issue17476

مـــن عـــرف أوروبـــــا قـبـل نــشــوب الـــحـــرب الـــروســـيّّـــة - ، يــــدرك تــمــام الإدراك كـــم كـان 2022 الأوكـــرانـــيـــة، شــتــاء الإنـسـان الأوروبـــي سعيدا بحالة السلم التي يعيشها، مع شعور عميق بأن فكرة الحرب أضحت ذكرى بعيدة مـن ذكـريـات الماضـــي المأســــاوي الـطـويـل، الــذي لـن يعود أبــــداً، وأن «الـــقـــارة الـقـديـمـة» دخــلــت أخــيــرا زمـــن السلم والاستقرار النهائيّّين. وبعد سقوط جدار برلين خريف ، وانــهــيــار المـعـسـكـر الاشـــتـــراكـــي، انـتـهـت «الــحــرب 1989 الباردة» وتكر ّّست فكرة السلم الأوروبي أكثر من أي مر ّّة أخـرى في التاريخ. فذلك الجيل الأوروبــي الغربي الذي عايشناه كان أوّّل جيل في تاريخ هذه القارة لم يشهد حربا في حياته. لذلك، كانت لديه «رؤية مثالية» للعالم، تبعده في أحيان كثيرة عن حقائق الدنيا القاسية، مع شـــيء مــن الــوهــم، أو الـرغـبـة فــي الاعــتــقــاد، بـــأن شعوب العالم كلّّها تحمل في نفسها ما يشبه رؤيته. ّّــكا بــهــذه «الـــرؤيـــة كـــان الإنـــســـان الأوروبــــــي مـتـمـس المثالية» لأن ّّها شك ّّلت له أخيرا واحة طمأنينة وأمان، بعد ماض جماعي مثقل بجنون القوميات والآيديولوجيات الــتــي قــــادت شـعـوبـهـا إلـــى الـــكـــوارث المــرعــبــة. فـــأوروبـــا، الــتــي نـقـلـت نـفـسـهـا مــنــذ الـــقـــرن الــخــامــس عــشــر، بفعل نهضتها الـثـقـافـيـة الــكــبــرى، مــن الـــقـــرون الـوسـطـى إلـى الأزمـنـة الحديثة، ونقلت معها معظم العالم، وأنتجت ثـــورة معرفية وقيمية وعلمية ومجتمعية وسياسية واقــــتــــصــــاديــــة وتـــكـــنـــولـــوجـــيـــة وعـــســـكـــريـــة أتــــاحــــت لـهـا السيطرة الاستعمارية على كافّّة أنحاء المعمورة، هي ذاتها التي، بعد وصولها إلى أو ّّج قوتها، دم ّّرت نفسها بنفسها في النصف الأوّّل من القرن العشرين. فالحرب العالمية الأولى، ثم الحرب العالمية الثانية، اللتان سقط خلالهما مـن الضحايا مـا يصعب تــصــوّّره: نحو مائة مليون قتيل عسكري ومدني، ونتج عنهما دمار مادّّي وعــمــرانــي وتـــراثـــي وثــقــافــي يــفــوق الـــوصـــف، كـانـتـا في الحقيقة حــربين أهليتين أوروبــيــتين. صــراع مهول بين القوميات الألمانية والفرنسية والبريطانية والإيطالية والروسية والنمساوية، والآيديولوجيات الديمقراطية الليبرالية والنازية والفاشية والشيوعية، جر معه إلى الأتــــون نفسه السلطنة العثمانية والـــولايـــات المتحدة الأميركية واليابان. ماذا كانت النتيجة؟ فوق هذا البحر الـشـاسـع مــن الآلام والـــدمـــار، فــقــدت أوروبـــــا سيطرتها عـلـى الــعــالــم، لـيـحـل محلها قـطـبـان جـــديـــدان: الــولايــات المـتـحـدة والاتـــحـــاد الـسـوفـيـاتـي. فــالمــرء يـكـاد ينسى أن 1938 الــقــوتين العظميين المـسـيـطـرتين على الـعـالـم عــام كانتا بريطانيا وفرنسا. وبعد سبع سنوات فقط، عام ، أخذت مكانهما أميركا وروسيا. كانت أوروبا قد 1945 أنهكتها حروبها الكبرى، التي تبدو الآن جنونا عبثياً، هيمن على مصائر الشعوب الأكثر عقلانية وتقدّّما في التاريخ الحديث، بحيث يستغرب العقل أن يكون حدث ذلك حقاً. لكن الـــذات الأوروبــيــة الـتـي اعتقدت أنـهـا استقرّّت نهائيا في واحة السلام، فتخلّّت عن التجنيد الإلزامي، وخفّّضت نفقاتها العسكرية إلـى حـد بعيد، وتوح ّّدت في مجموعة أوروبية كبرى، مشر ََّع بعضها تماما على بعض، وفتحت أبوابها لملايين المهاجرين، وسط الاعتقاد الراسخ بزوال صراع القوميات وآيديولوجياتها المدم ِِّرة إلى غير رجعة، غاب عن بالها أن ثم ّّة قومية هي القومية الروسية، ما زالت متحفّّزة وراغبة في الرد على انهيار إمــبــراطــوريــتــهــا الـسـوفـيـاتـيـة وفـــي اســتــعــادة مـــا يمكن استعادته من أنحاء استقلّّت عنها. هكذا، استفاقت أوروبا ذات صباح قارس من شتاء غير مصدّّقة النبأ المـذهـل بــأن جحافل الدبابات 2022 الـروسـيـة اجــتــازت الــحــدود الأوكــرانــيــة، شــاقّّــة طريقها الـطـويـل وســط الـعـواصـف والـثـلـوج إلــى ك ييف، قبل أن تضط ّّر إلـى التراجع. كانت تلك بداية هـذه الحرب بين الشعبين الشقيقين، التي لا مبرّّر حقيقيا لها في نظر العقل، شأنها شأن الحروب الأوروبية السابقة، وقد سقط خلالها حتى الآن مئات آلاف القتلى وملايين الجرحى والمشوّّهين والمفقودين من الروس والأوكرانيين. هكذا، رأت أوروبــا نفسها أمـام قـرار بالغ الصعوبة: هل تدعم أوكـرانـيـا عـسـكـريا ومــــاديا بتكلفة عالية وســط ظـروف اقتصادية صعبة، أم تـدع أوكرانيا لمصيرها، فتصبح روسيا المنتصرة على أبـواب أوروبـا، ولا أحد يدري أي باب ستقرع من جديد؟ اتخ ّّذ الأوروبيون الخيار الأول وســار فـي ركابهم الأميركيون. وحتى الأمــم الأوروبـيـة المجاورة لروسيا والمحايدة تاريخياً، كفنلندا والسويد، سارعت إلى دخول الحلف الأطلسي خوفا من المستقبل. هكذا، هوى حلم الـسلام الأوروبـــي. وللمرة الأولى منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، يخشى الأوروبيون نــــيــــران الــــحــــرب المـــقـــتـــربـــة مــنــهــم أكـــثـــر فـــأكـــثـــر، مـــهـــد ّّدة ّّــخ لديهم مـن استقرار جوهر«مثاليتهم» وكـــل مـا تـرس وطمأنينة وآمال منذ أكثر من نصف قرن. ومع أن الحماسة الشعبية الفرنسية الكبيرة لزيارة البابا ليو الرابع عشر لباريس، الذي فاجأ العالم، تحمل أبـــعـــادا داخــلــيــة وخــارجــيــة كــثــيــرة، فـمـن أهــــم معانيها التعبير عن القلق الأوروبـــي العميق أمـام شبح الحرب الذي يلوح في الأفق. يشكّّل تـعـيين امـــرأة على رأس الحكومة المغربية لحظة سياسيًة وتاريخيًة ذات دلالة خاصة. فهو يفتح صفحة جديدة في مسار مشاركة المرأة في قيادة الشأن الـــعـــام، ويـبـعـث بــرســالــة قــويــة إلـــى الــنــســاء والــشــبــاب، في المغرب وخـارجـه. لكن قيمة هـذا التعيين لن تُُقاس برمزيته وحد ََها، بل بما ستتمك ّّن الحكومة من تحقيقه في حياة المواطنين. إن التحدي الأساس أمام رئيسة الحكومة وفريقِِها هـــو بــنــاء حــكــومــة قــويــة ومـنـسـجـمـة، مــــحــــدودة الـعــدد وقـــادرة على اتخاذ الـقـرار. حكومة تجمع بين الكفاءة والـخـبـرة الـسـيـاسـيـة، وتــضــم شـخـصـيـات تـعـرف كيف تُُصغي إلى المجتمع وتتحاور مع المؤسسات وتتحم ََّل مسؤولية الاختيارات. فالمرحلة تحتاج إلى سياسيين يمتلكون الـــرؤيـــة والـــقـــدرة عـلـى التنفيذ، وإلـــى خـبـراء يضعون كفاءتهم في خدمة تلك الـرؤيـة؛ لا إلـى جهاز تقني منفصل عن نبض المواطنين وانتظاراتهم. أو ََّل الملفات التي ينبغي أن تحتل صدارة الأولويات هـــو مـــلـــف الـــشـــبـــاب. إذ تــشــيــر الـــتـــقـــديـــرات إلــــى وجـــود مليون شــاب وشـابـة خـــارج العمل والتعليم 2.9 نحو والـتـكـويـن. وهـــذه ليست مـجـرد أرقـــام فـي تـقـريـر؛ إنََّها ملايين المسارات التي لم تجد بعد طريقها إلى المشاركة فـــي الــحــيــاة الاقــتــصــاديــة والاجــتــمــاعــيــة. كـمـا أن وراء كــل شــاب أســـرة تـأمـل أن تـــراه يتعلّّم أو يعمل أو يبني مستقبله. لذلك، لا يكفي الإعلان عن برامج عامة. ينبغي أولا مـعـرفـة هـــؤلاء الـشـبـاب: أيـــن يـــوجـــدون؟ مــا أوضـاعـهـم؟ وكيف يتوزََّعون بين المـدن والقرى والجهات؟ تختلف الأســبــاب مــن منطقة إلـــى أخــــرى، ومـــن شـــاب إلـــى آخــر. بعضهم يحتاج إلى تكوين مهني يتََّصل باحتياجات سوق العمل، وبعضهم إلى مواكبة للولوج إلى الشغل، فيما يحتاج آخرون إلى مبادرات ميدانية تعيد ربطهم بالمجتمع وبفرص المشاركة. ويتطلََّب ذلك عـملا قريبا من الناس، تشارك فيه الجماعات المحلية ومؤسسات التكوين والفاعلون الاقتصاديون والجمعيات. وإذا نجحت الحكومة، خلال السنوات المقبلة، في تـحـديـد هـــذه الـفـئـات وبــنــاء مــســارات واقـعـيـة للتكوين والتشغيل وتــحــسين قابلية الـتـوظـيـف، فسيكون أثــر ذلـك ملموسا في الأسـر والمجتمع. المطلوب أن يتحو ََّل كـــل شـــاب مـــن فـئـة غـيـر مـرئـيـة فـــي الــســيــاســات الـعـامـة إلى شخص معروف الاحتياجات، وله فرصة واضحة ومسار يمكن متابعته. أم ََّـــا المـلـف الـثـانـي فهو غلاء المعيشة. لقد اتُُّــخـذت إجـــــــراءات لـلـتـخـفـيـف مـــن بــعــض الأعــــبــــاء، ومــنــهــا دعــم قطاعات مثل النقل، لكنها لم تنعكس بما يكفي على أسعار المواد التي تستهلكها الأسر يومياً. ويظل الغذاء واللحوم والفواكه والخضر في قلب هذا القلق. ومن هنا تبرز الحاجة إلى معالجة الخلل في سلاسـل التوزيع، والـــحـــد مـــن تــعــدد الــوســطــاء حين يــــؤدي ذلـــك إلـــى رفـع الأسعار من دون فائدة موازية للمنتج أو للمستهلك. يمكن التفكير فـي أدوات تـوزيـع تشتري مباشرة مــن الـــــفلاحين وتـصـل بـالمـنـتـجـات إلـــى تـجـار التقسيط والأســــواق الـكـبـرى، بما يعزز المنافسة ويقلّّص تكلفة الوساطة. ولا يعني ذلـك تأميم التوزيع أو إلغاء دور الــقــطــاع الـــخـــاص، بـــل تـــــدخلا مـــحـــدودا ومـــوجـــها حين تقتضي الـضـرورة، في انتظار إصلاح أوسـع لمنظومة الإنـــتـــاج والــتــخــزيــن والـــوســـاطـــة والــتــســويــق. والــغــايــة هـي حماية الــقــدرة الـشـرائـيـة مـع ضـمـان دخــل منصف للمنتجين. ويأتي بعد ذلك ملف التفاوتات المجالية، الـذي لا يمكن أن يبقى وعــدا مـــؤجلاًً. تحتاج المناطق القروية والجماعات المـعـزولـة إلــى خطة وطنية واسـعـة بحجم مشروع مـارشـال، تضمن الـولـوج إلـى الماء والكهرباء، وتـــفـــك الـــعـــزلـــة عــبــر الـــطـــرق والـــنـــقـــل المــــدرســــي، وتــقــرب المـــدرســـة والمـــركـــز الــصــحــي والـــخـــدمـــات الأســـاســـيـــة من السكان. فالمساواة في المواطنة لا تكتمل إذا ظلت فرص التعليم والعلاج والعمل رهينة بمكان الإقامة. هذه الملفات مترابطة. فالشاب الذي لا يجد تكوينا أو عـــملاًً، والأســــرة الـتـي يثقل كاهلها الــــغلاء، وسكان المناطق البعيدة عن الخدمات، جميعهم ينتظرون من الحكومة نتائج يلمسونها في حياتهم اليومية. وإذا استطاعت الحكومة أن تـحـرز تـقـدما حقيقيا فـي هذه الأولـــــويـــــات، فـسـتـسـهـم فـــي اســـتـــعـــادة الــثــقــة وتـخـفـيـف الإحساس بالابتعاد عن السياسة. لــقــد فـتــح تــعــيين امـــــرأة عـلــى رأس الـحـكـومـة بـــابا للأمــل. أم ََّــا التحدي الآن فهو أن يتحول هـذا الأمـل إلى عمل منظم، وقرارات قابلة للتنفيذ، ونتائج يشعر بها المواطنون. بذلك فقط يصبح التعيين التاريخي بداية لتغ يير أوسع. أول ما تحتاج إليه إيران في هذه الفترة الحرجة، أن تتصالح مع نفسها. أعني هنا المـجـمـوعـات الحاكمة الـتـي تـتـنـازع الـقـرار، ويـسـتـحـيـل أن يـتـعـامـل مـعـهـا الــعــالــم على أنها صوت واحد! لا يستطيع وسيط، مهما بلغت مهارته، أن يصنع اتفاقا مستقرا مع طرف لا يعرف مفاوضه حدود صلاحياته، ولا يطمئن شريكه إلـى أن توقيعه سيلزم بقية أصحاب السلطة. أرى أن هذه العقدة هي أساس «المشكلة الإيرانية»! خلال الأسـبـوع الماضـــي، تحدث وزيـر الـخـارجـيـة الإيــرانــي عـن اسـتـعـداد طهران لــفــتــح مــضــيــق هـــرمـــز خلال أســــبــــوع، عبر مبادرة نقلها وسطاء إلـى واشنطن. خبر كهذا مفرح، وظاهريا أن مََن يعترض عليه يتحمل مسؤولية استمرار الأزمة، لكن هذا تتبعه شروط تعجيزية. مهلة الأيام السبعة فقط لفتح المضيق الــــذي لـــم يـعـد مـغـلـقا بــالــكــامــل. ومـــــاذا عن المـلـف الـــنـــووي، والــصــواريــخ الباليستية، والأذرع المـسـلـحـة خــــارج الـــحـــدود؟ يـجـوز أن يبدأ التفاوض بترتيب جزئي، لكن من الخطأ تسويقه بوصفه حلا لأصل النزاع. وإذا تــضـمــنــت الــــشــــروط حـــمــايــة الـــعلاقـــة العسكرية بــ«حـزب الـلـه» والـحـوثـيين، فإن السؤال يصبح أكثر إلـحـاحاً: هل المطلوب تهدئة المنطقة، أم ضمان استمرار الأدوات التي أسهمت في إشعالها؟ وللجوار مصلحة مباشرة في معرفة الــــــجــــــواب. لـــبـــنـــان والــــيــــمــــن وطــــنــــان لـهـمـا مصالحهما، ولا يـجـوز اخـتـصـارهـمـا في أوراق تفاوض إيرانية. وكل تسوية تمنح طــــهــــران حــــق تـــقـــريـــر مــســتــقــبــل جـــمـــاعـــات مـــســـلـــحـــة فـــيـــهـــمـــا، مـــــن وراء مـــؤســـســـات الـــدولـــتين، تـؤجـل المشكلة وتـوسـعـهـا. من حـــــق الإيـــــــرانـــــــيين طـــلـــب الأمـــــــــن، ومــــــن حـق جيرانهم طلبه أيــضاً. أمـا جعل أمـن إيـران مــشــروطا بـبـقـاء الآخــريــن مـكـشـوفين، فهو وصفة لاستدامة النزاع. مذكرة التفاهم بوساطة إسلام آباد، تم توقيعها من الرئيسين الإيراني والأميركي، أعــقــبــهــا مـــبـــاشـــرة اســــتــــهــــداف ســفــيــنــة فـي «هرمز»، فما قيمة التعهد إذا امتلك جهاز مسلح قـــدرة تعطيله؟ الـتـوقـيـع لا يُُختََبر في قاعة الاجتماع. اختباره الحقيقي يبدأ عــنــدمــا تــصــل الـتـعـلـيـمـات إلــــى مـــن يحمل السلاح، ويكون مطلوبا منه الالتزام. ومن الأمثلة المتداولة أيضا التناقض بــــشــــأن صلاحـــــيـــــات الــــوفــــد الإيــــــرانــــــي إلـــى نــــيــــويــــورك؛ حــــديــــث عــــن تـــفـــويـــض كـــامـــل، تـــعـــقـــبـــه اعــــــتــــــراضــــــات عــــلــــى الـــــتـــــفـــــاوض، ومطالبة بمحاسبة وزير الخارجية. إعلان الصلاحيات لا يغني عن وضوح المرجعية الـتـي تمنحها وتـحـمـيـهـا. المـــفـــاوض الــذي يــخــشــى خــصــومــه فـــي الــــداخــــل، قـــد ينفق جهده في تحصين نفسه، أكثر مما ينفقه في تقريب المسافات مع الطرف الآخر. كـــتـــاب مــحــمــد جـــــواد ظـــريـــف «صــمــود الدبلوماسية»، وللعلم كـان يريد أن يكون عنوانه كما قـال في المقدمة «شفاه باسمة وكـبـد دام»! ولـكـنـه تــراجــع خشية الهجوم عليه. هذا الكتاب مفيد لفهم هذا الجانب من الصراع الداخلي؛ فقطار السياسة الإيرانية «لا مقاعد مضمونة فيه» كما قالت المقدمة. صـاحـبـه قـضـى ثـمـانـي ســـنـــوات فـــي وزارة الـخـارجـيـة، وعـــرض تجربته مـع تعقيدات السياسة الداخلية والعمل الدبلوماسي في إيـــران. وقيمة هـذه الشهادة أنها تأتي من داخــل الحكم. لكنها، في تقديري، تدعونا أيــــضا إلـــى الـــحـــذر مـــن تـفـسـيـر كـــل تناقض إيــرانــي على أنــه حيلة تفاوضية محكمة، كما يقول لنا بعض المحللين. أحيانا نبالغ في نسبة الذكاء إلى سلوك يفسره التنافس والعجز عن الاتفاق. أعتقد أن جـانـبا مـن الأزمـــة يـعـود إلى طـريـقـة تــوزيــع الـسـلـطـة. تــعــدد المـؤسـسـات التي صممت لحماية النظام أصبح عقبة، لا تـضـبـطـهـا قـــواعـــد مــعــلــومــة، خــاصــة في غياب المرشد الكاريزمي. أمام تعدد الجهات الــــــقــــــادرة عـــلـــى الاعـــــــتـــــــراض، مـــــع غـــمـــوض المسؤولية عن النتائج، ويمكن تعطيل أي قــرار، فتداخل الصلاحيات الـذي وضـع في حسبانه وسيلة التعدد لمنع احتكار القوة أو تهديد النظام من داخله، أصبحت طريقا لضعف النظام نفسه. وتـــبين أن مـا يخدم بـقـاء جـمـاعـات الـحـكـم يـضـر بــقــدرة الـدولـة على اتخاذ قرار تحتاج إليه البلاد. ولا يــصــح اخـــتـــزال المــشــهــد فـــي فـريـق دبلوماسي يريد الـــسلام، وفريق عسكري يرفضه. داخل المؤسسة الواحدة قد تتباين المـــصـــالـــح والــــتــــقــــديــــرات، ويـــتـــغـــيـــر مــوقــف الشخص نفسه بتغير موقعه وحساباته. لذلك؛ تبدو عبارة «قررت طهران» أوسع من الواقع أحياناً. أي جهة قررت؟ ومََن وافق؟ ومََــــن يـمـلـك الـتـنـفـيـذ؟ هــــذه أســئــلــة عملية لأي وســــيــــط، ولــيــســت تــــــرفا أكــــاديــــمــــيا أو ذريعة لإغلاق باب الحوار. ولا نحتاج إلى الادعـــاء بمعرفة مـا يقوله الـوسـطـاء خلف الأبواب. يكفي النظر إلى ما يحتاجون إليه لإنــجــاح مـهـمـتـهـم: طـــرف يستطيع تقديم التزام وتنفيذه. أمـا الـجـوار، فلا يستطيع تعليق أمـنـه وتنميته على انـتـظـار نهاية صراع داخلي لا يملك التأثير فيه. قد يدفع التض ييق الاقتصادي أصحاب القرار إلى تــســويــة خلافـــاتـــهـــم، وقــــد يــحــدث الـعـكـس؛ فـــتـــزداد المــــزايــــدات، ويـــتـــبـــادل المـتـنـافـسـون اتــهــامــات الــتــفــريــط، وتـنـتـقـل الـتـكـلـفـة إلـى المواطن الإيراني. لا توجد نتيجة مضمونة للعقوبات، كما لا توجد ضمانة بأن الوقت وحده سيصلِِح هذا الخلل. مـــا يـمـكـن قـــولـــه، إن اســـتـــمـــرار الأزمــــة يــجــعــل الـــتـــســـويـــة أشـــــد ضــــــــرورة، لــكــنــه لا يجعلها تلقائيا أقــرب. نحن أمــام سنوات مــــن الــــــصــــــراع، والـــتـــصـــالـــح المـــطـــلـــوب بين الفرقاء الإيـرانـيين ليس قريباً، سـوف يمر بصراع داخلي من أجـل انتصار مجموعة عــلــى ســـائـــر المـــجـــمـــوعـــات. والاتـــــفـــــاق عـلـى مـصـلـحـة وطـــنـــيـــة، لا يـــتـــجـــاوزهـــا الــــسلاح خــــارج الـــقـــرار الـــعـــام. وهــــذا يـبـدأ بـاعـتـراف الـحـكـام بــأن تكلفة تنازعهم لـم تعد شـأنا داخـــــلـــــياً، بــعــدمــا طـــالـــت مــصــالــح المـنـطـقـة وحــيــاة شـعـوبـهـا. عـنـدهـا يـعـرف الإيــرانــي ما الذي تريده دولته، ويعرف جاره مع من يتفاهم. آخر الـكلام: بقاء كل التزام عرضة للنقض من الداخل، يجعل الأفق السياسي ضيقا مهما كثرت المبادرات. البداية اتفاق إيراني مع إيران. OPINION الرأي 14 Issue 17476 - العدد Saturday - 2026/10/3 السبت المغرب... امرأة على رأس الحكومة الحلم الأوروبي الذي هوى إيران تحتاج إلى مصالحة نفسها وكيل التوزيع وكيل الاشتراكات الوكيل الإعلاني المكـــــــاتــب المقر الرئيسي 10th Floor Building7 Chiswick Business Park 566 Chiswick High Road London W4 5YG United Kingdom Tel: +4420 78318181 Fax: +4420 78312310 www.aawsat.com [email protected] المركز الرئيسي: ٢٢٣٠٤ : ص.ب ١١٤٩٥ الرياض +9661121128000 : هاتف +966114429555 : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: www.arabmediaco.com هاتف مجاني: 800-2440076 المركز الرئيسي: ٦٢١١٦ : ص.ب ١١٥٨٥ الرياض +966112128000 : هاتف +9661٢١٢١٧٧٤ : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: saudi-disribution.com وكيل التوزيع فى الإمارات: شركة الامارات للطباعة والنشر الريـــــاض Riyadh +9661 12128000 +9661 14401440 الكويت Kuwait +965 2997799 +965 2997800 الرباط Rabat +212 37262616 +212 37260300 جدة Jeddah +9661 26511333 +9661 26576159 دبي Dubai +9714 3916500 +9714 3918353 واشنطن Washington DC +1 2026628825 +1 2026628823 المدينة المنورة Madina +9664 8340271 +9664 8396618 القاهرة Cairo +202 37492996 +202 37492884 بيروت Beirut +9611 549002 +9611 549001 الدمام Dammam +96613 8353838 +96613 8354918 الخرطوم Khartoum +2491 83778301 +2491 83785987 عمــــان Amman +9626 5539409 +9626 5537103 صحيفة العرب الأولى تشكر أصحاب الدعوات الصحافية الموجهة إليها وتعلمهم بأنها وحدها المسؤولة عن تغطية تكاليف الرحلة كاملة لمحرريها وكتابها ومراسليها ومصوريها، راجية منهم عدم تقديم أي هدايا لهم، فخير هدية هي تزويد فريقها الصحافي بالمعلومات الوافية لتأدية مهمته بأمانة وموضوعية. Advertising: Saudi Research and Media Group KSA +966 11 2940500 UAE +971 4 3916500 Email: [email protected] srmg.com محمد الرميحي لحسن حداد أنطوان الد ّّويهي

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky