13 حــصــاد الأســبـوع ANALYSIS Issue 17462 - العدد Saturday - 2026/9/19 السبت مصر والصين بعد زيارة شي جينبينغ... من شراكة المشاريع إلى صناعة المستقبل لـــــم تــــكــــن كــــلــــمــــات الــــرئــــيــــس الــصــيــنــي شـــي جـيـنـبـيـنـغ: «عـلـيـنـا أن نـحـقـق المنفعة المتبادلة والكسب المشترك ونكون قدوة في التنمية المـشـتـركـة»، فـي العاصمة المصرية القاهرة، مجرد تحية دبلوماسية، بل جاءت مـنـسـجـمـة مــــع مـــضـــمـــون الـــــزيـــــارة والـــبـــيـــان المــشــتــرك ومـــا تـضـم ّّــنـه مـــن قــطــاعــات تـحـدد مواقع الدول في اقتصاد المستقبل. ومـــــن خلال مــتــابــعــة مــــراقــــبين جـــيّّـــدي الاطلاع للتحوّّلات الميدانية الطويلة الأمـد الــــتــــي شـــهـــدتـــهـــا مــــــدن ومــــنــــاطــــق صــنــاعــيــة صـيـنـيـة عـــديـــدة، يــبــدو أن بــــكين تـنـظـر إلــى الــشــراكــات الـبـعـيـدة المـــدى عـلـى أنـهـا عملية «تـــراكـــم» تـبـدأ بـبـنـاء الـثـقـة. ومـــن ثــم تنتقل إلى المشاريع، قبل أن تبلغ مستوى التشابك الصناعي والتكنولوجي. وفي هذا السياق، قـــطـــعـــت الـــــــعلاقـــــــات المــــصــــريــــة - الــصــيــنــيــة المرحلتين الأولـيين، ورسمت زيارة سبتمبر طريق المرحلة الثالثة. 2026 ) (أيلول من المشاريع الكبرى إلى الإنتاج المشترك ارتـــبـــط الـــحـــضـــور الــصــيــنــي فـــي مصر خلال الــــعــــقــــد الماضــــــــــي بــــمــــشــــاريــــع كـــبـــيـــرة وواضحة، من «منطقة التعاون الاقتصادي والـتـجـاري» فـي السويس، إلـى الحي المالـي والأعـــمـــال فــي الـعـاصـمـة الإداريـــــة الـجـديـدة، والـــقـــطـــار الـــكـــهـــربـــائـــي، ومـــشـــاريـــع الــطــاقــة والفضاء والنقل. وحــقاً، بنت هـذه الإنـجـازات قاعدة من الثقة العملية والمصالح المتبادلة، وأثبتت أن التقارب بين القاهرة وبكين لا يستند إلى المواقف السياسية وحدها. غير أن الجديد فــي الـــزيـــارة هــو اتــجــاه قـائـمـة الـتـعـاون إلـى قــطــاعــات أكــثــر تـــقـــدّّماً، تـشـمـل، عـلـى سبيل المـــثـــال لا الــحــصــر، الـــســـيـــارات الـكـهـربـائـيـة، وبــنــاء الـسـفـن، والألـــــواح الشمسية وأبـــراج الـــريـــاح، وتـحـلـيـة مــيــاه الـبـحـر، والـحـوسـبـة الـــســـحـــابـــيـــة، ومـــــراكـــــز الـــبـــيـــانـــات، وأشـــبـــاه المــــوص ِِّلات، والأمـــن السيبراني، وتطبيقات الــفــضــاء والاســتــشــعــار مـــن بُُـــعـــد، وسلاســـل إمداد المعادن الحرجة. لا تــــبــــدو هــــــذه المــــــجــــــالات «مـــجـــمـــوعـــة عـشـوائـيـة» مــن المــشــاريــع، بــل تـشـك ّّــل أجـــزاء مترابطة مـن اقتصاد عالمي يتمحوّّر حول التكنولوجيا والـطـاقـة النظيفة والبيانات والصناعات المتقدمة. ولـذلـك، فـإن وضعها ضـــمـــن أولــــــويــــــات المـــرحـــلـــة المـــقـــبـــلـــة يـكـشـف عـــــن تـــطـــلـــع مـــشـــتـــرك إلــــــى تـــــجـــــاوز الــــعلاقــــة التقليدية بين مستثمر وســــوق، أو مـمـوِِّل ومـــشـــروع، نـحـو بـنـاء قــاعــدة إنـتـاجـيـة ذات امـتـداد إقليمي. بـل، وتكتسب فكرة تـوطين الـــصـــنـــاعـــة بـــذلـــك مـــعـــنـــاهـــا الأوســـــــــع، لأنــهــا تـتـجـاوز إقــامــة خـطـوط لتجميع المنتجات لتشمل زيادة المكو ّّن المحلي، وربط الشركات المـــــصـــــريـــــة بــــــسلاســــــل الــــــتــــــوريــــــد، وتـــأهـــيـــل العمال والمهندسين، وإنشاء مراكز للبحث والتطوير، ونقل المعرفة التقنية والإدارية. موقع مصر المستقبلي داخل سلسلة الإنتاج ثــــم إن الـــقـــيـــمـــة المُُــــضــــافــــة المـــتـــوقّّـــعـــة لا تـقـتـصـر عــلــى حــجــم الاســـتـــثـــمـــارات أو عــدد المصانع، بل تمتد إلى الموقع الذي تستطيع مـــصـــر أن تــحــتــلــه داخــــــل ســلــســلــة الإنــــتــــاج، مـــن الـتـجـمـيـع إلــــى الـتـصـنـيـع، وصـــــولا إلــى المــــشــــاركــــة فــــي الــتــصــمــيــم والــتــكــنــولــوجــيــا والتصدير. ويجمع البيان في هـذا الصدد بين مـشـاريـع أثـبـتـت نـجـاحـهـا عـلـى الأرض ومجالات جديدة يُُراد لها أن تقود التعاون فـي الـسـنـوات المقبلة، فـي حين يمنح إدراج الـــســـيـــارات الـكـهـربـائـيـة وأشـــبـــاه المــــوصلات ومـــــراكـــــز الــــبــــيــــانــــات فـــــي وثـــيـــقـــة ســيــاســيــة مشتركة هذه القطاعات «قوة دفع» واضحة، ويمه ِِّد لتحويلها إلى استثمارات وشراكات وبرامج لتدريب الكفاءات ونقل المعرفة. قناة السويس: الموقع يتحو ّّل لوظيفة اقتصادية مـــن جـهـة ثــانــيــة، تـــقـــد ّّم الــــزيــــارة قــــراءة أوســـــــع لـــلـــمـــوقـــع المــــصــــري فــــي الـــحـــســـابـــات الـــصـــيـــنـــيـــة. فـــمـــصـــر لـــيـــســـت ســـــــوقا كــبــيــرة فحسب، ولا هي مجر ّّد محطة جغرافية على طريق التجارة، بل تشكّّل نقطة التقاء بين آســيــا وأفـريـقـيـا وأوروبــــــا، ومـــركـــزا مـرشـحا للجمع بين الصناعة والخدمات اللوجستية والطاقة النظيفة والاقتصاد الرقمي. وتعطي «منطقة التعاون الاقتصادي والــتــجــاري الـصـيـنـيـة المـصـريـة (تـــيـــدا)» في السويس دلـيلا عمليّّا على هذا الاتجاه؛ إذ أصبحت تضم نحو مائتي شـركـة، ووفّّــرت نحو عشرة آلاف فرصة عمل، باستثمارات مـلـيـار دولار، وفـق 4.7 تــراكُُــمــيــة تـــجـــاوزت الـتـقـاريـر الصينية المـنـشـورة بـالـتـزامـن مع الزيارة. وبذا تحو ّّلت أرض كانت صحراوية إلى تجم ّّع صناعي يربط الشركات الصينية بالسوق المصرية ومحيطها الإقليمي. والأهـــــــــم، أن وظـــيـــفـــة المـــنـــطـــقـــة نـفـسـهـا تتطو ّّر، ذلك أن بعض الاستثمارات الجديدة لم يع ُُد يستهدف تلبية الطلب المحلي وحده، بــــل بـــــات يُُـــنـــظـــر إلـــــى مـــصـــر مـــعـــه بـوصـفـهـا «قـــاعـــدة للإنـــتـــاج والــتــصــديــر» تستفيد من قـنـاة الـسـويـس، والمــوانــئ المـصـريـة، وشبكة الاتفاقيات التجارية التي تربطها بالأسواق العربية والأفريقية والأوروبية. وهـــكـــذا، يـتـغـيّّــر مـعـنـى قــنــاة الـسـويـس داخـــــل الـــشـــراكـــة: مـــن طـــريـــق تــعــبــره الـسـلـع الصينية إلـى مساحة يُُنتج ويُُخزن ويُُعاد تـصـديـر جـــزء مـنـهـا عــبــرهــا، وتــقــام حولها خدمات مالية ورقمية ولوجستية. الفارق بين الحالتين كبير؛ فالدولة التي يمر عبرها جزء من التجارة العالمية تحصل على عوائد المََمرّّ، أما الدولة التي تدخل في إنتاج هذه التجارة وخدمتها فتضيف إلى تـلـك الــعــوائــد فـــرص الـعـمـل والتكنولوجيا والــصــادرات والنفوذ الاقـتـصـادي. ومـن ثم، يمنح التقارب بين مبادرة الحزام والطريق» » المــصــريــة 2030 الـصـيـنـيـة و«رؤيـــــــة مــصــر هـــذا الــتــحــوّّل مـرجـعـيـة سـيـاسـيـة وتنموية مشتركة، ويساعد على توزيع الاستثمارات وفق الأولويات الصناعية المصرية، وزيادة المــكــو ّّن المـحـلـي، وتـوسـيـع بــرامــج الـتـدريـب، وفتح أسواق جديدة أمام المنتجات المصنّّعة فـي مصر، مـع دور أكبر للشركات المصرية في المشاريع المشتركة. غير أن المـوقـع الجغرافي، مهما بلغت أهميته، لا يصنع مركزا اقتصاديا بمفرده، بــل تـتـضـاعـف قيمته حين يـرتـبـط بـمـوانـئ حــديــثــة، وشــبــكــات نــقــل فـــع ّّـــالـــة، وإجــــــراءات جمركية مرنة، وقاعدة صناعية قادرة على تـلـبـيـة احــتــيــاجــات المــســتــثــمــريــن. وهـــــذا ما تعمل مصر على بنائه حول قناة السويس، بـحـيـث تــتــحــو ّّل مــن طــريــق لـعـبـور الـتـجـارة إلـــى مـسـاحـة لإنـتـاجـهـا وخـدمـتـهـا وإعــــادة توزيعها. وأيــــــــــــــضاً، لا يـــكـــتـــمـــل هــــــــذا الــــتــــحــــوّّل بــــالــــخــــدمــــات الـــلـــوجـــســـتـــيـــة والــــصــــنــــاعــــات الــتــقــلــيــديــة وحــــدهــــا، لأن مـــوقـــع الــــــدول في سلاسل القيمة الجديدة يتحد ّّد بقدر متزايد بما تمتلكه من معرفة وتكنولوجيا، وهو ما يفس ّّر الحضور اللافـت للذكاء الاصطناعي ومـــراكـــز الــبــيــانــات والــحــوســبــة الـسـحـابـيـة وأشباه الموصلات في نتائج الزيارة. التكنولوجيا تدخل صلب العلاقة ينقل الحديث عن الذكاء الاصطناعي ومــراكــز الـبـيـانـات والـحـوسـبـة السحابية وأشــــبــــاه الــــــــوصلات والأمـــــــن الــســيــبــرانــي وتطبيقات الفضاء التعاون إلـى مستوى مــخــتــلــف عــــن مــــشــــاريــــع الــــبــــنــــاء والـــنـــقـــل. فــــــالــــــصين تـــمـــتـــلـــك مــــنــــظــــومــــة صـــنـــاعـــيـــة وتـكـنـولـوجـيـة واســعــة ومـتـكـامـلـة، بينما تـــمـــتـــلـــك مــــصــــر ســــــــوقا كــــبــــيــــرة، ومــــوقــــعا جـــغـــرافـــيا فــــريــــداً، وقــــاعــــدة مــتــنــامــيــة مـن ّّـــــصين، وروابـــــــــط المـــــهـــــنـــــدسين والمـــــتـــــخـــــص مــبــاشــرة بـــالأســـواق الـعـربـيـة والأفـريـقـيـة والأوروبـــيـــة؛ والـجـمـع بين هـــذه العناصر يــــمــــنــــح الــــبــــلــــديــــن قــــــــــدرة حـــقـــيـــقـــيـــة عــلــى تـطـويـر مـركـز إقليمي لـلـخـدمـات الرقمية والصناعات التكنولوجية. هذه المجالات، لا تنفصل بالطبع عن بناء الـقـدرات البشرية والسيادة الرقمية وحماية البيانات، ولذلك يحمل التعاون فـــي الــــذكــــاء الاصـــطـــنـــاعـــي قــيــمــة تــتــجــاوز اسـتـيـراد الأجـهـزة أو اسـتـخـدام المنصات، ليمتد إلى تأهيل الكفاءات المصرية، ودعم الشركات الناشئة، وإنشاء مراكز للبحث والابــــتــــكــــار، وتـــطـــويـــر تــطــبــيــقــات مـحـلـيـة تــخــدم الاقــتــصــاد المــصــري وتــعــزز موقعه الرقمي في المنطقة. وهــــنــــا يــــبــــرز الــــــــدور الـــــــذي تـسـتـطـيـع الـــجـــامـــعـــات ومــــراكــــز الـــبـــحـــوث أن تـــؤديـــه، لأن الـتـكـنـولـوجـيـا لا تنتقل بـعـقـود شــراء المـــعـــدات وحـــدهـــا، بـــل مـــن خلال الـبـاحـثين والــــــطلاب والمـــهـــنـــدسين وبـــرامـــج الــتــدريــب والمــخــتــبــرات والــبــحــث المـــشـــتـــرك، وعـنـدمـا تلتقي الاستثمارات الصناعية بالتعاون الأكـاديـمـي تصبح المعرفة جــزءا دائـــما من المشروع، لا خدمة مؤقتة مرتبطة بمرحلة تشغيله. هـــذه النقلة التكنولوجية لا تضيف قطاعا جديدا إلى مجالات التعاون وحسب، بـــــل تـــســـاعـــد عـــلـــى تـــغـــيـــيـــر بـــنـــيـــة الــــعلاقــــة ّّــة الاقــتــصــاديــة نـفـسـهـا؛ فـكـلـمـا زادت حـص المعرفة والتصنيع في المشاريع المشتركة، ارتــــفــــعــــت قـــــــــدرة مــــصــــر عــــلــــى الـــتـــصـــديـــر، وتحولت الـتـجـارة بين البلدين مـن تبادل غير متوازن للسلع إلى علاقة أوسع تشمل الإنتاج والخدمات والتكنولوجيا. نمو التجارة... وبداية تغيير بنيتها هـنـا، تـدعـم الأرقــــام الـتـجـاريـة صـورة الــعلاقــة المـتـنـامـيـة؛ إذ بـلـغ حـجـم الـتـجـارة مليار 95.19 السلعية بين الــصين ومصر مليار دولار أميركي، 14.16 يوان، أي نحو خلال الأشــــهــــر الـــســـبـــعـــة الأولـــــــى مــــن عـــام في المئة مقارنة 18.7 ، بزيادة قدرها 2026 بـالـفـتـرة نفسها مــن الــعــام الــســابــق، وفـق بيانات الإدارة العامة للجمارك الصينية. وارتــفــعــت الــــصــــادرات الـصـيـنـيـة إلـى فــي المــئــة، بينما نمت 17.5 مـصـر بنسبة في 49.4 واردات الــصين من مصر بنسبة المائـــــة، أمـــا واردات الــــصين مـــن المـنـتـجـات 82.6 الـزراعـيـة المـصـريـة فارتفعت بنسبة فـــي المائــــــة من 41.7 فـــي المائـــــــة، وشـــكّّـــلـــت إجـمـالـي وارداتــهــا مـن مصر خلال الفترة نفسها. وتـكـتـسـب هـــذه الأرقـــــام أهـمـيـتـهـا من كون نمو الواردات الصينية من مصر فاق نـمـو الـــصـــادرات الصينية إلـيـهـا، وإن ظل المــيــزان الـتـجـاري يميل بــوضــوح لمصلحة الـــــصين. ويـظـهـر الاهــتــمــام بـمـعـالـجـة هـذا الاخــــــتلال فـــي دعـــــوة الــبــيــان المــشــتــرك إلــى استقبال مزيد من المنتجات المصرية داخل السوق الصينية، ومواصلة التشاور بشأن اتفاقية «الحصاد المبك ّّر»، وزيادة استخدام العملات المحلية في التجارة والاستثمار. مــــــــع هـــــــــــــذا، فـــــــــــإن اتــــــــســــــــاع الـــــــعلاقـــــــة ّّــر وحـــده المـكـانـة التي الاقـتـصـاديـة لا يـفـس بـــــاتـــــت تـــحـــتـــلـــهـــا مــــصــــر فــــــي الـــحـــســـابـــات الصينية، لكون الزيارة أظهرت أن التعاون تــــجــــاوز الــــتــــجــــارة والاســـتـــثـــمـــار لـــيلامـــس الشواغل الاستراتيجية المصرية وقضايا الإقليم. * رئيس الرابطة العربية الصينية للحوار والتواصل ورئيس معهد طريق الحرير للدراسات والأبحاث قناة السويس (رويترز) قبل زيـــارة الرئيس الصيني شـي جينبينغ إلى القاهرة، انشغل معظم القراءات بالسؤال عمّّا يمكن أن تضيفه الزيارة إلى العلاقات المصرية - الصينية. أمـا بعد اختتامها، فقد تغيّّر الـسـؤال: مـاذا كشفت الـــزيـــارة فــــعلا عـــن طـبـيـعـة هـــذه الـــعلاقـــة؟ وإلــــى أيـن سـنـة مــن الـصـداقـة وعقد 70 يمكن أن تـذهـب بـعـد كامل من الشراكة الاستراتيجية الشاملة؟ لا تكمن الإجـــابـــة فـــي عـــدد الاتـــفـــاقـــات وحـــــده، ولا فـــي إعـــادة تعداد المشاريع التي أنجزتها الشركات الصينية في مصر، بل في التحوّّل الذي ظهر في طبيعة المجالات المطروحة للتعاون. إذ إن العلاقة التي بدأت سياسية، ثــم تـرسـخـت اقــتــصــاديا مــن خلال الـبـنـيـة التحتية والمشاريع الكبرى، تتقدم اليوم نحو التصنيع المحلي والتكنولوجيا والاقتصاد الرقمي وسلاسل الإمداد. ولقد لخّّص الرئيس الصيني هذا التوجّّه في مقاله الـــذي نـشـره فــي الـصـحـف المـصـريـة عشية وصـولـه إلى القاهرة بقوله: «علينا أن نحقق المنفعة المتبادلة والكسب المشترك ونكون قدوة في التنمية المشتركة» قراءة في العلاقات الثنائية... ومستقبلها *وارف قميحة شواغل لمصر والصين... من تايوان إلى فلسطين وأمن البحر الأحمر دخــلــت الــشــواغــل الاسـتـراتـيـجـيـة > المصرية صلب البيان المصري - الصيني المــشــتــرك، وفـــي مقدمتها نـهـر الـنـيـل. إذ أكـــــد الـــجـــانـــب الــصــيــنــي إدراك أهـمـيـتـه بـوصـفـه شـــريـــان الــحــيــاة لمــصــر، وحقها المــــــشــــــروع فـــــي حــــمــــايــــة أمــــنــــهــــا المائـــــــــي، والـــغـــذائـــي، ومـصـالـحـهـا الـتـنـمـويـة، مع دعـــــوة دول حــــوض الــنــيــل إلــــى الالـــتـــزام بــالــقــانــون الــــدولــــي، وتــحــاشــي الـتـسـبـب فــــي ضـــــــرر. ويـــحـــمـــل هـــــذا المــــوقــــف وزنا سياسيا واضحاً، لأنه يضع الأمن المائي المـــصـــري ضــمــن الــقــضــايــا الـــتـــي تحظى بتفهّّم الـــصين، ودعمها، ويـعـزّّز المبادئ الـقـانـونـيـة الـتـي تستند إلـيـهـا الـقـاهـرة، كما يدعم البحث عـن حلول تحمي حق التنمية لجميع دول الــحــوض مــن دون المـــســـاس بـالـحـقـوق والمــصــالــح الـحـيـويـة لمصر. وفي تأكيد متبادل لاحترام المصالح الــــجــــوهــــريــــة لـــلـــبـــلـــديـــن، جــــــــــد ّّدت مــصــر التزامها الثابت بمبدأ الــصين الـواحـدة، وأكـــــــدت أن تــــايــــوان جـــــزء لا يـــتـــجـــزأ مـن أراضـــي جمهورية الـــصين الشعبية، مع رفـــــض الـــتـــدخـــل فــــي الــــشــــؤون الــداخــلــيــة لــــــلــــــصين، ودعــــــــــم ســـــيـــــادتـــــهـــــا، ووحــــــــدة أراضـيـهـا. ويعكس ذلـك طبيعة الشراكة بين القاهرة وبكين، حيث يقترن التعاون الاقـتـصـادي والـتـنـمـوي بتفهم كـل طرف للقضايا المرتبطة بسيادة الطرف الآخر، وأمنه، ومصالحه الأساسية. أيــــــــــضا جــــــــدد الـــــبـــــلـــــدان مـــوقـــفـــهـــمـــا مـــن الــقــضــيــة الـفـلـسـطـيـنـيـة بــاعــتــبــارهــا الـقـضـيـة المـــركـــزيـــة فـــي الـــشـــرق الأوســـــط، وتمس ّّكا بـ«حل الدولتين»، وإقامة الدولة 4 الـفـلـسـطـيـنـيـة المـسـتـقـلـة عــلــى خـــطـــوط ، وعـاصـمـتـهـا 1967 ) يــونــيــو (حـــــزيـــــران الــــقــــدس الـــشـــرقـــيـــة، كـــمـــا رفـــضـــا تـهـجـيـر الفلسطينيين، ودعـــوا إلــى تثبيت وقف إطلاق الـــنـــار فـــي غـــــزة، وتــســهــيــل تـدفـق المـــســـاعـــدات الإنـــســـانـــيـــة، والـــحـــفـــاظ على وحدة الأراضي الفلسطينية. ولـــــــــم يــــــبــــــق الــــــتــــــقــــــارب الــــســــيــــاســــي مـــحـــصـــورا فـــي هــــذه الــقــضــايــا، بـــل امـتـد إلـى الـسـودان، والقرن الأفريقي، والبحر الأحـمـر، حيث شـــدّّد البيان على احـتـرام سـيـادة دول المنطقة، ووحـــدة أراضـيـهـا، وعــلـــى أن المــســؤولــيــة الــرئــيــســة عـــن أمــن البحر الأحمر تقع على الــدول المشاطئة له. وتـــتـــقـــاطـــع هـــــذه المــــواقــــف مــــع رؤيــــة مـــصـــر لأمـــنـــهـــا الــــقــــومــــي، ومـــــع المـــقـــاربـــة الصينية التي تربط الاستقرار بالتنمية، وتـفـضـل الـحـلـول الـسـيـاسـيـة عـلـى إدارة النزاعات بالقوة. ولا يحتاج هذا التقارب إلى أن يتحول لتحالف عسكري بالمعنى التقليدي حتى يكتسب أهميته؛ فقيمته تكمن فــي الـتـقـاء الــــرؤى حـــول الـسـيـادة، وعــــــــــدم الـــــتـــــدخـــــل، ورفــــــــــض الـــتـــهـــجـــيـــر، والمــعــايــيــر المــــزدوجــــة، وفـــي الـــقـــدرة على تــــحــــويــــل هــــــــذا الالـــــتـــــقـــــاء إلــــــــى تــنــســيــق أوســــع داخــــل الأمــــم المــتــحــدة، ومجموعة «بـــــريـــــكـــــس»، وغــــيــــرهــــمــــا مـــــن المـــنـــصـــات الدولية. ما يتجاوز مصر والصين لا تقف نتائج الــزيــارة عند حـدود الــــعلاقــــة الــثــنــائــيــة، فــتــحــول مــصــر إلــى قاعدة للإنتاج والتكنولوجيا بالشراكة مــــع الــــــصين يـــقـــدم لـــلـــتـــعـــاون الـــعـــربـــي - الــصــيــنــي نــــمــــوذجا أوســـــع مـــن الـــعلاقـــة الـقـائـمـة عـلـى تـــبـــادل الــطــاقــة، والـسـلـع، كما يمنح مصر فرصة أن تصبح حلقة وصـل إنتاجية بين التعاون الصيني - العربي والتعاون الصيني - الأفريقي، لا مجرد جسر جغرافي بينهما. ولا يـنـفـصـل هـــذا الـــــدور عـــن البعد الحضاري في الـعلاقـة؛ فمصر والـصين لا تـــــقـــــدمـــــان نـــفـــســـيـــهـــمـــا بـــوصـــفـــهـــمـــا دولــــــــتين نـــامـــيـــتين كـــبـــيـــرتين فــــقــــط، بـل إنهما حـضـارتـان تركتا أثــرا عميقا في التاريخ الإنساني، وهو ما أعطى زيارة الـــرئـــيـــسين وقــريــنــتــيــهــمــا إلـــــى المـتـحـف المـــصـــري الــكــبــيــر مـعـنـى تـــجـــاوز حـــدود البروتوكول. ASHARQ AL-AWSAT الموقع الجغرافي مهما بلغت أهميته لا يصنع مركزا اقتصاديا بمفرده بل تتضاعف قيمته حين يرتبط بموانئ حديثة وشبكات نقل فع ّّالة
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky