جـــــــــــــــــد ََّدت غـــــــــرامـــــــــة فــــــرضــــــهــــــا الاتـــــــحـــــــاد الأوروبـــــي عـلـى «غــوغــل» الــجــدل بـشـأن قـواعـد الخصوصية، ما عــدََّه خبراء خطوة قد تمتد إلى شركات أخرى وتسهم في إعادة النظر في قواعد الخصوصية. «لــــجــــنــــة الاتــــــحــــــاد الأوروبـــــــــــــــي» المــعــنــيــة بحماية الـبـيـانـات، فـرضـت الأســبــوع الماضـــي ملايين 403 غـرامـة على «غـوغـل» تـقـدر بنحو مليون دولار) بحجة «خرق قواعد 463( يورو الـخـصـوصـيـة الــصــارمــة الــخــاصــة بــالاتــحــاد، وسوء تعاملها مع بيانات المستخدمين». ووفــــــــق تـــحـــقـــيـــقـــات «مــــفــــوضــــيــــة حـــمـــايـــة الـبـيـانـات فـي آيـرلـنـدا» الـتـي بـــدأت فـي فبراير ، فـــإن «غــوغــل انـتـهـكـت الـنـظـام 2020 ) (شـــبـــاط الأوروبـــــــي فـيـمـا يـتـعـلـق بــمــشــروعــيــة وعـــدالـــة معالجتها بـيـانـات المــواقــع الـجـغـرافـيـة ضمن نـشـاط الـويـب والتطبيقات وسـجـل المــواقــع... ولـــم تـعـالـج بشكل قـانـونـي أو نـزيـه البيانات الشخصية للمستخدمين». لـلـعـلـم، تـعـد آيــرلــنــدا المـــفـــاوِِض الرئيسي لـ«غوغل» في الاتحاد الأوروبي، في ظل وجود المقر الرئيسي للمنصة في العاصمة الآيرلندية دبلن. وهـذه رابـع أكبر غرامة أوروبـيـة بسبب الــخــصــوصــيــة تـــصـــدرهـــا «مـــفـــوضـــيـــة حـمـايـة البيانات» الآيرلندية التي فرضت سابقا غرامة مليار يورو. 1.2 على شركة «ميتا» بقيمة مـــحـــمـــود غــــزيــــل، الـــصـــحـــافـــي الــلــبــنــانــي، والـــــــد ّرّب فـــي مــجــال الـتـحـقـق مـــن المــعــلــومــات، يـرى أن «الـغـرامـات التي قـد تــؤدي إلـى تغيير جـــذري بـقـواعـد الـخـصـوصـيـة؛ لا بــد أن تكون مؤذية للشركات التقنية من أجل أن تستدرك مــســارهــا وتـــراجـــع خــطــواتــهــا قــبــل اتـــخـــاذ أي قــــرار». وأردف غـزيـل خلال حـــوار مـع «الـشـرق الأوسط»: «إن الغرامة التي فُُرضت أخيرا على (غــوغــل)، وعـلـى الـرغـم مـن أنـهـا تـعـد مـن أكبر الغرامات التي فرضتها آيرلندا، فإنها تمثل نسبة ضئيلة جدا من الأرباح الصافية لشركة (ألـفـابـت) مالكة منصة (غــوغــل)، ولا تتجاوز فـي المائـــة»، عـــادّّا هـذا الـنـوع مـن الغرامات 0.5 «بــمــثــابــة حـــافـــز اقـــتـــصـــادي وقـــانـــونـــي، وتــــراه بـعـض الــشــركــات بـمـثـابـة أضـــــرار جـانـبـيـة من تكلفة ممارسة الأعمال». لكنه، من جهة ثانية، قال: «هذا لا يعني أن الشركة لن تتخذ تغييرات لحلحلة سبب القضية المرفوعة ضـدهـا... بل إن التغييرات غالبا ستكون تدريجية قبل أن تصبح أعمق وتتوسع على كامل المستخدمين حول العالم». وأوضـــــح الـخـبـيـر الـلـبـنـانـي: «أي قضية يصدر حكم بها للمرة الأولــى تصبح بمثابة سابقة تنظيمية، فتعمد الهيئات التشريعية لاستخدامها أو التلويح بها بوصفها إشـارة تــحــذيــريــة لــلــشــركــات الـــتـــي تـعـمـل بـالـنـمـوذج نفسه، ثم إن المفوضية الأوروبية، بشكل عام، تـؤكـد أن الــحــوار التنظيمي ولـيـس الـغـرامـات فــقــط، هـــو م ََــــن يــدفــع الـــشـــركـــات إلــــى تــعــديلات اسـتـبـاقـيـة لتجنب عـقـوبـات أكــبــر أو غــرامــات يـــومـــيـــة». ولـــفـــت إلــــى أن «الـــتـــجـــارب الـسـابـقـة تشير إلى أن المنصات خارج الولايات المتح ةد والاتحاد الأوروبــي، لا تغير في قوانينها؛ إلا حسب حجم الـسـوق، وفــي دول أخـــرى تتبنى قــــــــوانين مـــســـتـــوحـــاة مــــن الــــقــــانــــون الأوروبــــــــي للخصوصية والأمن». وبحسب غـزيـل فــإن «الـنـظـام التعاضدي والارتـــبـــاط الـقـانـونـي والـحـقـوقـي فــي أوروبــــا أكـــثـــر صـــرامـــة وتـــمـــاســـكا مـــن اتــــحــــادات أخـــرى حـــول الـعـالـم، مــا يُُــشـك ِِّــل ســـوقا مشتركة قوية للمنصات والـشـركـات الـكـبـرى، كما أن قانون الخصوصية الأوروبــي يُُعد الأقـوى عالميا مع غرامات قد تؤذي بعض الشركات. .. وهــنــا لا يـمـكـن غــض الـنـظـر عــن نظرة الأوروبــــــيين إلـــى الـخـصـوصـيـة بـوصـفـهـا حـقا أســـاســـياً، يـرفـعـون شـعـاراتـهـا ويـعـمـلـون على تــطــبــيــقــهــا عـــلـــى الـــــــــــدوام، مــــا يــجــعــلــهــم أكــثــر حــســاســيــة للانـــتـــهـــاكـــات مـــقـــارنـــة بـــالـــولايـــات المتح ةد التي تركز أكثر على الابتكار والمنافسة الحرة».جدير بالإشارة، أن الاتحاد الأوروبـي يــؤكــد دائــــما اهـتـمـامـه بـقـواعـد الخصوصية، وكان قد «أمر (غوغل) بجعل معالجة البيانات 6 متوافقة مع قواعد الخصوصية في غضون أشـهـر»، بحسب تصريحات صحافية لنائب مفوض الهيئة، غراهام دويل. بالتوازي، في لقاء مع «الشرق الأوسط»، أبــــــــدى مـــحـــمـــد فـــتـــحـــي، الـــصـــحـــافـــي المـــصـــري المـــتـــخـــصـــص فـــــي شــــــــؤون الإعلام الــــرقــــمــــي، اعــــتــــقــــاده بـــــأن الــــغــــرامــــات «ســتــجــبــر شـــركـــات الـتـكـنـولـوجـيـا عـلـى تغيير قــواعــدهــا إلـــى حد مــــا». وأضـــــاف أن «الـتـغـيـيـر لـــن يــكــون بسبب قــيــمــة الـــغـــرامـــة وحــــدهــــا؛ فـــالـــغـــرامـــة بـالـنـسـبـة لشركة بحجم (غـوغـل) قـد تكون تكلفة مالية يمكن استيعابها، لكن الخطر الحقيقي هو أن تتحوّّل الغرامة إلى تغيير إلزامي في المنتج، أو طريقة جمع البيانات أو استخدامها». ثـــم تـــابـــع: «الاتـــحـــاد الأوروبــــــي لا يكتفي بفرض الأمـوال، بل يطلب تغييرات في طريقة عمل المنصات؛ وفـي حالة (غـوغـل) مــثلاًً، أدت ضغوط قواعد المنافسة الرقمية إلى تعديلات فـعـلـيـة فـــي نــتــائــج الــبــحــث وســـيـــاســـات أخـــرى داخل السوق الأوروبية». لم تعد قضية استخدام المراهقين شبكات التواصل الاجتماعي شـأنا تربويا أو عائليا فحسب، بل تحولت ملفا سياسيا وقانونيا وتـقـنـيا مـفـتـوحا عـلـى احـتـمـالات واســعــة. إذ يوليو (تموز) 21 أقـر البرلمان الفرنسي، يوم الماضــــــي، قـــانـــونا يـمـنـع الــقــاصــريــن م ِِـــم ََـــن هم دون ســن الـخـامـسـة عـشـرة مــن الــوصــول إلـى شبكات التواصل الاجتماعي، قبل أن يلغي المجلس الدستوري المادة الأساسية منه في أغسطس (آب)، عـادََّا أن الصيغة المعتم ةد 14 تفرض قيودا واسعة وغير متناسبة مع حرية التعبير. إجماع على المخاطر واختلاف حول العلاج اســـتـــنـــدت المــــبــــادرة الــفــرنــســيــة إلــــى قلق متزايد بشأن التأثيرات النفسية والاجتماعية لاستخدام الشبكات في سن مبكرة. فلقد أشار تقرير لمجلس الشيوخ الفرنسي إلى مخاطر عـــــ ةد، مـــن بـيـنـهـا اضــــطــــراب الــــنــــوم، والــقــلــق، والتنمر الإلكتروني، والتعرّّض للمحتويات الـعـنـيـفـة أو الإبـــاحـــيـــة، واضـــطـــرابـــات صـــورة الـجـسـد، والــتــواصــل مــع أشــخــاص مجهولي الهوية قد يشك ّّلون خطرا على القاصرين. كذلك، لفت التقرير إلى دور خوارزميات الـــتـــوصـــيـــة والإشــــــعــــــارات المــــتــــكــــرّّرة فــــي دفـــع المــســتــخــدمين إلــــى الــبــقــاء أطـــــول وقــــت ممكن داخـــل المـنـصـات. وفــي يناير (كـانـون الثاني) الماضــــي، نـشـرت الـوكـالـة الـوطـنـيـة الفرنسية للأمـــن الـصـحـي والــغــذائــي والـبـيـئـي والمهني (أنـــــاس) دراســـــة خـلـصـت إلـــى وجــــود ارتــبــاط بين الاستخدام المكثف أو الإشكالي لشبكات التواصل وبين عدد من الاضطرابات النفسية لـــدى المـــراهـــقين، ولا سـيـمـا الـقـلـق والاكـتـئـاب واضـطـرابـات الـنـوم وصـــورة الجسد. غير أن التقرير لـم يُُــعـد الشبكات سببا وحـيـدا لهذه المــــشــــكلات؛ إذ يـمـكـن لــلــمــراهــق الــــذي يـعـانـي أصلا اضطرابا نفسيا أن يلجأ إلى الشبكات بــكــثــافــة، قــبــل أن تـــزيـــد هــــذه الاســـتـــخـــدامـــات وضعه سوءاً. إحدى أهم نقاط الجدل الـــــــدراســـــــات الـــعـــلـــمـــيـــة لا تـــثـــبـــت أن كــل اســتــخــدام لـشـبـكـات الــتــواصــل مــضــر بجميع المـــــراهـــــقين. إذ تــظــهــر مـــراجـــعـــات حـــديـــثـــة أن التأثير يختلف باختلاف طبيعة الاستخدام، ودرجة التعلق بالمنصة، ونوعية المحتويات، ومـدى استخدام الهاتف لــيلاًً. وتبدو الصلة أكثر وضوحا في حالات الاستخدام القهري، والمـقـارنـة الاجتماعية المـسـتـمـرة، والتعرض لمحتويات تـــروّّج للنحافة المـرضـيـة أو إيــذاء النفس، فضلا عن التنمر الإلكتروني. معضلة التحقق من العمر إذا كـــان المــبــدأ الـسـيـاسـي يـبـدو بسيطاً، فــإن تطبيقه يـطـرح مشكلة تقنية وقانونية معق ةد: فكيف تستطيع المنصات التأكد من أن المستخدم تجاوز الخامسة عشرة من دون تحويل الإنترنت فضاء للمراقبة الجماعية؟ والواقع أن السلطات الفرنسية كانت قد درست استخدام آليات للتحقق من السن، من بينها نظام «إثبات العمر» ووسائل تقوم على ما يسمى «إخفاء الهوية المزدوج». وبموجب هذه الآليات، يمكن لجهة مستقلة أن تتحقق من سن المستخدم من دون أن تعرف المنصة هويته الكاملة. غير أن هــذه الحلول لا تـزال تثير أسئلة بشأن حماية البيانات، واحتمال تسريبها، والجهة التي ستحتفظ بها، والم ةد التي ستبقى خلالها محفوظة. ولقد رأى المجلس الدستوري أن القانون لـــم يـــقـــدّّم ضـــمـــانـــات دقــيــقــة بــمــا يــكــفــي فيما يتعلق بجمع بيانات المستخدمين وتخزينها واســتــعــمــالــهــا. وأشــــــار إلــــى أن الــتــحــقــق من العمر قـد يـطـول جميع المـسـتـخـدمين، وليس الـقـاصـريـن فــقــط؛ الأمــــر الــــذي يـجـعـل المـسـألـة مــرتــبــطــة بــحــقــوق الــخــصــوصــيــة والـــحـــريـــات العامة. التجربة الأسترالية لـعـل أســتــرالــيــا تُُـــعـــد الـتـجـربـة الـدولـيـة الأبرز في هذا المجال. فمنذ ديسمبر (كانون ، مُُــنــع مـــن هـــم دون الــســادســة 2025 ) الأول عــشــرة مـــن امـــــتلاك حــســابــات عــلــى عــــدد من شبكات التواصل الكبرى. وأعلنت السلطات الأســــتــــرالــــيــــة حـــــــذف ملايين الــــحــــســــابــــات، وقـدّّمـت الخطوة بوصفها محاولة لإجبار المنصات على تحمل مسؤوليات أكبر تجاه القاصرين. لــكــن الــنــتــائــج الأولــــــى تـــبـــدو أقــــل حـسـما مما توحي بـه الأرقـــام الرسمية. فقد أشـارت دراسـة أسترالية، نقلتها صحيفة «لوموند» الفرنسية، إلـى أن نسبة كبيرة مـن المـراهـقين واصلت استخدام الشبكات رغم الحظر، وأن تطبيق الـقـانـون ظـل جـزئـيا بسبب التحايل على أنظمة التحقق من العمر. السبب أن القاصر يستطيع، فـي بعض الــــــحــــــالات، تـــقـــديـــم تـــــاريـــــخ مــــــــيلاد زائــــــــف أو استخدام حساب أحد أفـراد الأسـرة أو إنشاء حساب جديد بعد إغلاق الحساب السابق، أو حتى اللجوء إلى أدوات تقنية لتجاوز القيود. كذلك بيََّنت دراســـة أخــرى أن الحظر لـم يـؤد، خلال الفترة الأولى، إلى تراجع كبير ومستدام في استخدام المراهقين لهذه المنصات. طبعاً، لا تعني هــذه النتائج أن التنظيم الحكومي غير مفيد، لكنها تشير إلى أن الحظر الشامل، من دون وسائل تقنية موثوقة وبرامج توعية ومسان ةد أسرية، قد ينتج امتثالا شكليا أكثر منه تغييرا حقيقيا في السلوك. الآباء بين الارتياح والقلق ََّــــــــب كــــثــــيــــرون مـــــن الآبـــــــــاء بــــالمــــبــــادرة رح الفرنسية؛ لأنـهـم يـــرون فيها وسيلة لإعــادة التوازن إلى علاقة الأسرة بالمنصات الرقمية. فـــــالأهـــــل يـــــجـــــدون أنـــفـــســـهـــم غـــــالـــــبا فــي مواجهة شركات تملك أدوات تقنية ونفسية هائلة لجذب المستخدمين، في حين لا تتوافر لــهــم دائـــــما المــعــرفــة أو الـــوقـــت لمــراقــبــة كـــل ما يتعرّّض له أبناؤهم. لكن هناك من يخشى أن تمنح الدولة الأهل شعورا زائفا بالأمان. ثم إن الحظر قد يدفع بعض المراهقين إلى استخدام ّّــات أقــل رقــابــة، وقد حـسـابـات سـرّّيـة أو مـنـص يـحـرمـهـم أيــــضا مــن بـعـض أشــكــال الـتـواصـل الاجتماعي والمعلومات والدعم النفسي التي توفرها الشبكات لبعض الفئات، خصوصا المراهقين الذين يعيشون العزلة أو يواجهون التمييز. أما الخبراء، فينقسمون بين من يرى في سـن الخامسة عـشـرة خــطا وقــائــيا ضـــرورياً، ومن يعتقد أن التركيز ينبغي أن ينصب على خـصـائـص المـنـصـات لا عـلـى عـمـر المستخدم وحــده. فالمشكلة، وفـق هـذا الاتـجـاه، لا تكمن في وجود حساب لمراهق يبلغ الرابعة عشرة بـــقـــدر مــــا تــكــمــن فــــي خــــوارزمــــيــــة تــدفــعــه إلــى مــحــتــوى مـــــؤذٍٍ، أو فـــي إشــــعــــارات تـمـنـعـه من الــنــوم، أو فــي منصة لا تـتـدخـل ســريــعا أمــام التنمر. من الحظر العام إلى التنظيم الدقيق بـــعـــد إلــــغــــاء المادة الأســــاســــيــــة، تــعــتــزم الــحــكــومــة الـفـرنـسـيـة إعـــــداد صـيـغـة جــديــ ةد. ومــــن المـــرجـــح أن يـتـجـه الـــنـــقـــاش نــحــو حظر أكـثـر تـحـديـداً، يستهدف الـخـصـائـص الأكـثـر خطراً: أنظمة التوصية، والإعلانات الموجهة، والإشـعـارات الليلية، والتواصل مع البالغين المــــجــــهــــولين، والمـــحـــتـــويـــات المــتــعــلــقــة بـــإيـــذاء النفس واضطرابات الأكـل. وتشير توصيات «أنـــاس» إلــى أن حماية المــراهــقين لا يمكن أن تقوم على الحظر وحده، بل تحتاج أيضا إلى التربية الرقمية، ودعم الوالدين، وتعزيز دور المدرسة، وتحسين آليات التبليغ والمراقبة. لذلك؛ فإن المعركة الفرنسية لم تنته بقرار المجلس الدستوري. بل هي انتقلت من سؤال بسيط، هو: «هل نمنع مََن هم دون الخامسة عشرة؟»، إلى سؤال أكثر تعقيداً: «كيف نحمي الـقـاصـريـن مــن أخــطــار المـنـصـات مــن دون أن نحوّّل كل عملية دخـول إلـى الإنترنت عملية تفتيش ومراقبة؟ Issue 17471 - العدد Monday - 2026/9/28 الاثنين الإعلام 17 MEDIA د. ياسر عبد العزيز «السوشيال ميديا» والس ُُّلطة في معركة الثقة فـي نهاية الأســبــوع الماضــــي، نشر مـوقـع «دويـتـشـه فيلََّه» الألمانـي تقريرا عنوانه «دينا عزت مقابل روايـة الداخلية... مََن يكسب ثقة المصريين؟». يا له من عنوان مثير! وكيف لا؟ فدينا عزت ليست سوى سنة، وليس لها أي منصب 23 امـــرأة مصرية تبلغ مـن العمر ولا وظيفة معروفة، ولكن العنوان وضعها في منافسة متكافئة مـع «روايـــة الـداخـلـيـة»؛ أي مـع كلام رسمي صــادر مـن مؤسسة سيادية في دولة كبيرة وعريقة كمصر. الحكاية ببساطة أن دينا عزت خرجت على أحد تطبيقات وسائل «التواصل الاجتماعي» لتشكو من «انتهاكات مزعومة» قـامـت بها وزارة الداخلية المصرية إزاء زوجـهـا الـــذي وصفته بأنه بائع متجو ِِّل. وفي هذه الشكوى التي سرعان ما تناقلتها الــوســائــط وتـفـاعـل مـعـهـا الـجـمـهـور، روت ديــنــا مــا قــالــت إنها «انتهاكات» أخــرى قامت بها عناصر الشرطة «حين اقتحمت منزلها، واستولت على ممتلكات تخص ُُّها». سيقول البعض إنـهـا قــوة «الـسـوشـيـال مـيـديـا» الـجـبـارة، وديــنــامــيــاتــهــا الــفــائــقــة، الــتــي مـنـحـت صــــوتا لمـــن لا صــــوت لــه، وجعلت من امرأة «مقهورة» مكافئا ومعادلا لقوة جهاز ضخم، يعمل فيه الآلاف، ويـعـرف تنظيما صــــارماً، ويتحلى بسمعة مؤس ََّسية قوية. وفــي المـقـابـل، سـيـرى آخـــرون أن مـا جــرى فـي هــذه الواقعة لـيـس ســـوى عــنــوان لأزمـــة كـبـيـرة سببها طـاقـة الـخـوارزمـيـات، ونفوذ «السوشيال ميديا» الطاغي، الذي أصبح يُُوج ََّه لزعزعة الثقة العامة، وتدمير سمعة الناس والمؤسسات، وإشاعة الفتن، والترويج للفوضى والاحتجاج. لقد بـادرت وزارة الداخلية المصرية بإصدار بيان شرحت فيه الوقائع محل الخلاف من وجهة نظرها، وسعت فيه لتفنيد روايــــة ديــنــا، ووصــفــت زوجــهــا بــأنــه «مـــــرو ِِّج مــــخــــد ِِّرات»، ولكن الانقسام ظل قائما في شأن الروايتين، وهو الانقسام الذي عرفه العالم، وجرََّبه في دول عدي ةد، منذ باتت «السوشيال ميديا» لاعبا رئيسا في صياغة إدراك الجمهور حيال الوقائع والأفراد والمؤسسات. لا يـمـكـن تــنــاول هـــذه الــواقــعــة تـحـديـدا بـمـعـزل عــن وقـائـع أخرى مشابهة جرت في دول كثيرة على مدى نحو عقدين؛ فقد ، في تونس وليبيا 2011 و 2010 حدث مثل ذلك تماما في سنتََي ومصر، حين كانت تدوينات على بعض الوسائط من أسباب اشتعال الانتفاضات التي قادت إلى تغي ُُّرات سياسية هائلة. » العالم فـي مطلع هذا 19- وحين ضـربـت جائحة «كــوفــيــد العقد، كانت وسائط «التواصل الاجتماعي» عاملا جوهريا في تشكيل أنماط الاستجابة للجائحة، أو تأجيجها، وإرباك خطط التعامل معها، وهو أمر حدث في دول العالم المتقدمة كما حدث في المناطق الأقل نمواً. ، كان دور هذه الوسائط في التأثير في توجهات 2016 وفي الناخبين البريطانيين عاملا لا يمكن إغفاله في نتائج تصويت فـي الــولايــات المتح ةد 2020 «بـريـكـسـت»، ثـم جـــاءت انـتـخـابـات لتُُكرِِّس الدور القوي لتفاعلات «السوشيال ميديا» في التأثير فــي مـجـريـات العملية الانـتـخـابـيـة، ونـتـائـجـهـا، والانـطـبـاعـات الماثلة عنها. ، اتََّـــفـــق عــدد 2022 وفــــي انــتــخــابــات الـــرئـــاســـة الــبــرازيــلــيــة كبير مـن الـبـاحـثين مـع نتائج دراســــات علمية أفـــادت بــأن تلك الانتخابات ات ََّسمت بقابلية كبيرة للتأثر بتفاعلات «السوشيال ميديا»، وهـو الأمــر ذاتــه الــذي كـان حـاضـرا بقوة فـي تحليلات ، وما تلاها من احتجاجات أخرى 2019 الانتفاضة اللبنانية في في عدد من البلدان. يقودنا ذلـك إلـى محاولة تحليل الـــدور الــذي باتت تلعبه وســـائـــل «الـــتـــواصـــل الاجـــتـــمـــاعـــي» فـــي تـشـكـيـل عــنــاصــر إدراك الجمهور، وبالتالي مواقفه وسلوكه إزاء التطورات المجتمعية في مختلف دول العالم. وهو دور يبدو أنه بات حاكما ومؤثراً، حتى إنه بلغ القدرة على تفتيت الروايات الرسمية، أو زعزعة الثقة فيها، أو جعلها قابلة للمنافسة من قِِبََل روايــات فردية، بعضها بلا حجج قاطعة ولا دلائل كافية. لقد كسرت الوسائط النشطة الجدي ةد احتكار المعلومات مــن قِِــبََــل المـــصـــادر الـرسـمـيـة إذن، وأضــحــت أيــــضا قــــادرة على صناعة روايات منافسة تحظى بمؤيدين ومتعاطفين، وحو ََّلت الشك من مفهوم شخصي منفرد إلـى حالة جماعية، يمكنها أن تصنع التأثير والتغيير. وهـي فـي طريقها لتحقيق ذلـك، ُُــلــطــة اســتــطــاعــت أيــــــضاً، فـــي بــعــض الأحــــيــــان، أن تُُــــقــــو ِِّض «س التصحيح». سيمكن القول إن الـروايـات الفردية التي تستهدف الثقة ِِّــج الـتـمـر ُُّد والاحــتــجــاج، وتبعث على الـشـك في الـعـامـة، وتــؤج سلوك المؤسسات، إنما تستفيد من عوار موجود في أداء تلك المؤسسات نفسها، وتبني على وقائع سابقة، وتستثمر إخفاقا في تلبية توقعات المواطنين، ولكن هذا كله لن يكون كافيا لغض الطرف عن قدرتها المُُذهلة على الاختلاق والتزييف، والتلاعب بمشاعر الجمهور، والتوظيف المُُغرض، في حالات كثيرة. وحينما يُُكتب تاريخ العالم في هذه الحقبة التي نعيشها راهــــــناً، لـــن يــكــون بــوســع مــــؤرخ مُُـــد ِّقِـــق أن يـتـجـاهـل كـيـف بـات الإنـسـان الـفـرد الــعــادي، عبر تلك الـوسـائـط، قـــادرا على تحدي ُُــلـطـة المـــؤســـســـات، ومـنـافـسـتـهـا فـــي اخــتــبــار الــثــقــة. وهـــو أمـر س سيعيد تعريف معنى الس ُُّلطة، وسيُُزعزع «ثوابت» كثيرة. كيف تستطيع المنصات التأكد من أن المستخدم من دون تحويل 15 تجاوز الـ الإنترنت فضاء للمراقبة؟ تريند# حماية للقاصرين أم معركة سياسية وتقنية؟ جدل في فرنسا حول حظر شبكات التواصل على القاصرين باريس: أنيسة مخالدي ضبط ظاهرة إقبال الجيل الفتي على وسائل التواصل (رويترز) الغرامة على «غوغل» تجدد الجدل بشأن «الخصوصية» القاهرة: فتحية الدخاخني
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky