Issue 17475 - العدد Friday - 2026/10/2 الجمعة صحتك HEALTH 17 آليات مناعية ذاتية تقف وراء كثير من حالاتها الأرتكاريا... مفاهيم خاطئة وخيارات علاجية حديثة بـــدأ الأمـــر بحكة مـزعـجـة وبـقـع حـمـراء مرتفعة ظهرت فجأة على الجلد، ثم اختفت بــعــد ســـاعـــات لــتــعــود فـــي الـــيـــوم الــتــالــي في مـكـان آخـــر. وكـــان أول مـا خطر فـي بـالـه: ما الذي أكلته؟ بــدأ البحث عـن المتهم: وجـبـة العشاء، ثـم المـكـسـرات، وبعدها الحليب والـبـهـارات. ََــــــــذ ََف بـــعـــض الأطـــعـــمـــة، وأجـــــــرى تـحـالـيـل ح لـلـحـسـاسـيـة، وتــنــقــل بين أكــثــر مـــن عــيــادة. كـــانـــت الأعـــــــراض تـــهـــدأ ثـــم تـــعـــود، ومــــع كل نــــوبــــة يــــعــــود الـــــســـــؤال نـــفـــســـه: «مـــــــم أعـــانـــي الحساسية؟». مــــرت الأســـابـــيـــع وتــــجــــاوزت الأعـــــراض حـــاجـــز الأســـابـــيـــع الــســتــة، حــتــى وصــــل إلــى العيادة المتخصصة. وهناك تغير السؤال: مـاذا لو لم تكن المشكلة أصلا حساسية من طعام أو مادة خارجية أخرى؟ هــذه الـرحـلـة ليست بعيدة عـن تجربة كثير مــن المـــصـــابين بـــالأرتـكـاريـا (المـعـروفـة أيـــــــضا بــــالــــشــــرى): المـــــــرض الـــــــذي قــــد يــبــدو مجرد بقع وحكة عابرة، بينما تكون بعض أشكاله، وخصوصا المزمنة، أكثر تعقيداً. ويـــأتـــي الـــيـــوم الــعــالمــي للأرتـــكـــاريـــا في الأول مــن أكـتـوبـر (تـشـريـن الأول)، وشـعـار Take Back Control – From :2026 هذا العام ، أو بـمـا يـعـبـر عن Itch to Understanding مضمونه: «اسـتـعـد الـسـيـطـرة... مـن الحكة إلى الفهم»؛ فالسيطرة على المرض تبدأ أولا بفهم ما يحدث ولماذا. مرض الأرتكاريا هــل كــل أرتــكــاريــا تـعـنـي حساسية؟ > ربما يكون هذا أحد أكثر المفاهيم الخاطئة التصاقا بالمرض. فالأرتكاريا مرض تقوده Mast( بـــصـــورة رئـيـسـيـة الـــخلايـــا الــبــديــنــة )، الــتــي يــــؤدي تنشيطها إلـــى إطلاق cells الـــهـــســـتـــامين ووســـــائـــــط الـــتـــهـــابـــيـــة أخــــــرى، فـتـظـهـر الــحــكــة والــبــقــع الــجــلــديــة المـرتـفـعـة، ،)Wheals( أو مـا يـعـرف طـبـيا بـالانـتـبـارات وقد يصاحبها تـورم أعمق يُُعرف بـالوذمة .)Angioedema( الوعائية وقـــد تـرتـبـط بـعـض حــــالات الأرتــكــاريــا الـحـادة بحساسية حقيقية تـجـاه طـعـام أو دواء. لكن الــصــورة تختلف فـي الأرتـكـاريـا المـــزمـــنـــة الـــعـــفـــويـــة؛ فــالــحــســاســيــة الــغــذائــيــة IgE » المعتمدة على «الغلوبيولين المناعي هـ نــــادرة جـــدا كسبب لـهـا، وتـشـيـر المعلومات الحديثة إلــى أن آلـيـات مناعية ذاتـيـة تقف وراء كـثـيـر مــن حــالاتــهــا. ولــهــذا قــد يقضي المــــريــــض وقــــــتا طـــــــويلا بــــاحــــثا عــــن الــطــعــام «المـــتـــهـــم»، ويـسـتـبـعـد أصـــنـــافا مــتــعــددة من غذائه من دون أن تختفي الأعراض. ولا توصي الإرشادات الحديثة بقوائم طـويـلـة مــن اخــتــبــارات الحساسية مــن دون مـبـرر ســـريـــري؛ فالتشخيص الـجـيـد يعني اختيار الفحوص التي يحتاج إليها المريض بناء على قصته المرضية وحالته. •ومتى تصبح الأرتكاريا مزمنة؟ تُُصنف الأرتكاريا حادة عندما تستمر أو تــتــكــرر أعـــراضـــهـــا لمــــدة تــصــل إلــــى ستة أســـابـــيـــع، أمــــا إذا تــــجــــاوزت ذلــــك فـتُُــصـنـف أرتكاريا مزمنة. وتنقسم المـزمـنـة إلـــى أرتــكــاريــا مزمنة Chronic Spontaneous Urticaria -( عفوية )، تظهر مــن دون محفز مـحـدد يمكن CSU ربـــطـــهـــا بــــه بــــصــــورة مــــتــــكــــررة، وأرتــــكــــاريــــا Chronic Inducible Urticaria( مزمنة محفزة -)، تــثــار بــعــوامــل مـثـل الـــبـــرودة أو CIndU الـــحـــرارة أو الـضـغـط أو الاحـتـكـاك أو أشعة الشمس، أو بارتفاع حرارة الجسم والتعرق في بعض الأنماط. ومــن هنا، تأتي أهمية قصة المريض: مــتــى تـظـهـر الأعـــــــراض؟ وكــــم تـبـقـى الـبـقـعـة فــــي المــــكــــان نـــفـــســـه قـــبـــل أن تـــخـــتـــفـــي؟ وهـــل ترتبط بالرياضة أو الاستحمام الساخن أو الشمس أو الـبـرودة؟ وهـل يصاحبها تورم فـي الشفتين أو الـجـفـون؟ فالبقعة الجلدية المـــرتـــفـــعـــة، أو الانــــتــــبــــارة، تــــــزول عــــــادة مـن ساعة من دون أن تترك 24 موضعها خلال أثــــراً. أمـــا إذا بقيت أكـثـر مــن ذلـــك، أو كانت مؤلمة أكثر من كونها حاك ّّة، أو تركت كدمات أو تـــغـــيـــرا فــــي لـــــون الـــجـــلـــد، فـــقـــد تـسـتـدعـي تــقــيــيــما لــلــبــحــث عــــن حــــــالات أخــــــرى تـشـبـه الأرتـــكـــاريـــا. كـمـا قــد تـفـيـد صــــورة يلتقطها المريض بهاتفه في أثناء النوبة؛ فهذه البقع قد تختفي قبل موعد زيارة الطبيب. • الــســعــوديــة: هـــل لـــلـــحـــرارة والـشـمـس دور؟: فــي بـلـد حـــار ومـشـمـس مـثـل المملكة، يبدو السؤال بديهياً: هل البيئة السعودية تـــســـبـــب الأرتــــــكــــــاريــــــا؟ الــــــحــــــرارة والـــتـــعـــرق والــشــمــس والــتــغــيــرات الـــحـــراريـــة قـــد تـكـون مـــحـــفـــزات لـبـعـض أنـــمـــاط الأرتــــكــــاريــــا، وقــد أظهرت دراسات سعودية أن بعض المرضى يــربــطــون تـفـاقـم أعــراضــهــم بــهــذه الــعــوامــل. لكن ذلك لا يعني أن المناخ السعودي يسبب الأرتــكــاريــا المـزمـنـة. فالشخص الـــذي تظهر لديه هــذه البقع الجلدية مـع ارتـفـاع حــرارة الـــجـــســـم والـــتـــعـــرق فــــي أثــــنــــاء الـــريـــاضـــة قـد يختلف عن شخص تثير البرودة أعراضه، وعن ثالث تظهر لديه الأرتكاريا تلقائيا من دون محفز فيزيائي محدد. وحتى الغبار، على أهميته في أمراض الحساسية التنفسية في المملكة، لا ينبغي وصــــفــــه تـــلـــقـــائـــيا بــــأنــــه ســـبـــب للأرتــــكــــاريــــا المزمنة. فهناك فرق بين سبب المرض ومحفز الأعــــــــراض، وفــهــمــه قـــد يـــوفـــر عــلــى المــريــض رحـلـة طـويـلـة بـحـثا عــن مسبب قــد لا يكون أصل المشكلة. • ما حجم المشكلة؟: الأرتكاريا ليست مرضا نادراً، لكن تقديرات انتشارها تختلف بين المناطق بحسب تعريف الحالات وطرق الـــــدراســـــات. وفــــي الـــشـــرق الأوســــــط وشــمــال أفريقيا، قدرت بيانات دراسة العبء العالمي مــــعــــدل الانـــتـــشـــار 2021 GBD للأمــــــــــراض فــي المائـــة 0.94 الـنـقـطـي للأرتـــكـــاريـــا بـنـحـو بعد توحيد الفروق العمرية. وهذه النسبة تتعلق بــالأرتــكــاريــا عــامــة، ولـيـسـت تقديرا للأرتكاريا المزمنة العفوية تحديداً. أما في المملكة، فلا تزال الحاجة قائمة إلـــى بـيـانـات وطـنـيـة واســعــة تـحـدد انتشار الأرتـــكـــاريـــا المـــزمـــنـــة بـــدقـــة، لــكــن الــــدراســــات المحلية تكشف عن جانب آخر: عبء المرض على حياة الإنـسـان. ففي دراســة حديثة من مـديـنـة جـامـعـة المـلـك سـعـود الطبية شملت مـريـضا بـالأرتـكـاريـا المـزمـنـة العفوية، 114 ظهرت الوذمة الوعائية لدى أكثر من نصف الـعـيـنـة. وأظـــهـــرت أدوات الـفـحـص أن نحو فـــي المائـــــة كـــانـــوا ضــمــن الــفــئــة المـعـرضـة 28 لاحـتـمـال اضـــطـــراب الـقـلـق، ونـسـبـة مماثلة لاحتمال الاكتئاب، وارتبط ارتفاع الدرجات بتراجع جـودة الحياة. ومع أن الدراسة من مـركـز واحـــد ولا يمكن تعميم نسبها على جميع مرضى المملكة، فإنها تذكر بحقيقة مهمة: الأرتـكـاريـا مـرض يظهر على الجلد، لكن عبئه لا يبقى على الجلد. المضاعفات والعلاج • الـحـكـة الــتــي تــســرق الــنــوم والـحـيـاة. من أكثر جوانب الأرتكاريا المزمنة إرهاقا أن نوباتها لا تأتي دائــما بموعد متوقع، فقد يستيقظ المـريـض على بقع جلدية جديدة، أو تظهر الحكة والتورم في أثناء العمل أو الـدراسـة أو مناسبة اجتماعية. ومـع تكرار الـنـوبـات قـد يتأثر الـنـوم والتركيز والعمل والــــــعلاقــــــات والــــنــــشــــاط الاجــــتــــمــــاعــــي، وقـــد يـضـيـف ظــهــور الـبـقـع أو الـــتـــورم فــي أمـاكـن ظاهرة عبئا على ثقة الإنسان بنفسه، فضلا عن القلق من النوبة التالية. ولـــــهـــــذا تــــوصــــي الإرشـــــــــــــادات بــقــيــاس نشاط المرض ومدى السيطرة عليه وتأثيره في جودة الحياة. ومن الأدوات المستخدمة ،)UCT( اخـتـبـار الـسـيـطـرة عـلـى الأرتــكــاريــا الذي يساعد على تقييم السيطرة ومتابعة الاســـتـــجـــابـــة لــــلــــعلاج. فـــالـــهـــدف لــــم يـــعـــد أن تصبح الحكة محتملة، وإنـمـا أن يستعيد المريض السيطرة على مرضه وحياته. • الــــــــعلاج - الــــهــــدف أكــــبــــر مــــن إيـــقـــاف الحكة: وتترجم الإرشادات الدولية المحدثة هــذا الـهـدف علاجـــيا بالسعي إلى 2026 فـي الـسـيـطـرة الـكـامـلـة عـلـى الأعــــــراض، وإعــــادة جودة الحياة إلى طبيعتها قدر الإمكان. وتـــــــبـــــــدأ الـــــخـــــطـــــة عــــــــــــادة بـــــمـــــضـــــادات مـــن الـجـيـل الــثــانــي، الـتـي H1 الـهـيـسـتـامين تُُـــفـــضـــل عـــلـــى الأدويـــــــــــة الـــقـــديـــمـــة المــســبــبــة للنعاس. وإذا لم تتحقق السيطرة، تسمح الإرشـــــــادات لـلـطـبـيـب بـــزيـــادة جــرعــة بعض هـذه الأدويـــة تدريجيا حتى أربعة أضعاف الـجـرعـة القياسية، تحت الإشــــراف الطبي، وليس بقرار من المريض نفسه. أما الكورتيزون الجهازي، فرغم قدرته على تهدئة النوبة سريعاً، فإنه ليس علاجا طويل الأمد للأرتكاريا المزمنة بسبب آثاره الـجـانـبـيـة، وقـــد يـسـتـخـدمـه الـطـبـيـب لفترة قصيرة في بعض التفاقمات الشديدة. وإذا بـقـي المــــرض غـيـر مـسـيـطـر عليه، فـهـذا لا يعني أن الـخـيـارات انـتـهـت. فهناك علاجـــــــــــات مــــتــــقــــدمــــة تــــســــتــــهــــدف مـــــســـــارات محددة في المــرض. ويحتفظ أوماليزوماب ) بـــمـــوقـــع مـــهـــم فـــــي علاج Omalizumab( الأرتـــكـــاريـــا المــزمــنــة الـعـفـويـة غـيـر المسيطر عـــلـــيـــهـــا بـــــمـــــضـــــادات الــــهــــيــــســــتــــامين، فــيــمــا تــشــمــل الــــخــــيــــارات الـــحـــديـــثـــة دوبـــيـــلـــومـــاب ) وعلاجــات تستهدف مسارات Dupilumab( .BTK داخل الخلايا، ومنها مثبطات • وفــي الـسـعـوديـة: مـــاذا عـن الـعلاجـات الــحــديــثــة؟: وجــــود دواء ضـمـن الإرشــــــادات الدولية أو اعتماده في دولة أخرى لا يعني تلقائيا أن له الاستطباب نفسه في المملكة، والمرجع هو هيئة الغذاء والدواء السعودية والمعلومات الدوائية المعتمدة لديها. وتشير المعلومات الرسمية للهيئة إلى ) لعلاج Dupilumab( استطباب دوبيلوماب الأرتـــكـــاريـــا المــزمــنــة الــعــفــويــة لــــدى المــرضــى عــــاما فـأكـثـر عـنـدمـا لا تتحقق 12 مــن عـمـر H1 السيطرة الكافية بمضادات الهيستامين ) من Omalizumab( . كما أن أومـالـيـزومـاب الأدويـة المسجلة في المملكة، ويبقى اختيار الــــــعلاج وتــصــعــيــده مــرتــبــطا بالتشخيص والاســــتــــطــــبــــاب المـــعـــتـــمـــد وتـــقـــيـــيـــم الــطــبــيــب المختص. وهنا يصبح الـسـؤال الأهــم ليس فـقـط: هـل الـــعلاج الـحـديـث مــوجــود؟ وإنـمـا: هــــل يـــصـــل المــــريــــض المـــنـــاســـب إلـــــى الـــــعلاج المناسب في الوقت المناسب؟ • مـتـى تصبح الـحـالـة طـــارئـــة؟: معظم نـــوبـــات الأرتـــكـــاريـــا لـيـسـت حـــــالات طـــارئـــة، لكن الـصـورة تتغير إذا صاحبها تــورم في اللسان أو الحلق، أو صعوبة في التنفس أو البلع، أو تغير في الصوت، أو دوخة شديدة أو فقدان للوعي؛ فهذه قد تكون علامات على )، وهو تفاعل تحسسي Anaphylaxis( التأق شــديــد قــد يــهــدد الــحــيــاة، يـسـتـدعـي تـــدخلا طبيا فـــورياً. أمــا تــورم الشفتين أو الجفون المصاحب للوذمة الوعائية فلا يعني وحده بالضرورة وجـود التأق؛ فالخطورة ترتفع عـــنـــدمـــا يـــتـــأثـــر مـــجـــرى الـــتـــنـــفـــس أو تـظـهـر أعراض جهازية أخرى. • «من الحكة إلى الفهم... ثم السيطرة» فــي الــبــدايــة، كـــان الـــســـؤال: «مـــم أعـانـي الـحـسـاسـيـة؟»، لـكـن رحـلـة الـفـهـم قـــادت إلـى إعــادة النظر فـي الـسـؤال نفسه؛ فليست كل أرتــكــاريــا نـاتـجـة عــن حـسـاسـيـة، ولـيـس كل طــفــح هـــو أرتـــكـــاريـــا، ولــيــســت كـــل أرتــكــاريــا حساسية، وليست كل حالة مزمنة بحاجة إلى عشرات التحاليل أو ح ِِم ْْيات استبعادية قاسية. كما لا يعني استمرار المرض أن على المريض قبول الحكة والنوبات غير المسيطر عليها باعتبارها جزءا دائما من حياته. وهــــنــــا يـــصـــبـــح شــــعــــار الــــيــــوم الـــعـــالمـــي ، «استعد الـسـيـطـرة... من 2026 للأرتـكـاريـا الحكة إلى الفهم»، أكثر من عبارة توعوية؛ فمعرفة نوع المرض ومحفزاته، والتشخيص المــوجــه، وقــيــاس الـسـيـطـرة، والـــوصـــول إلـى الـــعلاج المـنـاسـب، تنقل المـريـض مـن البحث المستمر عـن «الحساسية» إلــى فهم مرضه والتعامل معه على أساس علمي؛ فالسيطرة تبدأ بالفهم، والفهم يبدأ بالسؤال الصحيح. * استشاري طب المجتمع *جدة: د. عبد الحفيظ يحيى خوجة شعار اليوم العالمي للأرتكاريا كيف «يقرأ» مخ المصابين بالتوحد الوجوه بطريقة مختلفة أولــــــــت دراســـــــــة حـــديـــثـــة لــــبــــاحــــثين مـــــن جــامــعــة هيوستن وجامعة ييل في الولايات المتحدة، ونُُشرت the journal Nature في مجلة «نتشر» للصحة النفسية فـي نهاية شهر يـونـيـو(حـزيـران) من Mental Health العام الحالي، فهم الكيفية التي يقوم بها مخ الأطفال بـمـعـالـجـة (قـــــراءة) ASD المـــصـــابين بـطـيـف الــتــوحــد الوجوه المختلفة. «معالجة الوجوه» تــســتــخــدم جــمــلــة «مـــعـــالـــجـــة الـــــوجـــــوه» لــوصــف عملية معقدة جدا تحتاج إلى توافق عصبي وبصري وعاطفي. وعلى سبيل المثال عندما ينظر الطفل إلى وجه معين، يبدأ المخ في تحليل المعلومات البصرية (صـورة الوجه) في غضون أجـزاء من الثانية، ويقوم بالتعرف على ملامـــح ذلــك الـوجـه وتصنيف هويته وإدراك المشاعر العاطفية المختلفة المرتبطة به سواء كانت هذه المشاعر سلبية أو إيجابية. من المعروف أن تجنب النظر إلى وجوه الآخرين وتقليل التواصل البصري معهم يُُعد واحـدا من أهم السمات المميزة لمرضى طيف التوحد، ما يؤدي إلى عزلتهم الاجتماعية بطبيعة الحال، لأن التعرف على الوجوه يُُعد أمـرا جوهريا في التعامل مع الآخرين، حيث يـواجـه الـعـديـد مـن الأطــفــال المــصــابين بالمرض صعوبة أكبر في تذكر الوجوه والتعرف على معاني الـتـعـبـيـرات الـعـاطـفـيـة المـرتـبـطـة بـكـل نــظــرة، مـقـارنـة بأقرانهم الأصحاء من ذوي النمو العصبي الطبيعي. ولفهم الصعوبات المترتبة على معالجة الوجوه التي تواجه العديد من مرضى طيف التوحد، يكفي أن نتخيل رؤية وجه شخص معين دون فهم لطبيعة المشاعر المرتبطة بهذا الوجه. ومـــــن ثــــــمّّ، يــــواجــــه الـــشـــخـــص المــــصــــاب بـــالمـــرض مشكلتين مـــزدوجـــتين؛ الأولــــى هــي مـحـاولـة التعرف السريع على صاحب الوجه (خاصة إذا كـان صديقا مـــقـــرباً)، والـثـانـيـة هــي إدراك طبيعة مـشـاعـره (حــزن /ســــعــــادة/ غـــضـــب/ تـــرحـــاب) والــتــفــاعــل مــعــه حسب هـذه المشاعر، وهاتان المشكلتان تواجهان المصابين بالمرض بدءا من الطفولة وحتى البلوغ. وقام الباحثون بإجراء الدراسة الحالية، على ما طفل، منهم أطفال مصابون بالتوحد 400 يقرب من وأطـفـال أصحاء لمقارنة النتائج (مجموعة ضابطة) مـــن فــئــات عـمـريـة مـخـتـلـفـة، وقـــامـــوا بــرصــد الـنـشـاط العصبي في المخ لرصد الاستجابة لرؤية صور وجوه وأشياء مختلفة، واستخدموا رسـام المـخ الكهربائي )، حيث تم وضع أقطاب كهربائية تغطي فروة EEG( الرأس بأكملها، حتى يتم رصد كل المناطق العصبية فــي المـــخ، وذلـــك بـهـدف فـهـم الاخـــتلافـــات فــي معالجة الوجوه بشكل أفضل. النشاط العصبي في المخ وجــد الـبـاحـثـون أن الـنـشـاط العصبي فـي المخ الـــذي تـم رصـــده كـنـوع مـن الاسـتـجـابـة لـرؤيـة صور الــــوجــــوه كــــان أقــــل وضــــــوحا وتـــمـــيـــزا لــــدى الأطـــفـــال المــصــابين بـالـتـوحـد، حيث يجد المــخ صعوبة أكبر فـي التمييز بين النظر إلـى وجـه مـعين والنظر إلى جسم عادي. ولاحـظ الباحثون أيـضا أن الإشـــارات العصبية الــخــاصــة بـمـعـالـجـة الـــوجـــوه كــانــت مـرتـبـطـة بعامل الـعـمـر فــي الأطـــفـــال الأصـــحـــاء ذوي الـنـمـو العصبي الطبيعي، وأصبحت أكثر دقة وتطورا وتخصصا مع تقدمهم في العمر، بعكس المصابين بالتوحد، حيث كانت الإشارات الخاصة بمعالجة الوجوه أقل تميزا وحـدة ووضــوحا بغض النظر عن التقدم في العمر، مــا يعني أن الاسـتـجـابـة العصبية تـظـل ثـابـتـة دون تغيير منذ مرحلة الطفولة المبكرة. أوضـــحـــت الــــدراســــة أن مـــســـار الــنــمــو الـعـصـبـي يـخـتـلـف فـــي الأطـــفـــال المـــصـــابين بـطـيـف الــتــوحــد عن الـــنـــمـــوذج الـطـبـيـعـي لــلــتــطــور الــعــصــبــي، بـمـعـنـى أن الــتــزامــن بين رؤيــــة وجــــوه مـعـيـنـة وتــرجــمــة معناها وفهم المشاعر المختلفة المرتبطة بها في المـخ يتطور بشكل تدريجي من الطفولة وحتى البلوغ في الأطفال الأصحاء، ولكن في الأطفال المصابين بطيف التوحد لا يتطور هـذا التزامن بالوتيرة نفسها، ما يجعلهم غير قادرين على إدراك المشاعر المرتبطة بالوجوه. وعلى سبيل المثال، في الطفولة المبكرة لا يتذكر الأطفال (سواء من ذوي النمو الطبيعي أو المرضى بطيف التوحد) الوجوه، بعد مرور فترة طويلة من عدم رؤيتها؛ لأن الذاكرة لا تقوم بتسجيلها ِلفترات طويلة، ولـكـن مـع التقدم فـي العمر يُُظهر الأطـفـال الأصحاء نشاطا متزايد الدقة في المخ فيما يتعلق بمعالجة الوجوه، بعكس مرضى طيف التوحد. ولاحـــظ الباحثون أن تحديد مـا إذا كــان الطفل الطبيعي ينظر إلــى وجــه مــعين مـن عدمه كـان سـهلا جـــداً، بعكس الطفل المـصـاب بالتوحد الـــذي لا يمكن التنبؤ بطبيعة نظرته التي تتجنب الوجوه. وكــانــت معظم الأبــحــاث الـسـابـقـة حـــول معالجة ،)N170( الـوجـوه ركـــزت على مـؤشـر حـيـوي يُُــعـرف بــــ وهو يشير إلى تغير واضح في نشاط المخ يحدث بعد ملّّي ثانية من رؤية الوجه. 170 وفــــي الأفــــــراد المـــصـــابين بـطـيـف الــتــوحــد يـحـدث تــأخــيــر فـــي هــــذا المـــؤشـــر المــمــيــز لإدراك الــــوجــــوه، ما يجعلهم يتجنبون النظر للوجوه بشكل مباشر. ولــــــســــــنــــــوات عــــــديــــــدة حــــــــــاول الأطـــــــبـــــــاء علاج الاخـــتلافـــات فــي الـنـظـر لـلـوجـوه بين مــرضــى طيف التوحد والأطفال الأصحاء، من خلال الإصرار على أن يحافظ مرضى التوحد على التواصل البصري مـــع المـــتـــحـــدث، وهــــو أســـلـــوب أثــبــتــت الأبـــحـــاث عــدم نجاحه، حيث توضح نتائج الـدراسـة أن عـدم قدرة مـــرضـــى الــتــوحــد عــلــى الـــتـــواصـــل الــبــصــري نتيجة لاخـتلافـات جوهرية في المـخ، وليس مجرد مشكلة سـلـوكـيـة يـمـكـن تـغـيـيـرهـا مـــن خلال الإصــــــرار على ممارستها. في النهاية، أكدت الدراسة أن التوحد عبارة عن طيف كبير من الأعـــراض، حيث يواجه بعض الأفـراد المـصـابين بالتوحد صعوبة كبيرة فـي التعرف على الوجوه المألوفة، بينما يواجه آخرون تحديات طفيفة فقط تتعلق بـالإشـارات العاطفية الدقيقة، لذلك لابد من التعامل مع كل حالة بشكل فردي للوصول لأفضل الطرق للتفاعل الاجتماعي مع الآخرين دون الإصرار على التواصل البصري فقط. * استشاري طب الأطفال *القاهرة: د. هاني رمزي عوض من الحك ّّة والبقع الحمراء إلى فهم المرض واستعادة السيطرة
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky