issue17458

بــــعــــد أيــــــــــام قـــلـــيـــلـــة مــــــن إطــــــــــاق أحــــــــد مـــوظـــفـــيـــه الـسـابـقـن تــحــذيــرات علنية حـــول الـتـهـديـد الـنـاجـم عن الـــذكـــاء الاصـطـنـاعـي تـجـاه الـبـشـريـة، رد رئـيـس شركة «أنثروبيك»، داريو أمودي، بما يبدو أنه حل للمشكلة؛ ففي إطار مقال نشره، اقترح أن تبطئ مختبرات الذكاء الاصــطــنــاعــي وتـــيـــرة أبـحـاثـهـا الأكـــثـــر تــقــدمــا، لمعالجة المؤشرات التي تدل على أن هذه التكنولوجيا قد تخرج عن حدود السيطرة. للوهلة الأولــى، قد يبدو هذا المقترح منطقياً. في الــواقــع، لطالما حرصت شركة «أنـثـروبـيـك» على تقديم نفسها، بوصفها الشركة الأشـــد حـرصـا على السلامة في مجال الذكاء الاصطناعي، وسبق أن تحدث أمودي عن قيادة «سباق نحو القمة»، لإرســاء معايير اليقظة والحذر ليتبعها الآخــرون عند بناء أنظمة قوية. ومع ذلــــك، ربــمــا لــم يـكـن هـــذا ســـوى خــيــار مـثـالـي مستحيل التطبيق منذ البداية. وكلما زادت قوة وكـاء الذكاء الاصطناعي، زادت احتمالية خداعها للبشر، وصَعُبت مراقبتها. وعليه، تــبــدو مـهـمـة أمـــــودي، ورواد آخـــريـــن مـثـلـه بـيـنـهـم سـام ألتمان، رئيس شركة «أوبن إيه آي»، لخلق أنظمة فائقة الــذكــاء، صعبة التوفيق، على نحو كبير، مـع أي نهج للسلامة؛ خصوصا وأن أخـطـار محاولة تصميم مثل هذه النماذج، قد تكون أكبر من أن تُحتمل. من جهته، عبّر أمودي، في إطار مقابلات تلفزيونية عقدها الأحد، عن اتفاقه مع آراء موظفه السابق جيكوب كوكسون، الذي كتب على منصة «إكس» أن الأشخاص الذين يعكفون على بناء الذكاء الاصطناعي، «يعتقدون حـقـا أنـــه قــد يـقـضـي علينا جميعا بـحـلـول نـهـايـة هـذا العقد». ولم يكن مستغربا أن يشير أمودي إلى النقطة التي أثارها كوكسون بخصوص أن «أنثروبيك» الطرف الأكثر موثوقية لتطوير هذه التكنولوجيا بأمان. ومــع ذلـــك، جــاء مـقـال رئـيـس «أنـثـروبـيـك»، المؤلف كــلــمــة، مـبـهـمـا بـــشـــأن مـــا يــجــب فـعـلـه حـيـال 3.831 مـــن ذلــــك. واكـتـفـى بــإطــاق دعــــوة فـضـفـاضـة إلـــى التنسيق بين الحكومات والقطاع الصناعي. أما اقتراحه الأكثر تـحـديـداً، فتمثل فـي ضـــرورة إدمـــاج مدققين خارجيين داخــل شركته والـشـركـات المنافسة، للتحقق مـن التزام الشركات بالممارسات المقبولة بمجال السلامة. غير أن هذا لا يعدو كونه تأجيلا لمواجهة المشكلة؛ فـــلـــو كـــــان أمــــــــودي يـــتـــفـــق حـــقـــا مــــع كــــوكــــســــون، لأوقــــف أكــثــر أبــحــاث شـركـتـه تـــطـــوراً، خـصـوصـا كــل مــا يتعلق ببناء وكـــاء ذكـــاء اصطناعي قـادريـن على خلفاء لهم بـشـكـل مـسـتـقـل. وقـــد حــــذّر كــوكــســون تــحــديــدا مــن هـذه التكنولوجيا، المعروفة باسم التحسين الذاتي المتكرر. مـــن جــهــتــهــم، يـــجـــادل الــبــاحــثــون الــعــامــلــون على التحسين الذاتي المتكرر، بأنه من الممكن تطويره داخل بيئة معزولة، لمنعه مـن إلـحـاق ضـرر بشبكة الإنترنت الإقـلـيـمـيـة أو الــعــالمــيــة. إلا أنـــه فـــي واقــــع الأمـــــر، أصـبـح بـاسـتـطـاعـة نـــمـــاذج الـــذكـــاء الاصــطــنــاعــي تـنـفـيـذ مـهـام على الإنـتـرنـت تتجاوز بكثير مـجـرد إنـشـاء المحتوى، وسبق لها بالفعل الهروب من الحدود المفروضة عليها. على سبيل المـثـال، أقــدم وكــاء «أوبــن إيـه آي» على ذلك بالضبط، قبل اخــتــراق شـركـة «هغينغ فـيـس» الزميلة في مجال الذكاء الاصطناعي، في وقت قريب. وكشفت الأشــهــر القليلة المـاضـيـة أن الـــذكـــاء الاصـطـنـاعـي قــادر على خــداع مراقبيه مـن البشر، ومناورتهم لمساعدته، واستغلال الثغرات الأمنية للوصول إلى أهدافه. قـــد يـــبـــدو الـــتـــوقـــف الـــتـــام عـــن تــلــك الأبــــحــــاث أمـــرا متطرفاً، غير أن هناك سابقة تاريخية لعلماء قرروا أن أبحاثا تنطوي على خـطـورة بالغة تمنع استمرارها، ، دعا كبار علماء 1974 دون ضمانات أشد صرامة. عام الأحــــيــــاء إلــــى تـجـمـيـد طـــوعـــي لـبـعـض تـــجـــارب تـعـديـل الجينات، بسبب المخاوف من أخطارها المحتملة. وفيما يتعلق بالمستثمرين، الذين ضخوا ثروات طـائـلـة فــي «أنـثـروبـيـك» والمـخـتـبـرات الـــرائـــدة الأخــــرى - وفي البنية التحتية الهائلة المطلوبة لدعم احتياجاتها الــحــاســوبــيــة - قـــد يــبــدو قــــرار الــتــوقــف بـمـثـابـة ضـربـة قاصمة لآفاق انضمام أمودي وغيره إلى الأسواق المالية العامة. وبالفعل، اتفق ألتمان، رئيس «أوبن إيه آي»، مع منافسه حول الحاجة إلى إبطاء وتيرة العمل، واستغل اللحظة ليعلن أن شركته لن تجري طرحا عاما أوليا هذا العام. ويجدر التذكير هنا بأن كثيرا من الشركات، يفضل اســـتـــخـــدام نـــمـــاذج ذكـــــاء اصــطــنــاعــي، أصـــغـــر وأرخــــص لمهمات مـحـددة، بـــدلا مـن الأدوات الفائقة والتنافسية المـكـلـفـة، مـثـل الــذكــاء الاصـطـنـاعـي الــفـائــق. عـلـى سبيل المثال، خفضت «أوبن إيه آي» سعر نموذجها الأصغر، في المائة في يوليو (تموز) الماضي، 80 «لونا»، بنسبة فـي ظـل تدقيق عـمـاء الـشـركـات فـي إنفاقهم على هذه التكنولوجيا. الــيــوم، تكمن الـفـرصـة الـتـجـاريـة الأكـثـر وضــــوحــــا لـــشـــركـــات الـــــذكـــــاء الاصــــطــــنــــاعــــي، فــــي ســـوق الــشــركــات ـ فــرصــة مـعـطـلـة فـــي جـــزء كـبـيـر مـنـهـا، جـــراء عدم استيعاب مؤسسات الأعمال بعد كيفية دمج هذه التكنولوجيا الأساسية في سير أعمالها. الـحـقـيـقـة أن جــــزءا كـبـيـرا مـــن مــئــات المـــلـــيـــارات من الــــــــــــدولارات، الـــتـــي لــــم تُــســتــغــل بـــعـــد مــــن قــيــمــة الـــذكـــاء الاصطناعي، يمكن جنيها ببساطة مـن خـال تطبيق الـــتـــكـــنـــولـــوجـــيـــا الــــتــــي بُـــنـــيـــت بـــالـــفـــعـــل خــــــال الـــعـــامـــن الماضيين. وكان بإمكان «أنثروبيك» أن تظل شركة ذات قـيـمـة هــائــلــة، لـــو ركــــزت بـشـكـل أســـاســـي عـلـى مـسـاعـدة الـــشـــركـــات والمـسـتـهـلـكـن فـــي دمــــج نــمــاذجــهــا الـحـالـيـة فـي أعمالهم وحياتهم، وتقبلها لعب دور أكـثـر رتابة بوصفها مــزودا لخدمات تكنولوجيا المعلومات، بدلا مـــن الــتــنــافــس بـوصـفـهـا مـخـتـبـرا يـــهـــرول نــحــو الـــذكـــاء الاصطناعي الفائق. * بالاتفاق مع «بلومبرغ» قبل أن ننشغل بحساب كم سفينة إيرانية ضُرِبت في «هرمز»، وكم سفينة تجارية تعرضت لهجوم إيراني، علينا أن نبتعد قليلا عن هذه اللقطة ونحاول أن نرى ما يحدث بعين شمولية وأكثر اتساعا للمشهد كاملاً. العنوان الرئيسي الشامل للصورة أو للحدث هو أن نظاما دوليا جديدا يُبنى ويُعد له الآن، انتهى فيه زمن العولمة وكل ما حمله معه من أفكار فوضوية لما يُسمى إلـــغـــاء الـــحـــدود الـسـيـاسـيـة وعـــبـــورهـــا، مــثــل الـجـمـاعـات العابرة للحدود والمنظمات العابرة للحدود التي أدَّت إلـى ضعف الـدولـة المـركـزيـة. مـا يحدث فـي منطقتنا هو نهاية هذا كله، والعودة لتعزيز وتقوية وتقدير الدولة الوطنية. العودة للدولة الوطنية؛ هذا هو العنوان الأساسي الـــذي يـتـرجـم مــا يـحـدث مــن تفاصيل أصـبـحـت صغيرة أمـام هذا الواقع الجديد الـذي تحاول إدارة ترمب العمل عليه، ويجد صـدى وترحيبا لـدى الــدول التي عانت من الـتـدخـات الأميركية فـي الـشـؤون الداخلية فيما مضى كدول الخليج العربي. وفي خطاباته السياسية الأخيرة كوزير للخارجية فــي إدارة دونــالــد تـرمـب الـحـالـيـة، لـخّــص روبــيــو رؤيـتـه للدولة الوطنية عبر محاور رئيسية تعكس فكر «اليمين الجديد» المحافظ في أميركا: العودة إلى مركزية «الدولة الوطنية» والحدود، في مواجهة وهم العولمة؛ حيث يرى روبيو أن نهاية الحرب الباردة خلقت «وهماً» بأن العالم سيتحول بالكامل إلى ديمقراطيات تعتمد السوق الحرة، وأن فكرة «عدم أهمية أين تُصنع الأشياء» كانت خطأ استراتيجياً. الحدود والسيادة المطلقة: يؤكد روبيو علانية أن «الدولة الوطنية لا تزال مهمة، والقومية لا تزال حقيقية، والحدود الوطنية لا تزال قائمة»، وأن الدول ستتصرف دائما بناء على مصالحها القومية العليا. ولو تجاوزنا المصلحة القومية الأميركية في هذه الـــرؤيـــة الــجــديــدة وتـرجـمـنـا تـلـك الـــرؤيـــة عـلـى تفاصيل مـا يجري فـي منطقتنا، فــإن مـا يحدث لإيـــران لا يتعلق ببرنامجها الــنــووي ولا بـصـواريـخـهـا ولا بمسيّراتها ولا حتى بـ«هرمز»؛ الموضوع هو إعادة إيران لحدودها الــســيــاســيــة، أي حــــدود الـــدولـــة الــقــومــيــة، وانـــتـــهـــاء زمــن التمدد والتوسع والأذرع والجماعات العابرة للحدود الـــتـــي دعـــمـــهـــا الـــيـــســـار الـــغـــربـــي؛ كـــالـــجـــمـــاعـــات الــديــنــيــة «الإخـــــوان المـسـلـمـن» و«الـــولـــي الـفـقـيـه»، ومـــا خلقته من فوضى عالمية. إيران نجحت في توظيف كل ما أتاحته العولمة من فرص، فعززت قوة الجماعات العابرة للحدود خصوصا الإسلامية، وتحايلت على العقوبات بأن منحت منافسي الـــولايـــات المـتـحـدة احـتـيـاجـاتـهـم بـعـد أن خفضت تكلفة صـنـاعـاتـهـم تــحــت غــطــاء الــتــحــايــل عــلــى الــعــقــوبــات، ثم انتهت بأن مارست كل ما من شأنه تهديد الملاحة الدولية والتجارة الحرة، فأصبحت «لا دولة» وسلوكها غير قابل للاحتواء وتعارض كل ما من شأنه تعزيز مفهوم الدولة الوطنية. حتى اليسار الغربي الــذي كــان عـــرّاب العولمة بــدأ يـرضـخ أمـــام الاكـتـسـاح اليميني المـتـطـرف، ويتنازل عـن فـوضـاه التي سمحت بهذا التغول الإيــرانــي، فشدد عقوباته وعد «الحرس الثوري» الإيراني منظمة إرهابية بعد أربعة عقود من تأسيسه، وبعد أن عاث في المنطقة فسادا ً. أمـا مـن تبقى لإيـــران مـن حلفاء فهم على استعداد لمــســاعــدتــهــا، إنــمــا يـــريـــدون الاســـتـــفـــادة مـــن فــرصــهــا في الــــداخــــل الإيــــرانــــي فـــقـــط. مـــا عــــاد مـمـكـنـا الـــســـمـــاح لتلك الفوضى التي خلقتها بــأن تستمر وتستمر معها تلك الاســـتـــفـــادة غــيــر المـــشـــروعـــة، لـــذلـــك عــلــى إيـــــران أن تـعـود كدولة طبيعية تلتزم حدودها السياسية وستتمكن من التعايش مع النظام الجديد. هـــذا هــو جــوهــر الـــصـــراع الــــذي يــبــدو أنـــه أمـيـركـيإيـــرانـــي أو إســرائــيــلــي-إيــرانــي، ولـكـنـه فـــي الـــواقـــع يـــدور حــول عـــودة حماية الــدولــة الـوطـنـيـة، وإيــــران تـقـاوم هذا الواقع الجديد وتصر على الاحتفاظ بمشروعها وأدوات توسعها المرفوض. لــــم تـــكـــن مــــوجــــة الـــــنـــــزوح الــيــمــنــي الأخــــيــــرة إلـــى جيبوتي، على وقـــع الأحــــداث المـتـسـارعـة فـي الساحل الـغـربـي لـلـيـمـن، الأولــــى مــن نـوعـهـا، كــمَــا أنَّــهــا ليست مجرد حالة إنسانية عابرة فرضتها ظــروف الصراع الـــراهـــن؛ بــل هــي امـــتـــداد لـتـاريـخ طــويــل مــن الـتـواصـل والهجرة والتَّداخل الإنساني بين ضفتَي «باب المندب». لـــقـــد كــــانــــت جـــيـــبـــوتـــي، الـــصـــغـــيـــرة بـمـسـاحـتـهـا الـــجـــغـــرافـــيـــة وإمـــكـــانـــاتِـــهـــا الاقــــتــــصــــاديــــة، كـــبـــيـــرة فـي احـتـضـان أبــنــاء جـــوارهـــا، وحـكـيـمـة فــي تعاطيها مع أزمــــــات المــنــطــقــة وتــقــلّــبــات الـــعـــالـــم. فـعـلـى الـــرغـــم مـمَّــا تفرضه مـوجـات الـنـزوح مـن أعـبـاء أمنية واقتصادية واجــتــمــاعــيــة جـسـيـمـة، لـــم تــتــخــل جـيـبـوتـي يــومــا عن مسؤوليتها الإنسانية، ولـم توصد أبـوابَــهـا أمــام من قصدها طلبا للأمن والنجاة. إذا تحدثنا عن نــزوح الأشـقـاء والأهــل من اليمن إلــــى جــيــبــوتــي فـــي أزمـــنـــة الــــصــــراعــــات، فـــــإن الـــتـــاريـــخ المــعــاصــر يــســجّــل مـــوجـــات مــتــعــاقــبــة؛ أبـــرزهـــا مــوجــة ، إثـر انـــدلاع الأزمــة اليمنية وتفاقم الصراع 2015 عـام الـتـي عُــرفــت بحرب 1994 المـسـلـح، وقـبـلـهـا حـــرب عـــام الانفصال، وكذلك أحداث الثالث عشر من يناير (كانون في جنوب اليمن. 1986 الثاني) عام غـيـر أن الانــتــقــال بــن الـضـفـتـن لــم يـكـن مرتبطا بــالــحــروب وحــدهــا؛ فـقـد شـهـدت المنطقة عـلـى امـتـداد تاريخها هجرات يمنية متواصلة من مختلف أنحاء اليمن: من شرقه وشماله ووسطه وجنوبه وساحله الغربي. وكان الناس يركبون البحر في زوارق خشبية بـسـيـطـة، ويـقـطـعـون المــســافــة الـقـصـيـرة بــن الضفتين خلال ساعات، ليصلوا إلى جيبوتي، البوابة الأفريقية المقابلة لـ«باب المندب». ولم تكن الهجرة في اتجاه واحـد، بل ظل التَّنقل مــتــبــادلا بــن ضـفـتـي الـبـحـر الأحــمــر و«بــــاب المــنــدب». فعندما انهارت مؤسسات الدولة في الصومال مطلع تـسـعـيـنـات الــقــرن المـــاضـــي، واضــطــر مــئــات الآلاف من الـصـومـالـيـن إلـــى مـــغـــادرة ديـــارهـــم، لــجــؤوا إلـــى دول الجوار، كمَا عبر كثير منهم البحر نحو اليمن، حيث وجــــــدوا عــلــى الــضــفــة الأخــــــرى مـــــاذا آمـــنـــا وحــاضــنــة إنسانية. وهـــكـــذا ظـــلَّـــت شـــعـــوب المــنــطــقــة تـــتـــبـــادل الإيـــــواء والــنــصــرة فــي أزمــنــة المــحــن؛ يستقبل بعضها بعضا كلما ضـاقـت السبل واشـتـدت الأزمـــات. ومـع استمرار الـتـنـقـل بــن الـضـفـتـن، تـداخـلـت الـــعـــادات والـثـقـافـات، وتشابكت الروابط الاجتماعية، ونشأت أواصر القرابة والمصاهرة، حتى أصبح التزاوج والانصهار الإنساني حالة طبيعية راسخة، تتجدَّد مع استمرار الحياة في هذه المنطقة. ولـم يعد البحر حـاجـزا يفصل بـن الشعوب، بل تحوَّل إلى جسر للتواصل والتعارف وتبادل المنافع، وصياغة ذاكرة إنسانية مشتركة بين ضفتيه. وفي الحديث عن تاريخ الهجرة في هذه المنطقة، لا يـمـكـن إغـــفـــال واحــــــدة مـــن أعـــظـــم مــحــطــات الــتــاريــخ الإسـامـي، والمتمثلة في هجرتَي صحابة رسـول الله (صـلـى الـلـه عليه وسـلـم)، الأولـــى والـثـانـيـة، إلــى أرض الحبشة، حين فرّوا بدينهم من الاضطهاد، فاستقبلهم النَّجاشي وآواهم وأكرم وفادتَهم، ولم يسلّمهم إلى من أراد بهم سوءاً. وقد أرست تلك الهجرة معاني إنسانية خالدة في إغاثة المستجير، ونصرة المظلوم، وإكرام الوافد؛ وهي قيم ظلَّت حـاضـرة بين شعوب ضفتي البحر الأحمر، يتوارثها الناس جيلا بعد جيل، ويجدّدونها كلما ألمّت المحن بأحد شعوب المنطقة. وعودة إلى دور جيبوتي الإنساني، فقد حدَّثني وزيــــر الـداخـلـيـة الـجـيـبـوتـي الــسَّــابــق أنَّـــه خـــال مـوجـة ، ومع ارتفاع أعـداد 2015 نـزوح الأشقاء اليمنيين عام الـــوافـــديـــن إلـــى أكـــثـــر مـــن ثــاثــن ألـــفـــا، وتـــأخـــر وصـــول الدعم والمساندة الخارجية، أصبحت إمكانات البلاد المحدودة تواجه ضغوطا كبيرة ومتزايدة. وأمـــــام هـــذا الـــوضـــع الــصــعــب، رأى الـــوزيـــر وقـــف اســتــقــبــال الـــقـــادمـــن بـــحـــرا بـــصـــورة مــؤقــتــة، فـخـاطـبـه رئــــيــــس الـــجـــمـــهـــوريـــة الـــســـيـــد إســـمـــاعـــيـــل عـــمـــر جـيـلـه بعاطفة إنسانية جياشة قائلاً: «أخوك عند باب بيتِك يحتاج إلــى عـونـك، فـا توصد بـابَــك؛ والـلـه سيكرمُنا بمساعدتهم». لم تكن تلك الكلمات مجرد توجيه إداري لمعالجة ظـــــرف طــــــارئ، بـــل كـــانـــت تــعــبــيــرا صـــادقـــا عـــن ضمير دولــــة، وتـجـسـيـدا لمـنـظـومـة مــن الـقـيـم الــتــي آمــنــت بها جيبوتي قيادة وشعباً: أن الجار لا يُترك عند الشدة، وأن الــواجــب الإنـسـانـي يسمو عـلـى ضـيـق الإمـكـانـات وحسابات الظروف. وعندها انـبـرى الشعب الجيبوتي بـأسـره، وفي مقدمته السيدة الأولـى خضراء محمود حيد، لتقديم الـعـون والإغـاثـة وإيـــواء الأشـقـاء اليمنيين، فـي صـورة جــــسَّــــدت عـــمـــق الـــــروابـــــط الأخــــويــــة والـــتـــاريـــخـــيـــة بـن الشعبين. كما سجَّل التاريخ في تلك المرحلة موقفا إيجابيا للمملكة العربية السعودية الشقيقة، من خلال «مركز المـــلـــك ســلــمــان لـــإغـــاثـــة والأعــــمــــال الإنـــســـانـــيـــة»، الـــذي كـــان مـن بواكير أعماله إنـشـاء مـركـز لإيـــواء النازحين في مدينة أوبــخ الجيبوتية، بوابة البلاد المطلة على مضيق باب المندب، بما أسهم في تعزيز قدرة جيبوتي على استقبال النازحين وتوفير الرعاية والحماية لهم. لــم يـقـتـصـر الـــنـــزوح إلـــى جـيـبـوتـي عـلـى الأشــقــاء اليمنيين وحدهم؛ فقد استقبلت البلاد، مع كل صراع أو كارثة إنسانية شهدتها المنطقة، نازحين ولاجئين مــن الــصــومــال وإثـيـوبـيـا وإريــتــريــا وغــيــرهــا مــن دول الجوار. وفي كل مرة، كانت جيبوتي تتقاسم معهم ما تملكه، رغم محدودية مواردها وإمكاناتها، مدركة أن الجوار ليس مجرد حدود مرسومة على الخرائط، بل مسؤولية أخلاقية وإنسانية، ومصير مشترك تفرضه الجغرافيا ويؤكده التاريخ. إن الــــــدول لا تُـــقـــاس فــقــط بـــاتـــســـاع مـسـاحـاتـهـا أو حـجـم ثــرواتــهــا أو عـــدد سـكـانـهـا؛ بــل تُــقــاس كذلك بـمـواقـفـهـا عـنـد الـــشـــدائـــد، وبــقــدرتــهــا عـلـى الانـتـصـار لـإنـسـان حــن تـضـيـق بــه الـسـبـل. ومـــن هـــذه الـــزاويـــة، أثبتت جيبوتي مرارا أنها دولة كبيرة بمواقفها، غنية بقيم شعبها، وراســخــة فـي الـتـزامـهـا تـجـاه محيطها الإقليمي. لقد كان قدر جيبوتي، بما حباها الله من موقع استراتيجي بالغ الأهمية، أن تكون بوابة بين أفريقيا وشبه الجزيرة العربية، وأن تقف فـي قلب واحــد من أهـــم المـــمـــرات الـبـحـريـة فــي الــعــالــم. لـكـنَّــهـا اخـــتـــارت أن تجعل مـن هــذا المـوقـع، إلــى جـانـب أهميته السياسية والاقتصادية، جسرا للأخوة والتضامن، وواحة للأمن والاستقرار، وملاذا لمن ضاقت بهم أوطانهم. * سفير جيبوتي وعميد السلك الدبلوماسي في الرياض OPINION الرأي 12 Issue 17458 - العدد Tuesday - 2026/9/15 الثلاثاء الموضوع أكبر من إيران تحذير «أنثروبيك» من كارثة الذكاء الاصطناعي ضعيف للغاية جيبوتي واليمن... ذاكرة الهجرة بين ضفتَي «باب المندب» وكيل التوزيع وكيل الاشتراكات الوكيل الإعلاني المكـــــــاتــب المقر الرئيسي 10th Floor Building7 Chiswick Business Park 566 Chiswick High Road London W4 5YG United Kingdom Tel: +4420 78318181 Fax: +4420 78312310 www.aawsat.com [email protected] المركز الرئيسي: ٢٢٣٠٤ : ص.ب ١١٤٩٥ الرياض +9661121128000 : هاتف +966114429555 : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: www.arabmediaco.com هاتف مجاني: 800-2440076 المركز الرئيسي: ٦٢١١٦ : ص.ب ١١٥٨٥ الرياض +966112128000 : هاتف +9661٢١٢١٧٧٤ : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: saudi-disribution.com وكيل التوزيع فى الإمارات: شركة الامارات للطباعة والنشر الريـــــاض Riyadh +9661 12128000 +9661 14401440 الكويت Kuwait +965 2997799 +965 2997800 الرباط Rabat +212 37262616 +212 37260300 جدة Jeddah +9661 26511333 +9661 26576159 دبي Dubai +9714 3916500 +9714 3918353 واشنطن Washington DC +1 2026628825 +1 2026628823 المدينة المنورة Madina +9664 8340271 +9664 8396618 القاهرة Cairo +202 37492996 +202 37492884 بيروت Beirut +9611 549002 +9611 549001 الدمام Dammam +96613 8353838 +96613 8354918 الخرطوم Khartoum +2491 83778301 +2491 83785987 عمــــان Amman +9626 5539409 +9626 5537103 صحيفة العرب الأولى تشكر أصحاب الدعوات الصحافية الموجهة إليها وتعلمهم بأنها وحدها المسؤولة عن تغطية تكاليف الرحلة كاملة لمحرريها وكتابها ومراسليها ومصوريها، راجية منهم عدم تقديم أي هدايا لهم، فخير هدية هي تزويد فريقها الصحافي بالمعلومات الوافية لتأدية مهمته بأمانة وموضوعية. Advertising: Saudi Research and Media Group KSA +966 11 2940500 UAE +971 4 3916500 Email: [email protected] srmg.com ضياء الدين *بامخرمة سوسن الشاعر *بارمي أولسون

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky