issue17480

يـــحـــاول الــرئــيــس الـــروســـي فلاديــمــيــر بـــــوتين، وهــو يـخـض حــربــه المـتـعـثـرة فـــي مــواجــهــة أوكـــرانـــيـــا، ترهيب الــــــدول الأوروبـــــيـــــة، الـــتـــي أصــبــحــت -فــــي ظـــل الـتـقـلـيـص الــحــاد الــــذي أقــــره الـرئـيـس الأمــيــركــي دونـــالـــد تــرمــب في المساعدات المقدمة لكييف- الداعم العسكري والاقتصادي والدبلوماسي الرئيسي للأوكرانيين. وإلــيــك بضعة أمـثـلـة مــن بين أخـــرى كـثـيـرة: العثور على طائرة مسيّّرة محم ّّلة بالمتفجرات في مطار لايبزيغ بـألمانـيـا، وتــضــرّّر كـــابلات حيوية تحت البحر فـي بحر البلطيق، وانفجار طرود في مرافق لوجستية في ألمانيا وبولندا والمملكة المتحدة، وهجوم فاشل لمحاولة إشعال النار في مستودع حـافلات تشيكي، وتضرر سكة حديد بـولـنـديـة بسبب مـتـفـجـرات، وزيــــادة مستمرة فــي كثافة الهجمات السيبرانية ضد أعضاء حلف شمال الأطلسي (الناتو). وبينما تنفي موسكو، بطبيعة الحال، أي تورط لها، فقد نسبت أجهزة الاستخبارات وإنفاذ القانون الغربية هـذه الهجمات إلـى الكرملين بشكل مقنع، وحصلت في بعض الحالات على لوائح اتهام وإدانات قضائية. وتُُــعـرف مثل هـذه الـحـوادث باسم الـحـرب الهجينة أو حــرب المنطقة الــرمــاديــة، والـفـكـرة منها تنفيذ أعمال تخريب وإحداث اضطرابات عبر طيف واسع من الأهداف المــدنــيــة، لا تـصـل إلـــى حــد الــحــرب الـفـعـلـيـة، وعــلــى نحو يجعل من الصعب إيعازها إلى موسكو. وما قد يبدو هجمات معزولة يمكن أن يخلف عواقب أوســع بكثير. وهــذا النمط المتصاعد مـن جانب روسيا قد يــؤدي إلـى تفعيل المادة الرابعة من ميثاق «الناتو»، التي يمكن بموجبها لأي عضو يعتقد أن أمنه أو سلامة أراضــيــه تـحـت تـهـديـد خـطـيـر، أن يطلب مـــشـــاورات على مستوى التحالف لاتـخـاذ إجـــراء جـمـاعـي. وهـــذا بــدوره قد يـؤدي إلى قـرار يستند إلى المادة الخامسة، ما يفعّّل الافتراض الأساسي الذي يقوم عليه التحالف، ومفاده أن الهجوم على دولة واحدة هجوم على الجميع. وبالنظر إلى امتلاك كل من الاتحاد الروسي وحلف «الناتو» أسلحة نووية، فإن احتمال الحسابات الخاطئة والتصعيد الــرأســي أمـــر يـدعـو إلـــى الــذعــر. الــيــوم، يرفع بوتين حدة التوتر، في حين ظل يلعب بالنار طيلة عقود. من جهتي، عندما أصبحت القائد الأعلى لـ«الناتو» ، كنا ندرس بالفعل تقارير استخباراتية حول 2009 عام الحرب الهجينة. وعندما غزت روسيا جورجيا قبل ذلك بعام، استخدمت أجهزتها العسكرية والاستخباراتية، الهجمات السيبرانية، وحــملات التضليل، والمساعدات إلـى القوات الانفصالية بشكل استراتيجي للغاية (كان هـــذا بـمـثـابـة تـمـهـيـد لاســتــخــدام روســـيـــا قــــوات لا تحمل شــــارات، أو مــا ع ُُـــرف بـاسـم «الـــرجـــال الـخـضـر الـصـغـار»، .)2014 عندما استولت على القرم عام كما شنت روسيا سابقا هجمات سيبرانية ضد دول إلــى إنـشـاء «مـركـز (الناتو) 2008 البلطيق، مـا أدى عــام المتميز للدفاع السيبراني التعاوني» في إستونيا. وفي مقر «الناتو»، كان هناك أمران واضحان لي: أن بــوتين سيمضي في هـذا النوع من العمليات، ومـع ذلك لـم يكن لــدى التحالف تكتيكات أو تقنيات أو إجـــراءات فع ّّالة لمواجهتها. وعلى الرغم من أن «الناتو» أحرز تقدما ن ، على هذه الجبهات على مدى العقد والنصف الماضـيََيْن فإنه لا يزال بحاجة إلى مجموعة استجابات أكثر حزما وشمولا يمكن لقواته تنفيذها، دون التسبب في إشعال حرب شاملة. أولا ًً: يحتاج «الناتو» إلى جهد استخباراتي، يتطلب اســتــنــفــار جـمـيـع الـــطـــاقـــات لـكـشـف المــنــظــمــات الــروســيــة المـتـورطـة فـي الهجمات الهجينة. ويـجـب عليه تصعيد حملة «الكشف والتشهير» عبر الكشف المعلن عـن أدلـة دامغة على تورّّط الدولة الروسية في أعمال ضد أوروبا. لقد بـدأ الغرب فـرض مثل هـذه العقوبات، خاصة مـنـذ بـــدء الــحــرب فــي أوكـــرانـــيـــا، لكنها لــم تـكـن كـافـيـة، ويــرجــع ذلـــك إلـــى حــد كبير إلـــى التطبيق غـيـر المنس ّّق وقــــــدرة الــــــروس عــلــى إيـــجـــاد طــــرق للالـــتـــفـــاف عـلـيـهـا، مثل اسـتـخـدام الـشـركـات الـصـوريـة والــعــملات البديلة و«أسطول الظل» من ناقلات النفط. ثـــانـــياً: مـــن الـــضـــروري الاســـتـــعـــداد المـسـبـق لـــردود فــعــل أقـــــوى تـــجـــاه الــتــحــركــات الـــروســـيـــة. ويــعــنــي ذلــك تــعــزيــز جـــهـــود المـــراقـــبـــة والاســـتـــخـــبـــارات المـخـصـصـة، لرصد المخططات الروسية، وإنشاء وحدة للاستجابة الـسـريـعـة فــي مـقـر الــقــيــادة الـعـلـيـا للحلفاء فــي مدينة مــــونــــس. ويـــنـــبـــغـــي أن تـــشـــمـــل الــــــقــــــدرات الــعــمــلــيــاتــيــة (الحركية) وحدات دفاع جوي متنقلة وطائرات مقاتلة جاهزة للتدخل الفوري قـرب حـدود الحلف، لاعتراض الـطـائـرات المسيرة التي قـد تعبر حــدود «الـنـاتـو» «عن طريق الخطأ»، علاوة على وحدات قوات خاصة قادرة عـلـى الانــتــشــار الــســريــع لـلـتـصـدي لـــ«الـــرجـــال الخضر الصغار»، الذين قد يظهرون فجأة في دول البلطيق أو بولندا، على سبيل المثال. وأخــيــراً، يجب أن يـكـون الحلف مستعدا لتجاوز مرحلة الردود الدفاعية والانتقال إلى الهجوم. وتتمثل الـخـطـوة الأولـــى مـن هــذا الـتـحـرك بـوضـوح فــي: تزويد الأوكرانيين بمزيد من الأسلحة الهجومية الأكثر تطوراً، فقد أثـبـتـوا قـدرتـهـم على شـن ضـربـات دقيقة وبعيدة المــدى ضـد منشآت النفط والـغـاز الروسية والطائرات الاستراتيجية. ورغـــم أن «الــنــاتــو» لــن يقلد أسـالـيـب بـــوتين التي تُُعد غير قانونية وغير أخلاقية بوضوح -مثل تهديد شبكات النقل المدني- فإن استهداف أصوله العسكرية يُُعد إجراء مشروعاً. ويجب أن يدرك بوتين أن «الناتو» مدرك تماما لنياته وتحركاته، وأنه مستعد ليس فقط للدفاع عن أعضائه، بل أيضا لفرض تكلفة عسكرية حقيقية عليه، إذا واصل شن هجماته في «المنطقة الرمادية». * بالاتفاق مع «بلومبرغ» حـفـلـت الـجـمـعـيـة الــعــامــة للأمـــــم المــتــحــدة مــنــذ أن تم ، لتكون منتدى حكام 1945 التوافق على استحداثها عـام الـــــدول الأعـــضـــاء، بـالـعـديـد مـــن الأحــــــداث، وبـــحـــالات لافـتـة عالقة بالذاكرة. وفيها يلقي رئيس الدولة أو م ََن ينوب عنه الكلمة التي تتضمّّن رؤيته أو اعتراضاته، ويحضرنا في هذا الصدد، التصرُُّف الذي قام به نيكيتا خروتشوف في )، حيث فاجأ 1960 » الدورة الخامسة عشر (سبتمبر «أيلول المـشـاركين في الــدورة بخلْْع فـردة مِِــن حذائه والضرب بها على المنبر. وكان الاحتجاج «الحذائي» السوفياتي ردا على مـا قاله المـنـدوب الفلبيني منتقدا السياسة السوفياتية. حدث ذلك ع ِِلْْما بأن تلك الدورة الأممية كانت لرتق ما أمكن رتقه م ِِن ثوب العلاقات بين المعسكرين الغربي والشرقي، أو تحديدا بين معسكر الحرية والرأسمالية ومعسكر الحزب الحاكم بالرأي الواحد. أمـا الزعيم الكوبي فيديل كاسترو فقد أرهـق أسماع رؤســـاء الـوفـود فـي الـــدورة نفسها لاسـتـمـراره يتحدث مِِن على المنصة الأمـمـيـة نحو أربـــع ســاعــات، وقـــال مِِــن الــكلام الماركــســي مـفـردات عـن المعسكر الغربي مـا لا يتسع المقام لسرده. لم يكن تأسيس الأمم المتحدة م ِِن أجل أن «يفضفض» كــل رئـيـس دولـــة عما فـي نفسه مِِــن غضب على الخصوم، ْْـــل أن يـطـرح مــبــادرة تُُــحـقـق الـتـوافـق وتنشر وإن ََّــمــا مِِـــن أج السلام على الأرض. ومع أن كاسترو أرهق رؤساء الوفود بخطاب كالذي يقال في مهرجان شعبي، وليس في دورة تخص جميع الدول التي انتمت إليها. وكلنا يعلم ما فعله العقيد معم ََّر القذ ََّافي بعد اغتنام إطلالته الأُُولى على المنبر الأممي، لكي يقول مِِن الكلام ما يجعل الحذََر منه ينحسر، وألقى، كما كاسترو مِِــن حيث دقــيــقــة)، خـطـابا 15( الــتــجــاوز لـلـوقـت المــحــدد لـكـل رئــيــس استغرق ساعة ونصف الساعة، وحفلت العبارات بما لم تُُحقق للدولة الليبية الـتـي يترأسها مكانة بين المجتمع الدولي، وكان م ِِن المحتمل مراعاة مضامين كلامه لو أنه لم يُُمسك بنسخة م ِِن ميثاق الأمم المتحدة أعدها على ما جاز الافتراض لكي يقترف الف ِِع ْْل غير اللائق، وهو تمزيق أوراق النسخة، في مشهد بثته الإذاعـات والفضائيات مع إرفاق الـبـث بانتقاد بـالـغ الـحـدة لتصرفه. يُُــقـابـل ذلــك الارتــيــاح الأممي مِِــن اغتنام ياسر عرفات المنبر في دورة الجمعية ليلقي مِِــن الـــكلام مـا قــل ودل، وبـأمـل أن 1974 العامة عــام يأتي المــردود إيجابيا ما دام خاطب الجمع الأممي قـائلاًً: «أتيتُُكم حـاملا غصن الزيتون في يد، وبندقية الثائر في اليد الأُُخرى، فلا تُُسقطوا الغصن الأخضر م ِِن يدي». لم تثمر المناشدة العرفاتية على النحو المأمول. ثم ها هو وزير الخارجية السعودية الأمير فيصل بن فرحان يقول مِِن على المنبر الأممي مِِن الكلام الذي يضيء بموضوعية على الأحوال التي تعيشها دول العالم قاطبة م ِِن أزمات «لا تََنتج عن غياب الموارد والفرص بقد ْْر ما تََنتج عــن غـيـاب الالـــتـــزام بـالمـبـادئ الـتـي تََـــوافََـــق عليها المجتمع الـــدولـــي...»، مضيفا إلــى ذلـــك: «إن جـهـود اسـتـعـادة الأمـن والاستقرار في المنطقة وبناء علاقات مستدامة بين دولها لا يمكن أن تقوم على الهيمنة أو استغلال الأزمـات، وإنما على الاحترام المتبادََل والمصالح المشتركة وح ُُس ْْن الجوار واحـتـرام سيادة الــدول والالـتـزام الكامل بالقانون الدولي والقانون الإنساني...». يبقى أن الـــــدورات الـسـنـويـة للجمعية الـعـامـة للأمــم المتحدة كانت تشهد إلـى جانب تلك الـحـالات التي أشرنا إليها، أن وفدا ما كان ينسحب من الجلسة عند إلقاء رئيس (أو مــنــدوبــه) يناصبه الــــخلاف المستعصي عـنـد اعـتلائـه المنصة، وعلى نحو انسحاب الـوفـد الأميركي فـي الــدورة الحالية عندما ألقى الرئيس الإيـرانـي مسعود بزشكيان كلمته. لكن الانسحاب الصاعق هو الذي حدث عندما اعتلى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو المنبر الأممي؛ إذ غـــادر سبعة وسبعون مِِــن رؤســـاء الـوفـود الـقـاعـة. وقد بـدا نتنياهو في كلمته يتباهى بحرب الإبــادة والتجويع والـتـدمـيـر الـتـي قــادهــا ومـــا زال فــي غـــزة والـضـفـة الغربية ولبنان. إنها مجرد تأملات في دورة أممية جرى انعقادها تحت دوي الصواريخ المتبادََلة والعناد الـذي لا مبرر لديمومته، وكان استحضار حالات سابقة تعود إلى نصف قرن مضى بـهـدف الــقــول إن هـــذه الجمعية سـاحـة لـلـذيـن يـقـولـون مِِــن الكلام ما يعالج أحوال العالم، وليست كما في نظر البعض مسرحا للنقد غير البن ََّاء... وأحيانا التهريج. نــــشــــرت «الـــــشـــــرق الأوســـــــــــط»، الــســبــت الماضــــــي، رســـالـــة مـــن بـــغـــداد حـمـلـت عـنـوان «اليوم الوطني يستعيد جدل الاستقلال في العراق». و«جدل الاستقلال» تعبير يبدو لوهلة غريباً. فالمألوف، لا سيّّما في مجتمعاتنا، أن يـــكـــون الاســـــتـــــقلال وعــــيــــده مــنــاســبــتين جــــمــــاعــــيّّــــتين للاحــــتــــفــــال وإعلان الاتّّـــــفـــــاق والوئام. وقد تكون المبالغة الاحتفاليّّة التي يُُــعـمـل بـهـا نـــوعا مــن التغطية عـلـى ضعف الإجماع الفعلي حيال الحدث، بحيث يصار إلى نفخ «الأخــوّّة» لحجب النظر عن تنازع ْْـــــــوة» الــفــعــلــي ّّ، أو لإيـــهـــام الـنـفـس بـــأن «الأخ الأخو ّّة المفترضة أقوى من ذاك التنازع. لــــكــــن مـــــا يـــقـــولـــه «جــــــــدل الاســـــتـــــقلال» واستعادته مر ّّة بعد مر ّّة أن هذا الميل لم يعد حاجة في الـعـراق، بمعنى أن الإلحاح على إشهار الـخلاف صار أقوى كثيرا من تقليد تمويهه والتحايل عليه. وحين يـمـتـد ذاك الـــــخلاف المـعـلـن إلـى لحظة الـــــولادة الـسـيـاسـيّّــة، أي الاســـتـــقلال، فمعنى ذلك أن كل ما ينجم عن تلك الولادة سيكون موضوع خلاف وتضارب. فـــمـــا هــــو مــــتــــعــــارََف عــلــيــه أن الــــعــــراق ،1932 ) أكتوبر (تشرين الأوّّل 3 استقل في وكان بهذا أوّّل بلد عربي يستقل وينتسب إلــــى «عــصــبــة الأمـــــــم». وبــفــعــلــه هــــذا حظي بالاعتراف الدولي «باكتمال مقومات الدولة الــعــراقــيــة الــحــديــثــة، مـــن حـكـومـة مستقلة، وحـــــدود ثــابــتــة، ومـــصـــادر مــالــيــة، وقــضــاء مستقل، والتزام دولي» كما يقول القانوني العراقي علي التميمي. مـــــــع هـــــــــــذا، وبــــــاســــــتــــــعــــــادة الـــــرســـــالـــــة الـــصـــحـــافـــيّّـــة الــــتــــي كــتــبــهــا الـــزمـــيـــل حــمــزة مصطفى، هناك ثلاثة مزاعم كبرى تخالف ذاك التعيين للاستقلال. فحزب البعث الذي يتمس ّّك بيوم 2003 و 1968 حكم البلد بين يوليو (تم ّّوز) 17 استيلائه على السلطة في بوصفه يوم الاستقلال الحق ّّ. 1968 والـــــشـــــيء نـــفـــســـه يــــصــــح فـــــي تـــــيّّـــــارات يـــســـاريّّـــة تـــربـــط الاســــتــــقلال ربـــــطا حـــصـــريّّا ، حين أطـاح 1958 ) يـولـيـو (تــمّّــوز 14 بـيـوم انــــــقلاب عــســكــري قـــــاده عــبــد الــكــريــم قـاسـم وعـبـد الـــسلام عـــارف بالنظام المـلـكـي وأقــام الجمهوري ّّة. وكــان بعض معارضي صـــدّّام حـسين، الــــذيــــن وصــــلــــوا إلــــــى الـــســـلـــطـــة فــــي أعـــقـــاب إطاحته، قد اقترحوا أن يكون يـوم سقوط ، هو عيد 2003 ) أبريل (نيسان 9 نظامه، في الاستقلال. 1932 والــــحــــال أن الــــفــــارق بين خـــيـــار والــــخــــيــــارات الأخـــــــرى يـــنـــطـــوي عـــلـــى أوجــــه ثلاثة: أوّّلها يتّّصل بالتواضع. ذاك أن الذين ارتبط بهم نيل الاستقلال الأصلي لم يقولوا إنّّــهــم خـلـقـوا الــعــراق مــن صـفـر، وأن وجــود العراق السياسي كان مشروطا بوجودهم. أم ّّـــا أصـحـاب الـخـيـارات الأخـــرى والآخـــذون برواياتهم، وهم عقائديّّون على هذا النحو أو ذاك، فيرون في انتصار جماعاتهم يوم انتقال البلد من العدم إلى الصيرورة، ومن اللاوجود السياسي إلى النشأة السياسيّّة. والــــثــــانــــي يـــتّّـــصـــل بـــنـــقـــص اســــتــــقلال ، تـبـعا لـربـطـه بـالمـعـاهـدة الـعـراقـيّّــة – 1932 البريطانيّّة التي وُُقّّــعـت قبل عـــامين. وهنا يتبلور الافــتــراق بين نـهـجين، واحـــد مفاده الانـفـتـاح عـلـى مـبـدأ الـــتـــدرّّج عـــملا بمفهوم الانتداب الذي يُُفترض به «تأهيل الشعوب الــخــاضــعــة لـــه لتمكينها مـــن حــكــم نفسها بنفسها مستقبلاًً». وهـذه لغة تبدو اليوم أبويّّة وغير مستح ََبّّة، لكن المؤكّّد، استنادا إلــى تـاريـخ الـعـراق الحديث وبضعة بلدان أخـــــرى، أن الـتـجـربـة عـــانـــدت الـحـجـج الـتـي يرفعها رافضو التدرّّج من دعاة الاستقلال الكامل والفوري ّّ. أم ّّـــــــا الــــثــــالــــث فـــيـــطـــال مــــــدى الاكــــتــــراث بالعالم كعنصر لا بد منه لبلوغ الاستقلال ولــــتــــعــــزيــــزه. فــــالــــذيــــن ارتــــبــــطــــت جـــهـــودهـــم عــرفــوا أن اعــتــراف العالم 1932 بـاسـتـقلال هـــو مـــا يـمـنـح دولــتــهــم الــنــاشــئــة وجـــودهـــا الـــقـــانـــونـــي أمـــــام المـجـتـمـع الــــدولــــي ّّ. لـكـنّّــهـم أدركــوا أيـضا أن ذاك الاعتراف هو ما يتيح لــهــا تــوقــيــع المـــعـــاهـــدات والاتـــفـــاقـــيّّـــات على أنواعها، والانضمام إلى المنظ ّّمات الدوليّّة، وتبادل التمثيل الدبلوماسي وما يستتبعه مــــن إقــــامــــة ســـــفـــــارات وقـــنـــصـــلـــيّّـــات، وهــــذا ناهيك عـن تـحـسين فــرص الــدولــة الجديدة فـــي مـواجـهـتـهـا احــتــمــالات الـــغـــزو والـــضـــمّّ، وتعزيز شروطها في الانضمام إلى النظام المالــــــــي الـــعـــالمـــي والـــحـــصـــول عـــلـــى قــــروض واسـتـثـمـارات... لا بـل يعمل الانـتـسـاب إلى ّّــــســــات الــــدولــــيّّــــة عـــلـــى تـــمـــكين الـــقـــوى المــــؤس الوطنيّّة من المطالبة بالانتقال من استقلال ناقص إلى استقلال كامل. أمّّـــــا أصـــحـــاب الـــخـــيـــارات الأخــــــرى فلا يـعـبـأون كـثـيـرا بـهـذا الـعـامـل، بــل هــم غـالـبا مــا يـــؤكّّـــدون عـلـى تـعـارضـهـم الــصــارخ معه والاســـتـــعـــاضـــة عـــنـــه بــــعلاقــــة مــــع دولــــــة أو دولتين يتقاربون آيديولوجيّّا معهما. لـقـد نـشـأ الـــعـــراق الــحــديــث، مثله مثل معظم بلداننا، بالتوازي مع تفتّّت داخلي وتــبــايــن فــي الـنـظـر إلـــى الــعــالــم. وفـــي بلاد الـرافـديـن تحديداً، كانت «ثـــورة العشرين» هــي التعبير عــن ذيـنـك الـتـفـاوت والتباين الـلـذيـن لا ينفع الاســـتـــقلال، كـائـنا مـا كـان، مـــن غـيـر تـذلـيـلـهـمـا. والـــراهـــن أن المــشــروع كان مسكونا 1932 الذي عبّّر عنه استقلال بهذه المهم ّّة بعدما قد ّّمت «الثورة» المذكورة شطرا من الشعب بوصفه الطرف المستحوذ عليها، وشـطـرا آخــر بوصفه المستفيد من هزيمتها. أمّّـــا أصـحـاب الـخـيـارات الأخــرى فلم يـتـأد عـن خياراتهم تلك سـوى تعميق الـــتـــفـــاوت والـــتـــبـــايـــن داخــــــل الـــشـــعـــب الــــذي يُُفترض أنّّــه واحــد. ولـن يكون من الصعب عــلــى مـــن يــنــقّّــب قـــلـــيلا فـــي المــفــاهــيــم الـتـي تبدو حياديّّة حيال الطوائف والجماعات، أو متعالية عـلـيـهـا، أن يكتشف أنّّـــهـــا، في مختبرها الــعــراقــيّّ، تمتلك دلالات أخــرى. وهذا كلّّه قبل الإشارة إلى الإضافة النوعيّّة الإيـــرانـــي ّّـــة 1979 الـــتـــي تـــبـــرّّعـــت بــهــا ثـــــورة ونـــظـــامـــهـــا فــــي تــفــكــيــك الـــشـــعـــب الـــعـــراقـــي وتمويه استقلاله. OPINION الرأي 14 Issue 17480 - العدد Wednesday - 2026/10/7 الأربعاء التهريج والوقار فيرحاب جمعية الأمم بوتين و«الناتو» وضبط النفس لكن متى استقل العراق؟ وكيل التوزيع وكيل الاشتراكات الوكيل الإعلاني المكـــــــاتــب المقر الرئيسي 10th Floor Building7 Chiswick Business Park 566 Chiswick High Road London W4 5YG United Kingdom Tel: +4420 78318181 Fax: +4420 78312310 www.aawsat.com [email protected] المركز الرئيسي: ٢٢٣٠٤ : ص.ب ١١٤٩٥ الرياض +9661121128000 : هاتف +966114429555 : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: www.arabmediaco.com هاتف مجاني: 800-2440076 المركز الرئيسي: ٦٢١١٦ : ص.ب ١١٥٨٥ الرياض +966112128000 : هاتف +9661٢١٢١٧٧٤ : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: saudi-disribution.com وكيل التوزيع فى الإمارات: شركة الامارات للطباعة والنشر الريـــــاض Riyadh +9661 12128000 +9661 14401440 الكويت Kuwait +965 2997799 +965 2997800 الرباط Rabat +212 37262616 +212 37260300 جدة Jeddah +9661 26511333 +9661 26576159 دبي Dubai +9714 3916500 +9714 3918353 واشنطن Washington DC +1 2026628825 +1 2026628823 المدينة المنورة Madina +9664 8340271 +9664 8396618 القاهرة Cairo +202 37492996 +202 37492884 بيروت Beirut +9611 549002 +9611 549001 الدمام Dammam +96613 8353838 +96613 8354918 الخرطوم Khartoum +2491 83778301 +2491 83785987 عمــــان Amman +9626 5539409 +9626 5537103 صحيفة العرب الأولى تشكر أصحاب الدعوات الصحافية الموجهة إليها وتعلمهم بأنها وحدها المسؤولة عن تغطية تكاليف الرحلة كاملة لمحرريها وكتابها ومراسليها ومصوريها، راجية منهم عدم تقديم أي هدايا لهم، فخير هدية هي تزويد فريقها الصحافي بالمعلومات الوافية لتأدية مهمته بأمانة وموضوعية. Advertising: Saudi Research and Media Group KSA +966 11 2940500 UAE +971 4 3916500 Email: [email protected] srmg.com حازم صاغي ّّة فؤاد مطر *جيمس ستافريديس

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky