حين تكتمل أعــوام ثلاثــة على عملية الطوفان الـــتـــي انـطـلـقـت مـــن غــــزة المـــحـــاصـــرة، وردََّت عليها إســرائــيــل بـحـرب إبــــادٍة هــي أفــظــع حـــرب وقـعـت في القرن الحادي والعشرين. لا يملك الفلسطينيون ما كان يملكه المصريون ، حـــيـــث الــتــحــقــيــق 1967 ) فـــــي يـــونـــيـــو (حـــــــزيـــــــران والمـــســـاءلـــة عـــن الـتـقـصـيـر، فــأنــصــفــت المـحـكـمـة من أنـصـفـت، وأدانــــت مـن أدانــــت، فـهـذا هـو فعل الـدولـة ونظامها وهذا ما يفتقر إليه الفلسطينيون. مــــنــــذ وصــــــــول أخـــــبـــــار نــــجــــاح «حــــــمــــــاس» فــي اجـــتـــيـــاح مـــســـتـــوطـــنـــات غلاف غـــــــزة، وقــــتــــل وأســــر المـئـات مـن الإسـرائـيـلـيين، ســرى بين الفلسطينيين شعور اختلط فيه الإعجاب بالتخو ّّف من رد الفعل الإسرائيلي عليه، وكان ذلك بمثابة شعور تلقائي لم ينفرد به الفلسطينيون وحدهم، بل شاركهم فيه العالم كله. لـم يكتف الإسـرائـيـلـيـون بـالـرد على الطوفان بالطريقة ذاتـهـا التي كانت تـرد بها على عمليات عــســكــريــة ســابــقــة انـطـلـقـت مـــن غــــزة، مــثــل الـقـصـف الانـــتـــقـــامـــي وتــــشــــديــــد الــــحــــصــــار، والاجـــتـــيـــاحـــات العسكرية الجزئية والمؤقتة، بل طـوّّرت الـرد ليبلغ حرب إبادٍة فعلية وتدمير شامل. وعـلـى الصعيد السياسي فقد بلغ الأمـــر حد العمل على تدمير القضية الفلسطينية بمشروع تهجير غـزة وتشديد الضغط على الضفة، وجعل المنطقتين المـفـتـرض أنََّــهـمـا المـكـان الـــذي تـقـوم عليه الدولة الفلسطينية أرضا محروقة لا تصلح للعيش عليها فما بالك بإقامة دولة عليها. انقسم الفلسطينيون بشأن حرب غزة بين من رآها إنجازا استراتيجيا أعاد للقضية الفلسطينية مكانتََها بعد أن تراجعت كثيراً، ومـن رآهــا عملية انـــتـــحـــاريـــة وحـــتـــى تـــآمـــريـــة ألـــحـــقـــت أفـــــــدح الـــضـــرر بالشعب والقضية، ففي غزة حيث سيطرة «حماس» عليها رأت أنََّها فعلت ما كان ينبغي أن يُُفعل كرد على الحصار الخانق طـويـل الأمـــد، الـــذي مارسته إسـرائـيـل منذ انـــقلاب «حــمــاس» واسـتـيلائـهـا على السلطة، وفي الضفة حيث سلطة «فتح» الرسمية، فقد التزمت صمتا مطبقا لـم يقل فيه رأي رسمي تجاه مـا جــرى، انـــطلاقا مـن أن «حـمـاس» فعلت ما فعلت على عاتقها الخاص، وفتحت حربا من وراء ظهر السلطة الرسمية، غير أن الصمت لم يدم طويلا بل ظهرت أصوات تدين ما فعلت «حماس» بصورة مباشرة وكان ذلك بمثابة انقسام جديد عزز القديم، وأظهر فداحة عمقه وصعوبة معالجته. في الأيــام الأولــى من العام الرابع على الحرب الـــتـــي تــــطــــو ّّرت واتـــســـعـــت لــيــطــال عـصـفـهـا الــضــفــة الــغــربــيــة، ولـيـصـل امـــتـــدادُُهـــا إلـــى لـبـنـان وســوريــا والـــيـــمـــن، تـــجـــدر قــــــراءة صـــــورة الـــحـــالـــة بـإجـمـالـهـا كـمـا هــي بـالـضـبـط، ولأخـتـصـر الأمـــر عـلـى الجانب الفلسطيني منها. لقد دُُمّّـــرت غـزة عـن بكرة أبيها، ولا فـائـدة من تــحــديــد نــســب الــســيــطــرة الإســـرائـــيـــلـــيـــة بـــســـتين أو سبعين في المائــة، فإسرائيل تسيطر على مائة في المائــة من غـزة، بالحصار وقـوة الـنـار، وتتحكم في كم سعر حــراري يدخل إلى القطاع، وكم حبة دواء وجرعة ماء. إسـرائـيـل وبعد أن قتلت مـن قتلت ودّمّـــرت ما دّمّــرت، تخوض حربا من جانب واحـد، دون رد من «حـــمـــاس» ســـوى مــنــاشــدة الــوســطــاء لــردعــهــا، مع علمها بـأنََّــهـا مـنـاشـدة دون طــائــل، وإســرائــيــل من جانبها تترجم المبادرة الأميركية بشأن غزة، وفق مصالحها وليس وفق نصوصها، فتدخل مجلس تــرمــب لـــلـــسلام إلـــى المــعــادلــة الـــغـــزّّيـــة، مـــن خلال ما تسمح به وما تمتنع عنه، فلا تزال تُُمسك بالمعابر دخولا وخروجا وبصورة مطلقة. غير أن للحقيقة وجـــها آخــــر... فـإسـرائـيـل في حـربـهـا عـلـى غــــزة، وجــــدت نـفـسـهـا تــخــوض أطـــول حـرب في تاريخها، وتُُمنََى بأعظم خسائر بشرية ومعنوية واقتصادية وسياسية، ورغـم سيطرتها الكاملة بالنار والحصار على غزة، فإن ََّها فشلت في تحقيق النصر المطلق الــذي وعـد به نتنياهو، ولا يزال يسعى إليه، وإذا ما قورنت النتائج بالأهداف المُُعلنة، فــإن مـا حـدث حتى الآن وإن سج ّّل إنجازا دمـويا وتدميريا هـائلا فإنََّه لم يُُترجم إلى حقائق سياسية تسمح لنتنياهو بادّّعاء نصر مطلق. وعلى الواجهة المقابلة، حيث «حـمـاس» ومن معها، وحيث هـدف البقاء المادي على بعض غزة، بعد أن كان على كلها فقد خسرت أكثر بكثير مما حـسـبـت وتــوقــعــت، والأمــــر لا يـتـوقـف عـنـد خـسـارة حكم لم يكن شرعيا أصلا في غزة، بل بلغت الحالة حد التفاوض على ما تبقى لديها من سلاح خفيف يصلح بالنسبة لإسـرائـيـل كـمـادة ابــتــزاز أكـثـر من كونه خطرا أمنياً. «حـــــمـــــاس» خــــســــرت مــــن لــحــمــهــا الــــحــــي قـــــادًة وكــــوادَرَ، لا قِِــبـل لها بتعويضهم، هــذا إذا مـا زالـت تفكر بجولات جديدة. الاكتشاف الأهـم الـذي توصلّّت إليه «حماس» بعد عشرين سنة من محاولات فرض نفسها بديلا وليس شريكاً، وبعد خسائرها الجسيمة في حرب غـــــزة، هـــو أن حـاضـنـتـهـا الـــوحـــيـــدة المــتــبــقــيــة، هي الحاضنة الفلسطينية، فهي أدركـت كم كان وهميا افــتــراض أنََّــهـا «أيـقـونـة» معسكر المـمـانـعـة، وأن ما ، كان هدية قيّّمة 2023 فعلته في السابع من أكتوبر قدّّمتها للمعسكر، صحيح أنََّها حصلت على دعم مباشر من «حزب الله» ولكن ََّه استنكف في منتصف الطريق، ودعم متواضع من الحوثيين والأخطر من ذلك كله، نأي بالذات من قبل أم المعسكر إيران التي هنََّأت «حـمـاس» على الطوفان، وأبلغتها بصريح العبارة كما أبلغت العالم بأن لا صلة لها بما حدث. غزة... وما عانت منه الضفة ولا تزال، لم ينشأ ، ولا يسج ّّل بعد ثلاث سنوات على 2023 في أكتوبر حرب الإبادة وقبلها الطوفان، لا نصرا لـ«حماس»، ولا نصرا لإسرائيل، بل هو في الواقع محطة أكثر دمـــارا ودمـويـة مـن كـل مـا سبقها مـن محطات على الطريق الطويل في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، والنتيجة المباشرة لما حـدث، بفعل الطوفان والـرد الإســرائــيــلــي عـلـيـه خــــروج أمـــر الـتـسـويـة المـشـنـودة مـن يـد الفلسطينيين والإســرائــيــلــيين، لينتقل إلى العالم وأميركا بالذات، فإم ّّا تسوية للشرق الأوسط بما فيه الفلسطينيون على غـرار تسويات ما بعد الـحـرب العالمية الثانية، وإمّّـــا صـــراع متجدد يُُنذر بما هو أفدح من كل ما سبق. الرئيس التنفيذي جمانا راشد الراشد CEO Jomana Rashid Alrashid نائب رئيس التحرير Managing Editors Editorial Consultant in KSA Aidroos Abdulaziz Camille Tawil Saud Al Rayes Deputy Editor-in-Chief مديرا التحرير مستشار التحرير في السعودية محمد هاني Mohamed Hani الأمير أحمد بن سلمان بن عبد العزيز عيدروس عبد العزيز كميل الطويل سعود الريس 1987 أسسها سنة 1978 أسسها سنة هشام ومحمد علي حافظ رئيس التحرير غسان شربل Editor-in-Chief Ghassan Charbel انـــدفـــع الــحــوثــيــون إلـــى «بــــاب المـــنـــدب» بعدما أدمـــوا اليمنََ، وأنهكوا اليمنيين، وأقلقوا الـجـوار. ع ُُـــرِِضـــت عـلـيـهـم أكـــثـــر مـــن فـــرصـــة لـلـمـصـالـحـة في رحاب الدّّولة، لكن ََّهم أصرّّوا على الإقامة فوق ركام ََــهــم الإقــلــيــمــي على مـؤسـسـاتـهـا مـــقـــدّّمين بــرنــامــج مصلحة بلادِِهـم. لم يتركوا للشرعية اليمنية غير الـت ََّــحـرك الـشـامـل ضــدهــم، وهـــو مََـــا أعـلـنـه الرئيس رشاد العليمي، أمس. قــرار بــدء العمليات العسكرية «لاستعادة ما تبق ََّى من أراض ِِي الجمهورية وبسط سلطة الدولة» جـــــاء بــعــد اســتــنــفــاد فــــرص الـــت ََّـــهــدئــة، كــمــا أوضــــح العليمي. قابل الحوثيون فرص الـس ََّلام بمزيد من التصعيد والاعتداءات على اليمنيين ودول الجوار والممرات الدولية. الحوثيون الذين انخرطوا في بعض الفصول بـــعـــد انـــــــــدلاع «الـــــطـــــوفـــــان» يــــدفــــعــــون حــــالــــيا ثــمــن اندفاعهم نحو «بـاب المندب» لإشراكه مع «هرمز» فـــي مـــحـــاولـــة خــنــق الاقـــتـــصـــاد الـــعـــالمـــي. يــدفــعــون ثـمـن تحر ُُّشهم بـجـيـرانِِــهـم، وانـخـراط ِِــهـم فـي حـرب المضائق والممرات. لم يستطع الحوثيون تقديم أي نموذج مقنع في الداخل اليمني. شعر اليمني العادي أنََّــه يقيم على جمر الأوهــام. لا مصالحة ولا تنمية. وغياب الحد الأدنى من القبول بالآخر. عاملوا أي مختلف وكـأنََّــه عــدو، ونـظـروا بريبة إلـى كـل نصيحة. بدل الاستقواء بتعاطف النََّاس اختاروا الاستناد إلى الـتـرسـانـة. تـضـاعـف الـفـقـر ُُ، وتــراجــعــت الـخـدمـات ُُ، وســــاد الـــخـــوف. لــم يُُــظــهــر الـحـوثـيـون فــي مـنـاطـق سـيـطـرتـهـم أي مــعــرفــة جـــديـــة بــحــقــائــق الـت ََّــركـيـبـة الـــيـــمـــنـــيـــة. اخـــــتـــــاروا ســـيـــاســـة الإخـــــضـــــاع، وكــســر الإرادات. ََّــــعــــيــــد الـــــخـــــارجـــــي لــــــم يُُـــظـــهـــر وعـــــلـــــى الــــص الحوثيون أي احترام للقواعد والأعراف الدولية. ََّــمـوا أن باستطاعة ميليشيا كـسـر مـوازيـن تـوه القوى بالاتّّكال على برنامج إقليمي راح يضخ ََّـــمـــوا أن فـــي عـــروقـــهـــم شــــعــــارات الـــتـــطـــرف. تـــوه باستطاعتهم مـخـاطـبـة الــجــيــران بـالـصـواريـخ والمـــســـيـــرات. أســــــاءوا تـفـسـيـر اعــتــمــاد الـجـيـران سـيـاسـة الـصـبـر والـحـكـمـة والـــرهـــان عـلـى عــودة الجماعة من أسلوبها المغامر. لا يستطيع اليمن إبقاء مصيره رهينة في يــد مـجـمـوعـة عــــز ََّزت الانــقــســامــات الـيـمـنـيـة، ولا تستطيع دول الإقـلـيـم قـبـول سيطرة مجموعة مــن هـــذه الـقـمـاشـة عـلـى مـمـر حـيـوي مـثـل «بــاب المـــنـــدب». وإذا كــــان الــعــالــم لا يــقــر لإيــــران بحق وضــــع يـــدهـــا عــلــى مـضـيـق هـــرمـــز فــكــيــف يـسـلّّــم بوضع «باب المندب» في عهدة الحوثيين. فشلت كــل مــحــاولات اســتــدراج الـحـوثـيين إلى لــغــة الـــحـــوار الـــجـــدي. تـــأك ََّـــد عـلـى نــحــو قــاطــع أن ََّــهـم أصـحـاب موقف مـعـاد لفكرة قيام دولــة تتََّسع لهم ولغيرهم. قاموس ُُهم لا يلحظ مكانا لفكرة الدولة والمؤسسات. ظهروا في صورة من انت ُُد ِِب لمهمة أكبر من اليمن. مهمة صد ََّرت النار، واستوردت النار. لا يحتاج اليمن إلــى مـزيـد مـن المـغـامـرات، بل يحتاج إلـى جـرعـة اسـتـقـرار. إلـى مؤسسات أمنية شرعية. إلـى حكومة تعيد لملمة الأجـــزاء اليمنية، وتعيد إطلاق الأمل. ما أعلنه العليمي هو معركة استعادة الدولة. لا يمكن تـرك اليمن جـرحا مفتوحا في عهدة دعاة حروب تضاعف معاناة اليمنيين وهي كبيرة أصلا ًً. معركة الدولة صفحة جديدة في حياة اليمن. طـالـت المـعـانـاة، وطـــال الانـتـظـار. مـن حــق اليمن أن يـخـرج مـن اللعبة الإقليمية ليعود إلـى اليمن. من حقّّه تضميد جروحه وهـي كثيرة. وكــان العليمي واضـحا أن معركة الدولة هي معركة الحق والعدل وليس معركة الثأر أو القهر. شد ََّد العليمي على أن المهمة «ليست استعادة الأرض فــقــط، بــل إعــــادة الـــدولـــة إلــيــهــا»، مــؤكــدا أن المرحلة الجديدة تستهدف عود َة السلاح إلى «مكانه الطبيعي تـحـت سـلـطـة الــقــانــون». وفـــي كلامِِــــه هـذا تطابق مـع انـشـغـالات الـــدول الأخـــرى الـتـي طالتها تــوابــع «الـطـوفـان» الـــذي يـقـتـرب مـن إطـفـاء شمعته الثالثة. ملف الفصائل وحصر سلاحها مفتوح من غزة إلى العراق مرورا بلبنان، بعدما حم ََّلت بلدانََها ما يفوق طاقتََها، وانفجرت أدوارُُهـا الإقليمية بها وبالخرائط. ضــرب الطوفان الإقليم، ثـم ارتـــد على «محور المـــمـــانـــعـــة». لا يـسـتـطـيـع الـــشـــرق الأوســـــط احــتــمــال اسـتـمـراره منطقة مفخخة بالميليشيات والـحـروب والطوفانات والاحـتلالات. العالم أيضا لا يستطيع احتمال ذلك. اليمن ومعركة الدولة أكتوبر الفلسطيني بين المحاكمة والتقويم والخلاصة OPINION الرأي 13 Issue 17478 - العدد Monday - 2026/10/5 الاثنين غسان شربل نبيل عمرو
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky