عُــقـدت قمة ثلاثية بـن مصر واليونان وقـــبـــرص، فـــي مـديـنـة الـعـلـمـن بـشـمـال غـرب مصر أمس الثلاثاء، في خطوة يقول خبراء ومـحـلـلـون إنــهــا تــبــرز حـــرص الــقــاهــرة على تـــنـــويـــع عـــاقـــاتـــهـــا وشـــراكـــاتـــهـــا مــــع جـمـيـع الـــــــــدول واســـــتـــــمـــــرار دبـــلـــومـــاســـيـــة «الاتـــــــــزان الاستراتيجي». وخـال القمة التي شـارك فيها الرئيس المــــصــــري عـــبـــد الـــفـــتـــاح الـــســـيـــســـي، ونــظــيــره القبرصي نيكوس كريستودوليدس، ورئيس وزراء الـيـونـان كـيـريـاكـوس ميتسوتاكيس، أكـــدت الــــدول الــثــاث عـلـى مـحـوريـة الـشـراكـة والالــتــزام بـاسـتـمـرارهـا، وفــق بـيـان للرئاسة المصرية. ووصــــف الـسـيـسـي تـلـك الــشــراكــة بأنها «تمثل نموذجا يُحتذى به للتعاون الإقليمي الهادف إلى تحقيق الاستقرار والتنمية في منطقة شرق المتوسط، مؤكدا أهمية مواصلة العمل على الارتقاء بالتعاون البنّاء في إطار الآلية الثلاثية». بـــــدورهـــــمـــــا، أكــــــد الــــرئــــيــــس الـــقـــبـــرصـــي ورئـــيـــس الــــــوزراء الــيــونــانــي حـرصـهـمـا على تـعـزيـز الــتــعــاون الــثــاثــي، مـشـيـرَيـن إلـــى أن الآلية أصبحت «منصة رائدة لترسيخ السلم ودعـــــم الأمـــــن الإقــلــيــمــي بــمــا يـحـقـق مـصـالـح الدول الثلاث وشعوبها». وتناول اللقاء سبل تعزيز التعاون في المجالات التجارية والاستثمارية، وقطاعات الطاقة والسياحة والتعليم والثقافة، فضلا عـــن الـــتـــعـــاون فـــي مـــجـــالات الــهــجــرة والـعـمـل وانتقال العمالة المصرية الماهرة إلى البلدين، مــع الـتـأكـيـد عـلـى مـحـوريـة الــتــعــاون الأمـنـي لمواجهة التحديات المشتركة مثل الهجرة غير الشرعية والجريمة المنظمة، وتم الاتفاق على مواصلة التشاور والتنسيق السياسي بين الدول الثلاث تعزيزا للاستقرار الإقليمي. وفي مؤتمر صحافي بختام المباحثات، قال السيسي: «أثبتت تجربتنا أن ما يجمع بــــن مـــصـــر والــــيــــونــــان وقــــبــــرص، هــــو إرادة مــشــتــركــة لــبــنــاء نـــمـــوذج إقــلــيــمــي، تـتـأسـس ركـــائـــزه عـلـى تـحـقـيـق الاســـتـــقـــرار والـتـنـمـيـة، ويقدم حلولا عملية لاحتواء دوائر التوتر». وأضــــــــاف: «أؤكـــــــد الـــتـــزامـــنـــا بــمــواصــلــة تطوير هذا الإطار المؤسسي، وتعزيز آلياته، بــمــا يـــتـــاءم مـــع أهــمــيــة هــــذه الـــشـــراكـــة، ومــا تـوفـره مـن فــرص لتلبية تطلعات شعوبنا، نحو مستقبل أكثر أمنا واستقرارا وازدهاراً». وركــــز الـبـيـان المـشـتـرك لـلـبـلـدان الـثـاثـة على التمسك بالحفاظ على الشراكة، وجاء بـه: «آلية التعاون الثلاثي منذ إنشائها في ،2014 ) القاهرة في نوفمبر (تشرين الثاني أصبحت نموذجا ناجحا للتعاون الإقليمي. وإنـــنـــا نـظـل مـلـتـزمـن بـمـواصـلـة تـطـويـرهـا، اســـــتـــــنـــــادا إلـــــــى مـــــبـــــادئ الــــثــــقــــة والاحــــــتــــــرام والتعاون. ونؤكد أهمية احترام سيادة الدول واستقلالها وسلامة أراضيها، والامتناع عن الـتـهـديـد بـاسـتـعـمـال الــقــوة أو اسـتـخـدامـهـا، والالــــتــــزام الــكــامــل بــقــواعــد الـــقـــانـــون الــدولــي ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة». وقــال مساعد وزيــر الخارجية المصري الأسبق، وأمـن برنامج «المشاركة المصرية - الأوروبــيــة» الـسـابـق، السفير جمال بيومي، لـ«الشرق الأوسط»، إن انعقاد القمة الثلاثية بين مصر واليونان وقبرص يأتي استكمالا وترسيخا للتحالف الاستراتيجي الممتد بين الـدول الثلاث، ونفيا لما يُثار حول تأثر هذه العلاقات بأي تجاذبات أو تقاربات إقليمية أخــــرى. وأشــــار بـيـومـي إلـــى أن هـــذه الـشـراكـة ستستمر؛ كونها امــتــدادا طبيعيا للتعاون المـؤسـسـي الـــذي أثـمـر عــن تـأسـيـس «منتدى غاز شرق المتوسط» ومقره القاهرة، ووجود علاقات مصرية تاريخية وثابتة مع قبرص واليونان. ويـــــــــرى نـــــائـــــب مـــــديـــــر تــــحــــريــــر «مـــجـــلـــة الــديــمــقــراطــيــة» وخــبــيــر الـــشـــؤون الإقـلـيـمـيـة كــــرم سـعـيـد أن عــقــد الــقــمــة الــثــاثــيــة يعكس حـــرص مـصـر عـلـى إرســــاء سـيـاسـة «الــتــوازن الاســـتـــراتـــيـــجـــي» فــــي الـــتـــعـــاطـــي مــــع الـــقـــوى الإقليمية ومحيطها الجغرافي، مشددا على أن هذه الشراكة «تُعد نقطة استناد جوهرية لضبط بـوصـلـة الأمـــن والـــتـــوازن فــي منطقة شرق المتوسط». واستطرد قائلا لـ«الشرق الأوســـط» إن مصر «تسعى لبناء شبكة مصالح إقليمية متوازنة لا تستهدف الإضرار بأي طرف، مع الالتزام الصارم بثوابتها القائمة على احترام السيادة، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، وتفعيل الخيارات الدبلوماسية لحل النزاعات». تــأتــي تـلـك الـقـمـة فـــي ظـــل تـــقـــارب مصر وتركيا وتنامي التعاون الدفاعي بين اليونان وإســرائــيــل. وقـبـل يـــوم واحـــد مــن انـعـقـادهـا، تــلــقــى وزيــــــر الـــخـــارجـــيـــة المــــصــــري بـــــدر عـبـد الـعـاطـي اتــصــالا هاتفيا مــن نـظـيـره التركي هــاكــان فــيــدان، تــنــاول سـبـل مـواصـلـة تعزيز العلاقات الثنائية إلى آفاق أرحب، ومواصلة البناء على ما تشهده من زخـم متنام خلال الفترة الأخيرة والعمل على تعزيز التعاون فــــي مــخــتــلــف المـــــجـــــالات، خـــاصـــة الـــتـــجـــاريـــة والاستثمارية، والتحضير للاجتماع القادم لمجلس التعاون الاستراتيجي في تركيا. وفي أواخر أغسطس (آب) الماضي، شهد الـــتـــعـــاون الـــدفـــاعـــي بـــن الـــيـــونـــان وإســرائــيــل تـطـورا بـــارزا بتوقيع صفقة عسكرية بقيمة مليار دولار)، 3.48 مـلـيـارات يـــورو (نـحـو 3 ستنشئ تـل أبـيـب بموجبها منظومة دفـاع جـوي متعددة الطبقات في اليونان. وقالت وزارة الــــدفــــاع الإســـرائـــيـــلـــيـــة إن هــــذه «أكــبــر صفقة تصدير دفـاعـيـة فـي تـاريـخ العلاقات بـــن إســرائــيــل والـــيـــونـــان، وواحـــــدة مـــن أكـبـر الصفقات في تاريخ إسرائيل». ويـعـتـقـد بــيــومــي أن الـــتـــقـــارب المــصــري - الـــتـــركـــي الـــحـــالـــي لا يـــؤثـــر بــــأي حــــال على قـوة ومتانة العلاقات المصرية - اليونانية، مـــشـــددا عــلــى أن ســيــاســة مــصــر الــخــارجــيــة «تـتـمـيـز بـالـثـبـات والـــرزانـــة والـــرؤيـــة طويلة المــدى والــتــوازن، وأنـهـا حريصة على تقوية وتـــنـــســـيـــق شـــراكـــاتـــهـــا الاســـتـــراتـــيـــجـــيـــة بـمـا يـحـقـق الاســـتـــقـــرار فـــي المـنـطـقـة ومـصـالـحـهـا الاستراتيجية». ويـــتـــفـــق مـــعـــه ســـعـــيـــد الــــــــذي يــــؤكــــد أن التقارب المصري مع تركيا لا يتناقض مطلقا مع الشراكة مع اليونان وقبرص؛ مشيرا إلى أن مصر «تـطـرح موقفا حاسما يرتكز على ضـــــرورة الالـــتـــزام بـتـعـيـن الـــحـــدود الـبـحـريـة وفــــــق أطــــــر الــــقــــانــــون الــــــدولــــــي، بـــمـــا يـضـمـن الاســتــغــال الـــعـــادل لـــثـــروات المـنـطـقـة لصالح جميع شعوبها». يبدأ يوم السودانية سهام الضي باكراً، وحــيــنــهــا تــقــصــد المــــــرأة الـسـتـيـنـيـة ســــوق أم درمان، وليس في يدها قائمة مشتريات، إنما بحثا عن عمل يتيح لها توفير طعام اليوم، آلاف 5 فأحيانا تنظف جوالا من الفول مقابل جنيه (أقل من دولار)، وتشتري بعائده شيئا من العدس والدقيق لإعداد «القراصة» (خبز محلي)، أمـا إذا لم تجد عملا فتسلك طريقا آخر... وهو التسول. تـــذهـــب ســـهـــام إلـــــى إحــــــدى الـــــجـــــزارات، لـتـلـقـي الـتـحـيـة، وتـنـتـظـر الـــجـــزار الــــذي يمد يـــده إلـيـهـا بـقـطـعـة شــحــم، وأحــيــانــا يضيف إليها عظماً. «إحــســاس قــاتــل»، تـقـول سهام لـ«الشرق الأوسط» وهي تنظر إلى الأرض، ثم تضيف: «أحاول إقناع نفسي بأن هذا أفضل من السرقة». دقــــيــــقــــة قـــضـــتـــهـــا «الـــــشـــــرق 40 خــــــــال جزارات في الجانب الشمالي 6 الأوسط» أمام نساء إلى المكان 3 من سوق أم درمان، جاءت نفسه والهدف نفسه. ويقول تجار إن نساء ورجــــــالا بـــاتـــوا يـقـصـدونـهـم طـلـبـا لـلـشـحـوم والعظام التي كانت تُلقى في السابق للكلاب الضالة. ولم يعد يوم سهام استثناء في بلد أنهكته حــرب دخـلـت عامها الــرابــع، ودفعت كـثـيـريـن إلـــى الـبـحـث عــن قـوتـهـم فــي مــا كـان يُرمى جانباً. بالنسبة إلى ملايين السودانيين، أصبح تدبير الضروريات نفسها يستنزف ساعات اليوم: ماء يجب العثور عليه، وخبز ينبغي حـسـاب ثمنه، طـعـام تتقلص مكوناته كلما ارتفعت الأسـعـار، ودواء قـد يضطر المريض إلى تأجيل شرائه. البحث عن الماء إذا كـــان يـــوم ســهــام فــي أم درمــــان يبدأ بالبحث عن عمل يوفر لها الطعام، فعلى بعد مئات الكيلومترات يبدأ يوم آخر بالبحث عن المـــــاء، فـفـي مـديـنـة الأبـــيـــض، عـاصـمـة شـمـال عـامـا، في 15 كــردفــان، تـخـرج فـاطـمـة، ذات الــــ انـــتـــظـــار نـصـيـب أســـرتـــهـــا مـــن المــــيــــاه. وثّــقــت منظمة الأمـم المتحدة للطفولة «اليونيسف» في يوليو (تموز) الماضي معاناة هذه الفتاة، وقالت إنها تقضي الفترة من الصباح حتى الظهر في الانتظار أمـام خزانات المياه، وإذا نفدت المياه قبل أن يصل دورها، تضطر إلى المشي أكثر من ساعة بحثا عن مصدر آخر. وتشير تـقـاريـر إنسانية إلــى أن بعض أسر المدينة باتت تقضي نحو نصف يومها فـــي الــبــحــث عـــن المــــــاء، وحـــتـــى حـــن تحصل فاطمة على القليل منه، لا تنتهي المهمة، إذ تـبـدأ مفاضلة أخـــرى داخـــل المــنــزل: «أيـذهـب المــاء للشرب أم للطبخ، ومـــاذا يتبقى لغسل الملابس وبقية الاحتياجات». لكن الحصول على الماء ليس سوى أول حـسـابـات الــيــوم، فمع حـلـول الـصـبـاح، يأتي حـسـاب الـخـبـز، ففي العاصمة الـخـرطـوم، لا تـوجـد حاليا أزمـــة فـي تـوفـره، حسب محمد عــــوض جـــبـــران، نــائــب الأمـــــن الـــعـــام لاتــحــاد أصـــحـــاب المـــخـــابـــز الـــســـودانـــيـــة، الـــــذي يـقـول لــ«الـشـرق الأوســـط» إن معظم المخابز عـادت إلــــى الـــعـــمـــل، والإنــــتــــاج مـــتـــوافـــر، ولا تـوجـد صـفـوف أو مناطق تعاني نقصاً، ويحصل المــســتــهــلــك عـــلـــى ثـــاثـــة أرغــــفــــة بـــألـــف جـنـيـه آلاف جنيه)، بوزن يتجاوز 7 (الدولار يساوي غراما للرغيف الواحد. 60 عادة غـــيـــر أن وجـــــــود الـــخـــبـــز فــــي المـــخـــبـــز لا يعني بــالــضــرورة أن المشكلة انـتـهـت، يقول جـــبـــران: «المـشـكـلـة مـشـكـلـة اقــتــصــاد وليست مشكلة مــخــابــز»، ويــوضــح أن تــراجــع قيمة الـجـنـيـه الــســودانــي أمــــام الـعـمـات الأجنبية انعكس على مختلف مدخلات الإنتاج. يقول جـبـران إن سعر جـــوال الـدقـيـق، وفـقـا لاتفاق ألف 87 مع الجهات الحكومية، أصبح نحو جـنـيـه، بينما تـجـري مـــشـــاورات مــع الــــوزارة لــتــقــلــيــل تــكــالــيــف الإنـــــتـــــاج، ويـــتـــابـــع: «رغــــم التحسن النسبي لسعر صرف الجنيه خلال اليومين المـاضـيـن، أخـشـى أن تعيد تقلبات العملة الضغط على الرغيف مجدداً»، ويحذر من أن الحفاظ على السعر الحالي سيصبح صعبا إذا عاود الجنيه التراجع: «إذا تراجع سعر الصرف، سيؤثر على سعر الخبز». ومـــن المـخـبـز يـنـتـقـل حــســاب الـــيـــوم إلـى السوق، حيث لا تكمن المشكلة دائما في ندرة الــســلــع، بـــل فـــي مـــقـــدار مـــا يـسـتـطـيـع الـجـيـب شــــــراءه مــنــهــا. فــفــي ســــوق أم درمـــــــان، الـــذي يُــفــتــرض أن تـبـلـغ حـركـتـه ذروتـــهـــا صـبـاحـا، لم يتجاوز عدد المترددين على ست جزارات شخصاً، غالبيتهم 20 دقيقة نحو 40 خـال من الرجال. يــقــول الـــجـــزار مـحـمـد جـمـعـة لـــ«الــشــرق الأوسط»، إن سعر كيلو لحم الضأن ارتفع من 33 ألفاً، ولحم العجل من 48 ألف جنيه إلى 38 48 ألفاً، فيما قفز سعر الكبدة من 38 ألفا إلى ألـف جنيه. لكن مـا يلفت جمعة 60 ألفا إلـى أكثر من ارتفاع الأسعار هو تقلص الكميات التي يطلبها المشترون. يقول إن الإقبال ازداد عـلـى مــا يُــعــرف محليا بـــ«مــس كــــول»، وهـي تسمية ســاخــرة يطلقها الــســودانــيــون على شــــراء مـقـاديـر متناهية الـصـغـر مــن الـسـلـع، مثل «نصف ربــع» كيلو مـن اللحم، أي نحو غراما فقط. 125 مقاطعة للخضراوات بالقرب من الجزارات، يبدو الركود أشد وضـوحـا فـي ســوق الــخــضــراوات، إذ يجلس فتح الرحمن عبده في انتظار زبائن يتأخر حــضــورهــم. يــقــول لـــ«الــشــرق الأوســــــط»: «مـا أكـــواب 3 فــي زبـــائـــن... مـنـذ الـصـبـاح شــربــت من القهوة حتى أقـاوم النعاس». ولا يواجه عبده ضعف المشترين فقط؛ فالأسعار التي يشتري بها بضاعته تتحرك بسرعة أيضاً، 160 يقول إنه اشترى كرتونة الطماطم بمبلغ ألف جنيه، ثم وجد سعرها في اليوم التالي ألف. 200 قد قفز إلى أمــــــا ســـلـــيـــمـــان آدم فـــيـــقـــول لـــــ«الــــشــــرق الأوســط»، إنه ظل يعمل في السوق منذ عام ، فيقيس الأزمـة بما شاهده خلال أكثر 1969 مـن نصف قــرن خلف بضاعته، يقول إنــه لم يشهد طـــوال تلك الـعـقـود ضعفا مـمـاثـا في ًإقبال المواطنين على الشراء. الراتب يكفي أسبوعا واحدا مــع اقـــتـــراب الـظـهـيـرة، تنتقل حسابات السوق إلـى مكان آخـر هو «مطابخ المنازل»، فما لـم يستطع الجيب شـــراءه فـي الصباح، لــــن يـــصـــل إلـــــى قـــــدر الـــــغـــــداء، وتــــعــــرف هــديــة مــوســى هـــذه المــعــادلــة جــيــداً، فـهـي قــد عــادت إلـى الـسـودان من رحلة لجوء إلـى مصر قبل سـبـعـة أشـــهـــر، ومــنــذ عــودتــهــا تـــراقـــب قائمة الأشياء التي تستطيع أسرتها شراءها وهي تتقلص. تــقــول لــــ«الـــشـــرق الأوســـــــط»: «أصـبـحـت أطـــبـــخ فـــي الـــغـــالـــب مـــن غــيــر لـــحـــم»، قــبــل أن ألف جنيه، 15 تضيف: «كيلو الطماطم وصل كيف أطبخ؟ كيف أطعم عيالي؟». ولا تقيس هدية الأزمة بسعر الطماطم والـلـحـم وحـدهـمـا، وإنــمــا بـعـدد الأيــــام التي يستطيع دخـــل الأســـــرة أن يـصـمـد خـالـهـا، تقول: «قبل الـزيـادات الأخـيـرة كـان المرتب لا يكفي حتى نهاية الشهر، الآن يكفي أسبوعا واحداً». أمـا عماد علي، فقد أعـاد ترتيب مائدة أســـرتـــه عــلــى أســـــاس مـــا يـسـتـطـيـع تـحـمـلـه. اخـتـصـر شـــراء الـلـحـم إلـــى ربـــع كيلو مـــرة أو مرتين في الأسـبـوع عندما تسمح الظروف، بينما تعتمد الأســــرة فــي بـقـيـة الأيــــام على العدس والبطاطس وسلطة الباذنجان، كما تخلى عن الحليب الطازج لمصلحة مسحوق الحليب. فاتورة المدارس ولم يقتصر التقشف على داخل المنزل، بل وصل إلى حقيبة المدرسة، فقد بات أطفال عماد يحملون معهم سندوتشات الطعمية بـصـورة شبه يومية، باعتبارها خـيـارا أقل تكلفة. لكن الحساب الاقتصادي الذي يفهمه الأب لا يعني الكثير للأطفال، الذين احتجوا عليه أخيرا قائلين: «مـا ممكن نأكل طعمية كل يوم». ومــــا يـظـهـر فـــي مـطـبـخ هــديــة وحـقـيـبـة أطـــــفـــــال عــــمــــاد هـــــو الـــــوجـــــه الــــيــــومــــي لأزمـــــة مليون سوداني 19.5 أوسـع، إذ يواجه نحو مستويات مرتفعة من انعدام الأمـن الغذائي الـحـاد، وفـق أحــدث التقديرات المتاحة، فيما لا تزال أسعار المواد الغذائية الأساسية عند مستويات مرتفعة بصورة استثنائية. ومع مرور ساعات اليوم، يمكن للأسرة أن تؤجل شــراء اللحم، وتستبدل صنفا من الطعام بآخر، وتقلل الكميات أو تكرر الوجبة نفسها، لكن ثمة حسابا يصبح أكثر قسوة عندما يتعلق الأمر بالمرض. تـشـيـر أحـــــدث الــبــيــانــات الــصــحــيــة إلــى فـــي المـــائـــة مـــن المـــرافـــق الصحية 37 أن نـحـو 21 في الـسـودان لا تعمل، فيما يحتاج نحو مـلـيـون شـخـص إلـــى خــدمــات صـحـيـة، وسـط نـقـص فــي الأدويـــــة وارتـــفـــاع تكلفة الـوصـول إلى العلاج. الأمراض مشكلة المشاكل فــي دارفـــــور، وثـقـت منظمة «أطــبــاء بلا حــــــدود» حـــــالات يــضــطــر فــيــهــا المـــرضـــى إلــى السفر لساعات للوصول إلى منشأة صحية عاملة، وبالنسبة إلى بعضهم، لا تبدأ تكلفة العلاج عند باب المستشفى، إذ قد يبلغ ثمن المــــواصــــات وحـــدهـــا مـــا يـــعـــادل أجــــر يـومـن لبعض العمال. وهنا تعود القصة إلى سهام، فـهـي لا تـحـتـاج إلـــى قـطـع ســاعــات بحثا عن مستشفى حتى تواجه المفاضلة نفسها، لكن زوجها مريض، ولديها فـاتـورة دواء بقيمة ألف جنيه لم تستطع توفيرها. 25 وفي اليوم الذي تجد فيه عملا في سوق أم درمان، قد تحصل على خمسة آلاف جنيه مــن تنظيف جــــوال الـــفـــول، لـكـن هـــذه الـنـقـود نفسها هي التي تحتاج إليها لشراء العدس والدقيق حتى تعد طعاما للأسرة. وبــذلــك تصبح المـسـألـة بالنسبة إليها أقـل ارتباطا بما تحتاج إليه الأســـرة، وأكثر ارتباطا بما يمكن تأجيله: «الطعام لا ينتظر، لكن المرض أيضا لا ينتظر». وحين تميل الشمس إلى الغروب، يكون يوم السوداني الذي بدأ بالبحث عن الماء أو الخبز أو فرصة عمل قـد تحول إلـى سلسلة طويلة مـن الحسابات: «كــم رغيفا يستطيع شراءه؟ كم غراما من اللحم؟ ماذا يحذف من وجبة الغداء؟ هل ينفق ما بقي على الطعام أم يحتفظ به للعلاج؟». أما سهام، فتعود مساء إلى منزلها بما استطاعت تـدبـيـره، وفــي يـدهـا قطعة شحم حصلت عليها مــن الـــجـــزار مــن دون مقابل، بـــعـــدمـــا كـــــان مــثــلــهــا يُــــرمــــى فــــي زمـــــن مـضـى للكلاب الـضـالـة، بينما ينتظرها فـي المنزل زوجها المريض، وتظل فاتورة الدواء، البالغة ألف جنيه، بلا سداد، ليأتي صباح جديد، 25 لتخرج سهام مـرة أخــرى، وتـبـدأ الحسابات من البداية. 7 أخبار NEWS «مس كول» تسمية سودانية ساخرة لمن يشتري كميات متناهية الصغر من حاجاته ASHARQ AL-AWSAT Issue 17452 - العدد Wednesday - 2026/9/9 الأربعاء من الماء والخبز إلى الدواء... الغلاء يحوّل احتياجاتهم لمعركة يومية الضروريات أثقل من الجيوب... كيف يدبّر السودانيون قوت يومهم؟ كمبالا: أحمد يونس الخرطوم: وجدان طلحة القاهرة تقترب من تركيا... وأثينا تزيد تعاونها الدفاعي مع إسرائيل قمة مصر واليونان وقبرص... حفاظ على الشراكة رغم مستجدات المصالح الرئيس المصري مستقبلا نظيره القبرصي ورئيس الوزراء اليوناني في العلمين أمس (الرئاسة المصرية) القاهرة: محمد محمود أغسطس (أ.ف.ب) 27 حركة البيع في سوق أم درمان
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky