تتقدم أحـــزاب الـيـمين فـي أوروبــــا بـخـطـوات لم تعد صغيرة، وفي مقدمتها حزب «البديل من أجل ألمانـيـا»، الـذي حقق مكاسب كبيرة في الانتخابات الأخيرة في ولاية سكسونيا الواقعة في شرق البلاد. وفـي بريطانيا استطاع حـزب «الإصلاح» اليميني أن يــجــذب قــطــاعــات مــن الــنــاخــبين فــي الانـتـخـابـات البلدية الأخيرة، ويحظى بشعبية متزايدة، في حين أصبحت قضية المهاجرين واحدة من أكثر القضايا قـــدرة على تحريك الــشــارع وصـنـاديـق الاقــتــراع في عدد من الـدول الأوروبية، بل إن فرنسا تعد نفسها فــي الانــتــخــابــات الـرئـاسـيـة الــقــادمــة لاسـتـقـبـال أول رئيسة لـلـيـمين، وأصـبـح بعض مظاهر المهاجرين مادة خصبة في النقاش السياسي بين المتنافسين. وفـــــي ســـبـــتـــة، المـــديـــنـــة الـــواقـــعـــة عـــلـــى الــســاحــل الأفريقي والخاضعة للحكم الإسباني، تتكر ََّر صور المــهــاجــريــن الـــذيـــن حـــاولـــوا الـــوصـــول إلــيــهــا الـشـهـر الماضــي، باعتبارها بوابة إلى أوروبــا. وكلما ازداد تـدفـقـهـم ارتـفـعـت الأصـــــوات فــي أوروبـــــا مــحــذرة من الــهــجــرة، ومـــن الـــحـــدود المـفـتـوحـة، ومـــن «الــغــربــاء» الـــقـــادمين مــن الـجـنـوب، إلـــى درجـــة تـهـديـد إسبانيا بمنع التعامل معها بتأشيرة «شنغن» الأوروبـيـة. ومع عودة عشرات الآلاف، فإنه ما زال هناك من بقي من تلك الموجة، ويقدر بخمسة آلاف شخص. المــــزاج الأوروبـــــي يتغير، ولا يـحـتـاج المـــرء إلـى كثير من الأمثلة كي يلحظ ذلك. المهاجر أصبح عند قطاعات متزايدة في تلك الــبلاد الأوروبـيـة شماعة ســهــلــة، تــعــلــق عـلـيـهـا مـــشـــكلات الــســكــن والــبــطــالــة وتـردي الخدمات العامة وتراجع مستوى المعيشة. وفي ألمانيا تحديدا لا يزال قرار أنجيلا ميركل فتح الـبـاب أمـــام أعـــداد كبيرة مـن اللاجــــئين مـن سـوريـا، مــادة سياسية خصبة لليمين، وأنها سبب تراجع الاقتصاد الألماني. بــــعــــض تـــــصـــــرفـــــات المـــــهـــــاجـــــريـــــن أنــــفــــســــهــــم لا تـــســـاعـــدهـــم. هـــنـــاك مـــمـــارســـات، وإن كـــانـــت قـلـيـلـة، تـبـدو غـريـبـة، وربــمــا مـسـتـفـزة، فــي مجتمعات لها ثقافتها وقـوانـيـنـهـا. ذلـــك أمـــر لا ينبغي تجاهله، ولكن تحويل هذه الحالات القليلة إلى تفسير لأزمة اقـتـصـاديـة واجـتـمـاعـيـة أوروبـــيـــة واســعــة، أمـــر آخـر تـمـاما يتناقض مـع المنطق. فالتراجع الاقتصادي في بعض الدول الأوروبية له أسباب أعقد بكثير من وجـود المهاجرين، بل إن المفارقة الواضحة أن دولا أوروبية استفادت اقتصاديا من العمالة المهاجرة، وحـــســـنـــت مــــن اقـــتـــصـــادهـــا، وإســـبـــانـــيـــا مـــثـــال عـلـى ذلــك؛ فقد ساهم الـقـادمـون إليها فـي توفير الأيــدي العاملة في قطاعات يحتاجها الاقتصاد، ولا يقبل المواطنون العمل فيها، وقد أصبحت أفضل اقتصاد فــي أوروبـــــا الـــيـــوم. ولـكـن هـنـاك قـصـة أخــــرى، قصة معاكسة تماماً، ولا أظن أن كثيرين قد انتبهوا لها. وأنـا أقـرأ روايــة الإسبانية ماريا دونياس المعنونة بـ«العودة إلى وهران»، توقفت أمام صورة معاكسة تـمـاما للصورة التي نـراهـا الـيـوم. كانت هـنـاك، في زمــن ليس بعيداً، هـجـرة مـن الشمال إلــى الجنوب. نعم، وبعدد ضخم من البشر. تقول الرواية الشائقة إنه في نهاية عشرينات القرن الماضي، وبين حربين عالميتين، لم يكن الشمال الأوروبـــي كله أرض الـثـراء التي أصبحت موجودة اليوم، ولم يكن جنوب المتوسط كله أرض الفقر التي يهرب منها الناس. كان فقراء من إسبانيا وجزرها وفـرنـسـا، وغيرهما، يعبرون جماعيا البحر بحثا عـــن عــمــل وحـــيـــاة أفـــضـــل فـــي مــــدن شـــمـــال أفـريـقـيـا. دفعهم الفقر والحروب، وخاصة الحرب الأهلية في إسبانيا. الجزائر في زمن الاستعمار الفرنسي قصة لها بالطبع وجـــه اسـتـعـمـاري قـــاس لا يـجـوز تجميله، فـــقـــد اســــتــــفــــادت فـــرنـــســـا مــــن الــــجــــزائــــر اقــــتــــصــــاديا واستيطانياً. لكن داخل تلك الصورة الكبيرة توجد أيــضا حكايات بشرية صغيرة عن أوروبـــيين فقراء حملهم العوز إلى الجنوب. رواية دونياس تضعنا وسط تلك الحياة؛ بطلتها تهرب من البؤس، وتت ََّجه إلى الميناء حافية ومعدمة، ثم تعبر إلى وهــران. لا تصل سائحة ولا صاحبة مــال، تصل امــرأة تبحث عـــن أي عـمـل يبقيها عـلـى قـيـد الــحــيــاة. تـنـتـقـل من مزارع التبغ إلى مزارع الفاكهة، وتغسل الملابس مع نساء إسبانيات بائسات مثلها، ثم تعمل مرضعة لدى أسرة فرنسية موسرة، وتتنقل في حياة شاقة، وأجور قليلة، ومستقبل مجهول. كـــانـــت تــلــك هـــي الـــهـــجـــرة أيــــــضاً، ولـــكـــن اتــجــاه الـبـوصـلـة كـــان مـخـتـلـفاً: مــن الـشـمـال إلـــى الـجـنـوب. وهــــران ومــــدن أخــــرى فــي شــمــال أفـريـقـيـا استقبلت أنـــاسا جـــاءوا إلـيـهـا؛ لأن أوطـانـهـم لـم تـوفـر لهم ما يكفي مــن الـخـبـز والأمـــــن، بعضهم عـــاد، وبعضهم اسـتـقـر، وبعضهم حـالـفـه الـحـظ وصـعـد اجتماعيا واقــــــتــــــصــــــادياً. وأنـــــــا أقـــــــرأ تـــلـــك الـــصـــفـــحـــات وعـــــدد المهاجرين الـفـقـراء، سألت نفسي: أيـن هـذه الـذاكـرة مـن الـنـقـاش الأوروبــــي الـصـاخـب الــيــوم؟ لا أذكـــر أن تلك الهجرات الأوروبـيـة إلـى الجنوب ولّّــدت الموجة نفسها من الكراهية الشعبية التي يواجهها مهاجرو الجنوب فـي بعض مجتمعات الشمال الـيـوم. وقد تكون الظروف مختلفة، والأعــداد مختلفة، والدولة الحديثة مختلفة. لكن التجربة الإنـسـانـيـة واحــدة تقريباً: إنسان يترك بلده عندما تضيق به الحياة، ويبحث عن مكان يعتقد أن فرصته فيه أفضل. الهجرة والتاريخ لا يسيران دائما من الجنوب إلــى الـشـمـال. قبل أقــل مـن قــرن كـانـت السفن تحمل فقراء أوروبـــيين في الاتجاه المعاكس. ربما يحتاج الـــنـــقـــاش الأوروبــــــــي الـــيـــوم إلــــى شــــيء مـــن الــــذاكــــرة؛ فـــالأمـــم، مـثـل الأفــــــراد، عـنـدمـا تـنـسـى أيــــام حاجتها تصبح أقــل تفهما لحاجة الآخــريــن. ظـاهـرة الـعـداء لـم تكن تظهر فـي الـجـنـوب إبـــان الـهـجـرة المعاكسة! ُُّــر عـلـى المـهـاجـريـن في آخـــر الـــــكلام: مــا نـــراه مــن تـنـم أوروبا ما هو إلا عنصرية جديدة. الرئيس التنفيذي جمانا راشد الراشد CEO Jomana Rashid Alrashid نائب رئيس التحرير Managing Editors Editorial Consultant in KSA Aidroos Abdulaziz Camille Tawil Saud Al Rayes Deputy Editor-in-Chief مديرا التحرير مستشار التحرير في السعودية محمد هاني Mohamed Hani الأمير أحمد بن سلمان بن عبد العزيز عيدروس عبد العزيز كميل الطويل سعود الريس 1987 أسسها سنة 1978 أسسها سنة هشام ومحمد علي حافظ رئيس التحرير غسان شربل Editor-in-Chief Ghassan Charbel دوائــــر حـلـزونـيـة تـعـج بـالـغـبـار، وتـتـلـوى فيها الأفــــكــــار. مـــجـــلـــدات ضــخــمــة تــــملأ المــكــتــبــات، وتـــزيّّـــن الـــصـــالـــونـــات الــفــســيــحــة الــفــخــمــة. الماضــــــي يـتـكـد ََّس صـامـتا فـي البيوت، لكن ََّه حـاضـر فـي الـــرؤوس. زمـن رحـــــل وغــــــاب فـــي غـــيـــاهـــب ردمـــتـــهـــا تــــطــــورات فـكـريـة وعلمية وتغييرات سياسية واقتصادية عالمية. هناك أنماط مختلفة من التطوير والتقدم شهدتها بلدان عديدة في قارات مختلفة. المنطقة التي تُُسم ََّى العالم العربي، فيها كثير من المتشابه وكذلك المختلف. بها بلدان تتحر ََّك بسرعات مختلفة نحو المستقبل، وبها كـيـانـات أخـــرى اسـتـمـرأت الــن ََّــوم فـي خـنـادق الماضــي السحيق، تصنع من أحلامََها الرمادية، دنيا لا ترى ولا تسمع ولا تفكر. التقنية الحديثة الـتـي أبدعها العقل الإنساني، لا تُُــوظّّــف لقدح قـوة العقل، ولفتح ثـــقـــوب فـــي جـــــدار الــت ََّــخــلــف، والــــولــــوج إلــــى الـــوجـــود الــذي تحيا فيه البشرية المـتـنـورة الناهضة. فـي كل ساعة تعج الأخـبـار بالاختراعات العلمية والتقنية الجديدة، على الأرض وفي الفضاء. الذكاء الاصطناعي صار عقلا جب ََّارا مضافاً، إلى قوة التفكير وأدوات العمل، وأصبح ينذر بأن يتحو ََّل إلــى كـائـن يفلت مـن سيطرة الـبـشـر. الـبـحـث العلمي تُُخص ََّص له ميزانيات ضخمة، والجامعات معامل لـتـكـويـن أجـــيـــال، مــؤهــلــة لــقــيــادة مـجـتـمـعـاتـهـا نـحـو النّّهوض والتقدم. المكتبات تستقبل يوميا عشرات المؤلفات العلمية والفكرية، بكل اللغات تُُدر ّّس وتحلل ما تشهده المجتمعات من ظواهر ومشاكل اجتماعية، وتـــقـــدم حـــلـــولا لــهــا. نــــــدوات عـلـمـيـة وفــكــريــة يــشــارك فــيــهــا عــلــمــاء مـتـخـصـصـون فـــي الـــعـــلـــوم الـسـيـاسـيـة والاقتصادية والاجتماعية، يتبادلون الآراء والأفكار حول قضايا حي ََّة، تحتاج إلى معالجات تؤسس على العلم. التقنية تسابق نفسها في جميع المجالات، ففي الـطـب لا تطفئ المعامل ومــراكــز البحوث أضــواءََهــا، حيث يسهر الباحثون من أجل الوصول إلى الأدوية التي تعالج الأمراض المستعصية. في نهاية كل سنة تحبس الملايين من البشر أنفاس ََها، انتظارا للإعلان عن أسماء الفائزين بجائزة نوبل للعلوم، والعرب لا ينشد ُُّون إلا إلى بعض الأسماء المتكررة التي تحلم، بنيل تلك الجائزة، في مجال الأدب. حتى التقنية التي اخترعتها العقول المتنوّّرة، يـــوظـــفُُـــهـــا الـــنـــائـــمـــون فــــي حـــفـــر الماضــــــــي الــســحــيــق، للملاكمة على حلبة اللغو فيما يُُــسـمََــى المـنـاظـرات، عــلــى شـــاشـــات الــتــلــفــزيــونــات والـــيـــوتـــيـــوب وغـيـرهـا يتنابز فيها، من يُُوصفون بالعلماء بلغة متحجرة، ويتقاذفون بحجارة قُُدّّت من جبال ابتلعها الماضي. قضايا عـاشـت فـي قـــرون غـبـرت، ولا تـقـدم حـلـولا لما نعانيه اليوم، من كـوارث ودمـاء واستباحة للأرض، وطوفان التخلف الـذي لا يهدأ، إلا لكي يعبئ أمواج ريـــاحـــه، بـحـرائـق أقــــوى. مـــعـــارك تـقـاتـل فـيـهـا الــعــرب والمسلمون، منذ قـرون غبرت، يجرد لها المتناظرون ســـيـــوف ألـسـنـتـهـم، ويـــعـــيـــدون خــــوض تــلــك المـــعـــارك، ويستحضرون مـا كتبه أو قـالـه الـغـابـرون. المـذاهـب والطوائف والجماعات وما كان من الصراعات، هي الــحــاضــر الـــحـــي فـــي مــنــاظــراتــهــم. شـــيـــوخ لا يــقــرأون الفلسفة والعلوم ولا دراية لهم بالسياسة والاقتصاد والرياضة، لكن في كل يوم لهم إطلالات على وسائل التواصل الاجتماعي، يعارضون هذا ويؤيدون ذاك، وكل ما يصنع قفازات ملاكمتهم، هي أقوال وكتابات نساها الن ََّاس، ولا يتذكرها سواهم، لكن ََّهم يحو ّّلونها إلى قداحات تشعل الفتن والخلاف. لا نسمع منهم ما يحفّّز الـشـبـاب على اقـتـحـام دنـيـا الـعـلـوم، فـي الطب والصناعة والــزراعــة والهندسة والكهرباء والبحث العلمي. الـتََّــاريـخ ليس أكلات يجترُُّها البشر، لكنََّه ََــهـا بنو البشر فـي أزمـــان مضت، حـلـقـات حـيـاة عـاش يعود إليها الد ََّارسون المتخصصون، ليستلُُّوا منها عبرا تََقدح قدرات العقل، والدين لا يُُستحضر ليكون حطبا يغذي الحرائق. البلدان المسيحية بمذاهبها الأرثـــوذكـــســـيـــة والــكــاثــولــيــكــيــة والــبــروتــســتــانــتــيــة، ومـــا يـتـفـرّّع عنها مــن طــوائــف مختلفة، تـشـتـرك في عضوية الاتحاد الأوروبي، ولا نشاهد على شاشات تلفزيوناتهم أو وســائــل الـتـواصـل الاجـتـمـاعـي في بلدانهم، مناظرات يتبادلون فيها التنابز والملاكمة الــــكلامــــيــــة، ولـــكـــن ََّـــهـــا تـــكـــون مــــحــــفلا لــتــوســيــع آفــــاق الــتــعــاون، وتــرســيــخ الـــــس ََّلام الاجـتـمـاعـي، وتـكـريـس الــحــريــة وحـــقـــوق الإنـــســـان، وتــطــويــر قـــــدرات البشر بالعلم وسيادة القانون. ما كتبه الأقدمون أو قالوه، كــــان إجـــابـــات لأسـئـلـة فـرضـهـا زمــانــهــم، واجــتــهــدوا لاجتراح إجابات لها، ات ََّفقوا واختلفوا، وكل مجتهد كــــان ابــــن زمـــانِِـــه وبـيـئـتـه الـسـيـاسـيـة والاجـتـمـاعـيـة والاقتصادية. فـــي عـــالـــم الـــيـــوم بــمــا فــيــه مـــن وســـائـــل تــواصــل واتــــصــــالات، وجـــامـــعـــات، وكـــتـــب ودوريـــــــات علمية، ومشاكل وتحديات لا تغيب، لا مناص من اجتهادات فـي جميع المــجــالات، ولـكـن بـعـقـول ومــــؤهلات بنات وأبـــنـــاء زمــنِِــهــا. مــن كــــان يـفـكـر لــزمــن ومـجـتـمـع كــان يستعمل الـــدواب، في تنقُُّلِِه ويعالج المرضى بالكي والرقيةِِ، ويكتب على جلود الحيوانات، ويقرأ الكف والـفـنـجـان ويـسـتـعين بـالـسـحـر، والـقـتـال بالسيوف والــرمــاح، كيف يمكنُُه أن يـكـون هـــاديا أو مستشارا لزمن القطارات والطائرات والمستشفيات الحديثة، والأدويـــــــــة الـــتـــي لا تـــتـــوق ََّـــف الـــبـــحـــوث الــعــلــمــيــة، عن الاســـتـــثـــمـــار الـــضـــخـــم فــــي تـــطـــويـــرهـــا؟ عــــــدد ســكــان العالم الـذي تخلََّقت فيه اجتهادات قديمة مختلفة، لا يتجاوز عـدد سكان مدينة كبيرة في عالم اليوم، وأساليب إدارة الأمم تغيََّرت. علينََا اليوم أن نختار بين الخروج من قمقم الزََّمن الغابر، أو أن نعبر إلى الدنيا الجديدة، بعقل وعلم وفكر من إبداع زمننا. الماضي يلاحق ُُنا أم نهرب إليه؟ الهجرة إلى الجنوب OPINION الرأي 15 Issue 17462 - العدد Saturday - 2026/9/19 السبت عبد الرحمن شلقم محمد الرميحي
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky