لــم تـكـن فـاطـمـة الـــزهـــراء المــنــصــوري غـريـبـة عــن عــالــم السلطة والتدبير العام وأروقة صناعة القرار، فقد ولدت في الثالث من يناير فـي قلب مدينة مـراكـش، لأســـرة عريقة، 1976 (كـانـون الـثـانـي) عــام تـتـحـدر مــن منطقة الـرحـامـنـة، والــتــي ضـربـت جــذورهــا عـمـيـقا في تاريخ «المدينة الحمراء» وثقافتها وسياساتها المحلية. والـدهـا الـراحـل عبد الرحمن المـنـصـوري، كــان رجلا وازنا في بنية الدولة المغربية؛ إذ شغل منصب باشا مدينة مراكش لسنوات طويلة، وكـان سفيرا للمملكة لـدى دولـة الإمـــارات العربية المتحدة. وفـــي هـــذا المــنــاخ المـفـعـم بـالـسـيـاسـة والـدبـلـومـاسـيـة وحـــب الــوطــن، تشرّّبت الطفلة فاطمة الـزهـراء أبجديات الـدولـة والخدمة العامة، وتعلّّمت في مجالس والدها كيف تقرأ موازين القوى وفنون الحوار البنََّاء في بيئة لا تعترف إلا بالقوة والـوضـوح والالـتـزام بالعهود الكبرى التي تقطعها النخب أمام الشعب المغربي. مراحل التعليم تــلــقّّــت المـــنـــصـــوري تـعـلـيـمـهـا الأولــــــي والـــثـــانـــوي فـــي المـــــدارس الفرنسية بمراكش، تحديدا في ثانوية «فيكتور هوغو» العريقة، حيث بـدأت تتشكل ملامـح شخصيتها المتمرّّدة والمنضبطة في آن واحد، وهي الشخصية التي ترفض القوالب الجاهزة وتسعى دائما للتميز في كل مجال تطأه قدمها. ولأنها كانت تطمح لفهم آليات العدالة وصناعة الـقـرار وتطبيق القانون بشكل ينصف المجتمع؛ اختارت سلوك درب العلوم القانونية. بعدها انتقلت إلـى فرنسا، وهناك نالت شهادة الـدراسـات العليا في قانون عقود الأعمال من جامعة مونبلييه العريقة، نالت الإجـــازة فـي القانون الـخـاص من جـامـعـة محمد الـخـامـس بــالــربــاط. إلا أنـهـا لــم تـكـتـف بالتحصيل المعرفي الأوروبي، بل قادها شغفها الأكاديمي إلى الولايات المتحدة الأميركية، حيث تعم ََّقت في دراسة القانون الأنجلو - ساكسوني من جامعة بيس الأميركية في نيويورك. وحــقاً، منحها هـذا التكوين الأكاديمي الثلاثي الأبعاد أفـقا فكريا واســعاً، وقــدرة على محاورة الـنـخـب الـدولـيـة بـلـغـات مـتـعـد ّّدة وبـثـقـة كـامـلـة. وفـــور عـودتـهـا إلـى ّّــسـت مكتبا للمحاماة اسـتـحـال سـريـعا واحـــدا مـن أبـرز المــغــرب، أس مـارس 22 المكاتب المتخصصة فـي قـانـون الأعـمـال والـعـقـارات منذ ، لتصنع لنفسها اسما مستقلا بعيدا عن جلباب والدها 2005 ) (آذار الراحل ونفوذه القديم في أروقة الإدارة المحلية بمراكش. عـــائـــلـــياً، فــاطــمــة الــــزهــــراء المـــنـــصـــوري أم لــطــفــلين، اسـتـطـاعـت التوفيق بين مسارها المهني المتطلب في قطاع الأعمال والتزاماتها الأسرية، معلنة في مناسبات إعلامية نادرة أن الفصل بين الحياة الخاصة والواجب العام هو معيار أساسي لتقييم كفاءة أي مسؤول سياسي بعيدا عـن القوالب النمطية. ومـن ناحية أخـــرى، اختارت امرأة 20 ، المنصوري على رأس قائمة من 2014 مجلة «فوربس» عام شابة، الأكثر تأثيرا في القارة الأفريقية. واختيرت في السنة ذاتها ضمن القادة الشباب العالميين. وراهنا تُُعد رئيسة الوزراء الجديدة عضوا في «الجمعية الدولية للعمداء الفرنكفونيين»، كما أنها نائبة رئيس «الجمعية المغربية لرؤساء المجالس الجماعية». المنعطف السياسي الأول المـنـعـطـف الأول في 2009 شـكّّــلـت الانــتــخــابــات الـبـلـديـة لــعــام المسار السياسي للمنصوري، حين ترش ّّحت باسم حزب «الأصالة والمــعــاصــرة»، الـنـاشـئ آنــــذاك، فـي مـواجـهـة النخب التقليدية التي هيمنت على تدبير مجلس مدينة مراكش لسنوات طويلة. ونجحت المحامية الشابة في إحداث مفاجأة انتخابية عندما أطاحت بالعمدة المخضرم عمر الجزولي، لتُُنتخب في سن الثالثة والـــثلاثين عمدة لـ«المدينة الحمراء». وتغدو، بالتالي، أول امرأة تتقلد هذا المنصب في مدينة كبرى بالمغرب. مـــع هــــذا، لـــم يـكـن تـدبـيـرهـا للمجلس الـجـمـاعـي خـــالـــيا من الأزمـات والنزاعات السياسية والقانونية الشرسة، فقد واجهت معارضة قوية من الخصوم الذين شككوا في قدرتها على إدارة مدينة سياحية ذات ثقل دولـي ومشاكل هيكلية معقدة. غير أن فترتها الانتدابية الأولــى تميّّزت بفتح ملفات تنظيمية شائكة تتعلق بمالية البلدية، ومراجعة عقود التدبير المفوض لقطاعات النظافة والنقل والإنـــارة وتطهير الأوعـيـة العقارية؛ الأمــر الذي منحها تجربة ميدانية في مواجهة التدافعات السياسية المحلية واكتساب آليات التفاوض والتدبير المباشر مع المصالح المركزية لوزارة الداخلية. من القيادة الحزبية إلى الحقيبة الوزارية وبالتوازي مع عملها على رأس مجلس مدينة مراكش، حرصت المــنــصــوري عـلـى تـعـزيـز مـوقـعـهـا داخــــل الـبـنـيـة التنظيمية لحزب «الأصالة والمعاصرة»، حيث تولت رئاسة المجلس الوطني للحزب، وهو الهيئة التقريرية الثانية بعد المؤتمر الوطني. وفي هذا الموقع، لعبت دورا محو ََريا في ضبط التوازنات الداخلية وتدبير الخلافات المستمرة بين التيارات المتنافسة على القيادة. ، عادت 2021 وعقب الانتخابات التشريعية والجماعية لعام المـنـصـوري لتتولى عـمـوديـة مـراكـش للمرة الـثـانـيـة، بـالـتـزامـن مع تعيينها وزيرة لإعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة في حكومة عزيز أخنوش. وفـــي هـــذا المــوقــع، تـمـيّّــزت فترتها الـــوزاريـــة بـمـحـاولـة إصلاح قطاع التعمير عبر تبسيط مساطر البناء في العالم القروي، وإطلاق الحوار الوطني للتعمير والإسكان، وتنزيل الدعم المباشر للسكن. وهي ملفات واجهت فيها صعوبات ترتبط بالبيروقراطية الإدارية وتداخل الاختصاصات مع القطاعات الحكومية الأخرى والمجالس المنتخبة؛ ما تطلب منها اعتماد مقاربة صارمة في تدبير الصفقات وإعادة هيكلة الوكالات الحضرية. المؤتمر الخامس وصياغة نموذج القيادة الجماعية من جهة ثانية، عاش حزب «الأصالة والمعاصرة» خلال فبراير أزمـــة تنظيمية حـــادة هــــد ََّدت تـمـاسـك بيته 2024 (شــبــاط) مــن عـــام الداخلي في أعقاب تطورات سياسية وقضائية مس ّّت قادة بارزين فيه. وخلال المؤتمر الوطني الخامس المنعقد في مدينة بوزنيقة، بــرزت المنصوري كشخصية توافقية قـــادرة على إنـقـاذ الـحـزب من الانقسام؛ إذ قـادت هندسة تنظيمية جديدة اعتمدت لأول مرة في تـاريـخ المشهد الحزبي المـغـربـي، وتمثّّلت فـي إلـغـاء منصب الأمين الــعــام الـــفـــردي وتـعـويـضـه بــ«قــيــادة جـمـاعـيـة أمــانــة عــامــة» ثلاثـيـة الأعضاء. ّّــقـة الـوطـنـيـة» لـهـذه الـقـيـادة وتــولــت المـنـصـوري منصب «المـنـس الجماعية، لتصبح الناطق الرسمي والمـدبّّــر الفعلي لشؤون الــحــزب واستراتيجيته السياسية والانـتـخـابـيـة. وبالفعل، نجحت هذه المقاربة التنظيمية في إعـادة الاستقرار للحزب وضـبـط قــواعــده وتـأهـيـلـه لـخـوض المـحـط ّّــات الانتخابية اللاحقة التي أسفرت عن تصدّّره النتائج والتموقع في صدارة المشهد السياسي. الرهانات الكبرى جلوس فاطمة الـزهـراء المنصوري على مقعد رئـاسـة الحكومة الـجـديـدة، لتقود مرحلة ممتدة ، ســـيـــواجـــه حـــزمـــة مـــن المــلــفــات 2031 حــتــى عــــام الاقتصادية والاجتماعية الثقيلة التي لا تقبل التأجيل في ظل وضعية دولية وإقليمية متقلبة. ويـــأتـــي عــلــى رأس هــــذه المـــلـــفـــات: اسـتـكـمـال وتــــدبــــيــــر الـــــــــورش المـــلـــكـــيـــة المـــرتـــبـــطـــة بـــالـــدولـــة الاجــتــمــاعــيــة، وهــــو مـــا يـشـمـل تـعـمـيـم التغطية الــصــحــيــة الـــشـــامـــلـــة، وتـــطـــويـــر مــنــظــومــة الـــدعـــم الاجـتـمـاعـي المـبـاشـر للأســــر المـــعـــوزة، وهــمــا من ََــكــامــة مــالــيــة صــارمــة المـــشـــاريـــع الـــتـــي تـتـطـلـب ح وإصلاحا حـقـيـقـيا للإدارة لمـنـع الــهــدر وضـمـان استدامة التمويل. وأيــــــضاً، تـــواجـــه الــحــكــومــة تــحــدي إصلاح منظومتي الـصـحـة والـتـعـلـيـم الــلــتين تعانيان مــــن مـــشـــاكـــل بـــنـــيـــويـــة مـــزمـــنـــة واحـــتـــجـــاجـــات فـــئـــويـــة مـــتـــكـــررة، فــــــضلا عــــن مــعــالــجــة أزمــــة الجفاف الحادة التي تضرب البلاد لسنوات متتالية، ومـا يترتب عنها من إجهاد مائي غير مسبوق يتطلّّب تسريع إنجاز محطات تـحـلـيـة مــيــاه الـبـحـر وســـــدود الـــربـــط المائــــي، وتـــحـــفـــيـــز الاســــتــــثــــمــــار لـــخـــلـــق فــــــرص شـغـل مستدامة للشباب الـقـروي والـحـضـري على حد سواء. وإلـــــى جـــانـــب ذلــــك كـــلـــه، يـــبـــرز الــتــحــد ّّي الـتـنـظـيـمـي والــلــوجــســتــي الــبــنــيــوي الأكــبــر المـــــتـــــمـــــثّّـــــل فـــــــي إشــــــــــــــراف الـــــحـــــكـــــومـــــة عـــلـــى الـتـحـضـيـرات الـكـبـرى الـخـاصـة باستضافة المغرب لنهائيات كأس العالم لكرة القدم عام بــالاشــتــراك مــع إسـبـانـيـا والـبـرتـغـال. 2030 وهذا مشروع يتطلب استثمارات ضخمة في البنى التحتية والنقل والفندقة والاتصالات، ووضع خطط تمويلية دقيقة تجنب ميزانية الدولة أي هزّّات أو عجز هيكلي قد يؤثر على التوازنات الماكرو - اقتصادية للمملكة خلال السنوات المقبلة. تفتيت «العرش الذكوري» جدير بالذكر أنــه منذ حصول المـغـرب على اسـتـقلالـه فـي عام ، احتكر الرجال منصب رئاسة الحكومة بصفة مطلقة، حيث 1956 تـعـاقـبـت عـلـى هـــذا المـــركـــز الــرفــيــع وجــــوه سـيـاسـيـة وتـكـنـوقـراطـيـة صبغت القرار التنفيذي بخصائص ومقاربات متباينة توافقت مع طبيعة المراحل التاريخية التي مرت بها المملكة. وبــــدأت هـــذه السلسلة الـتـدبـيـريـة مــع مــبــارك الـبـكـاي لهبيل كــــأول رئــيــس حــكــومــة، وتـــوالـــت الأســـمـــاء الـتـاريـخـيـة مـثـل أحـمـد بلافريج، وعبد الله إبراهيم، وأحمد باحنيني، ومحمد بنهيمة، وأحمد العراقي، ومحمد كريم العمراني (تولى رئاسة الحكومة مـرات)، وأحمد عصمان، والمعطي بوعبيد، وعز الدين العراقي 3 وعــبــد الـلـطـيـف الــفــيلالــي. وكــانــت «الــصــالــونــات الـسـيـاسـيـة» في الرباط تنظر إلى منصب رئيس الحكومة بوصفه فضاء محاطا ََّــل دائـــــما على بــاعــتــبــارات أمــنــيــة وقـبـلـيـة وحــزبــيــة مــعــقــدة تــفــص مـقـاسـات رجـالـيـة، فــي حين ظــل حـضـور المــــرأة مقتصرا لسنوات طويلة على الهوامش الحقوقية والجمعوية دون النفاذ إلى مراكز القرار التنفيذي الأول بالبلاد. ومــــع دخـــــول المـــغـــرب مــرحــلــة الانـــفـــتـــاح الــســيــاســي والـــتـــنـــاوب التوافقي في نهاية التسعينات، قاد الراحل عبد الرحمن اليوسفي تـجـربـة حـكـومـيـة فـــريـــدة اعــتــمــدت عـلـى الــتــوافــق الـسـيـاسـي وبـنـاء المؤسسات، وتلاه إدريــس جطو بمقاربته التكنوقراطية الصارمة وإدارته المشاريع الاقتصادية الكبرى، ثم عباس الفاسي الفهري. وشهد العقد الماضــي صعود تيار الإسلام السياسي لقيادة الحكومة عبر محطتي عبد الإله بنكيران، وسعد الدين العثماني، اللذين رك ََّزا على ملفات الدعم وصندوق المقاصة ونقاشات الهوية، وصـولا إلى التجربة الليبرالية التدبيرية الأخيرة لعزيز أخنوش التي ركزت على الفاعلية الاستثمارية والأوراش الكبرى. وتشارََك هؤلاء القادة جميعا في صياغة السياسات بعيون رجالية، ليمثل تعيين المـنـصـوري كــأول امـــرأة خـطـوة تفكك هــذا الاحـتـكـار الطويل وتضع الكفاءة والقدرة التدبيرية معيارا وحيدا للمسؤولية. 12 حــصــاد الأســبـوع ANALYSIS Issue 17476 - العدد Saturday - 2026/10/3 السبت حزب «الأصالة والمعاصرة»... وسياق البحث عن التوازن الحزبي يــرتــبــط المـــســـار الــتــنــفــيــذي لـفـاطـمـة الــــزهــــراء المــنــصــوري، رئيسة وزراء المـغـرب الـجـديـدة، بشكل عضوي بنشأة وتطور حـــزب «الأصـــالـــة والمــعــاصــرة» (المـــعـــروف اخـتـصـارا بــالــ«بــام»)، في سياق سياسي مثير 2008 ) الــذي أسـس في أغسطس (آب للجدل. تأسيس الحزب جاء بمبادرة قادها فؤاد عالي الهمّّة، المستشار بالديوان الملكي المغربي، برفقة شخصيات حقوقية ويسارية سابقة ووجـــوه تكنوقراطية، مـن خلال دمـج خمسة أحـــزاب سياسية صغيرة فـي إطــار مـا سمي آنـــذاك «حـركـة لكل الديمقراطيين». وتمثلت الفكرة المحورية للحزب في تقديم عرض سياسي حداثي يهدف إلى إعادة التوازن للمشهد الحزبي المغربي، وكسر القطبية الـحـادة والـتـصـدّّي لصعود تـيـارات الإسلام السياسي الـتـي كـانـت تهيمن عـلـى المـشـهـد الانـتـخـابـي والـــشـــارع المـغـربـي. وفعلاًً، طرح الحزب أطروحة فكرية تحاول التوفيق بين الأصالة المـغـربـيـة الـقـائـمـة عـلـى المـلـكـيـة والـــديـــن والـتـقـالـيـد، والمــعــاصــرة القائمة على قيم الديمقراطية وحقوق المرأة والمنظومة الحداثية والتحديث الاقتصادي الشامل والمنفتح. ومـنـذ الـتـأسـيـس وحـتـى الانـتـقـال إلـــى الـقـيـادة الجماعية الحالية، تعاقب على الأمانة العامة لحزب «الأصالة والمعاصرة» خمسة قادة عكس كل منهم مرحلة سياسية محددة من تاريخ التدافع الحزبي في البلاد. وبدأت المرحلة مع محمد الشيخ بيد ، وهـو طبيب ووزيـر 2012 و 2009 الله في الفترة ما بين عامي سابق متحدر من الأقاليم الجنوبية، وتركزت مهمته في تثبيت . ثم 2011 فبراير (شباط) عام 20 الحزب ومواجهة هزات حراك ، وهو رجل 2016 و 2012 تولى مصطفى الباكوري القيادة بين اقتصاد وتكنوقراط صبغ الحزب بطابع تدبيري عقلاني ركّّز على البرامج الاقتصادية والمشاريع الاستثمارية، مبتعدا عن الـصـدامـات الآيديولوجية المـبـاشـرة مـع الخصوم السياسيين بالبلاد. تولي إلياس 2018 و 2016 بعده، شهدت الفترة بين عامي الــعــمــاري للأمـــانـــة الــعــامــة، وهـــو شـخـصـيـة كــاريــزمــيــة آتــيــة من اليسار الراديكالي، واتسمت فترته بالاستقطاب الحاد والشرس مـــع حـــزب «الـــعـــدالـــة والـتـنـمـيـة» وقـــيـــادة مــعــارضــة قــويــة انتهت باستقالته عقب تـحـولات سياسية معقدة. ثـم جــاء دور حكيم ، وشـهـدت فترته انقسامات 2020 و 2018 بنشماش بين عـامـي وصراعات داخلية حـادة بين التيارات المتنافسة كـادت تعصف بوحدة الحزب التنظيمية. 2020 وأخــيــراً، قــاد الـحـزب عبد اللطيف وهـبـي بين عـامـي ، وهــو مـحـام تميز بـالـجـرأة والمـصـادمـة، ونـجـح فـي نقل 2024 و الــحــزب مــن مـقـاعـد المـعـارضـة إلـــى الـتـدبـيـر الـحـكـومـي لأول مـرة متولّّيا وزارة العدل، ومثيرا لنقاشات 2021 عقب انتخابات عام مجتمعية واسعة حول إصلاح القوانين ومدونة الأسرة، لتستقر قيادة «الـجـرّّار» - والـجـرّّار الـزراعـي هو شعار الحزب - الحزبي الـيـوم فـي يـد جماعية تقودها المـنـصـوري بحسابات سياسية دقـيـقـة تسعى لـلـحـفـاظ عـلـى مـوقـع الــحــزب وصـــدارتـــه للمشهد التنفيذي الحداثي في المملكة المغربية. فاطمة الزهراء المنصوري... من عمودية مراكش إلى رئاسة الحكومة المغربية أول سيّّدة تترأس السلطة التنفيذية في الرباط ASHARQ AL-AWSAT في مواجهة النخب التقليدية التي هيمنت على مجلس 2009 ترش ّّحت عام مدينة مراكش لسنوات طويلة برلين: «الشرق الأوسط» لندن: كوثر وكيل في الممرات الرخامية الهادئة للقصر الملكي بالعاصمة المغربية الرباط، لم يكن المشهد مجرد بروتوكول سياسي معتاد، بل كان إعلانا عن انعطافة تاريخية كبرى في مسار الدولة المغربية الحديثة؛ إذ تقدمت فاطمة الزهراء المنصوري لتؤدي القسم القانوني أمام العاهل المغربي الملك محمد السادس، وكانت خطواتها الواثقة تختزل عقودا طويلة من نضال الحركة النسائية المغربية، وتفتح فصلا غير مسبوق في كتاب السياسة المغربية. لم يكن الحدث عابرا أو مجرد مناوبة حكومية عادية، فالمنصوري، الملقبة في الأوساط السياسية والإعلامية بـ«المرأة الحديدية»، باتت أول امرأة تتقلد منصب رئيسة الحكومة في تاريخ المملكة المغربية، بعدما قادت حزبها «الأصالة والمعاصرة» إلى صدارة المشهد الانتخابي وحققت فوزا تشريعيا أعاد رسم الخريطة الحزبية في البلاد. هذا الصعود المط ّّرد لامرأة قادمة من خلفية حقوقية وقانونية صارمة، لم يكن وليد الصدفة أو نتاج ترتيبات سياسية عابرة، بل هو ثمرة مسار حافل بالمعارك الانتخابية الطاحنة، وإدارة الأزمات المحلية الكبرى، والقدرة الفائقة على التوازن والمناورة في معترك يوصف غالبا في الأدبيات السياسية بأنه حكر على الرجال. من رداء المحاماة الأسود في قاعات المحاكم، إلى عمودية مدينة مراكش التاريخية، وصولا إلى قيادة الحزب السياسي ثم رئاسة الجهاز التنفيذي، تشكل المنصوري حالة استثنائية وبديعة في هندسة النخبة السياسية المغربية الجديدة التي تؤسس لمغرب القرن الحادي والعشرين، وتمنح العمل السياسي بعدا حداثيا حقيقيا يتماشى مع التطلعات المجتمعية الكبرى في البناء والتشييد والتنمية المستدامة المعاصرة
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky