قـــد تـخـتـلـف الإعلامــــيــــة كـــلـــود أبــــو نـاضـر هـنـدي عــن غـيـرهـا فــي مـمـارسـة مهنتها؛ فهي إعلامية ملتزمة ومهنية، ترى نفسها باحثة عن الحقيقة مهما كانت صعبة، ومناضلة من أجل قضايا بيئية واقتصادية، واجتماعية وطبية وغيرها. كذلك، فهي تقول إنها تأبى إلا أن «تكشف المستور» وتقد ّّمه على الشاشة، ولم تتطلّّع يوما إلـى بريق الأضــواء من بـاب الشهرة. فالكاميرا بـالـنـسـبـة إلـيـهـا وسـيـلـة تـعـكـس هــمــوم الـنـاس وأوجــاعــهــم، أمـــا أهـدافـهـا فبسيطة وواضــحــة، تصب في مصلحة البلد وأهله، من دون أن تعبأ بتهديدات تتلقاها أحيانا من هنا وهناك. برنامج «تحقيق» الـــبـــرنـــامـــج الــتــوثــيــقــي «تـــحـــقـــيـــق»، الــــذي تـعـدّّه أبــو نـاضـر هـنـدي على شـاشـة تلفزيون «إم تـي فـــي»، هـو الأحـــدث فـي مسيرة إعلامـيـة تنقّّلت خلالها بين الصحافة المكتوبة والإذاعة والتلفزيون. وللعلم، منذ انطلاق أولى حلقات ، كانت تُُدرك أن مهمتها لن 1987 البرنامج عام 2001 تكون سهلة. وبعد إقفال «إم تي في» عام بقرار صادر عن مجلس الـوزراء يومها، توقّّف الـبـرنـامـج، ثــم مــا لبثت أن أعــــادت إطلاقــــه عـام ، لتفتح من خلاله ملفات ترتبط مباشرة 2009 بحياة اللبناني ويومياته حتى الساعة. ومــــــن مـــلـــفـــات تـــــزويـــــر الــــــــــدواء والاتـــــجـــــار بـــالأعـــضـــاء والمـــــخـــــد ِِّرات، وصــــــولا إلــــى قـضـايـا التلوّّث البيئي، وأخرى تتعلق بحروب العراق وسوريا وجنوب لبنان، استطاعت أبو ناضر أن تـــتـــرك بــصــمــة إعلامــــيــــة خـــاصـــة فـــي لـبـنـان والعالم العربي. دقيقة، كانت حلقات 50 وعلى مدى نحو برنامجها تــوثّّــق مــن خلال عـمـل استقصائي حثيث، المـشـكلات بالصوت والــصــورة. فكانت الأرض «ملعبها» ومركز تحقيقاتها، م ُُستبع ِِدة الأســـــلـــــوب الإعلامــــــــــي الـــــــذي يـــــــدور فــــي أروقــــــة الاستوديوهات. بــرنــامــج مـــن هــــذا الـــنـــوع يــشــك ّّــل نــمــوذجا فــــي الإعلام المــــرئــــي الاحــــتــــرافــــي المـــنـــبـــثـــق مـن العمل الوثائقي. فأبو ناضر كانت سبّّاقة في اعتماده، أسوة بما كانت تقد ّّمه قنوات فرنسية وأوروبية، قبل أن يصبح هذا النوع من البرامج مــادة أساسية في عـدد من القنوات الفضائية العربية. يناسب مختلف الشرائح تــعــلّّــق أبــــو نـــاضـــر فـــي لـــقـــاء مـــع «الـــشـــرق الأوســـــــــط» عـــلـــى بـــرنـــامـــجـــهـــا فـــتـــقـــول: «كــنــت الــوحــيــدة فــي الــشــرق الأوســــط عـنـدمـا أطلقت فـــكـــرة الــبــرنــامــج الـــوثـــائـــقـــي. وقـــمـــت بلبننته لــــيــــنــــاســــب بـــمـــضـــمـــونـــه مـــخـــتـــلـــف الــــشــــرائــــح الاجتماعية. ولو ّّنته بمواضيع متنوعة؛ حتى لا تقتصر متابعته على فئة معينة». والواقع، لم تلجأ أبو ناضر إلى استضافة سياسيين وزعماء أحزاب أو فعاليات رسمية للترويج لبرنامجها وزيادة نسبة مشاهدته، ّّـــصـــتـــه لمــــعــــانــــاة الـــــنـــــاس وأفــــراحــــهــــم بـــــل خـــص وهمومهم فـي آن، وأرادتــــه مـــرآة للحقيقة، لا مساحة لتلميع صورة هذا السياسي أو ذاك. كان نضالها الأبرز - كما توضح - م ُُنصب ّّا على «البيئة»؛ إذ لديها قناعة بأن هناك مافيا تعمل على تدميرها بشكل ممنهج وعن سابق تصو ّّر وتصميم... و«لذا؛ فتحت ملفات كثيرة في هذا المجال، بدءا من تلوث نهر الليطاني، ّّــارات والمــرامــل، ووصــولا مـــرورا بمشكلة الـكـس إلى أزمة النفايات». وعــمّّــا إذا كــانــت قــد اسـتـطـاعـت تسجيل ِِـــــبـــــاك أعـــــــــداء الـــطـــبـــيـــعـــة، تــــــردّّ: أهـــــــــداف فـــــي ش «تسجيل الهدف تلو الآخـر كـان الإيـقـاع الذي ألتزم به وأرغب في تحقيقه. ولكن، مع الأسف، اكتشفت أن هذه الأهداف لا تؤلم المافيات التي تـقـف وراءهـــــا، حـتـى لــو سمّّيتها بأسمائها. الفساد المستشري في منظومة تحكمنا منذ سنة، ولا يهم ّّها سوى جمع مبالغ 40 أكثر من طــائــلــة لـتـعـبـئـة جــيــوبــهــا، ولــــو عــلــى حـسـاب الناس». ومــــــن ثــــــم، تـــــواصـــــل كلامـــــهـــــا فـــتـــقـــول إن الخبرة التي حصدتها في مشوارها الإعلامي المتنوع وظّّفتها فـي برنامجها التلفزيوني، «أنا أتطلّّع دائـما إلى تطوير نفسي من خلال مـتـابـعـتـي لــبــرامــج وثـائـقـيـة أجـنـبـيـة. وحـتـى أثــنــاء مـشـاهـدتـي فـيـلـما سـيـنـمـائـياً، أستعير مـنـه أفــكــارا موسيقية وبـصـريـة لأخـزّّنـهـا في ذاكـــرتـــي. إن شـغـفـي بمهنتي كـبـيـر، وهـــو ما ّّــنـي عـلـى رفـــض الاســـتـــسلام أو الـشـعـور حـض بالإحباط طوال سنوات العمل». بحثا عن الحقيقة وســــــألــــــنــــــاهــــــا: «هـــــــــل فـــــوجـــــئـــــت بـــــواقـــــع لـبـنـان عـنـدمـا غــصــت فــي زواريـــبـــه بــحــثا عن الــحــقــيــقــة؟»، فــأجــابــت: «مـــا فــاجــأنــي بالفعل الــلــبــنــانــيــون أنــفــســهــم. فــعــنــدمــا زرت إحـــدى المناطق الريفية القصية ووقفت على مشاكل أهـالـيـهـا، سألتهم لماذا لا يــزالــون ينتخبون الأشخاص أنفسهم، في ظل التقصير بتقديم أي خـــدمـــات اجــتــمــاعــيــة ولــوجــســتــيــة؟ فـكـان جـوابـهـم صـريـحا بشكل صـــادم؛ إذ قـالـوا لي إن زعماءهم يشترونهم بأثاث منزل أو أدوات كهربائية وحفنة من الدولارات، وهم راضون بواقعهم هذا. وهكذا، عندما تكون المحاسبة غــائــبــة عـــن أجـــنـــدة لــبــنــان الــرســمــيــة، تصبح الــخــيــارات مـفـتـوحـة عـلـى عـنـاصـر تـسـهـم في تخلّّف الشعب وزيادة نسبة الفقر». بالتوازي، ذكرت أبو ناضر أنها لم تملك يـوما توقعات كبيرة من أداء السياسيين في لـــبـــنـــان... «جــلّّــهــم جــــزء مـــن مـنـظـومـة عميقة ّّــل فــي كــل شــــاردة وواردة، ويـمـارسـون تـتـدخ فــيــهــا الـــفـــســـاد كـــي يــبــقــوا شـعـبـهـم خـــاضـــعاً. فلماذا أتوقّّع منهم المختلف؟». وعم ّّا إذا استطاعت، من خلال برنامجها «تحقيق»، إحـــداث تغيير على أرض الـواقـع، ردّّت: «ربـــمـــا اسـتـطـعــت أن أغـــيّّـــر فـــي عقلية الـــنـــاس وطــريــقــة تـفـكـيـرهـم، بــعــدمــا عـرّّفـتـهـم إلـــى الـحـقـائـق الــصــادمــة. وكـلـمـة الـشـكـر التي يستقبلونني بها تكفيني وتروي عطشي من أجل بناء مجتمع أفضل». ثــــم قــــالــــت إنــــهــــا، رغـــــم الــــصــــدمــــات الــتــي واجـــــهـــــتـــــهـــــا عـــــلـــــى أرض الـــــــــواقـــــــــع، تــــرفــــض الاســـتـــسلام. وإنـهـا تشبه مهمتها بالطبيب الذي يستمر في معالجة مريضه من دون أن يفقد الأمل. العلاقة بلبنان الوطن لـــذا؛ عندما تتكلّّم عـن علاقتها بلبنان، تلمس ارتباطها الوثيق به. وتضيف: «كلّّما تـعـرّّفـت إلـيـه عــن قـــرب، ازداد تعلّّقي بـــه. لقد ُُــلـت فــي جميع المـنـاطـق مــن دون استثناء، ج وتعرّّفت إلى أهلها من الشمال إلى الجنوب. وجــمــيــعــهــم شــعـــب طـــيـــب ومـــضـــيـــاف. أعـتـبـر وطني من أجمل بلدان العالم، ليس من باب ُُــلـق بمناخات ّّــح والـتـعـالـي، بــل لأنـــه خ الـتـبـج وطـبـيـعـة تـــزخـــر بــالــتــنــو ّّع لا نــجــدهــا فـــي أي بقعة أخرى على الأرض. وأي موضوع أقاربه يخص لبنان، أتناوله بحماسة كبيرة. أفرح مـرات وأحــزن مـرات أخــرى، لكنه يبقى وطني وشـغـفـي الأكـــبـــر ومـلـهـمـي. فـجـمـيـع حـواسـي ومشاعري تتأج ّّج عندما أزور أي منطقة فيه، من شدة حبّّي له». لا تفكير بالانتقال إلى مجال السياسة بالتوازي، لا تفكّّر أبو ناضر هندي في دخـول العمل السياسي بتاتاً، رغم أن فرصا كثيرة عُُرضت عليها. وتعلّّق: «لا شك في أن بعض حلقات برنامجي كانت تشكّّل خطرا على منظومة فاسدة. نعم، تلقيت تهديدات وإنــــــذارات، خــصــوصا فــي مـواضـيـع تناولت الكسارات والمرامل، لكنها لم تستطع إيقافي عن مواجهة المنظومة بالحقائق المطلوبة». وسـألـنـاهـا عــمّّــا إذا كـــان بـرنـامـجـهـا قد تأثر بوسائل التواصل الاجتماعي، فأجابت: «لا أبداً؛ لأن المعلومات والحقائق التي تُُنشر عبرها ليست موثّّقة وموض ّّبة ومشرّّحة كما أقــدّّمــهــا أنــــا. فـالـعـمـل الـوثـائـقـي لا يضاهيه أهـــمـــيـــة أي عـــمـــل إعلامـــــــي آخــــــر. فـــهـــو يـشـبـه سيارة فارهة لا يستطيع أي شخص قيادتها وامــــــتلاكــــــهــــــا... ومــــواضــــيــــعــــي تــــأتــــي ضـمـن حـلـقـات مـتـكـامـلـة، بـمـحـتـوى غـنـي بالصوت والصورة». وبالفعل، حصلت كلود أبو ناضر هندي عــلــى أكـــثـــر مــــن جــــائــــزة أكـــاديـــمـــيـــة وثــقــافــيــة، واخـــتـــيـــرت واحــــــدة مـــن أفـــضـــل الـشـخـصـيـات مـــــن قِِــــبــــل «إم سـي 2014 الإعلامــــــيــــــة لــــعــــام . كـمـا MC International » إنــــتــــرنــــاشــــونــــال »؛ تـقـديـرا 2011 نــالــت لـقـب «شـخـصـيـة الــعــام لإنـجـازاتـهـا المـتـمـيـزة، مــن «المـنـظـمـة العربية لـلـتـنـمـيـة الإداريــــــــة» الــتــابــعــة لـجـامـعـة الــــدول العربية وأكاديمية تتويج للتميز والجودة. وخـــــتـــــاماً، ردا عـــلـــى ســـؤالـــنـــا عــــن المــلــف الـــذي تـرغـب فـي فتحه مـن جـديـد، قـالـت: «قد أعيد فتح ملفات عـدة بمقاربة جـديـدة، وفي مقد ّّمها موضوعا تلوث البيئة والفساد. فأي مـوضـوع يتّّصل بالإنسان يمكن أن نتناوله أكثر من مرة ومن نواح مختلفة». Issue 17478 - العدد Monday - 2026/10/5 الاثنين الإعلام 17 MEDIA د. ياسر عبد العزيز من العداء مع الصحافة إلى الاستغناء عنها! ليس من الصعب على أي باحث مُُدقق أن يكتشف ملامح تلك العلاقة المُُلتبسة بين القادة السياسيين والإعلام على مر الـتـاريـخ؛ بـل مـن السهل أيــضا إثـبـات أن عــددا كبيرا مـن هـؤلاء القادة وج ََّه سهام النقد الحادة للمنظومات الإعلامية الفاعلة في عصره، فضلا –بالطبع- عن الإجراءات الخشنة والممارسات التقييدية التي تُُتخذ ضد الصحافة والصحافيين عند احتدام الأزمات. وعــلــى سـبـيـل المـــثـــال؛ فـقـد قـــال الـسـلـطـان الـعـثـمـانـي عبد الحميد، من منفاه بعد عزله: «لو عُُــدت إلى قصري، لوضعت مــحــرري الــجــرائــد كـلـهـم فــي أتــــون مــن الــكــبــريــت»، وكــذلــك فعل القيصر نيقولا الثاني؛ الذي قال: «جميل أنت أيها القلم، ولكنك أقبح من الشيطان في مملكتي». أمــا القائد الفرنسي الأســطــوري نابليون بـونـابـرت، فقد جرائد 3 نُُسب إليه فـي إطــار رؤيـتـه للصحافة قـولـه: «أخـشـى أكثر من خشيتي مائة ألف حربة»، بينما شنََّت رئيسة وزراء بريطانيا السابقة، مـارغـريـت ثاتشر، هجومها الأشـهـر على وسـائـل الإعلام، فـي ظـل مواجهة بلادهـــا هجمات مسلحة من الجيش الـجـمـهـوري الآيــرلــنــدي، حين قـالـت: «الـصـحـافـة توفر الأوكسجين للإرهاب». لكن هذه المشاعر العدائية التي تراكمت لدى عدد من القادة السياسيين ضد الصحافة عبر التاريخ، لم تُُترج ََم في صيغة واحدة، ولم تقف عن حد الانتقادات اللاذعة والتقريع واللوم. وفي عالمنا المعاصر، توزََّعت تلك المشاعر على جملة من السياسات المتفاوتة، وإن كانت تصب كلها في مجرى احتقار الصحافة، أو تقييد عملها، أو ترويعها، وجعل ممارستها أمرا محفوفا بالمخاطر أحياناً. لدينا مثلا أنموذج بوتين، الذي استخدم منظومة قانونية كــامــلــة تــحــت عــنــاويــن مــثــل: «مــكــافــحــة الإرهــــــــاب»، و«مــقــاومــة الانفصال»، و«حماية الأمن القومي»، من أجل «ضبط» المنظومة الإعلامية، وبقائها ضمن حدود «غير م ُُزعجة». وثـمـة أنــمــوذج آخـــر اتـبـعـه عـــدد مــن الــقــادة -مـثـل الرئيس التشيكي ميلوش زيـمـان، ونظيره السلوفاكي روبـــرت فيكو- وهو الأنموذج الذي يعتمد هجمات سياسية حادة، وتوبيخاً، وتلطيخا لسمعة عدد من الصحافيين ووسائل الإعلام، بشكل يزرع عدم الثقة في المُُنتََج الإعلامي، ويقي ِِّد الأداء المهني. لكن قـــادة آخـريـن -مـثـل الـرئـيـس المـجـري فيكتور أوربـــان- عــمــدوا إلـــى أنــمــوذج جــديــد؛ وهـــو أنــمــوذج يعتمد عـلـى إعـــادة صـيـاغـة مـلـكـيـة المــؤســســات الإعلامـــيـــة الـــنـــافـــذة، بـمـا يجعلها مملوكة لمـوالين أو لمؤسسات قريبة من الحكومة؛ ومن ثََم يتم التحكم في التوجهات العامة لتلك المؤسسات، وإلزامها خطا تحريريا معيناً، يساند القائد، أو على الأقــل لا يكون مصدر إزعاج له. لـكـن مـــا فـعـلـه الــرئــيــس الأمــيــركــي دونـــالـــد تــرمــب فـــي هـذا الصدد يظل اختراقا نادرا في هذا المجال بامتياز. لــم يـكـتـف تـرمـب بـتـوبـيـخ الـصـحـافـيين، وإهـانـتـهـم عـلـناً، وش ََتْْمهم بأبشع الألـفـاظ. ولـم يكتف أيــضا بمهاجمة وسائل إعلام رئيسة، واتهامها بأنها «منصات مُُضللة»، و«مروجة للأكـاذيـب»، و«منحازة للديمقراطيين»؛ بل ذهب إلى أبعد من هذا بمراحل، حينما راح يطرد صحافيين من لقاءاته في البيت الأبيض، أو يمتنع عن الرد على أسئلتهم، بعدما يوج ِِّه إليهم أوصافا تََس ِِم ُُهم بـ«الغباء أو العمالة». وأخيرا وليس آخراً، فقد عمد ترمب إلى منع بعض وسائل الإعلام الـكـبـرى مــن حقها فــي تغطية أخــبــار الـبـيـت الأبـيـض، وحضور المؤتمرات الصحافية، وتوجيه الأسئلة إلى الرئيس وفريقه. أمــــا جـــديـــد تـــرمـــب فـــي هــــذا الـــصـــدد، فـيـمـكـن وصـــفـــه بـأنـه مـحـاولـتـه لتغيير «قـــواعـــد الاشــتــبــاك» تـلـك تـــمـــاماً؛ إذ يسعى إلـــى الانــتــقــال مــن مـرحـلـة «الـــعـــداء مــع الـصـحـافـة» إلـــى مرحلة «الاســـتـــغـــنـــاء عـــن الـــصـــحـــافـــة»، وهــــو يـفـعـل ذلــــك وفــــق سـيـاسـة مرسومة، وأجندة م ُُحك ََمة، وبدأب شديد. فقد بدأ ترمب سياسة تستهدف «امتلاك البنية الإعلامية للاتـصـال الـرئـاسـي»، عبر «إعـــادة تـوزيـع السلطة الاتصالية» لتتركز في أيدي الرئيس وفريقه، بدلا من توز ُُّعها على المنص ََّات ذات التوجهات المختلفة والسياسات التحريرية المتباينة. فبعد امــتلاكــه منصة «تــــروث ســوشــيــال»، ومـنـصـة البث «تـــروث سوشيال بـلََــس»، لكي يخاطب الجمهور مباشرة من خلالـهـمـا مــن دون أي وســيــط، تــم الإعلان فــي شـهـر سبتمبر (أيـــلـــول) الماضـــــي، عــن إطلاق «تــرمــب تــي فــــي»، الــــذي يتجس ََّد فـي قناة بـث حكومي، تقدم مــواد مـصـورة عـن نشاط الرئيس وأقواله، لتضح ََى قناة توزيع مرئية مستمرة، تتجاوز الحاجة إلــــى الــوســيــط أو «حــــــارس الـــبـــوابـــة» الــتــقــلــيــدي فـــي المـنـصـات الإعلامية الأخرى. وبـــصـــرف الــنــظــر عـــن مــــدى نــجــاح تــلــك الـبـنـيـة الإعلامـــيـــة الرئاسية؛ فإن اللجوء إلى هذا الخيار يعني -ببساطة- تحولا جوهريا في علاقـة السلطة بــالإعلام. فبعد الثلاثية التقليدية التي كانت الخطابات الحكومية تنتقل فيها من الس ُُّلطة إلى الصحافة ثم تصل إلى الجمهور، يريد ترمب لهذه الثلاثية أن تكون من الس ُُّلطة إلى المنصات الخاصة بها إلى الجمهور. مــــاذا يـعـنـي هــــذا؟ يـعـنـي أنــنــا فـــي عـصـر جــديــد للاتــصــال الحكومي، قد يبلغ أهدافه يوماً، بما يُُقوض كثيرا من وظائف الصحافة، ويُُضعف أهميتها. كلود أبو ناضر هندي خلال تحقيق ميداني خص ّّصت كلود أبو ناضر هندي برنامجها لمعاناة الناس وأفراحهم #تريند حلقة من برنامجها «تحقيق» 400 بعد تقديم الإعلامية اللبنانية أكثر من كلود هندي: أظن أنني أحدثت تغييرا في عقلية الناس بيروت: فيفيان حداد المواقع الإخبارية تخشى «ميوز ميتا» أثــــــــار إطلاق «مــــيــــتــــا» وكـــيـــلـــهـــا الـــذكـــي «مـــــيـــــوز» مــــخــــاوف لـــــدى المـــــواقـــــع الإخـــبـــاريـــة بعدما بات وسيطا جديدا يقف بين الناشرين والمــــســــتــــخــــدمين. وعـــــــد خــــبــــراء هـــــذا الــتـــطـــور «تـــــحـــــديا قــــد يـــعـــيـــد رســـــم خـــريـــطـــة الـــتـــوزيـــع الـرقـمـي، ويـدفـع المـواقـع إلــى إعـــادة النظر في شروط إتاحة محتواها». «مـــيـــتـــا» أطـــلـــقـــت فــــي سـبـتـمـبـر (أيــــلــــول) الماضــــــــــي «مـــــــيـــــــوز»، بــــوصــــفــــه «وكـــــيـــــل ذكـــــاء اصطناعي شخصيا لا يكتفي بـالإجـابـة عن الأســئــلــة، بــل يستطيع فـتـح المـتـصـفـح ومــلء الاستمارات والتفاوض نيابة عن المستخدم، كما يواصل العمل حتى بعد إغلاق التطبيق». ووفـق ما أوردت وكالة «رويـتـرز» أخيرا ملايين 3 «بلغ عدد مرات تنزيل التطبيق نحو خلال أول أسبوعين من إتاحته». وأفاد موقع «تك كرانش» بأن «ميوز» تجاوز في مراحله الأولــــــى مـــا حــقــقــه «تـــشـــات جـــي بـــي تــــي» من تــــنــــزيلات ومـــســتـــخـــدمين نـــشـــطين يـــومـــيا في المرحلة نفسها. ودفع هذا الإقبال الشركة إلى دعـــوة المـسـتـخـدمين لـلـتـقـدم بـطـلـبـات وصــول مبكر إلى مزايا متقدمة مرتقبة. غير أن الأسابيع الأولى لـ«ميوز» كشفت أن الـــســـؤال الأهــــم لـيـس مــا يستطيع الـوكـيـل فـــعـــلـــه، بــــل مــــن يـــقـــرر الـــســـمـــاح لــــه بـــالـــوقـــوف وســيــطا بين الــشــركــات وعــملائــهــا. إذ بينما فتحت «شوبيفاي» متاجرها أمامه، حجبته «أمازون» عن التصفح والشراء على موقعها. وتـــشـــيـــر «وثـــــائـــــق الـــــسلامـــــة الـــخـــاصـــة» بـ«ميتا» إلى أن نشاط «ميوز» حين يتصفح الإنترنت «سيظهر بوصفه نشاطا للمستخدم نـــفـــســـه». فــــي المـــقـــابـــل تــشــتـــرط «أمــــــــــازون» أن «يُُــــعــــرف الـــــــوكلاء عـــن أنــفــســهــم فـــي كـــل طلب يُُرسل عبر الويب». ولا تقتصر تداعيات هذا الانقسام على التجارة الإلكترونية، إذ يـرى تحليل نشرته مـجـلـة «فــــوربــــس» نــهــايــة الــشــهــر الماضــــــي أن «الــنــاشــريــن الـــذيـــن يـعـتـمـدون عـلـى منصات الـتـكـنـولـوجـيـا فـــي الـــتـــوزيـــع، يــواجــهــون الآن وسـيـطا إضــافــياً». فـ«الوكيل الـذكـي بإمكانه قراءة تقارير الناشر من دون أن يُُسجل زيارة واحدة للصفحة». رئــــــيــــــس قـــــســـــم الاتــــــــصــــــــال فـــــــي جـــامـــعـــة خورفكان بالإمارات محمد مالك أبلغ «الشرق الأوســـــــط» فـــي لـــقـــاء مــعــه أن «وضـــــع المــســألــة باعتبارها خـيـارا ثـنـائـياً: نسمح للوكيل أو نحجبه، ليس النموذج الـذي ستستقر عليه الصناعة، لأن لكل خيار تكلفة واضحة». وأوضـــــــــــح أنـــــــه «إذا فـــتـــحـــت المـــؤســـســـة محتواها بالكامل، فقد تستفيد من الظهور داخــــل إجـــابـــات الـــوكـــيـــل، لـكـنـهـا تــخــاطــر بــأن يحصل المستخدم على القيمة التي يريدها مــن دون الـــوصـــول إلـــى المــوقــع الأصــلـــي. وإذا حجبت الـوكلاء بالكامل، فهي تحافظ نظريا على السيطرة على محتواها، لكنها تخاطر بــــأن تـصـبـح أقــــل حـــضـــورا أمـــــام شــريــحــة من الجمهور تعتمد بـصـورة متزايدة على هذه الأدوات». مالك عد ما قامت به «أمازون» مثالا على أن «المؤسسات الكبرى بـدأت بالفعل تتعامل مع الوكلاء باعتبارهم وسطاء يمكن قبولهم أو رفـضـهـم وفـــق مـصـالـحـهـا». ولــفــت إلـــى أن «الطريق الثالث الأكثر واقعية، هو الانتقال من الوصول المجاني وغير المشروط إلى الوصول المنظم والقابل للترخيص والقياس». ثم أشار إلــى «بــــوادر عملية لـهـذا الـنـمـوذج، إذ عقدت مـــؤســـســـات إعلامــــيــــة صـــفـــقـــات تـــرخـــيـــص مـع شركات ذكاء اصطناعي، بينما لجأت أخرى إلــى الـقـضـاء أو تقييد الــوصــول. كما طـورت كلاودفــلــيــر (شــركــة أمـيـركـيـة متخص ّّصة في خــدمــات الـبـنـيـة الـتـحـتـيـة للإنــتــرنــت) نـمـاذج مــثــل الـــدفـــع مــقــابــل الـــزحـــف ثـــم الـــدفـــع مـقـابـل الاستخدام بحيث يتحكم الناشر في وصول أنـــظـــمـــة الــــذكــــاء الاصـــطـــنـــاعـــي إلـــــى المــحــتــوى ويطلب مقابلا مالياً». من جهة ثانية، أعـرب مالك عن اعتقاده أن الـعلاقـة يمكن أن تتطور إلـى نموذج أكثر تــــوازنا «يــقــوم عـلـى ثلاثـــة أمــــور، الترخيص، والإســــنــــاد، وتــقــاســم الــقــيــمــة... مـــا يـعـنـي أن يـسـمـح الــنــاشــر لـلـوكـيـل بــالــوصــول إلـــى قـدر مـــعين مـــن المــحــتــوى، مـقـابـل تـعـويـض مـالـي، وإظهار اسم المؤسسة بوضوح، وتوفير رابط لــلــمــادة الأصـــلـــيـــة، مـــع الاحـــتـــفـــاظ بـالمـحـتـوى الحصري خلف الاشتراك». القاهرة: إيمان مبروك النص الكامل على الموقع الإلكتروني
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky