ليست المجتمعات العربية والإسلامية وحدّها من يعاني مشكلات في كيفية بناء العلاقة مع الآخر؛ بل إن أوروبا الحديثة -الــتــي أسـسـت تقدمها الــحــضــاري والـثـقـافـي عـلـى قـيـم الأنسنة وحقوق الإنسان وعدم التمييز، ونقد العقل الأوروبي ذاته- باتت تشكو أيضا حراكا في تركيبتها الهوياتية. يقوم هذا الحراك على العنصرية، واستعداء الآخر المهاجر إليها، والميل نحو الانغلاق، والقطيعة مــع الانـفـتـاح الـــذي أدى إلـــى وجـــود حـجـم ديمغرافي ملايين عربي. 6 مليون نسمة، ونحو 50 للجاليات المسلمة يُقدر بـ وطبعاً، هـذه القيم الطارئة على بناء الهوية في مواجهة الآخر داخـــل المجتمعات الأوروبـــيـــة الـراهـنـة لا تنسحب على الجميع، ولا يمكن تعميمها على الغالبية. فنحن أمـام مؤشرات لا نريد تضخيمها هباءً، ولكن من المهم في الوقت ذاته عدم التقليل من دلالاتـهـا؛ كما أننا لسنا أمـام مجرد مؤشرات معزولة وضعيفة المعنى إذا ما قمنا بتجميعها، بل إنها مؤشرات صانعة للمعاني والرسائل وللضوء الأحمر التحذيري أيضاً. وأول هــذه المعاني هـو الخط البياني التصاعدي لظاهرة تنامي شعبية الأحـزاب اليمينية المتطرفة، حيث يمكن توصيف هـــذا التنامي بـالانـتـصـارات الـتـي بـاتـت قيد التحقق فــي أنحاء عــدة فـي أوروبــــا؛ ســـواء فـي فرنسا عبر التفاعل التراكمي الـذي يلقاه خطاب مـاري لوبان، أو دلالـة ما حصل في إيطاليا؛ إذ إن فوز جورجيا ميلوني -من حزب «إخــوة إيطاليا» الممثل لليمين المتطرف- في الانتخابات العامة، وتقلدها منصب رئيسة الوزراء، إنـمـا يمثل حـدثـا تـاريـخـيـا، مــن منطلق كـونـه المــــرة الأولــــى منذ نهاية الحرب العالمية الثانية الذي يقود فيه الحكومة الإيطالية حزب يميني متطرف. أما المؤشر الأكثر خطورة، والذي استدعى تجميع المؤشرات كافة ووضعها تحت مجهر الفحص، وتشبيكها على طريقة تحليل البيانات -ولـكـن بسياق سياسي هــذه المـرة وليس اقتصادياً، على غرار الارتباط التقليدي للاقتصاد بتحليل البيانات- فيتمثل في تلك النتائج الموصوفة بالخطورة البالغة في الانتخابات الجهوية في ألمانيا؛ حيث حقق اليمين المتطرف هناك نتائج استثنائية، تعبر عـن قفزة كمية ونوعية تتجاوز الثلاثة أضعاف. أما السؤال الجوهري والمحير هنا: لماذا يعد صعود اليمين المتطرف في ألمانيا بالذات خطيراً، في حين أن الغالب على ملامح المهاجرين في ألمانيا أنهم من الكفاءات، ويختلف ملمحهم عن ملمح المهاجرين في فرنسا وإيطاليا؟ إن صعود اليمين المتطرف فـي ألمانيا يُــذكِّــرنـا آليا بهِتلر، وكيف قـاد حـزب يميني متطرف البلاد سابقا إلى حرب عالمية ثانية ثقيلة الخسائر. ولا تفوتنا الإشـــــارة إلـــى أن الـيـمـن المـتـطـرف لـيـس مـجـرد تسمية، بـقـدر ما يمثل فكرا ومقاربة يقومان على العنصرية، ورفض المهاجرين، والاستكبار العرقي والديني، والانكفاء الهوياتي؛ وهنا يكمن موطن الخطر والعدوانية، لأن اليمين المتطرف هو ثقافة ونظرة إلـــى الآخــــر، ومـــن الـخـطـأ الـــفـــادح حـضـاريـا حـصـره فــي التفسير الاقتصادي وتجريده من الخلفية الثقافية التي تجد ما تحتاج إليه من روافد تسقيها لتعيد النمو. صحيح أننا أمام انتصارات غير ساحقة، وأن صعود اليمين المتطرف -رغم تناميه- لم يبلغ الأغلبية بعد، وما زال في منطقة بعيدة عنها، ولكن الأمر يُقاس بطريقة مختلفة؛ أي بطبيعة الخط البياني التصاعدي الواثق. إضافة إلى ذلك، يشير الواقع الحالي إلى وجود حركة تنسيق قوية ومتساندة بين الأحـزاب اليمينية المتطرفة في أوروبـــا، وهــذا يجعل من الممكن الحديث عن جبهة داخل القارة تضم أحزابا متطرفة، تتبنى أفكارا عنصرية مناهضة للمهاجرين، وتحمل موقفا عدائيا خصوصا ضد الوجود العربي والإسلامي. والأمر لا يقف عند هذا الحد؛ إذ إن ظاهرة الصعود الحالية تمكّن هذه الأحزاب من مغادرة منطقة العزلة السياسية والمشاركة الشكلية إلى منطقة أخـرى، تفرض فيها شيئا فشيئا خلق تحالفات مع الأحـزاب التي تقترب نسبتها في الانتخابات منها أو التي ترى فيها ندِّية باتت على وشك التحقق. وفي هذا السياق، نلاحظ وجــود بـــوادر تـقـارب وود لإذابـــة الجليد بينها وبين الأحزاب اليمينية التقليدية الراهنة. إننا أمـام حـراك يستحق الانتباه والمراقبة والاستعداد له، سـواء داخـل أوروبــا نفسها أو بالنسبة إلى الضحايا المحتملين الذين ينتمون في أصولهم إلى المجتمعات العربية والإسلامية. وإذا مـا بحثنا فـي أسـبـاب هــذا الـصـعـود، ولــم نكتف بالاقتناع بسلطة السبب الاقتصادي ومـا تعانيه أوروبــا اليوم من أزمـات وبطالة، فإن مؤشرات عدة ترجِّح كفة أن يواصل اليمين المتطرف صـــعـــوده وصـــعـــود شـعـبـيـتـه؛ بــاعــتــبــار أن مــــؤشــــرات الانـــفـــراج الاقتصادي غير متوقعة في المدى القريب على الأقل، وهو السبب المباشر الذي يغذي الكيانات المتطرفة القائمة. وثـمـة معطى آخـــر سـيـحـدد لـنـا، بشكل أكـثـر حـسـمـا، مـدى جدية مخاطر هذا الصعود على العالم وعلى قيم الأنسنة وحقوق سيكون بمنزلة «عام انتخابي 2027 الإنسان؛ ويتمثل في أن عام خارق» في أوروبا، حيث ستشهد تسع دول في الاتحاد الأوروبي انتخابات وطنية حاسمة برلمانية ورئاسية تشمل أربعا من كبرى القوى السياسية والاقتصادية في القارة، وهي: فرنسا، وألمانيا، وسـلـوفـيـنـيـا، ولاتــفــيــا. والمـشـكـلـة الــكــبــرى تـكـمـن فـــي أن اليمين المتطرف في صعود مستمر، وسـط حــراك أوركسترالي أوروبــي منسّق، في حين تعيش القارة العجوز بأكملها حالة من الإنكار الصامت. سيُقرأ الاقتراع الاستطلاعي الثالث الذي يجريه مجلس الأمن لاختيار الأمين العام المقبل للأمم المتحدة على أنَّه منافسة تحكمُها الأرقـــــام. غير أن القضية الأسـاسـيـة تتعلَّق بطبيعة المنصب نفسه، فـي وقـــت يشهد فيه الـنـظـام الــدولــي مـزيـدا من التشرذم وتراجعا في الثقة بالمؤسسات متعددة الأطراف. وبـالـنـسـبـة إلـــى الـــــدول الــعــربــيــة، لا يـتـعـلَّــق الأمــــر بـخـيـار مؤسسي مـجـرد. فالنزاعات وإعـــادة الإعــمــار، والأمـــن الغذائي وأمـــــــن الــــطــــاقــــة، وضـــــغـــــوط المــــديــــونــــيــــة، ومــــــســــــارات الــتــنــويــع الاقـتـصـادي، كلُّها تتطلب كتلة متحدة قـــادرة على الربط بين الدبلوماسية والعمل الاقتصادي. يـتـوفَّــر المــرشــحــون عـلـى نــقــاط قـــوة مـتـكـامـلـة. فـقـد تـوَّلـت ميشيل باشيلي رئاسة تشيلي مرتين، كما قــادت هيئة الأمم المتحدة للمرأة والمفوضية الأممية السامية لحقوق الإنسان. أمَّـــــا رافـــائـــيـــل غـــروســـي، فــقــد أدار مــلــفــات حــســاســة فـــي مـجـال الــدبــلــومــاســيــة الـــنـــوويـــة عــلــى رأس الـــوكـــالـــة الـــدولـــيـــة للطاقة الذرية. وتجمع كارولين رودريغز- بيركيت بين خبرتها وزيرة لخارجية غيانا وإلمامها بأوضاع الدول الأكثر عرضة لتداعيات تغير المناخ. وترأست ماريا فرناندا إسبينوزا الجمعية العامة للأمم المـتـحـدة، فـي وقــت قــاد مـاكـي ســال كــا مـن السنغال والاتـحـاد الأفريقي. وعمل أولارا أوتونو على قضايا الأطفال المتضررين من الحروب، في حين تتمتَّع إيفون آ-باكي بخبرة دبلوماسية واسعة. أمَّا ريبيكا غرينسبان، فقد امتدَّت مسيرتها بين العمل الحكومي الوطني والتعاون الإقليمي ومنظومة الأمم المتحدة، بدءا من منصب نائبة رئيس كوستاريكا، مرورا ببرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، والأمانة العامة الأيبيرية - الأميركية، وصولا إلى هيئة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية. وينبغي تقييم هــذه الـخـبـرات فـي ضــوء التحديات التي ستواجه من سيخلف أنطونيو غوتيريش. يتمثل الـتـحـدي الأول فــي حــالــة الـشـلـل الجيوسياسي. فالأمين العام لا يستطيع إجـبـار القوى الدولية على الاتفاق، لكنَّه يستطيع إبقاء قنوات التواصل مفتوحة، واقتراح ترتيبات قابلة للتطبيق، ومنع الخلافات من إغلاق جميع سبل التعاون. وتبرز تجربة غروسي في التعامل مع المنشآت النووية المــعــرضــة للخطر أهـمـيـة المــصــداقــيـة والانــــخــــراط مـــع الأطــــراف المـتـنـازعـة. كـمـا تعكس تـجـربـة أوتــونــو ضــــرورة إبــقــاء حماية المدنيين في صلب النقاشات الاستراتيجية. وقـد قدَّمت مـبـادرة حبوب البحر الأســـود، التي توسَّطت فيها الأمــم المتحدة وتركيا، نموذجا آخـر للوساطة. فقد ربط الـــدور الــذي أدتــه غرينسبان بين المفاوضات المتعلقة بروسيا وأوكـرانـيـا، مـن جهة، والـتـجـارة البحرية، وإمــــدادات الأسـمـدة، والأمن الغذائي من جهة أخرى. وتكمن أهمية هذه التجربة في إدراك أن ترتيبا اقتصاديا تقنيا يمكنه إتاحة قدر محدود من التعاون في زمن الحرب وتحقيق فوائد إنسانية تتجاوز منطقة الـــنـــزاع. أمَّـــا الـتـحـدي الــثــانــي، فـهـو انـــعـــدام الأمـــن الاقــتــصــادي. فأعباء الديون تحد من قدرة الحكومات على تقديم الخدمات، في حين تزيد صدمات الغذاء والطاقة من الضغوط الاجتماعية. كما تعمق الهشاشة المناخية وعدم المساواة وصعوبة الوصول إلى التمويل الشعور بأن النظام الدولي لا يخدم جميع الدول على قدم المساواة. وتسلط مواقف رودريـغـز- بيركيت الضوء على هشاشة الـــــدول الــصــغــيــرة. أمَّــــا ســــال، فـقـد عــبَّــر عـــن أولــــويــــات التنمية الأفريقية، في حين تبرز مسيرة باشيلي العلاقة بين الحماية الاجتماعية والشرعية المؤسسية. وتــــربــــط خـــبـــرة غــريــنــســبــان فــــي بـــرنـــامـــج الأمــــــم المــتــحــدة الإنمائي والهيئة الأممية للتجارة والتنمية بين الواقع الداخلي لـــلـــدول، والــهــيــاكــل الــدولــيــة الــتــي تـحـكـم الـــديـــون والاسـتـثـمـار والتجارة وتمويل التنمية. لذلك؛ يتعي على الأمين العام المقبل أن يفهم المـفـاوضـات بـن الـــدول، والضغوط الاقتصادية التي تشكّل سلوكها. ويــكــمــن الــتــحــدي الــثــالــث داخـــــل الأمـــــم المــتــحــدة نفسها. فالمنظمة تواجه قيودا مالية، وتوسعا في ولاياتها، وتراجعا في الثقة بقدرتها على تحقيق النتائج. وتوفر رئاسة إسبينوزا للجمعية العامة رؤية بشأن الإصلاح المؤسسي، في حين تُظهر قيادة غرينسبان للأمانة العامة الأيبيرية - الأميركية والهيئة الأممية للتجارة والتنمية خبرة في التوفيق بين الطموحات المؤسسية والقيود السياسية والمالية. ولا يمكن اختزال الإصلاح في إعادة تنظيم الإدارات. فهو يتطلَّب أولويات أكثر وضوحاً، ومساءلة حقيقية، وشراكات مع المنظمات الإقليمية ومؤسسات التنمية والمجتمع المدني، ومع القطاع الخاص. كما يتعي على الأمـن العام المقبل أن يعرف المنظومة جيدا بما يكفي لإصلاحها. ومــــن شــــأن اخـــتـــيـــار أول امــــــرأة لمـنـصـب الأمـــــن الـــعـــام أن يمنح هذه العملية أهمية تاريخية. وستكون النتيجة الأقوى هي التي تجمع بين هـذا الاستحقاق وبـن الكفاءة التنفيذية والدبلوماسية. تكشف الاقتراعات الاستطلاعية عن مستويات التأييد، لكنَّها لا تقيس جميع المؤهلات التي يتطلّبها المنصب. وينبغي لمجلس الأمـــن أن يبحث عـن شخصية مـارسـت المسؤولية في حكومة وطنية، وفهمت قضايا التنمية من داخل الأمم المتحدة، وبنت توافقا بين دول متباينة سياسياً، وأدارت مؤسسة دولية تحت ضغوط مالية وجيوسياسية. فالمطلوب قائد يستطيع الـــتَّـــحـــرك بـــن الــدبــلــومــاســيــة والاقــــتــــصــــاد، وبــــن الــحــكــومــات والأسواق، وبين الأزمات وأسبابها البنيوية. لا يمكن لأي مرشح أن يجسّد جميع هذه المؤهلات. لكن المرشح الأقوى سيكون من تكشف مسيرته عن قدرة سابقة على الربط بين هذه العوالم المختلفة، وتحويل مبادئ العمل متعدد الأطراف إلى نتائج ملموسة. لا غرابة في أن يرفع نائب في البرلمان صـوتـه، ولا أن يحتدم الـنـقـاش بـن الكتل النيابية، لـكـن هـنـاك إشــكــالا كبيرا فـي أن يصبح رفـع الصوت بديلا عن الـحـوار، أو حين يتحوَّل الدفاع عن الرأي إلى محاولة لحمايته من الأسئلة التي فرضها الواقع. ما ظهر في خطاب بعض نواب «حزب الـلـه» أثـنـاء جلسة تجديد الثقة بحكومة نــــــــواف ســـــــام يـــســـتـــحـــق الــــتــــوقــــف عــــنــــده، فالحزب لا يواجه خصومه فقط، بل يواجه أسئلة تأتي من داخل البيئة التي تحملت نـتـائـج الــحــرب: مــا جـــدوى الــحــرب؟ ومـــاذا خـسـر الــجــنــوب؟ ومَــــن يـمـلـك قــــرار الـحـرب والسلم؟ وهل ما كان يُقدَّم بوصفه ضمانة لــــأرض مـــا زال قـــــادرا عـلـى أداء الـوظـيـفـة نـــفـــســـهـــا، بــــعــــدمــــا أصــــبــــحــــت مـــــــدن وقـــــرى الجنوب أمام جغرافيا مهددة، وناس طال نزوحهم، ومجتمع يدفع أثمانا متراكمة؟ هنا تكمن أزمة السردية، فالسرديات الــــســــيــــاســــيــــة لا تــــســــقــــط لأن خـــصـــومـــهـــا ينتقدونها، بـل عندما تتسع المسافة بين وعودها والواقع الذي يعيشه جمهورها. وحـن تصبح الإجابة عن النتائج أصعب مـن الـدفـاع عـن النيات ينتقل الخطاب من تـفـسـيـر الـــواقـــع إلـــى حـمـايـة الـــروايـــة الـتـي صنعت شرعيته. لقد قامت إحدى ركائز خطاب «حزب الله» على معادلة أن السلاح يحمي الأرض -«نـــحـــمـــي ونـــبـــنـــي»- وأن المـــقـــاومـــة تـمـنـع إسـرائـيـل مـن فــرض إرادتــهــا عبر «معادلة تـــوازن الــرعــب». لكن الـحـرب نقلت السؤال إلى مستوى آخـر: ليس فقط هل يستطيع السلاح أن يردع، بل هل يستطيع أن يحمي الإنسان والجغرافيا واستمرارية المجتمع؟ وهذا سؤال سياسي واجتماعي وأخلاقي عن معنى القوة ووظيفتها. فـــالـــســـاح وســـيـــلـــة، أمــــا الأرض فهي المجال الـذي يعيش فيه الإنـسـان، والدولة هـــي الإطـــــار الـــــذي تــتــحــول فــيــه الـــقـــوة إلــى سيادة، والمجتمع هو الغاية التي يُفترض أن تُستخدم القوة لحمايتها. الــــجــــغــــرافــــيــــا لـــيـــســـت مــــســــاحــــة عــلــى الــخــريــطــة، بـــل الــبــيــت والمــــدرســــة والــســوق والمــقــبــرة والـــذاكـــرة والمـــجـــال الــــذي يستمر فـــيـــه المـــجـــتـــمـــع. لــــذلــــك، فـــــإن خـــســـارتـــهـــا لا تـــعـــنـــي خــــســــارة الأرض فــــقــــط، بــــل تـعـنـي تـــهـــديـــدا لـــإنـــســـان والـــهـــويـــة والاســـتـــقـــرار. ومـــــن المــــفــــارقــــات أن يــصــبــح الـــحـــديـــث عـن تراجع أهمية الجغرافيا أكثر حضورا كلما أصـبـحـت أكـثـر عـرضـة لـلـخـسـارة؛ فـالـدول لا تـتـقـاتـل عـلـى الأرض لأنــهــا تنتمي إلـى الماضي، بل لأنها ما زالـت جوهر السيادة والأمن والديموغرافيا. في هذا السياق، يصبح أي تمايز في الأداء السياسي داخـل «الثنائي الشيعي» جـــــديـــــرا بــــالمــــراقــــبــــة، مـــــن دون الـــقـــفـــز إلـــى استنتاج وجــود خــاف استراتيجي. فقد يعكس اخــتــاف الـنـبـرة وطـريـقـة التعامل مع الحكومة والمؤسسات اختلافا في إدارة المرحلة أو ترتيب الأولويات. لكن مـا بعد الـحـرب ليس كما قبلها. وهــــنــــا تـــقـــع مـــســـؤولـــيـــة «حـــــــزب الــــلــــه» عـن خياراته، لا باعتباره اختصارا للمقاومة، بـــل بـــاعـــتـــبـــاره طـــرفـــا ســيــاســيــا وعـسـكـريـا امتلك قـــرارا مـؤثـرا فـي الـحـرب ونتائجها. ولــــيــــس كـــافـــيـــا شــــــرح دوافــــــــع الــــخــــيــــارات؛ المطلوب الإجـابـة عـن نتائجها، ومراجعة أين أصابت الحسابات، وأين أخطأت، وما إذا كـانـت تكلفة الــقــرار أصـبـحـت أكـبـر من القدرة على تبريره. وهــنــا يـجـب إعـــــادة تـعـريـف الـنـقـاش: المـقـاومـة ليست حـزبـا، وليست سـاحـا أو جــمــاعــة بـعـيـنـهـا، ولــيــســت مــلــكــا لتنظيم سـيـاسـي. المــقــاومــة، فــي معناها الـوطـنـي، مـــســـؤولـــيـــة الــــدولــــة والمـــجـــتـــمـــع الــلــبــنــانــي، وهــــــدفــــــهــــــا حـــــمـــــايـــــة الأرض والإنـــــــســـــــان والسيادة. أمـا قرارها وأدواتـهـا فيجب أن يكونا جزءا من نقاش وطني ومؤسساتي. ومـــــن هـــنـــا تــــبــــدأ مـــســـؤولـــيـــة الـنـخـبـة الشيعية، فوظيفتها ليست حماية «حزب الـــــلـــــه» مـــــن الــــنــــقــــد، ولا اخـــــتـــــزال الــطـــائــفــة بـخـيـاراتـه، بــل اسـتـعـادة حــق المجتمع في إنـــتـــاج أســئــلــتــه الــســيــاســيــة: عـــن الـــدولـــة، والــــحــــرب والـــســـلـــم، والــــســــاح، ومـسـتـقـبـل الجنوب، والعلاقة بين المقاومة والسيادة. وعـلـيـهـا أن تـمـيـز بـــن المـــقـــاومـــة بوصفها قـيـمـة وطــنــيــة، وإدارة المــقــاومــة بوصفها خيارا سياسيا قابلا للصواب والخطأ. ولا يـــجـــوز أن يــتــحــول احــــتــــرام فـكـرة المـــقـــاومـــة إلــــى إعـــفـــاء أصـــحـــاب الــــقــــرار من المـــســـؤولـــيـــة، كــمــا لا يـــجـــوز أن يُــطــلــب من المجتمع دفـع ثمن خـيـارات لـم يقررها، ثم يُــطـلـب مـنـه الـصـمـت بـاسـم وحـــدة الـصـف. وحدة المجتمع لا تعني تحصين القرار من المساءلة. فالجمهور الــذي تحمَّل الـحـرب ليس بــحــاجــة إلــــى مـــزيـــد مـــن الــــصــــراخ، بـــل إلــى إجابات. والنخبة التي تجرؤ على مساءلة الخيارات تستطيع أن تحوّل الخسارة إلى فــرصــة لإعــــادة بــنــاء الـعـاقـة بــن المجتمع والدولة. فـــالمـــرحـــلـــة الــــجــــديــــدة لا تـــحـــتـــاج إلـــى خــــطــــاب يـــطـــلـــب مـــــن المـــجـــتـــمـــع أن يـحـمـي السردية، بل إلـى سردية تحمي المجتمع؛ ولا تحتاج إلـى احتكار للمقاومة، بل إلى استعادة معناها الوطني؛ ولا تحتاج إلى تــبــريــر الــخــســائــر، بـــل إلــــى مــراجــعــة تمنع تكرارها. وعـــلـــيـــه، فــــالأزمــــة الــحــقــيــقــيــة لا تــبــدأ عندما يخسر الحزب معركة خطابية داخل الـبـرلمـان، بـل عندما يصبح خطاب الأمـس عــاجــزا عــن تفسير واقـــع الـــيـــوم. عـنـدهـا لا يعود الـسـؤال: دفاعا عن السردية أم أزمة خـــطـــاب؟ بـــل يـصـبـح الـــســـؤال الأعـــمـــق: هل تستطيع السردية أن تتغير قبل أن تتحول أزمة الخطاب إلى أزمة ثقة؟ OPINION الرأي 12 Issue 17461 - العدد Friday - 2026/9/18 الجمعة الأمين العام المقبل... ماذا يتطلّب المنصب؟ !2027 هل يكتسح اليمين المتطرف أوروبا عام «حزب الله»: دفاعا عن السردية أم أزمة خطاب؟ وكيل التوزيع وكيل الاشتراكات الوكيل الإعلاني المكـــــــاتــب المقر الرئيسي 10th Floor Building7 Chiswick Business Park 566 Chiswick High Road London W4 5YG United Kingdom Tel: +4420 78318181 Fax: +4420 78312310 www.aawsat.com [email protected] المركز الرئيسي: ٢٢٣٠٤ : ص.ب ١١٤٩٥ الرياض +9661121128000 : هاتف +966114429555 : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: www.arabmediaco.com هاتف مجاني: 800-2440076 المركز الرئيسي: ٦٢١١٦ : ص.ب ١١٥٨٥ الرياض +966112128000 : هاتف +9661٢١٢١٧٧٤ : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: saudi-disribution.com وكيل التوزيع فى الإمارات: شركة الامارات للطباعة والنشر الريـــــاض Riyadh +9661 12128000 +9661 14401440 الكويت Kuwait +965 2997799 +965 2997800 الرباط Rabat +212 37262616 +212 37260300 جدة Jeddah +9661 26511333 +9661 26576159 دبي Dubai +9714 3916500 +9714 3918353 واشنطن Washington DC +1 2026628825 +1 2026628823 المدينة المنورة Madina +9664 8340271 +9664 8396618 القاهرة Cairo +202 37492996 +202 37492884 بيروت Beirut +9611 549002 +9611 549001 الدمام Dammam +96613 8353838 +96613 8354918 الخرطوم Khartoum +2491 83778301 +2491 83785987 عمــــان Amman +9626 5539409 +9626 5537103 صحيفة العرب الأولى تشكر أصحاب الدعوات الصحافية الموجهة إليها وتعلمهم بأنها وحدها المسؤولة عن تغطية تكاليف الرحلة كاملة لمحرريها وكتابها ومراسليها ومصوريها، راجية منهم عدم تقديم أي هدايا لهم، فخير هدية هي تزويد فريقها الصحافي بالمعلومات الوافية لتأدية مهمته بأمانة وموضوعية. Advertising: Saudi Research and Media Group KSA +966 11 2940500 UAE +971 4 3916500 Email: [email protected] srmg.com مصطفى فحص لحسن حداد آمال موسى
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky