issue17476

يأتي خروج القوات الأميركية والأخرى الدولية المتحالفة في أصعب الأيام وأخطر ِِها، وسط الحرب الأميركية الإيرانية. وخلال الس ََّنوات العشر الماضية سعت القوى والمؤسسات العراقية إلى الحفاظ على سيادة العراق واستقلالية قراره. ومـع خــروج الأميركيين يريد الإيـرانـيـون أن يحلُُّوا محلََّهم. وتشير دلائــل مشروع طهران إلـى أنََّــه يهدف للسيطرة على قــــرار بــغــداد والهيمنة عـلـى مـفـاصـل الــدولــة الرئيسية مثل العسكرية والأمنية والبرلمان. وبخروج القوات الأميركية يواجه العراقيون خطر فراغ أمــنــي وســيــاســي يـعـيـد إلـــى الأذهـــــان مــا حــــدث مــن فــــراغ في أفغانستان والـصـومـال، بعد انـسـحـاب مشابه مـع اخــتلاف الظروف والسياقات. ولإيـــــــــــران نـــــمـــــاذج لـــلـــســـيـــطـــرة عـــلـــى قـــــــرار الــــــــدول الــتــي استهدفتها من خلال خلق قوى موازية للدولة تسيطر عليها مـثـل «حـــزب الــلــه» فــي لــبــنــان ََ، والــحــوثــيين فــي الـيـمـن. والآن يواجه العراق تحدي صون استقلاله وسيادته. ما قد يحدث تاليا يثير القلق لدى الش ََّريحة الأكبر من العراقيين، وكذلك لدى الــدول المـجـاورة، سوريا والسعودية والأردن والكويت. خــــيــــارات المــــواطــــن الـــعـــراقـــي، بـــغـــض الـــن ََّـــظـــر عـــن مـيـولـه السياسية أو انتماءاتِِه، ستقرّّر مستقبلََه ومستقبل أطفالِِه وبلاده. هـــل يــريــد الـــعـــراق أن يـصـبـح مـثـل لـبـنـان والـيـمـن، اللذين أسهمت هيمنة طهران عليهما في الفشل والإفلاس والــفــوضــى؟ أم أن يـتـحـو ََّل الــعــراق إلـــى بـلـد مستقر ونـاجـح اقـتـصـاديا مثل جـيـرانـه الـعـرب والأتـــــراك؟ الـطـريـق للخروج ََّــجـاد مــن دائــــرة الـخـطـر الإيـــرانـــي قــد لا يـكـون مـــفـــروشا بـالـس والزعفران، بل يتطلََّب الأمر المصارحة والإصرار على سيادة الــدولــة الـعـراقـيـة. إيــــران ســتــدرك أنََّــهــا لــن تهيمن إن شعرت بإجماع العراقيين على رفضها، ومهما بلغ بها طموح ُُها في الـجـارة الغنية لا تريد فـي النهاية أن تصبح عــدوا لغالبية الش ََّعب العراقي. ما بدأه بشجاعة رئيس الحكومة، علي الزيدي، بدعوته إلى حصر الس ّّلاح بيد الدولة خطوة أولى ورئيسية لتقوية العمود الفقري الأمني وستكون مفتاح استقرار العراق. يحتاج الـعـراق مـن ضمن مـا يحتاج إلــى بـنـاء اقتصاد متنوع منفتح على العالم لتقليل النفوذ الخارجي. مستقبل الــــعــــراق، الـــــذي تـــحـــد ََّث عــنــه الـــزيـــدي نــفــســه، يــكــمــن فـــي قـــوة اقـتـصـاديـة ناجحة لا أن يـكـون بلد ميليشيات، أو مرتهنا للمعونات الخارجية. فالقوة الاقتصادية تلعب دورا موازنا مع القوى الإقليمية، ومنها إيران التي يمكن أن تكون شريكا اقتصاديا لا أن تجعل العراق جمهورية موز تابعة لها. ستتطلََّب مـرحـلـة مــا بـعـد خـــروج الأمــيــركــيين معالجة الـجـروح المحلية التي لم تلتئم تـمـاماً، والـعـودة إلـى الحوار للاتـــفـــاق عـلـى الــثــوابــت الـوطـنـيـة، ومـنـهـا احـــتـــرام الـدسـتـور والــحــدود والـسـيـادة بـــدلا مـن الـتـنـازع على الـنـفـوذ الفئوي. فــالانــدفــاع المـيـلـيـشـيـاوي للاسـتـعـانـة بـــإيـــران سيتسبََّب في إيقاظ القوى الطائفية والإقليمية وجر البلاد إلى دورة عنف أخرى. رئيس الحكومة، رغم أنََّه لم يتول قيادة العراق إلا منذ أربــعـة أشـهــر، صـــارت لـه ثـقـة عـنـد معظم الأوســــاط المحلية، اكـتـسـبـهـا بـــقـــراراتـــه ضــــد الـــفـــســـاد والـــت ََّـــســـلـــط، وبـبـرنـامـجـه الاقتصادي التنموي. ولـــلـــعلاقـــات الإقـلـيـمـيـة دور أســـاســـي فـــي دعــــم اســتــقلال العراق بحكم الجغرافيا والمصالح المشتركة. فإيران جار مهم للعراق، ولا أحـد يتوقع إلا أن تكون الـعلاقـة معها إلا قوية، إنََّــمــا دون أن تـنـحـدر، بـعـد الــخــروج الأمــيــركــي، إلـــى مستوى الهيمنة والاســتــخــدام الإقـلـيـمـي. وفــي المــيــزان نفسه، يترقََّب الـطـرفـان الخليجي والأردنـــــي مــا ســتــؤول إلـيـه الأمــــور داخــل الـجـار الـعـراقـي. مصلحة هــذه الـــدول تتمثََّل فـي أن تكون في بغداد دولة مركزية ناجحة ذات سيادة حقيقية على قراراتها، وليست تابعة لقوى إقليمية تسعى لتسخيرها جبهة معادية واستهداف الدول المجاورة. والأمر نفسه ينسحب على العلاقة مع سوريا ذات الامتداد الحدودي الواسع معها. ومع تزامن حدثين كبيرين، الحرب الإيرانية الأميركية، ومـــغـــادرة الأمــيــركــيين الـــعـــراق، تــزايــدت الـنـشـاطـات المـعـاديـة لـدول المنطقة والتهديدات. ولا يمكننا أن نأخذ على محمل الجد ما يصدر في المنابر غير الرسمية العراقية، التي تتوع ََّد سوريا والخليج لكن هذه الأصــوات التحريضية تسهم في رفع مستوى التوتر والتحشيد السياسي. للأسـف عرفت المنطقة العراق لنحو أربعة عقود، تحت حكم البعث، كمصدر للأزمات للدول المحيطة، من تركيا إلى الكويت وسوريا. وبسبب السياسات العدوانية لنظام البعث كان الخلاص منه مطلبا عراقيا وإقليميا رغم نفور الكثيرين من أن يأتي التغيير على يد الاحتلال الأميركي. الجميع يـرغـب فـي أن يــرى الـعـراقـيين أخـيـرا يتمتََّعون بــدولــة مستقرة ومـــزدهـــرة تـتـشـارك مــع البقية فــي التََّنمية وترسيخ السلم والتعاون الإقليمي. العراق والمنطقة يمرََّان بمرحلة دقيقة وخطيرة تتطلََّب الوضوح والتعاون ليخرج الجميع منها سالمين. المغرب وطـن زرع شجرة هُُويََّتِِه منذ القدم في حقل أرضه، ورواهــــــا بــعــصــارة عــقــلــه. لـلـجـغـرافـيـا حـــضـــور لـــم يــغــب فـعـلـهـا، وللناس خـرائـط تتحرََّك على خـطـوط الـزمـن. المحيط الأطلسي الذي سم ّّاه العرب الأوائل «بحر الظلمات»، كان لأمواج ِِه العاتية أكـثـر مـن صــوت، وللبحر المتوسط تـدافـع حـضـاري لا يـهـدأ، المـد والجزر بين الحرب والـسلام، واتساع مساحات التفاعل الفكري والـفـلـسـفـي والــعــلــمــي. جــبــال الـطـبـيـعـة ووديـــانـــهـــا وصــحــراؤهــا ودنياها الخضراء، لها في العقول مكامن لا يهدأ فعلها. الشعب المغربي نسيج لا يكف عن شحذ خيوطه بقوة الحركة المبدعة. في العقود الثلاثة الأخيرة حق ََّقت المملكة المغربية قفزة صناعية نموذجية، وتـفـو ََّقـت فـي ذلــك على بعض الـــدول الأوروبــيـــة؛ فقد تجاوزت إيطاليا في حجم صناعة السيارات، ووط ََّنت صناعة شهد 2011 قطع غـيـار الـطـائـرات، بأنواعها المختلفة. فـي سنة المغرب نقلة سياسية تاريخية؛ فقد أعلن الملك محمد السادس في مـارس (آذار) من تلك السنة عن مسار الإصلاح الدستوري، وتشك ََّلت لجنة لإعداد مشروع دستور جديد، وع ُُرض ما أنجزته اللجنة على استفتاء شعبي، وأُُقــــر الـدسـتـور بأغلبية شعبية كبيرة. تضم ََّن الدستور الجديد مواد عاملة، شك ََّلت نقلة كبيرة في مجمل الحياة السياسية في الدولة. نـــص الــدســتــور الــجــديــد عـلـى تــعــيين رئــيــس الـحـكـومـة من الحزب السياسي الذي يتصد ََّر انتخابات مجلس النواب، وأصبح لـلـبـرلمان دور أكـبـر فـي مـمـارسـة السلطة التشريعية، وتكريس ََّــع الدستور الجديد مجال الحقوق والحريات، استقلالها. ووس وجعل اللغة الأمازيغية لغة رسمية إلى جانب اللغة العربية. كما نص الدستور الجديد على حماية جميع الروافد المكونة للهوية الـوطـنـيـة، وهـــي الـعـربـيـة والأمــازيــغــيــة والـحـسـانـيـة، والمـكـونـات الأفـريـقـيـة والأنـدلـسـيـة والـعـبـريـة والمـتـوسـطـيـة، وتـكـريـس مبدأ المساواة بين الرجل والمرأة، وتحقيق قاعدة المناصفة بينهما. سبتمبر (أيلول) كلََّف الملك محمد 29 يوم الثلاثاء الماضـي السادس السيدة فاطمة الزهراء المنصوري، القيادية في «حزب الأصــالــة والمــعــاصــرة»، الـــذي تـصـد ََّر انـتـخـابـات مجلس الـنـواب، تشكيل الحكومة الجديدة. هذا التكليف يعبر عن أكثر من معنى؛ الأول الاحترام الكامل للدستور الجديد بكل مواده. الثاني هو أن المغرب يندفع بقوة نحو التحديث الشامل في الحياة السياسية والاجتماعية؛ إذ لم تعد المرأة ذلك الرقم الطري الذي لا يقوى على القيادة، كما يشير بعلامات التقدير للتأهيل العلمي والخبرة السياسية والإداريـــة لمن يتبوأ موقع رئاسة الحكومة، من دون الوقوع في وحل ما راكمته قـرون التخلف العنصري، والتقليل من قيمة المرأة. رئيسة الحكومة المغربية المكلفة، فاطمة الزهراء المنصوري، ليست من هواة السياسة العابرين، لكنََّها جمعت العلم والعمل والخبرة من كل أطرافها؛ فهي قيادية بـارزة في «حزب الأصالة ،2024 والمعاصرة»، منذ المؤتمر الوطني الخامس للحزب سنة وتـتـولـى تنسيق الــقــيــادة الـجـمـاعـيـة لـلـحـزب، وســبــق أن تـولََّــت منصب عمدة مراكش أكثر من مـرة، وكانت وزيـرة إعـداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة، وهذا المنصب هو مجمع لـوزارات وطنية في غاية الأهمية على المستوى الوطني، كـمـا انـتُُــخـبـت لـعـضـويـة مجلس الـــنـــواب أكـثـر مــن مـــرة. وتحمل مـــــؤهلات عـالـيـة فـــي الـــقـــانـــون؛ إذ درســــت فـــي جــامــعــات مغربية وفرنسية وأميركية، ومارست مهنة المحاماة... كل ذلك يجعلها تمتلك كل ما يجعل المنصفين يهنئون منصب رئاسة الحكومة بتبوئها له، أكثر مما يهنئونها هي بتوليها له. هـــنـــاك تـــحـــديـــات كــبــيــرة وعــــديــــدة تـنـتـظـر فــاطــمــة الـــزهـــراء المنصوري في موقعها الجديد، وأولها تشكيل حكومة ائتلافية من أكثر من حزبين مع حزبها؛ فقد تشتتت المقاعد البرلمانية في الانتخابات الأخـيـرة، وحزبها الحاصل على الرقم الأعلى فيها عضوا بمجلس النواب 198 عـضـواً، وهــي تحتاج إلــى 97 فــاز بـــ على الأقـل لتشكيل حكومتها. والتشكيلة الـوزاريـة التي تنتظر الـــزهـــراء لا بـــد أن يـتـحـقـق بـهـا الانــســجــام الــكــامــل، لـتـتـمـك ََّــن من مواجهة الاستحقاقات الوطنية التي تنتظرها، وأهمها معالجة موضوع العمل لآلاف الشباب، وكذلك المشاكل الاقتصادية التي تعصف بكل أنحاء العالم، والتجهيزات لكأس العالم لكرة القدم بالمشاركة مع إسبانيا والبرتغال. هناك سؤال آخر 2030 لسنة لا يـغـيـب؛ فـفـي كــل حـيـاة ديـمـقـراطـيـة هـنـاك تـكـويـنـات سياسية معارضة، ستعبّّئ قوتها السياسية لكبح حـركـة الحكومة في تحقيق برنامجها الـــذي وعـــدت بـه الـنـاخـبين، وقــد أعـلـن «حـزب الــعــدالــة والـتـنـمـيـة» مـبـكـرا مـعـارضـتـه لـحـكـومـة فـاطـمـة الــزهــراء المنصوري، بمجرد إعلان تكليفها رئاسة الحكومة. يبقى السؤال الأول أمامََها هو الحصول على الحد الأدنى من العدد المطلوب في مجلس النواب، وذلك يتطلََّب المباشرة في حـوار مع الأحــزاب التي لها أعضاء في مجلس النواب، لتتمك ََّن من الحصول على الأغلبية المطلوبة، مع توفر الحد الأدنــى من التفاهم والانسجام في العمل الحكومي. تولّّي سيدة عربية رئاسة حكومة في دولة عربية هو ومضة تفاؤل وأمـل في دنيانا التي تتعالََى فيها الأصـــوات المبحوحة، التي لا تنطق ألسنتُُها إلا بالتهوين من قيمة المرأة، والطعن في قدراتها، وتدعو إلى معاملتها بدونية مهينة، وترش على ذلك غـبـار مـا تــاه فـي مــاض مــات. الـحـدث المغربي كبير «بــالــزاف»... الزهراء تشرق في المغرب. الرئيس التنفيذي جمانا راشد الراشد CEO Jomana Rashid Alrashid نائب رئيس التحرير Managing Editors Editorial Consultant in KSA Aidroos Abdulaziz Camille Tawil Saud Al Rayes Deputy Editor-in-Chief مديرا التحرير مستشار التحرير في السعودية محمد هاني Mohamed Hani الأمير أحمد بن سلمان بن عبد العزيز عيدروس عبد العزيز كميل الطويل سعود الريس 1987 أسسها سنة 1978 أسسها سنة هشام ومحمد علي حافظ رئيس التحرير غسان شربل Editor-in-Chief Ghassan Charbel حتى لا يكون العراق جمهورية موز إيرانية الزهراء تشرق في المغرب OPINION الرأي 15 Issue 17476 - العدد Saturday - 2026/10/3 السبت للعلاقات الإقليمية دور أساسي في دعم استقلال العراق بحكم الجغرافيا والمصالح المشتركة ٍٍعبد الرحمن شلقم تولّّي سيدة رئاسة حكومة في دولة عربية هو ومضة تفاؤل وأمل عبد الرحمن الراشد

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky