كـــانـــوا ثُُــلــة مـــن الـــك ُُـــتّّـــاب، والـــشـــعـــراء، والـــــرســـــامين، والمـــصـــوريـــن، والــنــاشــريــن؛ ج ُُلّّهم من أبناء العالم الجديد في أميركا، وبعضهم من أرواح أوروبا الحالمة. كانوا شبابا تتوهج في مآقيهم أحلام جامحة، أذكياء ومتمردين، لامست شهرة بعضهم الآفاق مبكراً، رغم أن جيوبهم كانت غالبا خـــاويـــة مـــن المال، ولـــكـــن أرواحــــهــــم كـانـت تفيض بـثـراء لا ينضب. كـبـروا فـي ظلال الــحــرب الـعـالمـيـة الأولــــى الكئيبة، فكفروا بيقينيات الـعـالـم الـقـديـم وقيمه البالية، ونفضوا عن أكتافهم غبار تقاليد الآباء. وفــــــــي صــــخــــب عــــشــــريــــنــــيــــات الــــقــــرن الماضــــــــي، فــتــحــت بــــاريــــس لـــهـــم ذراعـــيـــهـــا كـعـشـيـقـة ســـخـــيّّـــة، لـتـمـنـحـهـم مـــا قـطـعـوا المـحـيـطـات بـحـثا عـنـه: حـريـة التسكع في أزقـــتـــهـــا، وحـــريـــة الــكــتــابــة بـــمـــداد الــقــلــب، وحـــــريـــــة الــــعــــشــــق الــــــعــــــاري مـــــن الــــقــــيــــود، والـــشـــرب حـتـى الـثـمـالـة، والـــجـــدل العقيم الــــــذي يــمــتــد حـــتـــى يـــوقـــظ خـــيـــوط الـفـجـر الأولى، وقبل ذلك كله؛ حرية اب كتار طريقة جديدة ومب كترة لمعانقة الوجود. أُُطـلـق عليهم لََــقـب «الجيل الضائع» ). وهـي صياغة لا The Lost Generation( تـنـفـصـل عـــن الـكـاتـبـة جــيــرتــرود سـتـايـن، الـتـي أطلقتها كـالـرصـاصـة أمـــام إرنـسـت هـمـنـغـواي، ليأخذها الأخـيـر ويطير بها إلى الخلود، جاعلا منها نقشا استهلاليا The( »ً لــروايــتــه «وتـــشـــرق الـشـمـس أيــــضا )، مــــانــــحا بـــذلـــك اســــما Sun Also Rises لكوكبة كاملة من الك ُُتاب المغتربين. ولكن، لـعـل هـــذا الـجـيـل لــم يـكـن ضــائــعا بالمعنى الـــحـــرفـــي؛ بــــل كـــــان جــــــيلا اقـــتـــلـــع جـــــذوره ليغرسها في تربة أخـرى، فكانت باريس هي وطنهم الروحي المختار. امــــــتــــــدت جــــغــــرافــــيــــة أرواحــــــــهــــــــم مــن مـــقـــاهـــي «مــــونــــبــــارنــــاس» الـــنـــابـــضـــة إلـــى ســــكــــون الــــحــــي اللاتــــيــــنــــي، ومـــــن أشـــجـــار حــدائــق لـوكـسـمـبـورغ الـــوارفـــة إلـــى ساحة الأوديون، وصولا إلى ضفاف نهر السين؛ حــيــث يـتـنـفـس حـــي «ســـــان جـــيـــرمـــان دي بــــري» ســحــره الــعــتــيــق. شـــــوارع مــعــدودة كــــانــــت كـــافـــيـــة لـــنـــســـج خــــيــــوط حـــيـــاتـــهـــم؛ تــربــط بين شـقـقـهـم الــــبــــاردة، ومـراسـمـهـم الم تكظة بالفوضى، ومقاهيهم الصاخبة، وم تكباتهم، ومطاعمهم، والفنادق التي كانت تشهد تقاطع خ ُُطى من سيغيِِّرون وجه الأدب والفن في القرن العشرين. وفي قلب هذه المجرة المتلألئة، وقف إرنـسـت همنغواي. كـان صحافيا رحالة، وملاكما هاوياً، وصيادا شغوفاً، ونديما لا يشبع، ولكنه قبل كـل شــيء كــان كاتبا يــنــســج مـــن عــصــب الـــحـــيـــاة حــــروفــــه. لقد جعل من باريس البوتقة الأساسية التي صـــهـــرت مــوهــبــتــه الأدبــــيــــة. وبـــعـــد عـقـود طويلة، سيعود ليبعث ذلــك الشباب من رمـاد الـذاكـرة في رائعته «وليمة متنقلة» )، الـتـي تُُــرجـمـت إلى A Moveable Feast( ّّــص «بــــاريــــس: ع ِِـــيـــد مــتــنــقــل». هـــنـــاك، لـخ عشقه المـتـجـذر لتلك المـديـنـة فــي عـبـارات باتت منقوشة في لوح الخلود: «لا نهاية لباريس أبـــداً»، «أنـــت ملكي، وكـل باريس مُُـــلـــكـــي»، وتـــلـــك الــجــمــلــة الـــتـــي تــصــلــح أن تـــكـــون شـــاهـــدة قـــبـــر مــجــيــدة لــكــل الـجـيـل الضائع: «لكن باريس كانت مدينة طاعنة فـــي الـــــقِِـــــد ََم، بـيـنـمـا كــنــا نــحــن فـــي ريــعــان الشباب». نعم، المدينة العتيقة والشباب الـــغـــض، الـفـقـر المـــدقـــع والــطــمــوح المـحـلِِّــق، المخطوطات التي لم ت ُُتكب بعد، واللقاءات التي بدت عابرة في المقاهي؛ لكنها كانت في الحقيقة ت تكب التاريخ؛ كل شيء كان يتخلََّق هناك. وحول همنغواي، كان يحوم سكوت وزيـــــلـــــدا فـــيـــتـــزجـــيـــرالـــد؛ ثـــنـــائـــي يـشـتـعـل بـالـعـبـقـريـة بـــقـــدر مـــا يــحــتــرق بـالـصـخـب والجنون. كان فيتزجيرالد المـؤرخ الأكبر لـعـصـر الـــجـــاز، راصــــدا حــفلاتــه الــبــاذخــة، وأوهـــامـــه اللامـــعـــة، وانــكــســاراتــه المــروعــة. أمـا زيلدا، فلم تكن مجرد زوجـة تقف في الــظــل؛ بــل كــانــت كـاتـبـة وفــنــانــة، وواحــــدة من أكثر الشخصيات توهجا وتمددا في عــصــرهــا. كـــانـــت الـــعلاقـــة بين هـمـنـغـواي وفيتزجيرالد مزيجا متفجرا من الإعجاب المـــــتـــــبـــــادل، ورفـــــقـــــة الــــــــــــدرب، والمـــنـــافـــســـة الشرسة، والاسـتـفـزاز، والقطيعة المريرة؛ إنــهــا بـاخـتـصـار تـلـك الــصــداقــة العاصفة الـتـي كـــان يـبـدو أن بــاريــس العشرينيات تح كتر سـر تركيبتها. وكــان هناك أيضا جيمس جويس، الذي كان يعتصر روحه في غرفته ليصيغ عملا مقدرا له أن يقلب مــوازيــن الأدب الـحـديـث رأسا عـلـى عقب. ولا يـمـكـن ذكـــر جــويــس فـــي بـــاريـــس دون أن يـمـر طـيـف سيلفيا بيتش وم تكبتها الأسطورية «شكسبير أند كومباني». كانت م تكبة سيلفيا بيتش تقبع في مــن شـــارع الأوديـــــون، عـلـى بُُعد 12 الــرقــم خـــطـــوات مـــن نــبــض «ســـــان جـــيـــرمـــان دي بري» وفندق «لا لويزيان». لم تكن مجرد م تكبة تبيع ال تكب الإنجليزية؛ بل كانت م تكبة إعــارة، وصـالـونا دافــئاً، وصندوق بـــريـــد لـــلـــعـــابـــريـــن، وملاذا لـــلـــهـــاربين مـن البرد، وبؤرة لل ِِّقاءات الحميمة؛ بل وحتى بنكا يُُقرض الكُُتاب المفلسين. بين رفوفها الخشبية، كنت لتلمح طيف همنغواي، وفـيـتـزجـيـرالـد، وإزرا بـــاونـــد، وتــــي. إس. إليوت، وجيرترود ستاين، وجويس. لــقــد كـــانـــت سـيـلـفـيـا بــيــتــش هـــي من ا تجرحت إحـدى أكثر الخطوات جـرأة في تاريخ الأدب، حين أقدمت على نشر رواية ) لجيمس جويس Ulysses( » «يوليسيس ، فـــي وقـــــت واجـــه 1922 فـــي بـــاريـــس عــــام فيه ال تكاب مقصلة الرقابة، ورفــض دور النشر في كل مكان آخـر. وعلى بُُعد أزقة قليلة، كانت جيرترود ستاين وأليس ب. توكلاس تديران صالونهما الشهير؛ ذلك المــوقــد الآخـــر لطليعة الإبـــــداع؛ حـيـث كـان الـكُُــتـاب والـرسـامـون وهـــواة جمع التحف يلتقون، يتبادلون نظرات الإعجاب تارة، ويـطـلـقـون أحـــكـــاما لاذعــــة تــــارة، وأحــيــانا يحتقر بعضهم بعضاً. كـــان إزرا بــاونــد أشـبـه بـجـسـر عظيم يربط أطراف هذه الجماعة الإبداعية. كان يـكـتـب قــصــائــده بــبــراعــة بـالـطـبـع، ولكنه كـــــان يــفــعــل مــــا هــــو أعــــظــــم؛ كـــــان يــغــوص فـــي مــخــطــوطــات الآخــــريــــن، يــشــذبــهــا من الـشـوائـب، ويُُــعــرّّف الـكُُــتـاب بعضهم على بعض، ويستميت في الدفاع عن المواهب التي يؤمن بها. إن لمساته السحرية على The Waste( » مخطوطة «الأرض الـيـبـاب ) لتي. إس. إليوت كانت هي الفيصل Land في خلودها. أمـــــا جـــــون دوس بــــاســــوس، صــديــق همنغواي ورفيق دربه في بعض الأحيان، فقد كان ينتمي هو أيـضا إلى ذلك العالم مـــن الأمـــيـــركـــيين الـــذيـــن اكــتــشــفــوا حقيقة بلادهـــم بــوضــوح أكـبـر حين تأملوها من وراء زجــــــاج نــــوافــــذ أوروبـــــــــا. وفـــــي وقــــت لاحـــــق، جــــاء جــــون شــتــايــنــبــك، الـــــذي كــان أصـــغـــر ســــنا وأقـــــل انــــخــــراطا فـــي الـــدائـــرة الـبـاريـسـيـة الأولــــى للعشرينيات، ليكمل بطريقته الخاصة هـذا الإرث للأميركيين المسحورين بباريس. ثـم أطـــل مــان راي، الــقــادم مـن صخب ؛ مـــصـــوراً، ورســــاماً، 1921 نــيــويــورك عـــام ومجرباً، ونديما للدادائيين والسرياليين. بقدومه، ذابت الجدران الفاصلة بين الأدب والــــصــــورة الـــفـــوتـــوغـــرافـــيـــة، بين الــلــوحــة والفيلم السينمائي، بين الشعر ونبض الحياة اليومية. وهــــنــــا، يـــدخـــل فـــنـــدق «لا لـــويـــزيـــان» ) واثــــق الـخـطـوة إلـــى قلب La Louisiane( مـــن شـــارع 60 الـــتـــاريـــخ، قـــابـــعا فـــي الـــرقـــم الــــــسين، عــنــد الــــزاويــــة الـــتـــي يــعــانــق فيها شــــــارع بــــوســــي، فــــي مـــركـــز شـــــــرايين هـــذه الجغرافيا الأدبية. كان مسرح الأوديـون، وضـــفـــاف الـــنـــهـــر، والمـــكـــتـــبـــات، والمـــقـــاهـــي، و«شكسبير أنـد كومباني» تقع جميعها عـــلـــى مـــرمـــى أنــــفــــاس قــلــيــلــة. هــمــنــغــواي، فــــيــــتــــزجــــيــــرالــــد، بــــــاونــــــد، إلــــــيــــــوت، دوس بـاسـوس، مـان راي، وآخــــرون... جميعهم ينتمون إلى هذه العائلة الأدبية الكبيرة الـــتـــي ســكــنــت الـــحـــي، حــتــى وإن كــــان من ضرب الخيال أن نتصورهم جالسين معا في اللحظة نفسها حول الزجاجة ذاتها. أُُطلق عليهم لََقب «الجيل الضائع» وهي صياغة لا تنفصل عن جيرترود ستاين التي أطلقتها كالرصاصة في وجه همنغواي الثقافة CULTURE 18 Issue 17471 - العدد Monday - 2026/9/28 الاثنين همنغواي وفيتزجيرالد وإزرا باوند وتي. إس. إليوت وجيرترود ستاين الجيل الضائع في باريس الأرض تواجه الغرباء... في «حوض ريان» يــــبــــدو الــــريــــف لمــــن يـــــــراه عـــلـــى الــبــعــد بـــعين ســائــح بـقـعـة ســاحــرة مــن الطبيعة، حـيـث الماء والـحـيـاة البسيطة الـتـي يرفل أصحابها في نعيم الهدوء والبال الرائق بـعـيـدا عــن الــهــمــوم والمــتــاعــب، لـكـن روايـــة «حوض ريان»، الصادرة عن دار «الشروق» بالقاهرة للكاتب إبراهيم المطولي، تكشف عن وجه آخر للريف تتعرض فيه أراضيه الزراعية لمؤامرة يقودها «الغرباء» تحت عناوين براقة مثل استخراج كنوز، بينما تخفي الحقيقة مطامع أخرى. وإذا كان المصري القديم حفر وصيته عـلـى الـحـجـر مـنـذ آلاف الـســنين قــــائلاًً: «لا تنقل الـحـدود ولا تتعد عليها لأن الظالم تُُنتزع أمتعته من يد أطفاله»، يبدو هنا أن الزمن قد دار دورتـه ل تتوارى الوصايا القديمة خلف عجلات المعدات الثقيلة. فــــــي قـــــريـــــة تــــضــــبــــط ســــاعــــتــــهــــا عــلــى مـــواقـــيـــت الــــــري وحــــركــــة الـــشـــمـــس، يـهـبـط غرباء بخوذات صفراء وخرائط صامتة لا يحملون فـؤوسا للزرع بل أوتـادا لتقسيم ما لا يقس ّّم. فجأة تتحول الأراضـي الآمنة إلـــى مـسـرح لانــتــظــار ثـقـيـل، ويـجـد أهـالـي القرية مثل سعيد الديب والحاج معوض أنـــفـــســـهـــمـــا أمـــــــام عــــــدو بلا ملامـــــــح يــهــدد باقتلاع جذور ضاربة في عمق التاريخ. وبينما تموج المدن البعيدة بصخب الـثـورات وهتافات الميادين تــدور هنا في الـصـمـت مـعـركـة أشــــرس بين زمــــنين؛ زمـن الأرض الـبـطـيء الـــراســـخ، وزمــــن المـصـالـح السريع الـجـارف، عبر حكاية عـن الخوف وعن اللحظة المصيرية التي تتحول فيها الأرض مــن أم تـمـنـح الأمــــان إلـــى عـــبء قد يكلف أصحابه حياتهم، فـي نـص يرصد التحولات العميقة في الريف المصري. ومن أجواء الرواية نقرأ: «في أرضـه المستوية، تمشي مجاري المـيـاه والخلجان مثل الـخـطـوط فـي راحـة الـيـد، تتغير محاصيله بـاخـتلاف الموسم فــيــتــغــيــر وجـــــه الأرض مــــن الأخــــضــــر إلـــى الأصــفــر وقــلــيلا مــا يـكـون أســـود بانتظار المياه. لــــذا كــــان ســــهلا عــلــى الـــجـــالـــسين مـعـه، رغـــم أن أعـيـنـهـم أصــابــهــا الـضـعـف نتيجة التعرض المستمر للشمس وذرات الـتـراب، رؤيــــــــة صلاح الــــبــــحــــار وقــــــد أتــــــى مــمــســكا بسبحته الـكـهـرمـان ويــرفــع طـــرف جلبابه الأزرق الـــزاهـــي بـإصـبـعـه. ربــمــا هـــي حـركـة لإظهار الرفعة أو منعا لملامسة تراب الأرض وروث البهائم، يظهر تحت أكمامه الواسعة القفطان الأبــيــض، كما يلبس حـــذاء أسـود وليس (بُُلغة) كما ينتعل بقية الرجال هنا. الـــجـــالـــســـون تـــحـــت تــكــعــيــبــة الــعــنــب يتلقون نسمة هبت فحملت إليهم عطره فانفتحت لـه الـقـلـوب حتى قبل الحضور التام، ورغم علمهم بكل تاريخه - الحقيقي منه والمختلق - فإنهم لا يستطيعون منع أنفسهم من محبته والانجذاب إلى حديثه والنظر بفرح في وجهه الأبيض المتورد، يــعــجــبــون بـضـحـكـتـه الــعــالــيــة وســجــائــره المـخـتـلـفـة، حـتـى الــصــغــار الـــذيـــن يلعبون (السيجة) يتركونها ويحدقون في القادم. يـقـولـون إنـــه فــي المــــرات القليلة التي خلع فيها جلبابه رأوا دق وشم امرأة فوق منطقة القلب، كما رأوا أيضا اعوجاجا في ســاعــده الأيــمــن نتيجة عـضـة حـمـار وهـو صغير». فيتزجيرالد وزوجته سيلفيا بيتش أول من نشر «يوليسيس» في باريس شاكر نوري القاهرة: «الشرق الأوسط» رواية «الماروني الشاب» سيرة روحية وفكرية لألساندرو اسبينا اغتراب واندماج ٌٌ: س ِِك ّّتان لا تُُفضيان إلى أي مكان عــــلــــى شــــاطــــئ الــــبــــحــــر، فـــــي بـــلـــدة بمرفأ صغير اسمها «الحنيّّة» بالجبل الأخـضـر فـي ليبيا، طلب فجأة ضـارب دف بــــــدوي فــــي حـــفـــل عـــــرس مــــن شـــاب سوري مسيحي، ماروني المذهب، اسمه إميل شيباس، أن يريه كيف يرقصون في الأعراس في البلاد التي جاء منها. وافــــــق المارونـــــــــي الــــشــــاب عـــلـــى الــطــلــب، وعلّّم ضارب الدف دقة الدبكة، ونهض ليرقص. كان الشاب المارونــي آنـذاك قد أصبح تـاجـرا غـنـياً، وصـل إلـى الحنيّّة قادما من بنغازي محم ّّلا ببضائع لفرع تـجـاري استحدثه فـي سـوقـهـا، وأوكــل مهمة تشغيله لعمه. وهو يستعد لأداء رقصة الدبكة تساءل في نفسه: هل كان يتغلب على اغـتـرابـه برقصة فلاحين؟ ِِــك ّّــتـان لا وأجـــاب: «اغــتــراب وانــدمــاج: س تفضيان إلى أي مكان». ارتــــأيــــت اخـــتـــيـــار هــــذه الـــفـــقـــرة من رواية «الماروني الشاب» ل كتون مف تتحا لمـقـالـتـي، مــن بين كــل الـــروايـــة الــصــادرة حـــديـــثا عـــن «دار الــفــرجــانــي» الـلـيـبـيـة، بـــتـــرجـــمـــة مـــــن الــــلــــغــــة الإيــــطــــالــــيــــة إلــــى العربية قـام بها الـسـوري معاوية عبد المجيد. الـروايـة من تأليف كاتب اسمه ألـــســـانـــدرو اســبــيــنــا، وصــــــدرت بـالـلـغـة ، وهذه المرة الأولى 1971 الإيطالية عام الـتـي تُُــتـرجـم فيها إلـــى الـعـربـيـة. وهـي صفحة من القطع 237 ، صغيرة الحجم الـــــــصـــــــغـــــــيـــــــر، إلا أنـــــــــــهـــــــــــا كــــــبــــــيــــــرة المـــحـــتـــوى عميقة المــــــعــــــنــــــى. وحين نـرفـع الـغـطـاء عن اســـــــم ألــــســــانــــدرو اسبينا، نتكشف أنـــــــــــــــــــــــه ســـــــــــــــــوري مـــــارونـــــي الأصـــــل والمـــــذهـــــب، اســمــه بـــاســـيـــلـــي شـفـيـق خـــــــــزّّام، و ُُلـــــــد عـــام فـــي مـديـنـة 1927 بـنـغـازي الليبية، ودرس فـي إيطاليا وعـــاد منها للعمل فـي مصنع نسيج تملكه الـعـائـلـة، ولم يــغــادرهــا إلا فـــي أواخـــــر السبعينيات من القرن الماضي، بعد تطبيق سياسة الــــتــــأمــــيــــمــــات مـــــن قــــبــــل نــــظــــام الــعــقــيــد الــقــذافــي، فـهـاجـر إلـــى إيـطـالـيـا وتُُــوفـي .2013 فيها عام وهـــــــذه الازدواجـــــــيـــــــة فــــي الـــســـيـــرة الذاتية للكاتب هي نفسها التي تسكن بـطـلـه الــــروائــــي؛ لــذلــك أرى أن الـــروايـــة ســــيــــرة روحـــــيـــــة وفــــكــــريــــة لألــــســــانــــدرو اســبــيــنــا، صــــاغ فــيــهــا أزمــــاتــــه الــذاتــيــة وســــــؤال هــويــتــه المـــركّّـــبـــة بـلـغـة روائـــيـــة شــفــافــة ومـمـتـلـئـة بـــالـــحـــنين والـــتـــأمـــل. وهــــو، فــي رأيــــي، لـيـس بــالأمــر الـفـريـد؛ إذ يمكن رصـــد تـلـك المـشـاعـر فــي أغلب كــــتــــابــــات وإبـــــــداعـــــــات الـــــكـــــتّّـــــاب الــــذيــــن يـعـيـشـون فـــي المــهــاجــر وبلاد الــغــربــة. ولـــذلـــك لــيــس مـــن المــســتــغــرب أن يشعر اسبينا بأنه «غريب في إيطاليا وغريب في الشرق». وروايـة «المارونــي الشاب» تجسيد حــي لهذه الحالة مـن الشعور بـــالاهـــتـــزاز بين ضـــفـــتين، والــبــحــث عن معنى للانتماء في عالم يتغيّّر بسرعة وتُُمزّّقه التحولات السياسية. وهذا ما يجعل المارونـي الشاب (إميل شيباس) يــصــل إلــــى تــلــك الــنــقــطــة المـــحـــوريـــة في حـــيـــاتـــه كـــمـــهـــاجـــر، لــــــدى اكـــتـــشـــافـــه أن الاندماج والاغتراب س ِِكّّتان لا تفضيان إلى أي مكان. ألـــســـانـــدرو اسـبـيـنـا، رغـــم شهرته الأدبـــيـــة فـــي إيـطـالـيـا وفـــــوزه بــعــدد من الــــجــــوائــــز الأدبـــــيـــــة الــــكــــبــــرى، ظـــــل غـيـر معروف في الساحة الثقافية العربية، َّد م فـيـهـا وهــــــذه المــــــرة الأولـــــــى الـــتـــي يُُــــقــــ إلينا، وكأنه بذلك يعود إلى لغته الأم. وروايـــــتـــــه هـــــذه مـــمـــيـــزة عـــلـــى مــســتــوى الــــشــــكــــل والمــــــضــــــمــــــون، ومــــــــن الـــســـهـــل تــصــنــيــفــهــا تـــحـــت خـــانـــة أدب مــــا بـعـد الاستعمار. فــــــي أدب مــــــا بــــعــــد الاســــتــــعــــمــــار الــتــقــلــيــدي غـــالـــبا مـــا يـــأتـــي الـــنـــص إمــا بـــرؤيـــة المـسـتـعـم ِِــر (بــكــســر المـــيـــم) الـــذي يـــركّّـــز عــلــى «رســـالـــة الــتــنــويــر» أو نقد الـــــهـــــامـــــش، وإمـــــــــا بــــــرؤيــــــة المـــســـتـــعـــم ََـــر (بـفـتـح المــيــم) الــــذي يـكـتـب عــن المـعـانـاة والمـــــقـــــاومـــــة. لـــكـــن ألــــســــانــــدرو اســبــيــنــا فـــك ّّـــك فـــي هــــذه الــــروايــــة هــــذه الـثـنـائـيـة الـــحـــادة. فــهــو، بصفته كــاتــبا نـشـأ في بنغازي ضمن عائلة شرقية مارونية، ويـــكـــتـــب بــالــلــغــة الإيـــطـــالـــيـــة، اســتــطــاع أن يـنـظـر إلــــى الــتــجــربــة الاسـتـعـمـاريـة بــــعين مـــتـــفـــردة؛ يـــــدرك آلـــيـــات الـسـلـطـة الإيــطــالــيــة، وفـــي الـــوقـــت نـفـسـه يرتبط وجـــدانـــيا وجــغــرافــيا وثــقــافــيا بالبيئة المحلية والمجتمع الشرقي. لذلك، بدلا من الخطاب الآيديولوجي الفاقع، يلجأ بـــذكـــاء وجـــمـــال إلــــى الـتـحـلـيـل النفسي والا تجماعي؛ أي إلى التدقيق التاريخي المجهري، بالتركيز على تفاصيل حياة تاجر شاب مغترب. وصـــل الــشــاب المارونــــــي إمــيــل إلـى بــــنــــغــــازي قـــــــــادما بـــشـــحـــنـــة مـــــن مــيــنــاء الإسكندرية ليبيعها فيها، طامحا إلى أن يـبـنـي مـسـتـقـبلا تـــجـــارياً، فـوجـدهـا تـــتـــهـــيـــأ لمــــقــــاومــــة غــــــــاز إيــــطــــالــــي قـــــادم عـلـى ظـهـر بــــوارج حـربـيـة. لـكـن الـحـرب وانــعــكــاســاتــهــا لـــم تــقــف حـــاجـــزا بينه وبين تــــحــــقــــيــــق هـــدفـــه الـــتـــجـــاري. فالشاب المارونــي يـــجـــيـــد الـــتـــحـــدث مــــــــــــــع الــــــــســــــــكــــــــان بـلـسـانـه الـعـربـي، ب ــــــــد فــــي � ويــــــــتــــــــعــــــــ الـوقـت ذاتــه بدين الإيطالي الغازي. وكــــــــــــان ســــمــــيــــرت أفـــــنـــــدي، الـــتـــاجـــر رفيقه في الرحلة مـــن الإســكــنــدريــة، جسره الذي رمته المصادفة في طريقه، وعبره وصل إلى تجار المدينة وأهلها. وسميرت أفندي مـــــات مـــشـــنـــوقا فــيــمــا بـــعـــد عـــلـــى أيــــدي الإيطاليين. نحن حقا أمام روائي متميز، يغزل نسيج أحـداثـه بدقة وجـمـال، مستفيدا من الوثائق التاريخية، ويشيّّد أمامنا عالما روائيا آسراً. تبدأ الرواية من حدث صغير في إيطاليا، وتنتهي في منطقة بــرقــة نــهــايــة تــراجــيــديــة. هــنــا تـحـديـدا أرى أن الـــعـــنـــوان «المارونــــــــــي الـــشـــاب» مُُضلِّّل بعض الشيء؛ فالبطل الحقيقي لـــــلـــــروايـــــة، فـــــي تــــقــــديــــري، هـــــو ضـــابـــط إيطالي اسـمـه مارتيلو، يختفي فجأة فـي مقبرة إغريقية، ويُُــعََــد مـفـقـودا في ســجلات القيادة العسكرية الإيطالية. واخــتــفــاؤه دون تفسير قـاطـع يتحول إلــى اسـتـعـارة للمصير الـغـامـض الـذي ينتظر كــل مــن يـقـف عـلـى الـــحـــدود بين ضفتين؛ فكما يذوب مارتيلو في تراب الأرض الـتـي جــاء ليستعمرها، يـذوب إميل شيباس بين ه ُُويتين لا تمنحانه انتماء كاملا لأي منهما. وبهذا يصبح اخــتــفــاء الــضــابــط هـــو المــفــتــاح الــرمــزي الحقيقي للرواية. قــد أفــشــل فــي تـعـريـف «المـلـحـمـة»، لكني متى عثرت بواحدة أعرفها. وقد أُُخفق في تعريف «الرواية»، لكني متى قرأت واحدة أتبيّّنها. ورواية «الماروني الـشـاب» ملحمة روائـيـة بامتياز، وهي فـــي نــفــس الـــوقـــت تـضـعـنـا أمـــــام ســـؤال هويتها ذاتها: هل تنتمي لنا ولأدبنا كــمــا يـنـتـمـي كــاتــبــهــا، أو أنـــهـــا تنتمي إلـى اللغة التي كُُتبت بها والبلد الذي اخـتـاره كاتبها مقرا ومستقرا للعيش ودُُفن فيه؟ * كاتب ليبي لأساندرو إسبينا *جمعة بوكليب النص ا كلامل على الموقع الإ كلتروني
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky