issue17454

يبدو أن تصفية مـيـراث السابع مـن أكتوبر (تشرين الأول) هـــي الــشــغــل الـــشـــاغـــل فـــي الــبــيــت الأبــــيــــض، والــتــســريــبــات 2023 الشحيحة الــــواردة مـن واشـنـطـن، مـن «أكـسـيـوس»، تحمل إشــارة إلى أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب يعكف على ترتيب إقليمي جـديـد، بغض النظر عما سـتـؤول إلـيـه الـحـرب الحالية، فقد بدا يقلل من أهميتها، ويقارنها بحروب أميركا الطويلة في فيتنام وأفغانستان والعراق، مؤكدا أنها لا يمكن أن تقارن بتلك الحروب الطويلة. الــرســالــة بـالـطـبـع مـوجـهـة إلـــى الـــداخـــل الأمـــيـــركـــي، تمهيدا لانـتـخـابـات التجديد النصفي للكونغرس فـي نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، لكنه بدأ يتعامل مع هذا الأمر بصورة مختلفة، ولم يعد يخشى نتائجه، فهو يمضي في أفكاره حتى لو لم يحافظ حزبه الجمهوري على الأغلبية. ومع ذلك، تبدو هناك إشارة أخرى من الإدارة الأميركية إلى أن الضغط الاقتصادي، والعقوبات، يمكن أن يكونا جزءا أساسيا من أدوات التعامل مع إيران، إلى جانب القوة العسكرية، خصوصا أن الحملة الأميركية تجمع في الوقت الراهن بين الضغط العسكري والاقـــتـــصـــادي، وقـــد بـــدا أن هـــذا الـضـغـط يـؤثـر فــي الــواقــع تأثيرا واضحاً، فيما يعترف المسؤولون الإيرانيون بخطورة الوضع. فماذا بعد أن تسكت المدافع، وبعد أن تتكلم حرب الحصار الـشـامـل؟ فـي اعـتـقـادي أن تـرمـب يفكر فـي ترتيب شــرق أوسطي مـخـتـلـف، يـــحـــاول فـيـه أن يـجـفـف هـــوامـــش الـــصـــراع المـنـبـثـقـة عن الــصــراع الإسـرائـيـلـي - الفلسطيني الأم، كـالـصـراع المــــوروث بين إســـرائـــيـــل وكــــل مـــن ســـوريـــا ولـــبـــنـــان، وصـــــولا إلــــى تـنـفـيـذ خطته للسلام في غزة، على أن يجعل إسرائيل تحظى بقبول ضمن إطار اتفاقيات مختلفة عن كل الاتفاقيات السابقة. الفكرة إلى الآن أقرب إلى تصور سياسي قيد الإنشاء منها إلى خطة مكتملة، فثمة تقارير أميركية تتحدث عن أن إدارة ترمب بــدأت بالفعل إعـــداد استراتيجية لمرحلة مـا بعد الـحـرب، هدفها حصار إيــران سياسياً، ودفـع مسار التطبيع بين إسرائيل ودول المنطقة. يــريــد الـرئـيـس أن يـحـقـق انــتــصــاراً، بـخـاصـة أن كــل المـلـفـات مفتوحة، وقد وعد عندما جاء رئيسا بنهاية الحروب، وبانتهاء بعضها الذي كان مشتعلاً، لكن الواقع جاء مختلفاً، وهو يحاول الآن أن يكبح هذه السياسة، ويعود إلى شعار «أميركا أولاً»، على أن يقوم بعملية تصفية جريئة في أوكرانيا والشرق الأوسط. يبدو هـذا واضـحـا مـن التحركات على المـسـرح الـدولـي، فلا يـمـكـن أن نــعــزل زيــــارة مــديــر «ســـي آي إيــــه» جـــون راتـكـلـيـف، إلـى موسكو واجتماعه بكبار المسؤولين الروس، من دون أن نضع هذا في الحسبان. أما أوروبا، بعد أكثر من أربع سنوات من حرب شرسة على حدودها وفي القلب منها، فقد بـدأت تعيد النظر في الاستنزاف الذي حجَّم قدرتها على الحركة، وهي من دون أميركا فإنها تواجه صعوبة كبيرة فـي اجــتــراح المستحيل، وبـــدأ التشقق السياسي والاجتماعي داخل الاتحاد وحواليه يظهر على السطح. ففي فرنسا وألمـانـيـا تتصاعد أصـــوات الـيـمـن، وقــد تحمل الانتخابات المقبلة مفاجآت في فرنسا، كما يواصل حزب «البديل من أجل ألمانيا» صعوده في ألمانيا، وهذا قد يغيِّر كثيرا في شكل النقاش داخل الاتحاد الأوروبي حول الحرب في أوكرانيا والعلاقة مع روسيا، فكثير من التيارات السياسية تناهض الانخراط في الــصــدام الــروســي - الأوكـــرانـــي، أو حـتـى حـــروب الــشــرق الأوســـط، وربما يمكن أن يتمرد البعض على حلف الناتو. 2023 لا شك في أن ما بعد سلسلة حروب السابع من أكتوبر سيختلف عما قبله، وبــدأت ظواهر كثيرة تتجلى على السطح، منها المفاوضات العلنية بين لبنان وإسرائيل، وكذلك الاتصالات والمـــحـــادثـــات غــيــر المـعـلـنـة مـــع ســـوريـــا، ومـــحـــاولـــة الــتــوصــل إلــى استقرار في غزة والضفة الغربية. لكن لماذا يفعل الرئيس ترمب هذا؟ يــريــد أن يـسـجـل الــتــاريــخ بـاسـمـه فــعــا مـهـمـا وحــاســمــا في الشرق الأوسط، ويغلق الملفات المفتوحة، مع رعايته من بُعد لهذه المسألة، من دون الانخراط العلني فيها، عبر ترتيب إقليمي تقوم فيه دول المنطقة بنفسها على هذا التصور. ويـــريـــد أيـــضـــا أن يـــعـــود الــــهــــدوء والاســــتــــقــــرار إلــــى الـــشـــارع الأمـيـركـي، الـــذي تـأثـر بـأسـعـار الـطـاقـة، وفــي الـوقـت نفسه يقطع الطريق على نفوذ أي قوة عالمية أخرى في الشرق الأوسط، سواء روسيا أم الصين، أم حتى القوة الأوروبية الحليفة، والغاضبة من الضرائب والجمارك. وقد يكون هذا هو جوهر «أميركا أولاً» في نسخته الشرق أوســطــيــة: أن تـنـسـحـب واشــنــطــن مـــن إدارة الـتـفـاصـيـل الـيـومـيـة لـلـصـراعـات، مـن دون أن تنسحب مـن المنطقة نفسها، وأن تترك خلفها ترتيبا إقليميا يحفظ مصالحها ويحد من نفوذ خصومها. هل نحن العرب مستعدون لهذا التصور الأميركي الجديد؟ وهـل يمكن أن نكون أمــام فرصة تخرج مـن بـن ركــام الـحـرب إلى تصور يحمي مقدرات المنطقة؟ أعـتـقـد أن أمـــر إيـــــران الــتــي نـعـرفـهـا بــأذرعــهــا سـيـصـبـح من الماضي، وأن أمر «إسرائيل الكبرى» أيضا سيصبح من الماضي، لتتنفس المنطقة قليلاً، وهذا القليل مهم: أن نجفف الصراعات في ليبيا ولبنان والـسـودان وسوريا والـعـراق، ونبدأ مرحلة جديدة قد تلعب فيها جامعة الدول العربية دورا مهماً، وتضع مشروعا عربيا وإقليميا يتحاور بندِّية مـع المشاريع الأخـــرى، خصوصا مشروع الرئيس ترمب. فـمـا بـعـد الـــحـــرب لـيـس بـــالـــضـــرورة ســـامـــا، لـكـنـه قـــد يـكـون فرصة لإعادة ترتيب المنطقة، وقد تكون اللحظة المقبلة هي لحظة الاخـتـبـار الحقيقي لـلـعـرب: هـل يكتفون بمراقبة المـشـاريـع التي يصنعها الآخــرون، أم يضعون مشروعا عربيا يذهب إلى طاولة التفاوض، ليشارك في صياغة ما بعد الحرب؟ ذلــك هـو الـسـؤال الأهـــم، لأن الـحـرب فـي جوهرها ذاهـبـة إلى الـتـصـفـيـة، أمــــا مـــا بــعــدهــا فــهــي لـحـظـة إعـــــادة تـشـكـيـل، ومــــا بين التصفية وإعـــادة التشكيل مساحة واسـعـة، تستطيع المنطقة أن تخسرها مرة أخـرى، أو أن تحاول للمرة الأولـى أن تمسك بخيط مستقبلها بيدها. ، وقبل ربع 2001 ) سبتمبر (أيـلـول 11 ، في مثل هـذا اليوم قرن بالتمام والكمال، عرف العالم هجمات ضد الولايات المتحدة الأميركية؛ وهو حدث فاجأ العالم وأربكه، باعتباره استهدف أقــــوى دولــــة فـــي الـــعـــالـــم، عــــاوة عــلــى هــــول الــهــجــمــات وفــداحــة قتيلاً. وطبعاً، فـإن مرور 2753 خسائرها البشرية التي فاقت ربع قرن في حسابات التاريخ ليس زمنا يُذكر، ولكنه، في الوقت نفسه، فترة مهمة لتقييم حصاد العالم في الحرب ضد الإرهاب، التي جمعت غالبية العالم رغم الاختلافات في المقاربات. المـــاحـــظـــة الأولــــــى هـــي أن هــــذه الــهــجــمــات تــمــثــل تــاريــخــا مفصليا في تاريخ العالم عموماً، والشرق الأوسـط خصوصاً، حــيــث حـصـلـت بــعــد حــــرب الـخـلـيـج الــثــانــيــة وتــحــريــر الـكـويـت بقرابة عشر سنوات. وأغلب الظن أنه لولا تلك الهجمات لكان وجـه العالم، الـيـوم، ليس كما هو حالياً، وذلــك بكل المقاييس؛ والأكيد أن الوضع كان سيكون أقل توترا وعنفا وحروباً. فهي هـجـمـات تــاريــخــيــة؛ بـمـعـنـى أنــهــا غـــيّـــرت الــســيــاســات الــدولــيــة، وأعادت تشكيل اللغة والمفاهيم والمواقف، وصولا إلى الخريطة الجيوسياسية في العالم؛ أي أن التداعيات عميقة وكثيرة ولا تزال مستمرة. الـــيـــوم، وبــعــد ربـــع قــــرن، يــفــرض الـــســـؤال نـفـسـه: مـــا أوجـــه النجاح والإخفاق في هذه الحرب على الإرهاب؟ من المهم، قبل تحديد مظاهر النجاح والإخـفـاق، الإشــارة إلى أن الحرب على الإرهــاب من منظور التجربة العالمية، التي امـــتـــدت عـلـى ربـــع قــــرن، تـشـيـر إلـــى أن الإرهــــــاب ظـــاهـــرة مركبة ومـعـقـدة، والـقـضـاء الحقيقي عليه يـكـون فـي معالجة أسبابه وقَطع دابره من الجذور. طبعا لا شــك فــي أن التمكن مــن تصفية الــــرؤوس المـدبـرة أو بـــعـــده أيـمـن 2011 لــلــهــجــمــات، ســـــواء أســـامـــة بـــن لادن فـــي ، وغيرهما من تنظيم «القاعدة» الذي يجيد 2022 الظواهري في التخفي، هـو خـطـوة مهمة فـي هــذه الــحــرب، خصوصا أن هذا المُنجز تعاضد مع تفكيك البنية التحتية لـ«القاعدة» وتدمير معسكراته الأسـاسـيـة، وشــل قـدرتـه على شـن هجمات جديدة. أيضاً، لا يمكن إنكار نجاح الولايات المتحدة في حماية الداخل .2001 سبتمبر 11 الأميركي من أي هجمات ممكنة بعد هجمات كــمــا أن الـــعـــالـــم فـــي هــــذه الـــحـــرب قــــام بـتـغـيـيـر عــمــيــق في مفهوم الأمـــن الـعـالمـي، وأصبحت إجــــراءات التفتيش والمراقبة في المطارات والمعابر الحدودية في منتهى الصرامة؛ الأمر الذي قلّص عـدد حــوادث الإرهـــاب في العالم، بعد أن عرفت في فترة ما تزايدا وتواترا في عواصم عدة أوروبية وعربية وإسلامية. ورغم الخطوات المتحققة، التي يمكن أن نصنفها كخطوات أمنية وعسكرية بالأساس، فإننا نلاحظ أنه لا يمكننا التحدث عن تحقق الأمن المستدام في العالم؛ ذلك أنه وإن انتهت عمليا سطوة تنظيم «القاعدة»، فقد تولدت تنظيمات أكثر تطرفاً، مثل تنظيم «داعش» الذي خلّف المجازر وزرع الرعب، خصوصا في العراق وسوريا، فضلا عن عـودة حركة «طالبان» إلى السلطة في أفغانستان بعد انسحاب القوات الأميركية منها، ما يفسر أن ما حصل هو صعود ما يسمى «الجيلين الثاني والثالث» من التنظيمات المتطرفة، التي تُصنف الأكثر وحشية ممّا سبقها. وعموماً، لا تكمن المشكلة في حصاد الحرب على الإرهاب فــي حــد ذاتــــه، بـقـدر مــا تكمن فــي مـــدى اشـتـغـال الـعـالـم بجدية وعمق على الأسباب المنتجة للإرهاب وللأشخاص الإرهابيين. ومن المهم توضيح أن الحروب التي تُخاض ضد ظواهر مركبة هـي أكـثـر صعوبة وتعقيدا مـن الـحـروب التقليدية بـن الـــدول. وتــتــضــاعــف الــصــعــوبــة عــنــدمــا تـــكـــون الـــظـــاهـــرة نـــتـــاج أســبــاب حضارية واقتصادية وثقافية وسياسية مجتمعة؛ الأمر الذي يجعل الحرب على الإرهاب حربا من نوع خاص وحربا متنوعة الاستراتيجيات والآليات. ومـــا يستحق الانـتـبـاه فــي مـثـل هـــذه المـنـاسـبـة، الـتـي تهم الـعـالـم كـلـه ولـيـس الـــولايـــات المـتـحـدة وحـــدهـــا، هــو أن الجميع اكتوى من تداعيات هذه الهجمات. إن مستقبل نجاح الحرب على الإرهاب غامض، خصوصا عندما نربطه بتنامي العنصرية في العالم وصعود الأحــزاب الـيـمـيـنـيـة، وتــوظــيــف ظـــاهـــرة الإســامــوفــوبــيــا كـآلـيـة لتعميق التمييز الـثـقـافـي والــعِــرقــي والــديــنــي، كـمـا أن الـفـقـر والـبـطـالـة وضعف صمود دول عـدة أمـام تغيرات المناخ - ومـا تُخلفه من هشاشة اقتصادية واجتماعية - تُعد بمثابة مصانع غير مرئية لـجـمـاعـات تـعـانـي الإقـــصـــاء والـتـهـمـيـش والأبــــــواب المـــوصـــودة، إضافة إلـى غلق أوروبــا مُدنها في وجـوه المهاجرين والاكتفاء بالكفاءات التي تحتاج إليها لا غير. أي أن هناك مؤشرات دامغة عـلـى ضـيـق الأفـــق ورفـــض الآخــــر، وكـــل هـــذا يمثل تـربـة خصبة لتغذية الإرهاب والإرهابيين. لـذلـك، فـإنـه فـي مثل هــذا الــيــوم، قـد نفكر فـي الـحـرب على الإرهاب من زاوية جديدة، قادرة على صنع الفرق والوصول إلى النجاح المستدام. لــــــــــم يـــــــكـــــــن «نــــــــــــــداء النبطية الـثـانـي» مجرد نـــــــــــــداء لإنــــــــقــــــــاذ مــــديــــنــــة مــــــــــهــــــــــددة، ولا مـــــجـــــرد اســتــكــمــال لـــنـــداء سـابـق حــــــــــــذّر مــــــــن خـــــطـــــر كـــــان يقترب. ما بين النداءين، انتقل الوضع من مرحلة الـتـحـذيـر إلـــى مـرحـلـة أصـبـح فيها الـخـطـر وجــوديــا بالنسبة إلـــى مدينة النبطية، بما تمثله لا لأهلها وحدهم، بل لجبل عامل وللبيئة الشيعية الجنوبية بأكملها. فالنبطية ليست مـجـرد مدينة تقع فـي مـرمـى الــحــرب. إنـهـا مفصل اجتماعي وثقافي وحضاري في تاريخ جبل عامل، وحاضرة أساسية ذات موقع جغرافي واقتصادي وتعليمي، وهـي اليوم، بما تمثله، محاصَرة بالخطر. ولذلك، لم يعد ممكنا التعامل مع ما يجري فيها بوصفه شأنا محليا أو عسكرياً، بل بوصفه لحظة تستدعي تحذير المجتمع، وخصوصا المجتمع الجنوبي، من معنى ما يحدث. لكن أهمية النداء لا تُقاس بعدد الموقعين عليه، ولا بقدرته، في هذه اللحظة، على إنتاج حالة سياسية منظمة. أهميته في أنه فعل سياسي مختلف عن السائد، وفي أنه يفتح نافذة في جدار نمطية طويلة كرّسها «الثنائي الشيعي» في مقاربة المجتمعات الجنوبية، حتى بـدا الجنوب أحيانا كأنه كتلة واحدة، وموقف واحد، وصوت واحد. المجتمعات ليست كـذلـك. وفــي لحظات الخطر والحساسية، تعيد المجتمعات بلورة نفسها، وتبدأ باستعادة قدرتها على التفكير في ذاتها، وعلى الدفاع عن مصالحها، وعلى التمييز بين ما يُقال باسمها وما تريده هي فعلاً. من هنا، فإن «نـداء النبطية الثاني» ليس تنظيماً، ولا حالة انتظام سياسي، ولا إعلانا عن انقسام داخل البيئة الشيعية الجنوبية. إنه تعبير عن حالة تتبلور أولا على مستوى الوعي والتفكير الجمعي، وقد تؤسس لاحقاً، إذا نضجت شروطها، لحراك سياسي اعتراضي. وهنا تكمن دلالته الأعـمـق. فالحرب لم تدمر الحجر وحــده. حروب الإسـنـاد ومــا تـاهـا تـركـت آثـــارا اجتماعية واقـتـصـاديـة ونفسية عميقة، وشتّتت العائلات، وضربت مصادر الرزق، وهددت مدنا وقرى وحواضر هــي جـــزء مــن الـــذاكـــرة الـجـنـوبـيـة. وحـــن يصبح الـبـيـت مـهـدمـا، والمـديـنـة مهددة، والعودة نفسها غير مضمونة، يبدأ السؤال عن الحرب بالتحول إلى سؤال عن الحياة. يمكن للجنوبي أن يبقى رافضا للاحتلال، ومتمسكا بحق الجنوب في الدفاع عن نفسه، ومؤيدا للمقاومة، وفـي الوقت نفسه أن يسأل: مَن يقرر الحرب؟ مَن يدفع ثمنها؟ ومَن يحمي المدينة؟ ومَن يضمن أن يبقى الجنوب قابلا للحياة؟ هنا نصل إلى تخوم الوعي الجنوبي. فالمسألة ليست انتقالا من حزب إلى حزب، ولا انقلابا على «الثنائي الشيعي»، بل بداية انتقال محتمل من «المقاومة أولاً» إلى «الجنوب أولاً»؛ من سؤال السلاح إلى ســـؤال الـبـقـاء؛ ومــن ســـؤال: مَــن يمثل الطائفة؟ إلــى ســـؤال: مَــن يمثل مصالح أهلها؟ ولـهـذا، تصبح عبارة «بقاء النبطية أهـم من بقاء الـسـاح» أكثر من شعار. إنها إعـادة ترتيب للعلاقة بين الوسيلة والغاية. السلاح وسيلة، أما الإنسان والمدينة والأرض والذاكرة فهي الغاية. وإذا أصبحت الوسيلة تهدد الغاية، فمن حق المجتمع أن يسأل وأن يعيد النظر. الوعي لا يبدأ عندما تتغير المواقف، بل عندما يصبح السؤال ممكناً. لذلك، قد لا يكون «نداء النبطية الثاني» بداية حراك سياسي مكتمل، لكنه بالتأكيد يمهّد لإعادة صياغة الوعي الجمعي. فهو يقول إن الجنوب ليس كتلة صامتة، وإن الجنوبي ليس رقما في ميزان المحاور، وإن المدن ليست مجرد مواقع في معركة. الجنوب مجتمع يريد أن يحيا، ومدن يريد أهلها أن تبقى، وذاكرة لا تريد أن تتحول إلى ركام. ومن هنا، فإن قيمة النداء ليست فقط في إنقاذ النبطية اليوم، بل في فتح الطريق أمام سؤال أكبر: هل يستطيع الجنوب أن يستعيد حقه في تعريف مصلحته بنفسه؟ وعــلــيــه، ربــمــا يــكــون «نـــــداء الـنـبـطـيـة الــثــانــي» أول خــطــوة عـلـى هـذا الطريق. إنه يقف عند تخوم وعي جديد، لم يكتمل بعد، لكنه بدأ يتشكل. OPINION الرأي 12 Issue 17454 - العدد Friday - 2026/9/11 الجمعة سبتمبر 11 ًربع قرن على هجمات ما بعد الحرب... ليس بالضرورة سلاما نداء النبطية الثاني وتخوم الوعي الجنوبي وكيل التوزيع وكيل الاشتراكات الوكيل الإعلاني المكـــــــاتــب المقر الرئيسي 10th Floor Building7 Chiswick Business Park 566 Chiswick High Road London W4 5YG United Kingdom Tel: +4420 78318181 Fax: +4420 78312310 www.aawsat.com [email protected] المركز الرئيسي: ٢٢٣٠٤ : ص.ب ١١٤٩٥ الرياض +9661121128000 : هاتف +966114429555 : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: www.arabmediaco.com هاتف مجاني: 800-2440076 المركز الرئيسي: ٦٢١١٦ : ص.ب ١١٥٨٥ الرياض +966112128000 : هاتف +9661٢١٢١٧٧٤ : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: saudi-disribution.com وكيل التوزيع فى الإمارات: شركة الامارات للطباعة والنشر الريـــــاض Riyadh +9661 12128000 +9661 14401440 الكويت Kuwait +965 2997799 +965 2997800 الرباط Rabat +212 37262616 +212 37260300 جدة Jeddah +9661 26511333 +9661 26576159 دبي Dubai +9714 3916500 +9714 3918353 واشنطن Washington DC +1 2026628825 +1 2026628823 المدينة المنورة Madina +9664 8340271 +9664 8396618 القاهرة Cairo +202 37492996 +202 37492884 بيروت Beirut +9611 549002 +9611 549001 الدمام Dammam +96613 8353838 +96613 8354918 الخرطوم Khartoum +2491 83778301 +2491 83785987 عمــــان Amman +9626 5539409 +9626 5537103 صحيفة العرب الأولى تشكر أصحاب الدعوات الصحافية الموجهة إليها وتعلمهم بأنها وحدها المسؤولة عن تغطية تكاليف الرحلة كاملة لمحرريها وكتابها ومراسليها ومصوريها، راجية منهم عدم تقديم أي هدايا لهم، فخير هدية هي تزويد فريقها الصحافي بالمعلومات الوافية لتأدية مهمته بأمانة وموضوعية. Advertising: Saudi Research and Media Group KSA +966 11 2940500 UAE +971 4 3916500 Email: [email protected] srmg.com مصطفى فحص آمال موسى جمال الكشكي

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky