ينسب فولتير إلى الفيلسوف الفرنسي نيكولا مـالـبـرانـش عــبــارة «المـخـيّــلـة هــي مـجـنـونـة الـبـيـت» (أي مجنونة الـنـفـس)، للتأكيد على أهميّة العقل فـي الفكر الكلاسيكي بالقرن السابع عشر و«فكر الــتــنــويــر» فـــي الـــقـــرن الــثــامــن عـــشـــر، مـــا امـــتـــد بعد ذلـــك إلـــى عــالــم الــحــداثــة. لـكـن الــتــجــارب الجماعية المـــأســـاويـــة الــتــي شـهـدهـا الـــقـــرن الــعــشــرون وبـعـده الـقـرن الـحـالـي، لا تـوحـي بــأن العقل الجماعي هو أفـضـل حـــالا مــن المـخـيّــلـة، بـوصـف ذلـــك دلــيــا على تبي الحقيقة. ليست الحقيقة العلمية، بل الحقيقة المـجـتـمـعـيـة والــســيــاســيــة والــتــاريــخــيــة الــتــي تــقــرّر مصائر الشعوب. الأمثلة كثيرة. ومن أبلغها كيف أن أمّة بكاملها، معروفة بعقلانيتها الصارمة، مثل الأمة الألمانية، تبنّت الآيديولوجيا النازية العرقية سـبـيـا للسيطرة عـلـى أوروبــــا والــعــالــم. وكـيـف أن مغامرتها قــادت إلـى الحرب الكونية الثانية التي أوقعت خلال سبع سنوات ما بين سبعين وثمانين مليون قتيل، وأحـدثـت دمـــارا اقتصاديا وعمرانيا وتــراثــيــا لا يـــوصـــف، وأدّت إلـــى انــهــيــار الـسـيـطـرة الأوروبية على العالم... يستعيد المرء موضوع المخيلة والعقل والذاكرة وهـــو يـشـاهـد البلبلة الـفـكـريـة الـتـي تـسـود المـشـرق اليوم، خصوصا المجتمع اللبناني. مع أنه في ضوء العقل والذاكرة، المسألة اللبنانية كثيرة الوضوح: هناك مجتمع ينشد منذ القدم واليوم أيضا الحرية والترقي الثقافي والانفتاح على الحداثة ونوعية الــحــيــاة الـبـشـريـة. وقـــد اســتــفــادت أجــيــال متوالية إلى اليوم، من هذا المنحى المختلف 1861 منذ عام عـن المحيط الأمـنـي والسلطوي، وبنت ذاتـهـا على إنجازاته الحياتية والمعرفية الفريدة، ومن قدرته على مواجهة المشاريع الإقليمية التي حاولت بكل الوسائل دمجه فيها فلم تستطع. لا شك في أن القضية الفلسطينية هي قضية حق كبرى. لكن مسؤولية التصدّي لها وحلها، تقع أقله على عاتق العالم العربي الشاسع وقوته مـلـيـون نـسـمـة؛ فـهـل ثمة 500 الـبـشـريـة الـبـالـغـة توجّه أكثر لا عقلانية، من التوجّه الذي ألقى على «بلاد الأرز» الصغيرة وحدها، طوال ستين عاماً، ، مسؤولية «تحرير 2026 إلى عام 1965 من عام فــلــســطــن»؟ فـــقـــاد هــــذا المــنــحــى الـــســـوريـــالـــي إلــى سلسلة لا نهاية لها من المآسي والكوارث، نقلت لبنان مـن وضعية «سـويـسـرا الــشــرق» إلــى قعر الهاوية، بينما ازدادت إسرائيل ازدهـــارا وقــوةً؛ عـسـكـريـة وعـلـمـيـة وتــكــنــولــوجــيــة واقــتــصــاديــة! فــهــل مـــن الــوطــنــيــة فـــي شــــيء أن يـــتـــم اســتــغــال نافذة الحريات الوحيدة التي أتاحتها التجربة اللبنانية لتخريب هــذه التجربة وبــادهــا لقاء لا شــــيء؟ والـــذيـــن يـــتـــذرّعـــون عـلـى الــــــدوام بحلم «إسرائيل الكبرى»، لا يتذكّرون أن اتفاق هدنة كـان محترما على الــدوام من الطرفين قبل 1949 انطلاق الأعمال الفدائية الفلسطينية من لبنان، خصوصا قبل «اتفاق القاهرة» الذي أُرغِمت فيه الدولة اللبنانية على التخلّي عن سيادتها على جزء من الجنوب لصالح «حركة فتح»، ثم رُفِع في وجهها شعار «طريق القدس تمر في جونية». وهـم لا يتذكّرون أيضا أن إسرائيل انسحبت من جنوب لبنان من دون مفاوضات، ومن 2000 عام ،1949 دون قيد أو شرط، مطالبة بالعودة إلى هدنة فـلـم يـــرق انـسـحـابـهـا لـحـافـظ الأســـــد، ولا للمحور الإيــــرانــــي الـــــذي احـــتـــل الـــجـــنـــوب المــــحــــرَّر وفــخّــخــه، وصولا إلى الكارثة الراهنة. عـلـى الــرغــم مــن ذلـــك كــلّــه، ثـمـة عـــود عـلـى بــدء؛ فـهـنـاك الآلاف مــن أتــبــاع الـــولـــي الـفـقـيـه فــي لـبـنـان، ومن حلفائهم البعثيين والشيوعيين «النظاميين» والــقــومــيــن الـــســـوريـــن والمــاركــســيــن «المــمــانــعــن» وجماعة «الإخــــوان» وســواهــم، مـا زالـــوا متمسّكين بالمنحى نفسه، من دون إعادة نظر، على الرغم من تناقضاتهم العميقة. ومــــا زال حــلــفــاء المـــحـــور الإيـــــرانـــــي، مـــن قــوى سياسية تقليدية في الجماعات الطائفية الأخرى، يـتـوقـون ضمنا أو علنا إلـــى تثبيت نـفـوذ المـحـور فـي لبنان مـن جـديـد، تحقيقا لمصالحهم وتبديدا لمخاوفهم من زمن المساءلة، وتجاوبا مع مشاعرهم الدفينة المعادية تاريخيا لهذا وذاك في بيئاتهم. وتصل حدّة المشاعر إلى حدود لا توصف، كإعلان ذلــك الــراهــب اللبناني فـي حـــوار معه حــول مفهوم الدولة وسـاح «حـزب الله»، أنه ضد تسليم سلاح الـحـزب لـلـدولـة، لأنــه هـو الأقـــوى، وهــو الــذي وضع لـــبـــنـــان عـــلـــى الـــخـــريـــطـــة الـــعـــالمـــيـــة! والمــــهــــم فــــي هـــذا الـتـصـريـح أنـــه لـيـس رأيــــا فــرديــا بـحـتـا؛ فـهـو يعبّر عن تيار ملموس داخـل إحـدى الرهبانيات يتجلّى بـــأشـــكـــال شـــتّـــى. فــمــا الـــــذي يـجـمـع روحـــانـــيـــة هــذه الرهبانية العريقة، المنفتحة على الـحـداثـة وعلى قـيـم المـعـرفـة والـحـريـة والـــرأفـــة مـنـذ قــــرون، بعقيدة ولايــة الفقيه؟ لا شــيء. مـجـرّد اصطفافات داخلية قـديـمـة ضيقة مــع هـــذا ضــد ذاك، تـخـطّــاهـا الـزمــن، وضياع في ضياع. قبل سنوات شاع خبر عن نظام يشبه التقييم الائــتــمــانــي تـسـتـخـدمـه الــصــن لـتـقـيـيـم مـواطـنـيـهـا، وتحديد مــدى أهليتهم للخدمات الحكومية. هذه الأخبار غير المُدَقَّقة غذت مخيلة «العالم الحر» عن الفارق بينه وبين الدول السلطوية. في العالم الحر أفـشـل البريطانيون أكـثـر مـن مــرة مقترحات فرض بـطـاقـات هــويــة، معتبرين إيــــاه تـــجـــاوزا مــن الــدولــة لحدود علاقتها بالمواطنين، ورقابة لا مبرر لها. ثـم جــاء الــذكــاء الاصـطـنـاعـي، وهــو تـطـور نشأ فـــي قـلـب الــعــالــم الـــحـــر، لـيـضـغـط زر تـشـغـيـل أوســـع آلـــة رقـابـيـة عـرفـهـا الـبـشـر. كـانـت الآلـــة مــوجــودة في يد الشركات ومحركات البحث ومـواقـع السوشيال ميديا، لكنها بقيت متفرقة بين هـذا وذاك، تستلزم جهدا إضافيا لوضعها في نسق. الذكاء الاصطناعي سهل هـذه المهمة؛ حيث صـار قـــادرا فـي لحظة على تنسيقها لكل شخص، بتفاصيل دقيقة وقدرة على التحليل والتصنيف والـتـوقـع، تحولت معها الآلـة إلـى آلـة متخلفة، 1964 الرقابية المتخيلة في روايــة مثيرة للسخرية. لا تـظـن أن رقــابــة الأخ الأكــبــر كــانــت إجــبــاريــة، بينما الرقابة الحالية اختيارية. هذه مزحة من النوع الـسـخـيـف. مـراسـاتـك تـتـم مــن خـالـهـا، والمـعـامـات الحكومية والخاصة تقدَّم إليك عبرها. أذواقـــك في اللبس والمـشـاهـدة وجـدولـك اليومي والأمـاكـن التي تـــزورهـــا وآراؤك، ومــســتــوى خــفــة دمــــك، ومـسـتـوى السكر في دمك، ومستوى ذكائك، تحت يدها. قـبـل أيــــام خـيـرنـي «جـيـمـيـنـاي» بــن الاحـتـفـاظ بسجل نشاطي أو محوه. سجل نشاطي هو المدونة التي أدخـل إليها فأعود إلـى كل سـؤال سألته داخل محادثة، باليوم والساعة. والمعيار أنني إن احتفظت به فسيكون من حق أشخاص حقيقيين في «غوغل» الاطـــــاع عـلـيـه لمــراجــعــتــه، فــاخــتــرت مـــحـــوه، لكنني فوجئت بأن «جيميناي» لم يمح هذا السجل فقط، بل محا كل محادثاتي السابقة المكتملة من القائمة الــتــي تـظـهـر عــلــى يــســار الـــشـــاشـــة، وهــــي مــحــادثــات تهمني في عملي. حين تساءلت لماذا، أخبرني بأنهم يتبعون في هــذه النقطة تحديدا سياسة «الـكـل أو لا شـــيء». لا تستطيع أن تحتفظ بمحادثاتك بينما تختار ألا تُــسـتـخـدم لـلـمـراجـعـة مــن قِــبــل أشــخــاص حقيقيين، رغـــم أن هـــذا الـخـيـار مــوجــود فــي تطبيقات أخـــرى. وتــفــســيــري الـشـخـصـي هـــو أن «غـــوغـــل» فـــي سـبـاق مـحـمـوم لإدراك مـنـافـسـن تـفـوقـوا عـلـيـه فــي الــذكــاء الاصطناعي، وهو يستخدم آلة بحثه العملاقة لهذا الغرض، فيحاصرك من كل جهة. أزعجتني أيضا مقارنة فرعية. الـدول الرقابية فعلت ما فعلت على حسابها، ودفعت تكاليفه، أما «غــوغــل» فيتقاضى مـنـي ثـمـن رقـابـتـه لــي، وهــو ما جعلني أخرج من النظام المدفوع. إن كــنــت تـعـتـقـد أن مـــوضـــوع الـــرقـــابـــة الــعــامــة الشاملة لا يمسك، كوني وكونك أشخاصا عاديين، فـــأنـــت مــخــطــئ. ســـأضـــرب لـــك مـــثـــالا بــســيــطــا. لـديـك حساب على «فيسبوك»، موثق باسمك وصـورتـك، لـيـس عليه عـقـوبـات، ويـعـمـل بشكل عــــادي، ولـديـك في الوقت نفسه مشروع خاص، وفكرت أن تنشر له إعلانا على «فيسبوك»، لكن «فيسبوك» فاجأك بأنك مـحـظـور مــن الإعــــان. لــن تـعـرف الـسـبـب، ولا كيفية الخروج من الحظر، لكن الألغوريزم المدعوم بالذكاء ســـنـــوات علقت 10 الاصــطــنــاعــي اكــتــشــف أنــــك قــبــل تعليقا لا يناسب سياسة المحتوى. فـــي الــحــيــاة الـــواقـــعـــيـــة، لا يـــفـــرض عـلـيـك حظر مثل هذا إلا على مخالفة واضحة وقوية، وسيكون لعقابك أمد محدد، ولديك جهة ثالثة تلجأ إليها في النزاع. لن تقول لك شركة إنك تفوهت في حـوار مع شخص بجملة مخالفة للقواعد، أما في دولة «البيغ تك» فربما أخطأ الذكاء الاصطناعي، بسبب اللغة، في فهم تعليق ساخر، أو مزحة، وهذا كل ما يحتاج إليه كي يعاقبك. هـــل تـــذكـــرت روايـــــة «المـــزحـــة» لمــيــان كــونــديــرا؟ ليست مـزحـة. لقد تحولت شـركـات «البيغ تــك»، مع الــذكــاء الاصـطـنـاعـي، إلــى دولـــة رقـابـيـة مـن الباطن، بينما تتصرَّف دول العالم الحر بتكاسل تشريعي مثير للريبة. لا تـحـاول كسر الاحـتـكـار، ولا تحاول حماية الخصوصية وإلــــزام تلك الـشـركـات بحدود القانون. . عــنــد بـــدايـــة تــعــرّفــي إلــى 1985 كــــان ذلــــك عــــام الــتــجــربــة الأمــيــركــيــة. دخـــلـــت لــلــمــرة الأولـــــى مــركــزا تجاريا كبيراً، فكانت التجربة مذهلة ومرهقة معاً. بدت الدكاكين بلا نهاية، والبضائع أكثر من قدرة العين على الفرز. لم أكن أعرف ما يستحق التوقف أمامه، إلا إذا حمل اسم علامة سمعت عنها من قبل. وقد تقودني إضاءة قوية إلى متجر مألوف، مع أن متجرا آخر، في ممر جانبي، قد يعرض ما هو أجمل وأفضل. لكنني، بعد طول المشي، لم أعد أبحث عن الأفـــضـــل؛ كــنــت أبــحــث عــن مـقـعـد وشــربــة مــــاء. كـان «المــول» متاهة بورخيسية تتحول من البضائع... كــانــت الـــوفـــرة فـيـهـا مـــســـارات تـفـضـي إلـــى الـضـيـاع وضلال السبيل. تذكرت تلك الرحلة، بعد أربعة عقود، وأنا أقلّب حسابي على منصة «إكــس»: مَن أتابع؟ مـاذا أقرأ؟ ولمـــاذا تضع الـخـوارزمـيـة تـغـريـدة فـي قمة المشهد، وتترك أخرى تموت في الطريق من دون أن يقرأها أحـد؟ كيف سقطت تلك التغريدات؟ وهـل أصبحت نفايات لأنها رديئة، أم صارت رديئة في نظرنا لأن أحدا لم يرها؟ وهل كل ما ترميه الخوارزمية خارج مجال الـرؤيـة نفايات فعلاً، أم أن بينها جواهر لم تصل إليها الإضاءة، ولم يُصِبْها فيروس التكرار؟ كـــنـــت يــومــهــا فـــي الـــجـــامـــعـــة، وكـــانـــت مـــا بعد الحداثة تدخل قاعات الــدرس الأميركية. جئت من عالم السرديات الكبرى: القصص القرآني، والسيرة، وأبـو زيـد الهلالي، والزير سالم؛ حكايات لا تروي حياة الفرد وحده، بل تمنح الجماعة أصلا ونسبا ومــعــنــى. ثـــم قــيــل لــنــا إن زمــــن الـــســـرديـــات الـكـبـرى انـــتـــهـــى، وإن لـــكـــل جـــمـــاعـــة، بــــل لـــكـــل فــــــرد، ســـرديـــة صغيرة لها حـق الـكـام وشرعية الاخــتــاف. قرأنا لـيـوتـار فــي «الـــوضـــع مــا بـعـد الــحــداثــي: تـقـريـر عن المعرفة»، ودريـدا في «الكتابة والاختلاف». وكتبت على السبورة ذات يوم أحداثا مفصلية في قريتنا غيّرت حياة الناس لم يسمع بها الطلاب الغارقون في السرديات الكبرى للحروب العالمية وما بعدها. كنت يومها قد اشتريت منهجية ما بعد الحداثة. جـــــاءنـــــي صــــديــــق مـــــن كــــنــــدا وقـــــــــال: «الـــــحـــــوار الأكـــاديـــمـــي فـــي كــنــدا لـيـس مـثـلـكـم، بـــل عـــن مـدرسـة فــــرانــــكــــفــــورت، وأولـــــريـــــش بـــيـــك، وأنـــتـــونـــي غـيـدنـز والـحـداثـة الانـعـكـاسـيـة». ودخـلـنـا المـتـاهـة. قـلـت له: «ربــمــا يتطلب الأمـــر تـجـاهـل الاثــنــن والـــعـــودة إلـى ماركس وأنماط الإنـتـاج؛ إذا تغيرت وسائل إنتاج المعنى، فعلينا أن نسأل: مَن يملكها؟!». لم يعد الاقتصاد السياسي متعلقا بمن يملك المصنع وحـــده، بـل بمن يملك أدوات إنـتـاج الصور وتوزيع الأفكار وتحديد ما يستحق الانتباه. ثم جاءت التسعينات، وجاء الإنترنت. تعرفت إلــى غـوفـر، ثـم البريد الإلـكـتـرونـي، وتعلمت كتابة الأكــواد التي أظهرت أول صـورة لي على الإنترنت، فكنت من أوائـل أساتذة جورجتاون الذين امتلكوا صفحة شخصية على الإنترنت. بـدا الأمـر تحريرا من الصحيفة والناشر والتلفزيون. ظـهـرت بعد ذلــك شـركـات تصميم الصفحات، ثـم «فيسبوك» والمـنـصـات الأخـــرى، وبـــدا أن نبوءة ما بعد الحداثة قد تحققت: ماتت القصة الواحدة، وصـــــار لــكــل إنـــســـان مــنــبــر وصــــــورة وحـــكـــايـــة. قــال بودريار إن العلامة قد تسبق الأصل وتحل محله، وشــرح فوكو كيف تنتج السلطة أنظمة الحقيقة، وفتح دريدا النص على اختلاف لا ينتهي. لكن ما لم ننتبه إليه أن تفتت الحكايات على مستوى المحتوى صاحبه تركّز للسلطة على مستوى التوزيع. فــــالــــخــــوارزمــــيــــة لا تـــكـــتـــب الــــســــرديــــة الـــكـــبـــرى الـقـديـمـة، ولا تــأمــرك بتصديق قـصـة واحــــدة. إنها تفعل ما هو أخطر: تقرر أي القصص يظهر، وبأي ترتيب، وكم مرة، ولمن. عند فوكو هذه سلطة تنظم مــجــال الـــرؤيـــة، وعــنــد فـيـبـر عقلنة تــحــول الإنــســان إلى أرقـام قابلة للحساب. ويسميها دولـوز تحكما لا يغلق الـبـاب... يتغير الطريق تحت أقدامنا. أما عـنـد هــابــرمــاس فـكـانـت اسـتـعـمـارا لـلـمـجـال الــعــام، لأن المنصة لا تستضيف النقاش فقط؛ إنها تصمم الإطــــــار الـــــذي يــســبــق الـــنـــقـــاش. ويــعــيــدنــا مــاركــس إلـــى الــســؤال المــحــرج: مَـــن يملك المـنـصـة والـبـيـانـات والرقائق ومراكز الحوسبة؟ كـــــان أحـــــد أهـــلـــي فــــي الـــبـــر الـــغـــربـــي يـسـتـطـيـع اخــتــصــار هـــذا الــتــاريــخ الـفـلـسـفـي كـلـه بـمـشـهـد من استوديو التصوير على الضفة الشرقية من النيل. يحمل المصوّر شريطا عليه عشرات الوجوه: موتى وعـرسـان وأطـفـال وأبــــواب. الـصـور كلها مـوجـودة، لكنه يختار واحــدة فيكبّرها ويثبتها في المحلول ويُــخــرِجــهــا إلـــى الـــنـــور، ويـــتـــرك غـيـرهـا سـالـبـة في الـعـتـمـة حــتــى تـأكـلـهـا الـــرطـــوبـــة. وبـــعـــد زمــــن يظن الناس أن الـصـورة المكبرة كانت الـصـورة الوحيدة الموجودة على الشريط. وكــان سيقول إن الحكايات تشبه عيال زمـان في منطقة نقادة: يولدون معاً، لكن بعضهم تخطفه الحمى، وبعضهم يبلغ ويواصل حمل اسم البيت. غير أن موت الأطفال قضاء. أما الحكايات فلها الآن غـربـال لا نــرى يـد صـاحـبـه. يـقـول دارون إن البيئة تنتخب الأقدر على البقاء؛ أما الخوارزمية فتصنع البيئة، ثم تنتخب الأصلح لها. تثير الاهتمام حول قصة، ثم تدّعي أنها رفعتها لأن الناس اهتموا بها؛ تكبّر الـصـورة لأنها مشهورة، وتجعلها مشهورة لأنها كبّرتها. هــنــا تــغــيَّــر مــعــنــى «الـــيـــد الـــخـــفـــيـــة». عــنــد آدم سميث كانت استعارة لنتائج اجتماعية تنشأ من أفعال أفــراد يسعون إلـى مصالحهم من دون مدير مــركــزي. أمــا الـيـد الخفية الـجـديـدة فليست نتيجة غير مقصودة فقط. إنها نظام صُمم ورتّــب وقـاس وتــعــلّــم، وإن ظـــل غـامـضـا أمــــام مـــن يـخـضـعـون لـه. وهو لا يبيعنا البضاعة فحسب، بل يرتب «المول»، ويوجه الإضــاءة، ويطيل الممر، ويضع المـاء بجوار المتجر الذي يريدنا أن نتوقف عنده. لـــهـــذا لــــم تـــعـــد الـــرأســـمـــالـــيـــة الــثــقــافــيــة تـكـتـفـي بـتـحـويـل الفلسفة المـعـقـدة إلـــى مـنـتـج خـفـيـف. لقد انتقلت من بيع الأفكار إلى انتخابها: تمنح بعضها الــضــوء والـــغـــذاء والــتــكــرار، وتــتــرك بعضها يموت قبل أن يـعـرف الـنـاس أنــه وُلـــد. الأخ الأكـبـر الجديد لا يـــفـــرض عــلــيــنــا حـــكـــايـــة واحــــــــدة؛ يــســمــح لمــايــن الـحـكـايـات بـــأن تُـــولَـــد، ثــم يـــوزع بينها الأكـسـجـن. وبــعــد ذلـــك يقنعنا بـــأن الـحـكـايـة الــتــي بـقـيـت حية انـتـصـرت وحـــدهـــا، وبــــأن الـطـريـق الــــذي رســمــه لنا كـان اختيارنا الـحـر، رغـم أن الخوارزمية هـي التي جعلتنا نـتـوهَّــم هــذا الاخـتـيـار الـحـر، الـــذي لـم يكن مطلقا ضمن خياراتنا قبل دخولنا المتاهة. OPINION الرأي 12 Issue 17457 - العدد Monday - 2026/9/14 الاثنين مواطنو دولة «غوغل» عن تهافت العقل وتصدّع الذاكرة هل الخوارزميَّة هي اليد الخفيَّة الجديدة؟ وكيل التوزيع وكيل الاشتراكات الوكيل الإعلاني المكـــــــاتــب المقر الرئيسي 10th Floor Building7 Chiswick Business Park 566 Chiswick High Road London W4 5YG United Kingdom Tel: +4420 78318181 Fax: +4420 78312310 www.aawsat.com [email protected] المركز الرئيسي: ٢٢٣٠٤ : ص.ب ١١٤٩٥ الرياض +9661121128000 : هاتف +966114429555 : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: www.arabmediaco.com هاتف مجاني: 800-2440076 المركز الرئيسي: ٦٢١١٦ : ص.ب ١١٥٨٥ الرياض +966112128000 : هاتف +9661٢١٢١٧٧٤ : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: saudi-disribution.com وكيل التوزيع فى الإمارات: شركة الامارات للطباعة والنشر الريـــــاض Riyadh +9661 12128000 +9661 14401440 الكويت Kuwait +965 2997799 +965 2997800 الرباط Rabat +212 37262616 +212 37260300 جدة Jeddah +9661 26511333 +9661 26576159 دبي Dubai +9714 3916500 +9714 3918353 واشنطن Washington DC +1 2026628825 +1 2026628823 المدينة المنورة Madina +9664 8340271 +9664 8396618 القاهرة Cairo +202 37492996 +202 37492884 بيروت Beirut +9611 549002 +9611 549001 الدمام Dammam +96613 8353838 +96613 8354918 الخرطوم Khartoum +2491 83778301 +2491 83785987 عمــــان Amman +9626 5539409 +9626 5537103 صحيفة العرب الأولى تشكر أصحاب الدعوات الصحافية الموجهة إليها وتعلمهم بأنها وحدها المسؤولة عن تغطية تكاليف الرحلة كاملة لمحرريها وكتابها ومراسليها ومصوريها، راجية منهم عدم تقديم أي هدايا لهم، فخير هدية هي تزويد فريقها الصحافي بالمعلومات الوافية لتأدية مهمته بأمانة وموضوعية. Advertising: Saudi Research and Media Group KSA +966 11 2940500 UAE +971 4 3916500 Email: [email protected] srmg.com مأمون فندي خالد البري أنطوان الدّويهي
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky