الثقافة CULTURE 18 Issue 17478 - العدد Monday - 2026/10/5 الاثنين كان معجبا بالعنف ومبهورا به حماقات ميشيل فوكو في إيران إنــــــه لــــشــــيء مـــــن أعــــجــــب الـــعـــجـــائـــب وأغـرب الغرائب: ميشيل فوكو فيلسوف الــحــداثــة ومـــا بـعـد الــحــداثــة راح يصفق بـكـلـتـا يــديــه لـــثـــورة الـخـمـيـنـي الـظلامـيـة . كـــان فــوكــو فــي ذلـك 1978 المـنـدلـعـة عـــام الوقت أشهر مثقف فرنسي على الإطلاق. وذلـك لأن سارتر كـان على وشـك الرحيل بعد أن عمي تـمـاماً، ولـم تبق لـه سنتان أو أقـل لكي يموت. علاوة على ذلـك، فقد كان فوكو أستاذ الفلسفة في الكوليج دو فرانس (أعلى من الـسـوربـون) ، ومعلوم أنه كان قد اتفق مع صديقه جان دانييل رئــــيــــس تـــحـــريـــر أهــــــم مـــجـــلـــة أســـبـــوعـــيـــة فــرنــســيــة وأكـــثـــرهـــا اســـتـــنـــارة «الــنــوفــيــل أوبــســرفــاتــور» عـلـى الــذهــاب إلـــى طـهـران لتغطية الأحـداث المشتعلة هناك. وهكذا ركـــب فيلسوفنا الـكـبـيـر الــطــائــرة وذهــب إلـى طـهـران لكتابة تقارير صحافية عن الأحداث في وقت كان فيه الخميني ذاته لا يزال في ضواحي باريس. وهي تقارير نشرتها المجلة المــذكــورة، بـالإضـافـة إلى الــجــريــدة الإيــطــالــيــة الـشـهـيـرة «كـوريـيـر ديلا ســــــيــــــرا». وقــــــد ســــافــــر مــــــــرتين إلـــى سبتمبر (أيـلـول) 24 إلــى 16 طـهـران مـن نـوفـمـبـر (تـشـريـن 15 إلـــى 9 ، ومـــن 1978 الثاني): أي أقـام ثمانية أيـام وستة أيام في العاصمة الإيرانية. وقد قابل في كلتا الــرحــلــتين ضــبــاط الـــشـــاه الــكــبــار، وقـــادة المـــعـــارضـــة الــعــلــمــانــيين. ثـــم قــابــل بشكل خــــاص كـــبـــار رجـــــال الـــديـــن، ومــــن بينهم آيــة الـلـه شريعة مــــداري. هــذا ناهيك عن ممثلي المتظاهرين المليونيين، إلخ. يقول عنه أحد العارفين ما يلي: كـــــان فـــوكـــو شـــخـــصـــيا مـــعـــجـــبا جـــدا بــالــعــنــف، ومـــبـــهـــورا بــــه. وكـــــان يـــكـــره كل مجتمع مستقر. وكان معجبا جدا أيضا بالجماهير الهائجة المائجة، وبالزلازل، والـــبـــراكين. وكــانــت عـدمـيـتـه النيتشوية قــد وجــــدت إشـــبـــاعا لـهـا فــي هـــذه الــثــورة الـعـارمـة الـتـدمـيـريـة المــدمـــرة. ولــذلــك رأى فـي هـذه الـثـورة المتفجرة بـــالملايين نـوعا مـــن الإنـــعـــاش الـــروحـــي فـــي عــالــم دنـيـوي إلحادي فقد كليا معنى القداسة الدينية، والــــتــــعــــالــــي الـــــربـــــانـــــي. المــــقــــصــــود بـــذلـــك عـالـم الـغـرب الـــذي ينتمي إلـيـه، لأنــه هو شخصيا كان ملحدا عدميا نيتشوياً. لاحــظــوا المــفــارقــة الـكـبـرى هــنــا: هـذا الرجل الملحد الذي يحارب الدين المسيحي بكل ضراوة في بلده إذا به يركع وينحني أمام متدينين آخرين، وفي بلد آخر. كيف يمكن تفسير هــذا التناقض؟ الـلـه أعلم. وهــنــا يـحـق لـنـا أن نــطــرح هـــذا الـــســـؤال: مــــاذا فـعـل فــوكــو فــي إيـــــران؟ لـقـد انتصر لــلــقــدامــة ضـــد الـــحـــداثـــة، ولـلـثـيـوقـراطـيـة ضــد الـديـمـقـراطـيـة، ولـلـنـزعـة اللاهـوتـيـة الـــكـــهـــنـــوتـــيـــة ضــــد الــفــلــســفــة الــعــلــمــانــيــة الــتــنــويــريــة. لـقـد أبــــدى إعــجــابــه الـشـديـد بكيفية سيطرة رجـل واحـد على الملايين رغم أنه رجل دين قروسطي ظلامي. كان يــســحــرهــم ســـحـــراً. فـالـخـمـيـنـي بـشـريـط تـسـجـيـل واحـــــد كــــان قــــــادرا عــلــى تهييج إيـران كلها عن بكرة أبيها. هذا ما أذهل فــوكــو، وأعـجـبـه كــل الإعـــجـــاب، وأخــرجــه عن طوره، بل وأفقده كل ملكاته العقلية، والـــنـــقـــلـــيـــة. ثــــم أبـــــــدى إعـــجـــابـــه الـــشـــديـــد باستعداد هـؤلاء المتظاهرين المليونيين لــلــتــضــحــيــة بـــــأرواحـــــهـــــم ودمــــائــــهــــم مـن أجـــلـــه. واعــتــقــد فــوكــو أن ذلـــك أفــضــل من كــل بـــرلمانـــات الــعــالــم، وكـــل ديـمـقـراطـيـات الغرب. وهذا فيلسوف الحداثة، وما بعد الحداثة. لـــقـــد نـــشـــر فــــوكــــو مـــقـــالـــة بـــعـــنـــوان: «الـشـاه متأخر عـن عصره مائة عـــام». لا حـظـوا المـفـارقـة: الـشـاه الـــذي حــدث إيــران هـــو المــتــأخــر عـــن عـصـر الـــحـــداثـــة، ولـيـس الخميني. وراح فوكو يستخدم كل براعته السفسطائية لإقناعنا بأن حداثة الغرب الـعـلـمـانـيـة الــديــمــقــراطــيــة هـــي المـشـكـلـة، وهـي المتخلفة عقلياً، وسياسياً، وليس الخميني الـــذي يعيش كـلـيا فـي غياهب الــعــصــور الـــوســـطـــى، وظــلــمــاتــهــا. الــشــاه الــذي أراد تحديث بلاده وتطويرها هو الـرجـعـي، والخميني الــذي أراد إعادتها إلى القرون الوسطى هو التقدمي. لا ريب في أن فوكو كان على حق في إدانــــة الـفـسـاد الـــذي كـــان ينخر فــي نظام الــشــاه الــبــائــد، ومـعـلـوم أن جماعته -بـل وعـائـلـتـه- كـانـت تسيطر عـلـى الصناعة الإيرانية، والموارد البترولية، ومعلوم أن فقر الشعب المدقع في عهده كان قد أصبح مقلقاً. والمقلق أكثر ميل الشاه إلى البذخ فـــي الـــصـــرف عــلــى الأمـــجـــاد الـسـاسـانـيـة الغابرة السابقة على الإسلام. وكـل هذا استفز الشعب الإيراني المسلم المتدين أيما استفزاز. هذا ناهيك عن القمع السياسي للسافاك، إلخ. كل هذا صحيح. ولكن لماذا لا ترى نواقص الطرف الآخر المتمثل في الخميني؟ في الواقع أن فوكو كان يكره الغرب، ويكره الحداثة الرأسمالية. وبما أن الأصـولـيين الإيـرانـيين كانوا يكرهون الــغــرب، ويــكــرهــون الــحــداثــة الـرأسـمـالـيـة أيضاً، فإنهم نالوا إعجاب فوكو الشديد. لــقــد نـــالـــوا إعـــجـــابـــه إلــــى درجـــــة أنــــه راح يـقـيـم الــتــضــاد بين مــلــك طــاغــيــة مستبد مـن جهة وإنـسـان «قـديـس» ومنفي فقير من جهة أخـرى. لاحظوا الأمـر: الخميني تحول إلى قديس، أو ولي من أولياء الله الـصـالـحين فــي نـظـر فـوكـو المـلـحـد! وراح أسـتـاذ الفلسفة فـي الكوليج دو فرانس يـمـجـد الـخـمـيـنـي ويـــقـــول: مـــا أروع هــذا الرجل الروحاني المؤمن الذي يقود شعبا بــأســره، ويـتـصـدى بـيـد عــاريــة للطغيان المدجج بالسلاح... كلام فارغ سوف يدفع ثمنه غـالـيا لاحـــقاً. هـكـذا نلاحـــظ أنــه في نـظـر هـــذا الـفـيـلـسـوف الـعـتـيـد فـــإن الـشـر أصبح كله في جهة، والخير كله في جهة أخــــرى. ثــم بـلـغ الـعـمـى الـفـكـري بميشيل فـــوكـــو مـبـلـغـه عــنــدمــا راح يـــقـــول: هـنـاك حقيقة ينبغي أن تكون واضحة للجميع هي: إن مفهوم الحكومة الإسلامية الذي يـــنـــادي بـــه الـخـمـيـنـي لا يـعـنـي أن رجـــال الدين هم الذين سيحكمون إيران. عندما كـتـب فـوكـو هـــذا الــــكلام كـــان الخميني لا يزال في ضواحي باريس، وفوكو يسرح ويـمـرح فـي طـهـران. ولكن كيف يمكن أن تصدق أن رجال الدين لن يلعبوا أي دور فـي الـنـظـام اللاهــوتــي الكهنوتي المقبل؟ فوكو يعتقد أنه يمكن للإيرانيين في ظل الخميني أن يصنعوا مستقبلهم الزاهر عن طريق العودة ألف سنة إلى الوراء... يقول أحد العارفين أيضا معلقاً: الـــشـــيء الـــــذي كــــان يــســحــر ميشيل فــوكــو فــي الـــثـــورة الإيــرانــيــة هــو تشكيل مـــجـــتـــمـــع مـــســـتـــلـــهـــم مـــــن قــــبــــل الـــتـــعـــالـــي الرباني، والقداسة الدينية. الشيء الذي كــان يسحره هـو الـروحـانـيـة السياسية التي نسيناها نحن في الغرب منذ عصر النهضة، والأزمـــات الكبرى للمسيحية. ثـــــم يــــــــردف فــــوكــــو قـــــــــــائلاًً: أكــــــــاد أســـمـــع الفرنسيين يقهقهون إذ يسمعون مني هــــذا الـــــــكلام. ولــكــنــهــم مــخــطــئــون. وراح يــتــوهــم أن الــحــكــومــة الإسلامــــيــــة ســوف تجسد في السياسة شيئا جديدا نسيه الـغـرب كـلـياً: ألا وهــو الطابع الروحاني -بل والرباني- العالي المتعالي للسياسة. مـا هــذا الــهــراء؟ فـوكـو يـريـد الــعــودة إلى مــا قـبـل عـصـر الـنـهـضـة، بــل إلـــى مــا قبل عــصــر الـــتـــنـــويـــر. إنــــه يـــريـــد الــــعــــودة إلــى عـصـر الأصـولـيـة المسيحية، والـظلامـيـة الدينية السابقة على النهضة، والأنوار. بـــاخـــتـــصـــار شــــديــــد، إنـــــه يــــريــــد الــــعــــودة إلــــــى الـــــقـــــرون الــــوســــطــــى الـــثـــيـــوقـــراطـــيـــة الكهنوتية. وهذا فيلسوف الحداثة، وما بعد الـحـداثـة فـي الكوليج دو فـرانـس... أين نحن؟ ثم بلغ الضلال بفوكو مبلغه عندما كتب قائلا ًً: الخميني لـيـس رجـــل سـيـاسـة. إنـه رجل دين فقط. لن يوجد حزب سياسي خميني بعد سقوط الشاه، ولا حكومة خمينية في إيـران بعد الانتصار عليه. ولكن الأحداث اللاحقة كذبته كلياً. ففي عــاد 1979 ) الأول مـــن فـــبـــرايـــر (شــــبــــاط الـخـمـيـنـي إلــــى طــــهــــران، وشـــكـــل نــظــاما ثـــيـــوقـــراطـــيا يـتـحـكـم رجـــــال الـــديـــن بكل مــفــاصــلــه. وراحـــــــوا يــقــطــعــون الـــــرؤوس بالآلاف... والنتيجة معروفة للجميع. هـكـذا نلاحـــظ أن فـوكـو أخـطـأ على طول الخط في تقييمه للثورة الإيرانية. ولهذا السبب، فإن صديقه جان دانييل الذي أرسله إلى هناك راح يعتذر بشدة عن الخطأ الذي ارتكبه كلا الاثنين معاً. وهو خطأ لا يغتفر في رأيه. وأما فوكو الذي شاهد مجزرة المعارضين على يد آيـــة الــلــه الـخـلـخـالـي، وســـــواه، فـقـد لـزم الصمت وهو يتحسر، ويتمزق. وربما بـصـق عـلـى كــل مــا كـتـب، وفــعــل. ويـقـال إنــــه لــــزم بـيـتـه بـضـعـة أســابــيــع قــبــل أن يتجرأ على الخروج في شوارع باريس خـــجلا مــن نـفـسـه، ومـــن الـــنـــاس... كيف يمكن أن تخطئ إلــى مثل هــذا الحد يا رجــــل وأنـــــت الــفــيــلــســوف الــشــهــيــر؟ لقد عـــض عــلــى أصــابــعــه نـــــدماً، ولـــكـــن بعد فـــوات الأوان. وهـــذا درس لكل المثقفين الــــذيــــن يـــنـــاصـــرون قــضــيــة أخــــــرى غـيـر قــضــيــتــهــم، بــــل ومـــــضـــــادة لـقـضـيـتـهـم: نقصد قضية الأصولية الظلامية. نقول ذلك ونحن نعلم أن المثقفين اليساريين والــشــيــوعــيين -بـــل وحــتــى الـلـيـبـرالـيين الإيـــــرانـــــيين- انـــضـــمـــوا كــلــهــم إلــــى صف الخميني، وساهموا في إنجاح حركته. ثـــم ســـرعـــان مـــا قـطـع رؤوســـهـــم بـعـد أن وصــل إلــى السلطة، واسـتـتـب لـه الأمــر. لا يـــريـــد مـــثـــقـــفين تـــقـــدمـــيين مــتــنــوريــن فـي إيـــران الـجـديـدة. يـريـد فقط مثقفين أصوليين من أشكاله. أخيرا ابتدأ الشعب الإيـرانـي يدفع الثمن الباهظ لهذه الثورة المتخلفة التي تـحـمـس لـهـا بـــــالملايين قـبـل نـصـف قـرن تقريباً. كل الثورات الكبرى التي صنعت الحداثة والازدهار والتقدم كانت مضادة للأصولية، ما عـدا الـثـورة الخمينية... كلها من الثورة الإنجليزية المجيدة عام 1776 إلــى الــثــورة الأمـيـركـيـة عــام 1688 كانت 1789 إلـــى الــثــورة الفرنسية عـــام ضــد الأصــولــيــة المـسـيـحـيـة، والــظلامــيــة الدينية. وحدها الثورة الإيرانية كانت الاســتــثــنــاء. لـقـد كــانــت مـــضـــادة لحركة التاريخ. ولذلك لم ينتج عنها أي شيء مــفــيــد، ولــــم تــتــقــدم إلــــى الأمـــــــام، وإنــمــا أعــادتــنــا قــــرونا إلـــى الــــــوراء. إنــهــا ثــورة معكوسة بالمقلوب كما قال المجدد الأكبر للفكر الإسلامـي محمد أركـون يـوما ما. والأنـكـى مـن ذلـك أن أصحابها يريدون تصديرها إلى الشعوب المجاورة؟ ماذا يــصــدرون؟ هـل يـصـدرون فكر العصور الــوســطــى وظلامــيــاتــهــا؟ هــل يــصــدرون التخلف الفكري؟ هنا يكمن مقتل الثورة الإيرانية. هاشم صالح لزم فوكو الصمت وهو يتحسر ويتمزق بعدما شاهد مجزرة المعارضين على يد نظام الخميني فيروز... الأغنية حين تصبح بيتا والجبل حين يتكلم تحمل فيروز معاني كثيرة داخل كل منا، فهي جمال الـصـوت المبهر وروعـة الإحــــســــاس وذكـــــريـــــات الـــصـــبـــا ونـسـمـة عــذبــة بــــاردة تـصـفـع وجـوهـنـا بـرقــة في صباحات رائقة ونحن نحتسي القهوة، لكنها ليست كذلك لدى الروائي السوري نبيل الملحم، إنها بالأساس طريقة لفهم الضوء حين يهبط على البحر، وطريقة لـــســمـــاع الـــجـــبـــل وهـــــو يــتــكــلــم، وطــريــقــة لتصديق أن اللغة تستطيع أن تصبح بيتا ً. فــي كـتـابـه «الــســيــدة – تـمـريـن على النجاة»، الصادر في نسخة إلكترونية حــــرة بــعــيــدا عـــن دور الـــنـــشـــر، يــتــســاءل الملحم: هل من مغنية في تاريخ الإنسان تحمل كل هذه الأثقال؟ ويجيب بتأكيد قـــاطـــع: نـــعـــم، إنـــهـــا الـــســـيـــدة فــــيــــروز، ثم يشرح فكرته مستعينا بأدوات التشريح الفلسفي والــــرؤى الـشـاعـريـة والتحليل اللغوي والـتـأملات العميقة التي تمزج بين روح الشعر وبصمة النقد الموسيقي. يـشـيـر المـلـحـم إلـــى أنـــه ابـــن سـوريـا التي كانت تبحث منذ أزلها، عن نافذة تــطــل عــلــى الـــبـــحـــر، فــكــانــت فـــيـــروز ذلــك البحر، حدث ذلك قبل أن تعرف الحدود الـــســـيـــاســـيـــة طـــريـــقـــهـــا إلــــــى الأغــــنــــيــــات، حـيـث كـــان صوتها يـعـبـرهـا كــمــا يعبر الــــــــــــضــــــــــــوء زجــــــــــــاج النافذة. فــــــــي الـــــبـــــيـــــوت الـــســـوريـــة، كــمــا في الـبـيـوت اللبنانية، لـــــــــم تــــــكــــــن فــــــيــــــروز ضـــيـــفـــة، كــــانــــت مـن أثــــــــــــــاث الــــــصــــــبــــــاح، ومن رائحة القهوة، ومـــــــن بــــــــــرودة الماء فـــــي الــــــجــــــرار، ومـــن ذلـــــك الــــحــــنين الــــذي يـــــســـــبـــــق الإنـــــــســـــــان حتى قبل أن يعرف كيف يترجم مفردة «حــــنين» فــي طـوايـا نفسه. يــقــول: «... كـلـمـا سـمـعـت صـوتـهـا، شعرت أن المتوسط يغني نفسه، ليس البحر بوصفه مـــاءًً، بـل بوصفه ذاكـــرة، ذلــك البحر الـــذي مـر عليه الفينيقيون، والإغــــــــــريــــــــــق، والـــــــــــرومـــــــــــان، والـــــــعـــــــرب، والـصـلـيـبـيـون، والـعـثـمـانـيـون، وكـــل من ظن أنه امتلكه، بينما كان البحر يحتفظ بسره كله في أغنية». مـــــــن هــــــنــــــا، يـــــضـــــيـــــف: لـــــــم يـــصـــنـــع الرحابنة مدرسة موسيقية فحسب، بل أعادوا اختراع المكان، قبلهم كانت القرية مكانا جغرافياً، وبعدهم أصبحت حالة روحية. لم تعد «بكفيا» أو «أنطلياس» أو «بـــشـــري» أو «زحـــلـــة» أو «بـحـيـريـة»، مـــجـــرد أســـمـــاء عــلــى الـــخـــرائـــط، صـــارت اسـتـعـارات للإنـسـان نفسه، حتى الذين لم يزوروا لبنان قط، كانوا يعرفونه من خلال موسيقى الأخـويـن رحباني، كما يعرف المؤمن مدينته المقدسة من كتاب لم يزر أرضه. ويـــــذكـــــر المـــــؤلـــــف أنــــــه «حين يـــقـــول الرحابنة، لا يتحدث عن ملحنين فقط، بــل عــن فلاســفــة أخــفــوا فلسفتهم داخــل الأغنية، كانوا يعرفون أن الأفكار الثقيلة تموت سريعاً، بينما تعيش الفكرة إذا مشت حافية داخل لحن، ثم جاءت اللغة، ذاك الاكـتـشـاف اللبناني الـعـظـيـم، حين خرجت من المحكية كونها لغة البيوت إلــــى كــونــهــا لــغــة الـــشـــعـــر، فــمــن مـيـشـال طراد مرورا بجوزيف حرب، وصولا إلى طلال حيدر، لم تعد العامية لهجة، بل أصبحت وطنا آخر للقصيدة». لــــقــــد كـــــــان هـــــــــــؤلاء، كــــمــــا يـــضـــيـــف، يكتبون كما لـو أنـهـم يـنـقـذون الكلمات مـــن عـزلـتـهـا، ويـعـيـدونـهـا إلـــى فـــم الأم، وإلـــــى رائـــحـــة الـــتـــراب بــعــد المـــطـــر، وإلـــى الــــحــــجــــر الــــــــذي جــــلــــس عـــلـــيـــه عـــاشـــقـــان عـلـى «صــخــرة الـــروشـــة»، وقـــد اسـتـبـدلا بالانتحار العناق بعد أن استبدت بهما الأغنية. كانت فيروز الجسد الموسيقي لتلك اللغة، وبالتالي فإن الكتابة عنها ليست كتابة عن السيدة المطربة، بل عن الحضارة حين تنجو من الخراب. إنه لهذا بالضبط تتجاوز فيروز الـــتـــاريـــخ الـــرســـمـــي، ذلــــك الـــــذي يـــروي أسماء المنتصرين، أما الأغاني، فتروي أسماء الناجين، التاريخ الرسمي يشبه الــجــنــرالات، يمشي وينظر إلــى الأمــام فـقـط، أمــا الثقافة، فإنها تمشي وهي تـنـظـر فـــي كـــل الاتـــجـــاهـــات، ولــعــل هـذا ما جعل نبيل الملحم يشعر دائــما بأن الـرحـابـنـة لــم يـكـونـوا يكتبون للبنان وحــــده، كــانــوا يكتبون للمشرق الــذي لـم تستطع السياسة أن تصنعه، وأن هناك فرقا هائلا بين أن تؤسس دولة، وأن تــؤســس خـــيـــالاًً... الـــدولـــة تحتاج إلــى حـــدود، أمــا الـخـيـال، فيحتاج إلى نافذة. الرحابنة فتحوا نافذة، دخل منها الـــــســـــوري، والـــفـــلـــســـطـــيـــنـــي، والأردنـــــــــي، والــعــراقــي، والمــصــري، وربـمـا اليوناني أيـــــــضاً، دون أن يـــســـأل أحـــــد عــــن جــــواز ســـفـــره، فــهــم لا يــعــتــرفــون بـــالـــحـــدود إلا بوصفها سوء تفاهم مؤقتا بين البشر. المــــدهــــش أن المـــلـــحـــم كــلــمــا فـــكـــر فـي «فـيـروز»، اكتشف أنـه لا يتذكر صوتها أولا ًً، بل صمتها. قد يبدو هـذا تناقضاً، لـــكـــنـــه لـــيـــس كـــذلـــك، فــــــهــــــنــــــاك أصــــــــــــوات تملأ الفراغ، وهناك أصــــــــــــوات تـــكـــشـــفـــه. الأصــــــــــــوات الأولـــــــى تـــــخـــــيـــــف الــــصــــمــــت وتــــــــــــــضــــــــــــــاده، أمـــــــا الــثــانــيــة فتتصالح مــــــــــعــــــــــه، والــــــــــفــــــــــرق الحقيقي بين مغن عظيم ومغن خالد، هـــو أن الأول يملك صــوتــه، أمـــا الثاني فـــيـــمـــلـــكـــه الـــصـــمـــت الـــــــــــــــــــــــــــذي يــــــحــــــيــــــط بصوته. ربـــــــــمـــــــــا لــــــهــــــذا الـــســـبـــب لــــم تـــكـــن «فـــــيـــــروز» تــغــنــي كـمـا يـغـنـي الآخــــــرون. كــانــت تــبــدو فـــي كثير مـــن الأحـــيـــان، كـأنـهـا لا تــــؤدي الأغـنـيـة، بل تنصت إليها، بل تتكون في مكان لا تراه العين. لم تكن تفرض صوتها على الــكــلــمــات، بـــل كــانــت الـكـلـمـات هـــي الـتـي تـسـتـدعـي ذلـــك الـــصـــوت، كـمـا تستدعي الأرض المطر حين تبلغ عطشها الأخير، ولـعـل هــذه هـي أول علامـــة على أن الفن تجاوز صاحبه، حين يتوقف الفنان عن قـيـادة العمل، ويصبح العمل هـو الـذي يقوده. ويخلص المـؤلـف فـي كتابه الشيق قـــــــــائلاًً: «إنــــــه مــــن هـــــذه الــــــزاويــــــة، تــبــدو (فيروز) أقرب إلى اختراع حضاري منها إلى موهبة فردية، الموهبة تفسر شيئا واحـداً: لماذا استطاعت أن تغني؟ لكنها لا تـفـسـر لماذا أصــغــى إلـيـهـا هـــذا الـعـدد الهائل من البشر، على امـتـداد أكثر من نصف قرن، من دون أن يملوا؟». هــــنــــاك شــــــيء آخــــــر كــــــان يـــعـــمـــل فـي الـخـفـاء، شــيء يتجاوز الـصـوت، وربما يتجاوز الموسيقى نفسها. السر لـم يكن فـي الحنجرة، بـل في الـثـقـة، ذاك الــصــوت كـــان يـثـق بـالـعـالـم، حــــتــــى حين كـــــــان الــــعــــالــــم يـــفـــقـــد ثــقــتــه بنفسه، وهـــذه ليست صـفـة فـنـيـة، إنها صـفـة أخلاقـــيـــة، ولـــهـــذا بـقـيـت «فـــيـــروز» فــي أكـثـر الـلـحـظـات دمــويــة فــي المـشـرق، تبدو وكأنها تتحدث من مكان لم تصله الحرب بعد. لــيــس لأنـــهـــا تـجـاهـلـت الـــحـــرب، بل لأنــهــا كــانــت تــعــرف أن الـــحـــروب، مهما طــــالــــت، لا تـــمـــلـــك المـــســـتـــقـــبـــل... الـــحـــرب تعيش في الـزمـن، أمـا الجمال، فيعيش خــــارجــــه، ولـــعـــل هــــذا هـــو الــســبــب الـــذي يجعلنا، بـعـد كــل هـــذه الــعــقــود، نتذكر أغنية، وننسى بيانا عسكرياً. ٍٍالقاهرة: رشا أحمد «على هامش الحياة»... قصص تحمل ذاكرة جيل في المجموعة القصصية «على هامش الحياة» للكاتب مصعب البدور الصادرة عن «الآن ناشرون وموز ّّعون» بالأردن )، نشهد اسـتـحـضـارا لـلـذاكـرة الجمعية لـجـيـل أردنـــي 2026( عاش حياة بسيطة وقيما أصيلة تتجسد في التعاون والرضا والقدرة على التكيّّف مع قلة الإمكانات. والــقــصــص الـــــــواردة فـــي المــجــمــوعــة، كــمــا كــتــب الــنــاشــر، «ليست تسجيلا لأحداث وقعت لأشخاص بعينهم، وإنما هي صور فنية مستوحاة من الواقع الاجتماعي والذاكرة المشتر ََكة لذلك الجيل، تمتزج فيها الحقيقة بالخيال لتجس ّّد تحولات الـحـيـاة مــن الماضــــي البسيط إلـــى الـحـاضـر المـعـقّّــد، وتحافظ على تفاصيل وتجارب إنسانية تثير الحنين وتعبّّر عن هوية المجتمع وقيمه». يرى البدور الحياة بأكملها هي المتن الأساسي، ويعد كل القصص الواردة في مجموعته هوامش لهذا المتن الكبير، فتلك حكايات «على هامش الحياة»، حكايات أكثر إبانة وكشفا عن المكنون والذاكرة والن ََّفس. انتظمت المجموعة في تسع حواش ٍٍ، «تتّّفق جميعها في التعبير عن ذاكرة الطفولة لجيل كامل». يربط بين نصوص المجموعة حضور الطفل الـذي يكبر جـسـده فـي حين تـظـل طفولته حـاضـرة فـي ذاكــرتــه، فالخيال الطفولي يتحوّّل وسيلة لمقاومة الفقر والحرمان، ثم ينقلب مع الزمن تأم ّّلا في آثار التربية والعائلة والمجتمع على النفس الإنسانية. وتظهر العلاقات الأسرية بوصفها المحور الأكثر تأثيراً؛ فالأب والأم والإخوة هم القوى التي تصنع الشخصية أو تجرحها أو تنقذها. كما تشترك القصص في إبراز المفارقة بين براءة الطفولة وعنف الواقع، فألعاب الأطفال تتحو ّّل حروباً، والمنافسة رغبة فــي الانــتــقــام، والـــبـــرد رمــــزا لـلـقـسـوة، فــي حين يـصـبـح الـــدفء رمـزا للأســرة والأمـــان. وفـي المقابل، تحضر لحظات إنسانية مضيئة، مثل التعاون بين الجيران، والتضامن في مواجهة الأزمات، والصداقة العابرة للاختلافات الدينية والاجتماعية. عم ََّان: «الشرق الأوسط»
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky