issue17453

OPINION الرأي 12 Issue 17453 - العدد Thursday - 2026/9/10 الخميس وكيل التوزيع وكيل الاشتراكات الوكيل الإعلاني المكـــــــاتــب المقر الرئيسي 10th Floor Building7 Chiswick Business Park 566 Chiswick High Road London W4 5YG United Kingdom Tel: +4420 78318181 Fax: +4420 78312310 www.aawsat.com [email protected] المركز الرئيسي: ٢٢٣٠٤ : ص.ب ١١٤٩٥ الرياض +9661121128000 : هاتف +966114429555 : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: www.arabmediaco.com هاتف مجاني: 800-2440076 المركز الرئيسي: ٦٢١١٦ : ص.ب ١١٥٨٥ الرياض +966112128000 : هاتف +9661٢١٢١٧٧٤ : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: saudi-disribution.com وكيل التوزيع فى الإمارات: شركة الامارات للطباعة والنشر الريـــــاض Riyadh +9661 12128000 +9661 14401440 الكويت Kuwait +965 2997799 +965 2997800 الرباط Rabat +212 37262616 +212 37260300 جدة Jeddah +9661 26511333 +9661 26576159 دبي Dubai +9714 3916500 +9714 3918353 واشنطن Washington DC +1 2026628825 +1 2026628823 المدينة المنورة Madina +9664 8340271 +9664 8396618 القاهرة Cairo +202 37492996 +202 37492884 بيروت Beirut +9611 549002 +9611 549001 الدمام Dammam +96613 8353838 +96613 8354918 الخرطوم Khartoum +2491 83778301 +2491 83785987 عمــــان Amman +9626 5539409 +9626 5537103 صحيفة العرب الأولى تشكر أصحاب الدعوات الصحافية الموجهة إليها وتعلمهم بأنها وحدها المسؤولة عن تغطية تكاليف الرحلة كاملة لمحرريها وكتابها ومراسليها ومصوريها، راجية منهم عدم تقديم أي هدايا لهم، فخير هدية هي تزويد فريقها الصحافي بالمعلومات الوافية لتأدية مهمته بأمانة وموضوعية. Advertising: Saudi Research and Media Group KSA +966 11 2940500 UAE +971 4 3916500 Email: [email protected] srmg.com اجتماع الفيل والتنين... معركة لضبط الذكاء الاصطناعي! اختبار «بيزا» صدمته مزلزلة عقلك المحافظ وعقلك المتمرد فـي خضم المـعـارك والـحـروب والـطـائـرات والمسيّرات والصواريخ التي تجوب الفضاء ويعيشها العالم اليوم ما بين روسيا وأوروبا أو الحرب الأميركية - الإيرانية أو استهداف الحوثي للمدن السعودية أو ما يعيشه السودان مــن حـــرب طـاحـنـة وغـيـرهـا مــن الــنــزاعــات، هـنـالـك معركة تـجـري بعيدا عـن ذلـــك، وهــي معركة ضبط استخدامات الذكاء الاصطناعي. مــــعــــركــــة ضــــبــــط اســـــتـــــخـــــدامـــــات تــــقــــنــــيــــات الـــــذكـــــاء الاصطناعي، وخصوصا في الحروب، أصبحت تتصاعد بشكل كبير مع ازدياد استثمار الشركات العالمية بمبالغ تـريـلـيـونـيـة، وســيــكــون هــــذا المــلــف مـــن أهــــم المــلــفــات على طــاولــة الــنــقــاش فــي اجــتــمــاع الــرئــيــس الأمــيــركــي دونــالــد تــرمــب والــرئــيــس الـصـيـنـي شـــي جـيـنـبـيـنـغ، والمــتــوقــع أن يكون نهاية هـذا الشهر في واشنطن، وذلــك مع تصاعد استخدامات الذكاء الاصطناعي في الحروب والهجمات السيبرانية والأنظمة العسكرية. صحيح أن الـــولايـــات المـتـحـدة والــصــن أكـبـر قوتين اقتصاديتين وتكنولوجيتين في العالم، إلا أن الحوار حول أخطار الذكاء الاصطناعي وضبطه أصبح ضرورة وملفا مــن مـلـفـات الأمـــن الـعـالمـي، وقـــد يـــرى الـبـعـض أن النقاش الأميركي - الصيني عن أخطار الذكاء الاصطناعي يعتبر غريبا في الوقت الذي تتنافسان فيه بشراسة على امتلاك التفوق في هذه التكنولوجيا، لكن هذا هو منطق سباق التكنولوجيا؛ الـدولـة لا تستطيع أن تتوقف عـن تطوير الـتـكـنـولـوجـيـا لأنــهــا تـخـشـى اسـتـخـدامـهـا مــن خصمها، وفـي الوقت نفسه لا تستطيع أن تترك التكنولوجيا بلا ضوابط وأخلاقيات. لا أحد ينكر أن تقنيات الذكاء الاصطناعي أصبحت مهمة بشكل كبير في كل مناحي الحياة، ومن يتأخر عن استخدامها سيصل إلى ما يشبه الأمية التقنية، لأن الذكاء الاصطناعي يختصر الوقت والجهد والمال ويساعد أيضا على ترتيب الأفـكـار، والـوصـول إلـى المعلومات، وتحليل كميات هائلة من البيانات في وقت لا يستطيع الإنسان أن يعملها في وقت وجيز، إلا أن استخداماته العسكرية من دون ضوابط تهدد العالم. ووفــق ما نقلته «رويـتـرز» فـإن واشنطن تريد بحث التعاون فـي مراقبة الهجمات السيبرانية التي يقودها الـــــذكـــــاء الاصـــطـــنـــاعـــي مــــع بــــكــــن، وطـــــــرح فــــكــــرة تـــعـــاون مختبرات الـذكـاء الاصطناعي في البلدين لمراقبة بعض المخاطر وتبادل المعلومات بشأنها، وهذا يعني أن الذكاء الاصطناعي لم يعد ملفا اقتصاديا أو تكنولوجيا فقط، بل أصبح ملفا أمنيا بامتياز. الـــدكـــتـــورة إلـــكـــي شـــوارتـــز بــاحــثــة ومـــحـــاضـــرة في جامعة الملكة مـاري في لندن قدمت أبحاثا عـدة وكتبا حول استخدامات الأسلحة للذكاء الاصطناعي، وهي لا تـنـاقـش الـــذكـــاء الاصــطــنــاعــي بــاعــتــبــاره مــجــرد أداة عسكرية أكثر دقة، وإنما تبحث في تأثيره على مفهوم المــســؤولــيــة الأخـــاقـــيـــة نـفـسـهـا، وأشــــــارت إلــــى مشكلة سمتها «الانحياز للأتمتة»، وهـي الثقة في قــرار الآلة مـن دون الـرجـوع للإنسان ويجعله أكثر اعتمادا على توصية الآلة، بما قد يضعف قدرته على ممارسة الحكم الأخلاقي وتحمل المسؤولية عن قـرار استخدام القوة، ولذلك تـرى أن التحدي الحقيقي ليس جعل الآلـة أكثر اســتــقــالاً، بــل ضـمـان بـقـاء الإنــســان صـاحـب السيطرة والمسؤولية الأخلاقية عن القرارات التي تتعلق بالحياة والموت. لـــذلـــك فـــــإن قــضــيــة اســـتـــخـــدام الــــذكــــاء الاصــطــنــاعــي ليست قضية تقنية، بل أصبحت قضية أمنية وسياسية وقانونية، إذ تبحث واشنطن وبكين هذا الملف، ليس لأنه تقني فـقـط، بــل لأنـــه أصـبـح ملفا أمـنـيـا يـمـس كــل العالم ويهدد استقراره، ولا يقل خطورة عن القنابل والـرؤوس النووية. مفاجآت اختبار «بـيـزا»، التَّقييم الـدولـي للطلاب الـذي ، جاءت صادمةً، وفي 2025 صدرت نتائجه قبل أيام، عن عام بعض الدول الأوروبية أحدثت زلزالا في الرأي العام، إذ تبي أن التعليم تراجع بشكل غير مسبوق، خصوصا في القراءة والرياضيات، فيما بقيت المعرفة بالعلوم مقبولة نسبياً. المفاجأة الأكبر أن الدول الآسيوية المشاركة في الاختبار تربَّعت على رأس القائمة، متقدمة على كـل الـــدول الغربية، حيث حلَّت الصّين أولا تلتها سنغافورة، ثم ماكاو (الصين)، وتايوان، واليابان قبل أن تحل إستونيا سادسة، ومن بعدها كوريا الجنوبية وبريطانيا. أمَّــا أميركا التي تقود الصناعات التكنولوجية وثـورة عالميا بعد 13 الذكاء الاصطناعي في العالم أجمع فترتيبها أستراليا وفنلندا التي عرفت سابقا بتعليمها الفذ. وكانت أول من تخلَّى عن الورق وتبنّي اللوح الإلكتروني لتندم على فعلتها، وتقرر العودة إلى الدفتر والقلم والكتاب. وهذا أكبر تقييم تجريه اختبارات «بيزا» التي تجرى كل ثـاث سنوات، منذ انطلاقتها قبل نحو ربـع قـرن، شـارك فيه دولـة. 91 مليون تلميذ، من 33 ألـف طالب يمثلون نحو 760 ركَّــــزت النسخة الأخــيــرة عـلـى الـعـلـوم، حـيـث اسـتـقـر متوسط الأداء فــي الــســنــوات الـعـشـر الأخـــيـــرة، لـكـن انـخـفـض متوسط نقطة فـي دول «منظمة التعاون 28 درجـــات الــقــراءة بـمـقـدار الاقـتـصـادي والتنمية» الـتـي تـضـم غالبية الـــدول الأوروبــيــة وأمـــيـــركـــا والـــيـــابـــان، أي مـــا يـــعـــادل عـــامـــا ونـــصـــف الـــعـــام من الـدراسـة. وركَّــزت أسئلة الاختبار على فهم الجمل، والإجابة الـسـريـعـة، لتقييم الـحـس الـنـقـدي. فـتـبـن أن ربـــع طـــاب دول المنظمة، في سن الخامسة عشرة، يعانون من تدني الأداء في في المائة فقط 16 العلوم والرياضيات والقراءة، مقارنة بنسبة .2022 في عام علما أن الــقــراءة مـن بـن أهـــم المــهــارات فـي عصر الـذكـاء الاصـطـنـاعـي، لأنَّــهـا مفتاح لـربـط المـصـادر المختلفة، وتقييم المـعـلـومـات والتحليل الـنـقـدي للنصوص. ويعتقد أن كثافة «الــــقــــراءات الــخــاطــفــة» عـلـى الـــشـــاشـــات، جـعـلـت الـــطـــاب غير قــادريــن عـلـى الـتـأنـي، لـلـوصـول إلـــى فـهـم دقـيـق للمعاني، أو الـتـأمـل فـي مـغـزاهـا. وهــو مـا يجعل الــقــراءة نشاطا غير ذي فائدة كبرى. أمَّــا الطلاب المشاركون من خـارج دول «منظمة التعاون والتنمية» في برنامج التقييم، فقد انخفضت درجات القراءة نقطة، والرياضيات بثماني نقاط، وهو ما 16 لديهم بمقدار يعني أن النظم التعليمية، في غالبيتها، تعاني حالة ارتباك شـديـد، وتــدهــور كبير، مـع اسـتـثـنـاءات طفيفة فـي دول مثل كوستاريكا وسلوفاكيا وتركيا؛ وتبقى المملكة المتحدة أفضل حالا من الدول الأوروبية الأخرى. محللون يحاولون فهم الأسـبـاب، منهم مَــن يتحدث عن الـهـاتـف الـــذي يـشـتّــت انـتـبـاه الأطـــفـــال، بعضهم يـلـوم النظام التعليمي المــائــع وبــعــض آخــــر، عـلـى الـعـكـس، يــريــد تخفيف الأعباء الدراسية. هناك من يحمّل المسؤولية للأهل. ووصل الحال ببعضهم إلى اعتبار أن انهيار التعليم سببه المهاجرين الذين أدخـلـوا آلاف الأطـفـال إلـى المـــدارس دون مستوى يذكر. وتبقى وسائل التواصل المتهم الأول لأنَّها تسرق الوقت وتقلل التركيز وتأخذنا من القراءة. فــي فـرنـسـا الـقـلـق كـبـيـر، إذ يـطـالـب تسعة مــن كــل عشرة فرنسيين بــأن يـكـون التعليم أولــويــة للرئيس الـجـديـد، الـذي سـيـنـتـخـب الـــعـــام المــقــبــل. والـــتـــســـاؤل هـــو كـيـف يـمـكـن لأمـــة أن تنهض وشـبـانـهـا لا يـجـيـدون الـــقـــراءة؟ وكـيـف لـهـم أصـــا أن يحلّوا مسألة رياضيات إن لم يكونوا قادرين على فهم السؤال؟ رغم أن بعض الدول العربية شهدت تقدماً، حسب نتائج المـسـابـقـة، فـــإن أمـامـهـا جميعا أشــواطــا. أمَّـــا لبنان فقد صار حقا فـي ذيــل الـائـحـة، ولــم يــأت مـن بـعـده مـن الـــدول العربية على مبعدة درجــات عـدة سـوى المغرب. أعطيت للبنان أعـذار تخفيفية، على اعتبار أنـه فـي السنوات السابقة أدخــل عـددا كبيرا من طـاب رقيقي الحال، لم يكونوا مشمولين بالنظام التعليمي، لكن هذا لا يعفيه من تحمل المسؤولية، وعلى وزارة التربية تجاهل النتيجة الصعبة، ومواجهتها بشجاعة. وعـلـى عـكـس كــل مــا يـقـال عــن الــذكــاء الاصـطـنـاعـي الــذي سيحل مكان الأستاذ والطبيب والمهندس، فإن الدراسة تحذّر من نقص الكوادر التعليمية الماهرة. وهو بالفعل أحد أسباب الأزمات التي يعاني منها التعليم، حيث تلجأ المؤسسات إلى الاقتصاد بتقليص الكوادر. الأزمة مركّبة، فوضى في استخدام الألواح الإلكترونية، وتخل سريع عن الطرق التقليدية، وضياع المناهج بين ما كان معتمداً، وما يجب أن نلجأ إليه، من دون حذر كبير أو تمهل. صــار أطفالنا مـجـالا للتجارب الموجعة الـتـي ستدفع ثمنها المجتمعات غاليا في السنوات المقبلة. أصبح قسم كبير من الطلاب عاجزا عن فهم معنى جملة بسيطة، أو إجـراء عملية حسابية بدائية. فلو بحثت في نوعية الأسئلة التي طرحت على طلاب مسابقة «بيزا» لأدركت أن النتائج ليست صادمة فقط بل كارثية. يــبــدو أن اســتــشــهــادي بـــــآراء ميشيل فوكو في مقال الأسـبـوع المـاضـي، قد أخذ الـــفـــكـــرة نــحــو مــنــحــى الــنــقــد المــــوجَّــــه لـهـذا الــفــيــلــســوف، لا سـيـمـا الـــقـــول إن تـنـظـيـره يـؤول في نهاية المطاف إلى رؤيـة عدمية، وفي أحسن الأحوال نسبية مغالية. والرؤيتان كلتاهما موضع نقد عند الأخـاقـيــن. أمــا الـعـدمـيـة فـهـي -بتبسيط شديد- تنفي كل الثوابت. فليس ثمة معرفة يــقــيــنــيــة، ولا مــعــنــى مــطــابــقــا لمــوضــوعــه، ولا حقيقة قائمة بذاتها، ولا قيمة يمكن الاستناد إليها كمعيار قطعي. ومـن هنا فـمـا نظنه غـايـة أو فضيلة أخـاقـيـة، هي مجرد اعـتـبـارات صنعناها. فــإذا تخلينا عـــنـــهـــا انـــتـــهـــت وزالـــــــــت قـــيـــمـــتـــهـــا، كــأنــهــا مـــوضـــات المـــابـــس ومــــوديــــات الــســيــارات التي لها قيمة ما دام الناس مقبلين عليها، فإذا تركوها بعد زمن ذهبت للهامش. وعليه، فلا يوجد فعل صائب وفعل خطأ؛ لأنه لا يوجد معيار قطعي نعتمده في التمييز بين هذا وذاك. خـاصـة الــرؤيــة الـعـدمـيـة إذن: أنـــه لا شيء يستحق الاهتمام، ولا شيء يستحق الغضب. أمـــا الـنـسـبـيـة فـهـي لا تـنـفـي الـثـوابـت ولا الــقــيــم الــعــلــيــا؛ بـــل تـعـامـلـهـا كـثـوابـت مـــحـــلـــيـــة. أي أنـــــه لا تـــوجـــد قــيــمــة كــونــيــة اسمها الـعـدل ولا الـحـريـة ولا الأخـــوة ولا الإحسان ولا النظام؛ بل لكل جماعة وبلد وزمن ودين مفهوم خاص للعدل، قد يشبه مفهومه عند الجماعات الأخـرى والأزمنة الأخـرى أو يخالفها. وكـذا معاني الأفعال والصواب والخطأ... إلخ. وهـــــــــذا يــــخــــالــــف مـــــا تــــعــــارفــــت عــلــيــه مـخـتـلـف الــثــقــافــات، مـــن وجــــود مجموعة مـحـددة مـن القيم المــجــردة، متعالية على كل الثقافات وعابرة للأزمان، وهي علامة ضـــــروريـــــة لـــتـــعـــريـــف الـــــوجـــــود الإنـــســـانـــي وتمييزه عن بقية المخلوقات. إن قيما مثل العدل والإحسان والكرم والتكافل والحرية والــنــظــام لـيـسـت مــشــروطــة بــزمــن بعينه، ولا ديـن ولا جماعة ولا حضارة بعينها؛ بـل هـي صحيحة دائـمـا وضـروريـة دائماً، ولـــولاهـــا لـفـقـدت الــحــيــاة الإنــســانــيــة أبـــرز معانيها. ويـقـول دارســـو فلسفة ميشيل فوكو إنه لم ينكر عالمية القيم، ولا يصح وصفه بالنسبية فضلا عن العدمية، ولكنه أراد توجيه الأنظار إلى الأهمية الكبرى لتاريخ المعرفة، وخيوط التجربة التاريخية التي تــســهــم فــــي تــشــكــيــل الـــــواقـــــع، حـــتـــى لــــو لـم نلتفت لتأثيرها في الوقت المناسب. كما أراد توجيه الباحثين للتحول الجوهري في طبيعة السلطة الحديثة التي ما عادت تمارس العنف العاري على طريقة الدولة القديمة؛ بل استبدلت به تنظيم المجتمع وتوزيع الأدوار وتقسيم العمل، على نحو يرضي الغالبية، ولكنه فـي الـوقـت نفسه يـقـلـص اسـتـقـالـيـتـهـم، ويـــحـــوِّل المجتمع إلـى ما يشبه ماكينة إنتاج كبيرة، يعمل كل جزء فيها بطريقة ميكانيكية أو شبه ميكانيكية، من دون أن يتوقف أحدنا يوما ليسأل: هل هذه هي الحياة التي أردت أن أعيشها حقاً؟ وأرى أن فـوكـو قــد أصـــاب فــي رؤيـتـه لتاريخ المعرفة، وتحوُّل المفاهيم وانتقالها من حقل دلالـي إلـى آخـر، وتأثير الظروف الـحـيـاتـيـة عـلـى فـهـم المـجـتـمـعـات لـذاتـهـا، والمـعـانـي المـرتـبـطـة بـأفـعـالـهـا. ولـكـن لعله بالغ في التقليل من دور «العقل المنشئ» ) أو 1963 -1876( وفق تعبير أندريه لالاند العقل النظري بتسمية الفلسفة القديمة. وفـــــقـــــا لــــــرؤيــــــة لالانـــــــــــد، الـــفـــيـــلـــســـوف الفرنسي المعاصر، يقوم «العقل المنشئ» بــدور المـراقـب والناقد لمحتويات الـذاكـرة، أي ما استقر في ذهن الإنسان وبات قاعدة للتفكير. فـــــي كـــــل عـــقـــل إنــــســــانــــي ثـــمـــة جـــانـــب «منشئ» يبتكر الحلول الإبداعية، ويحرر الإنــــــســــــان مـــــن أســــــر الــــقــــنــــاعــــات الـــقـــديـــمـــة والمـسَــلَّــمـات الاجـتـمـاعـيـة. لـــولا هـــذا العقل المتمرد، لما وُجدت فكرة جديدة، وما وُجد إبـــــــداع يــخــالــف الـــســـائـــد. ويــشــهــد تــاريــخ البشرية بأن الإنسان لم يتوقف يوما عن التغيير والإبــــداع. وهـــذا بـذاتـه دلـيـل على أن العقل الذي صنعته التجربة التاريخية والمحيط الاجتماعي -وفق تصوير فوكو- ليس قدَرا ولا هو صورة نهائية. فهو -رغم قوته ورسوخه- لا يستطيع مجابهة العقل الآخر (المنشئ). الــســؤال إذن ليس مـا إذا كـانـت رؤيـة فــوكــو صـائـبـة أم خــاطــئــة؛ بــل مــا إذا كـان الإنــــســــان يــســمــح لـعـقـلـه المــنــشــئ بـالـقـيـام بدوره المفترض أم لا. في كل عقل إنساني ثمة جانب «منشئ» يبتكر الحلول الإبداعية ويحرر الإنسان من أسر القناعات القديمة أصبح الملف أمنيا يمس كل العالم ويهدد استقراره ولا يقل خطورة عن القنابل والرؤوس النووية رغم أن بعض الدول العربية ًشهدت تقدما حسب نتائج المسابقة فإن أمامها أشواطا توفيق السيف زيد بن كمي سوسن الأبطح

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky