنـاتـج الـعـالمـي لا يـتـجـاوز وتقل النسبة عن ذلك في الناتج الصناعي، وتـزداد انخفاضا في المنتجات التكنولوجية المتطورة؛ أي إن أمثال لتحصل 6 أفريقيا تحتاج إلى زيادة ناتجها بـ عـلـى نصيبها الملائــــم فــي الـنـاتـج الــعــالمــي، وهـــو ما يستلزم استثمارات ضخمة فـي رأس المال البشري بالتعليم والتدريب والرعاية الصحية، واستثمارات أكبر في البنية الأساسية والتكنولوجية. والمــعــضــلــة تــكــمــن فـــي حــجــم ونـــوعـــيـــة وتـكـلـفـة الاسـتـثـمـار الـــدافـــع لـلـنـمـو؛ فـالـنـمـو الاقــتــصــادي في 9 في المائة، بينما بلغ 5 أفريقيا لم يتجاوز متوسط في المائة بالهند، خلال سنوات 7 في المائة بالصين، و العقدين الـسـابـقين على جائحة كوفيد، ومــا تلتها مـن صـدمـات خارجية يتعلل بها بعض الحكومات الأفـريـقـيـة فــي تــراجــع أدائــهــا الاقــتــصــادي. وإن كـان تـواضـع أدائــهــا لا تـبـرره الـصـدمـات وحــدهــا، كما لا تكفي موبقات سنوات العهد الاستعماري البغيض في شرح علاته، فقد زال منذ زمن بعيد، بل يفسرها حتما أداء اقتصادي يفتقر إلى إدارة متطورة متسقة السياسات محكمة المؤسسات منضبطة الأولويات. وتـحـتـاج الــقــارة إلــى اسـتـثـمـارات ضخمة في الـبـنـيـة الأســاســيــة، بـمـا فــي ذلـــك مــشــاريــع الـطـاقـة مــلــيــار دولار ســـنـــوياً، حتى 155 بــمــا لا يــقــل عـــن ، وهذه 2040 تضاعف ناتجها المحلي بحلول عام مليار دولار فعلياً؛ أي 83 الاستثمارات لم تتجاوز إن المطلوب يقترب من ضعف ما هو متحقق وفقا لتقرير ديناميكيات البنية الأساسية. ومما يزيد الأمــر صعوبة هو زيــادة تكلفة الاستثمار الموجه لأفـــريـــقـــيـــا؛ لــيــس فــقــط لــــزيــــادة مــخــاطــر المــشــاريــع والتقلبات السياسية في عـدد من بلدانها، ولكن لتأثر تقييم المخاطر بانطباعات قديمة وتصورات بائسة تـجـاوزهـا الـواقـع إلــى مـا هـو أفـضـل. ولكن يـتـمـسـك مــانــحــو الائـــتـــمـــان بــتــصــوراتــهــم الـبـالـيـة اســـــتـــــغلالا لـــهـــا؛ فـتـكـلـفـة رأس المال فــــي أفــريــقــيــا في المائــة في 8 في المائـــة، بينما تبلغ 13 تتجاوز دول منظمة الـتـعـاون الاقـتـصـادي والتنمية. هذا على الـرغـم مـن أن حــالات التعثر فـي ديــون البنية فـي المائــــة، كما 2 الأسـاسـيـة الأفـريـقـيـة لا تـتـجـاوز أن حـــالات التخلف عــن الــســداد منخفضة عـمـوما وحالات فرص الاسترجاع في تحسن؛ وفقا لقاعدة بيانات ائتمان البلدان النامية والأسواق الناشئة التي تحدثها سنويا المؤسسات المالية الدولية. ولكن لا يمكن إغفال أن أفريقيا ليست دولة دولة متباينة الفرص 54 واحدة، بل هي قارة من والـــعـــوائـــد والــتــكــالــيــف والمـــخـــاطـــر. وإنـــــه لـجـذب الاســـتـــثـــمـــارات المــحــلــيــة والإقــلــيــمــيــة والـــدولـــيـــة، ينبغي للحكومات أن تكون لديها إجابات شافية عن سبعة أسئلة رئيسية: - مـا عـوائـق الــدخــول إلــى الاقـتـصـاد المعني والخروج منه؟ - ما مدى انضباط الإطـار الرقابي والتنظيمي واتباعه للمعايير الأفضل عالمياً؟ - مــا تكلفة الـقـيـام بــالأعــمــال وتـنـافـسـيـة مناخ الاستثمار؟ - ما معدل النمو الحقيقي، والتضخم واستقرار الاقتصاد وتنوعه؟ - ما مرونة الأسواق والتسعير؟ - ما حماية الحقوق واحترام دولة القانون؟ - وأخــــيــــراً، مـــا نـسـبـة تــقــدم مــوقــع الـــدولـــة على خـــريـــطـــة الاســــتــــعــــداد لـــلـــذكـــاء الاصــــطــــنــــاعــــي، الــــذي يعتمد على رأس المال البشري، والبنية الأساسية التكنولوجية، ومرونة سوق العمل، والحوكمة؟ يــعين الـبـلـدان الأفـريـقـيـة على جــذب الاستثمار حتما قدرتها على توسيع أسواقها وزيادة تجارتها فــي المائــــة من 15 البينية الـتـي لا تـتـجـاوز مـتـوسـط تجارتها الكلية مـع سائر دول الـعـالـم، ويــعين على تحسنها مـسـتـقـبلا مــا هــو مـتـوفـر مــن أطــر ميسرة، بما في ذلك تأسيس منطقة التجارة الحرة القارية الأفـريـقـيـة. ولــن يتحقق المـرجـو منها إلا بتخفيض تـكـلـفـة الـــنـــشـــاط الاقـــتـــصـــادي وزيـــــــادة الـتـنـافـسـيـة، والــقــضــاء عـلـى الـتـعـقـيـد الإداري والــفــســاد وضعف المـــؤســـســـات، وأن تـمـتـلـك نــاصــيــة الــتــقــدم بـالـتـحـول الرقمي ومقومات الاقتصاد الأخضر. الرئيس التنفيذي جمانا راشد الراشد CEO Jomana Rashid Alrashid نائب رئيس التحرير Managing Editors Editorial Consultant in KSA Aidroos Abdulaziz Camille Tawil Saud Al Rayes Deputy Editor-in-Chief مديرا التحرير مستشار التحرير في السعودية محمد هاني Mohamed Hani الأمير أحمد بن سلمان بن عبد العزيز عيدروس عبد العزيز كميل الطويل سعود الريس 1987 أسسها سنة 1978 أسسها سنة هشام ومحمد علي حافظ رئيس التحرير غسان شربل Editor-in-Chief Ghassan Charbel «الـــــحـــــرب الأبــــــديــــــة» تـــعـــنـــي الــــحــــرب الــــتــــي لـيـسـت لـهـا نـهـايـة، وهـــو تعبير فـيـه إدانــــة للإدارات الأميركية المتعاقبة التي تورطت في مثل هـذه الأحـــداث الجسام. أول من عرفتُُهم في استخدام التعبير كان الرئيس جو بايدن الذي عزم ونفذ الخروج الأميركي من أفغانستان لكي يتولى أمرها تنظيم «طالبان» بعد عشرين عاما من غزو الدولة وطرد حكامها بعيدا عن السلطة في كابل. التعبير أخـذ صفات سلبية كثيرة من الرئيس دونالد ترمب بوصفه الفعل الفاشل الـذي وقعت فيه الولايات المتحدة في عهود ديمقراطية؛ فهكذا بدا الأمر في فيتنام التي بقيت فيها قرابة عقد في حرب مستمرة. أصـبـحـت الـــدوائـــر الأمـيـركـيـة المـخـتـلـفـة، تـتـسـاءل خــــصــــوصا فــــي ســــاحــــات الـــــعلاقـــــات الـــدولـــيـــة والـــنـــظـــام الــدولــي، ومــا شـابـه ذلــك عـمّّــا إذا كـانـت الـحـرب الجارية في الشرق الأوسـط باتت واحـدة من هذه الحروب التي بـدأت بحرب غـزة الخامسة، وأطلت على حـرب الخليج الـرابـعـة، وأصبحت الـحـرب الأميركية - الإيـرانـيـة، التي تـوسـعـت إقـلـيـمـيا إلـــى المــضــائــق الـبـحـريـة، والاقــتــصــاد العالمي الذي أصابته نكسة الطاقة بعوار شديد، بينما في الواقع فإنه ينبئ باستمرار أبدي أو طويل بالمعايير التاريخية. لــفــت نـــظـــري مـــن بين مـــقـــالات دوريــــــات «الـــشـــؤون الخارجية» و«السياسة الخارجية» و«أتلانتك» وغيرها «البودكاست ثلاثة مخرجات» الذي يقوم به لين ثومان، وعقده مع روبرت كاغان فيلسوف التاريخ في مؤسسة «بروكينغز». وفـي الجولة الأولـــى بين السائل والمـسـؤول كانت الــخلاصــة أن الــولايــات المـتـحـدة تفعل مـا فعلته جميع الـقـوى العظمى فـي الـتـاريـخ، بـل إن ذلــك كــان مـطـروحا قبل قيام الثورة الأميركية التي حملت في داخلها نوايا توسعية امـتـدت بالفعل إلــى شبه قـــارة بين المحيطََين الأطلسي شرقاً، والمقابل غرباً، الباسفيكي. وهـــكـــذا كـــانـــت الــــدولــــة الأمـــيـــركـــيـــة ومــــا فـعـلـتـه في كـــوبـــا والـــفـــلـــبين وهـــايـــتـــي وكــــوريــــا وفــيــتــنــام والـــعـــراق وأفغانستان؛ والآن في فنزويلا وإيــران. هـذا السجل لا يزيد عما فعلته بريطانيا العظمى على مـدى القرنين الــتــاســع عـشـر والــعــشــريــن. وكــذلــك كـــان الـفـعـل لأسـبـاب دفاعية حينما يُُخشى من خطر آيديولوجي مثل النازية الألمانــيــة، أو خطر مـن الـــسلاح الـنـووي مثلما كــان مع العراق والآن مع إيران؛ وأحيانا لكي تحل معضلة من معضلات العالم وفي الطريق فإنها تعبر عن رفضها للإمـــبـــريـــالـــيـــة، ولــكــنــهــا فـــي الــــواقــــع لا تــمــانــع مـــن إقــامــة إمــبــراطــوريــة. الـنـاتـج كـــان أحــيــانا نــاجــحا فــي أوروبـــا وآســـيـــا؛ حـيـث لا تــــزال الــقــواعــد الـعـسـكـريـة الأمـيـركـيـة قائمة في ألمانيا واليابان وكوريا الجنوبية، وانتهت الـنـازيـة مـن الأولــــى، والعسكرية مـن الـثـانـيـة، وانتهت الـــحـــرب الأهــلــيــة الــكــوريــة مـــن الــثــالــثــة، حـيـث الـقـواعـد تعبر عن تــوازن القوى مع كوريا الشمالية، والاتحاد السوفياتي سابقاً، والصين حاضراً. ومن وجهة النظر الأميركية فإن هذه الـدول باتت ديمقراطية ومزدهرة وناجحة. فـــي الـــشـــرق الأوســـــــط، فــــإن الــســجــل لـــم يــكــن بـهـذا الـــنـــجـــاح، حـــيـــث الـــتـــدخـــل الأمـــيـــركـــي يــصــبــح نــــــوعا مـن الـتـورط، حيث البيئة السياسية والاجتماعية لا تقبل بـــه. وإلــــى هـــذه الـنـقـطـة يـنـتـهـي حــديــث روبـــــرت كــاغــان، ويأتي النقاش في الشرق الأوسط. وإذا كانت أميركا قد خرجت من أفغانستان في العهد الديمقراطي فإنها في سبتمبر (أيـلـول) الماضــي خرجت تماما من العراق، 30 حيث النظام السياسي يقوم على «المحاصصة»، وحيث توجد الميليشيات العراقية على كثرتها. إلى أي مدى كان الغزو الأميركي للعراق مؤثرا في الطريقة الأوروبــيــة والآسـيـويـة، والـــذي تـم مـرة لتحرير الـــكـــويـــت، ومــــــرة أخــــــرى لإســــقــــاط نـــظـــام صــــــدام حـــسين الإرهابية، 2001 سبتمبر 11 بتهمة المشاركة في أحداث والـسـعـي إلـــى الــــسلاح الـــنـــووي والــــذي فــي الــحــالــتين لم يثبت له برهان. الآن فإن المسألة الأميركية - الشرق أوسطية باتت أكـثـر تعقيداً، حيث لـم تـــأت إسـرائـيـل إلــى «بـودكـاسـت» ََّـــل الاحــــــــتلال، ولا غـــارة ثـــومـــان مـــع كــــاغــــان، ولــــم يُُـــســـج ، ولا 2023 ) أكـــتـــوبـــر (تـــشـــريـــن الأول 7 «حــــمــــاس» فــــي رد الـفـعـل الـــذي ذهـــب إلـــى الـقـتـل الـجـمـاعـي والــدفــع إلـى التطهير العرقي. الحرب الجارية في الشرق الأوسط تشمل قطاعين مـــن المـــجـــالات الإقـلـيـمـيـة المــمــتــدة فـــي مــســرح الـعـمـلـيـات بين الخليج العربي والبحر الأحـمـر، والمحيط الهندي والبحر الأبيض المتوسط؛ وفي هذين فإن العراق يوجد في موضع بالغ الحرج. فهو من ناحية حصل الآن على الخروج الأميركي مــن حـالـة احــــتلال اسـتـمـر مــن أجـــل قــيــادة تـحـالـف حـرب أخـــرى عـلـى إرهــــاب «داعـــــش»، ولـكـنـه مــن نـاحـيـة أخــرى يــواجــه الـتـحـدي الإيـــرانـــي الـــذي هــو فـــضلا عــن التهديد «الـجـيـو سـيـاسـي واسـتـراتـيـجـي» لـحـالـة الـــجـــوار، فإنه في ظل قيادة جديدة وشابة لرئيس الــوزراء علي فالح الزيدي عليه أولا أن ينجي العراق من تناقضات المرحلة الانتقالية؛ وثانيا أن يعيش التوازن بين إيران والولايات المتحدة في ظل توترات وحروب! التفكير في الحرب الأبدية عن الاستثمار في أفريقيا OPINION الرأي 15 Issue 17480 - العدد Wednesday - 2026/10/7 الأربعاء عبد المنعم سعيد محمود محيي الدين

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky